المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
من الذي دفعهم الى البنادق؟ لقد كانوا جميلين على المسرح/هشام*
منتديات شئون مصرية > منتديات الآداب والفنون > فنون الدرامــا ـ الإعــلام
basma
فيلم "اولاد آرنا" للمخرج جوليانو مير- خميس لا يحكي عن مخيم جنين. بل انه يتحدث من داخله.. وهو يبقي المشاهد حائرًا وهو يرى كيف تحوّل يوسف وعلاء ورفاقهما الصغارمن ممثلين صغار مشغولين بخشبة المسرح واحضار الشمس للاميرة، الى شبان يحملون السلاح، ويلقون حتفهم



(الصور التي أراها الآن تعيد إليّ روائح ومشاعر ثقيلة. كنت هناك حين تركت البلدوزرات والدبابات أكوامًا من الركام، وجثثًا متناثرة، ووجوهًا يأكلها الحزن والقلق، وعيون تذرف الدمع والغضب.. الصور على الشاشة تحرك فيّ روائح الموت والدمار، والسماء التي صارت فجأة خانقة..).



(1)

يبدأ فيلم "أولاد آرنا" من لحظة الحاجز. "المحسوم". الكلمة التي اقتحمت لغة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال الاسرائيل. الكاميرا تهتز الآن، ويخيل لك كما لو أن هذه هي النتيجة الحتمية لما تلتقطه. ضوضاء. ازدحام مروري. جنود يلفّون ادمغتهم بتلك الخوذات الصلدة، وبنادقهم قيد الطلقة. متظاهرات ومتظاهرون يرفعون شعارات احتجاجية، وآرنا خميس، المناضلة الراحلة، تجادل الجنود، تحيّي السائقين الفلسطينيين، وتسرّع حركتهم.



(2)

الكاميرا تدخل جنين. ربما ان المخرج لا يعلم ما ستحمله الايام (قبل سنوات عدة) من قصص. جوليانو- مير – خميس، المخرج، صوّر يومها ليوثّق السنوات التي عملت خلالها الراحلة آرنا (والدته) في اقامة مشروع للاطفال في مخيم جنين: مسرح، فعاليات، رسومات وكتب.

لم يتوقع أحد أن يوسف وعلاء وأشرف ورفاقهم، الممثلين الصغار الذين يتدربون على مسرحية في مركزها إحضار الشمس للاميرة، سوف يدخلون شبابًا الى سجلات الموت والفقدان..



(3)

كانت آرنا قد مرضت بالسرطان عندما اصطحبها جوليانو ثانية الى المخيم. في الطريق سيسألها عن شبابها.

- في "البلماح" ("كتائب السحق" – واحدة من الجماعات الصهيونية) أجابت. وتضيف: "كان الامر فورة شباب". ثم تروي باقتضاب سيرة حياة مركبة ستصل فيها الى الحزب الشيوعي، وستواصل نشاطها حتى هذه اللحظة السينمائية: العودة الدامعة المنفعلة الى المخيم – حيث الاطفال والامهات والاهالي الذين سيظلون مستغربين من هذه "اليهودية". فهي من طينة غير تلك التي يعرفونها لدى الجيش.



(4)

يتنقل الفيلم بين الماضي والحاضر. أشبه بلعبة التذكّر القسري لاستيعاب ما يجري في هذه اللحظة. بين ايام المسرح الطفولي في طابق ثان من احدى دور المخيم، وحتى المجزرة، نيسان 2002. (عفوًا، لم يثبت أنها كانت مجزرة فعلا، فكل ما في الأمر أن مخيمًا للاجئين جرى سحق عدد من أحيائه على من فيه!!).

الكاميرا التي كأنها تبحث عن شيء ما، تلتقط، فجأة علاء.. طفل أسمر وجهه مرسوم بالارتباك الحزين يجلس على كومة من الركام. لقد هدم الجيش بيته. بعد قليل في حلقة الحوار مع الاطفال، سيستصعب تصوير مشاعره. لكنه سيرسم: بيت مهدوم وعليه علم. علم فلسطيني مرسوم بشيء من النقش غير الدقيق. كان علاء يرسم حلمه. أو ربما يحاول الخروج من التشرد. (تشرد في مكانٍ هو ممارسة للتشرد، خلقه التشرد القديم عام 1948!).



(5)

نشرات الأخبار المجنّدة الى جانب الجند ستتحدث في نيسان 2002 عن "ارهابيين" في "وكر الارهاب"، وعن "مخربين يفرضون الرعب على أهل مخيم جنين"، وعن جيش دخل بكامل عتاده "ليحارب الارهاب". صورة هؤلاء " الارهابيين المجهولين" مرسومة حسب اللغة الرسمية، بالوان وحشية. ينفث الراديو والتلفزيون (والمحرر الخفي، خلف سطور الصحيفة)، صورًا مرعبة.. وكأن هؤلاء المقاتلين اقتحموا التاريخ فجأة. إنهم ليسوا بشرًا يسري عليهم قانون القوانين: القمع يولّد نقمة ثم ثورة.. كلا. فالقاموس الرسمي لا يحتمل هذه الأنسنة الزائدة. وإلا فكيف سيبرّر للرأي العام ما يقترفه؟! بحسب منطقه هم يتصرفون هكذا لأنهم يعيشون في الأسطورة. ولكن فيلم جوليانو مير- خميس يأتي دون فذلكات كي يعبث بكل هذه الرواية المُحكمة، يخربش الأوراق المخطوطة ببرود خبيث، ويعيد الينا الوجوه..



(6)

يوسف وعلاء وأشرف وزكريا وجماعة من الشبان يجلسون وأسلحتهم حولهم. نحن الآن في ذروة الانتفاضة الثانية. شبان يقاتلون في مخيمهم، من مخيمهم، من المكان الذي يرمز الى بؤسهم. هم نفس الفتيان الصغار الذين كانوا قبل دقيقة يمثلون على خشبة مسرح، ويتسلقون السلم، ويتدافعون، ويخاطبون "الاميرة"، ويضحكون بقهقهة كالممثلين، ويحلمون بأن يصبحوا نجومًا.

لكنهم الآن يروون حكايات دامية. بل ينسجونها. يغضبون. يطلقون النار.. ويوسف، الذي سينهي حياته في الخضيرة، سيقول لصديقه مجدي بتحسّر: "لو أننا بقينا صغارًا ونمثل على المسرح"..

كان يوسف كمن يتحسر عما سيحدث له..

يومها تعرضت مدرسة المخيم للقصف. ركض الشبان. كان يوسف أولهم. وكان جسد رماح ابو الورد، ابنة السنوات العشر، قد تهشم تماما. حملها على ذراعية وسار نحو المستشفى.. بعدها، توفيت رماح، وشيء ما انطفأ لدى يوسف. سيقول اصدقاؤه امام الكاميرا (بينما جوليانوا يستفزّهم أن "تخافش. إحكي!") وقد سيطر عليهم الشعور بالوحدة بعدما سقط اصدقاؤهم الواحد بعد الآخر - سيقولون: منذ تلك الحادثة انقلب يوسف.

وأمه ستروي كيف أنه ودّعها ذات يوم وأصرّ على تناول الفطور معها.. ثم غاب.

في الخضيرة أطلق النار عشوائيًا. سقط اسرائيليون مدنيون أبرياء. يوسف ورفيقه قُتلا برصاص الشرطة.

بعدها ستظهر والدة رفيقه علاء باكية أمام جثمان من كان حتى قبل دقائق مضت، طفلا جالسا على ركام البيت المهدوم.

قبل قليل كانت قد كابرت:

"انها ليست مصيبتي وحدي"، قالت عندما سُئلت عما سيحدث لو انهم قتلوه. والآن تظهر كأي أم تفقد ولدها. أم ثاكل لا تنجح حتى في البكاء. البكاء راحة. ولكن قمة ما تقدر عليه هو غصة! أم ثاكل.



(7)

فيلم "أولاد آرنا" لا يتحدث عن مخيم جنين. بل إنه يحكي من داخله. لا ينشغل بالتدقيق في السياسة. بل يقدم الصورة المركبة، المستحيلة أحيانا. هذا هو علاء، الطفل الحزين الهش، يظهر شابا يمسك بالبندقية، يغضب ويضحك، وأحيانا لا يملك أجوبة. أهي "فورة الشباب" التي وصفت آرنا نفسها بها حين كانت في "البلماح". هي شابة يهودية في عمر "المغامرة والاثارة"، كما وصفت نفسها – وهو شاب فلسطيني وجد بيته يهدم، حلمه يتصادر، وأيام احتجازه في سجن كبير تتوالى.

هل كان هؤلاء هم "الإرهابيون – الخطيرون" الذين تولى شاؤول موفاز نفسه، (في حينه) قائد أركان الجيش الاسرائيلي، قيادة العملية التي دمرت مخيمهم؟ هذا الجيش المعزز بالطائرات والدبابات والجنرالات والباحثين والمخططين، كان يحارب هؤلاء الشبان؟

تراهم يجلسون حول مائدة يتناولون طعامًا خفيفًا وبنادقهم حولهم، ويظل بامكانك أن تتخيل كما لو انهم جامعيون في مساكن الطلاب، أو مجموعة أصدقاء طالت بهم السهرة..

(صحيفة "اندبندنت" البريطانية كانت كتبت عن صمود هؤلاء المقاتلين انه "سيُكتب بحروف من ذهب"..).

يا لوضاعة هذا الاحتلال الذي يقود اجتياحا عسكريا بقيادة ضابطه رقم (1). يحارب شبانًا مثل علاء ويوسف وأشرف. شبان وجدوا ظروف حياتهم المريرة ترميهم عن خشبة المسرح في الطابق الثاني من احدى دور المخيم، الى ساحات الدم والنار..

هؤلاء الشبان كان يمكن (ويجب) ان يظلوا يتخبطون على المسرح او في الجامعة أو في مكان العمل.. لكن الحاجز العسكري الخانق الذي بدأ فيلم "اولاد آرنا" منه، دفعهم الى البنادق، والى حتفهم.

المستقبل أمامنا غائم. وقد تقع اعمال مسلّحة جديدة. قد يسقط مدنيون من الشعبين. دماؤهم قابلة للحقن. ولكنّ من يمنع التعمق فيما يجري، من يعتّم الشاشة والصحيفة أمام فرصة الجمهور الاسرائيلي ليعرف، هو شريك كامل في سفك هذه الدماء – تلك الدماء التي أظل آمل أن تحقن!


هشام نفاع
كاتب فلسطيني يقيم في حيفا
tytuuuuu
تسلمي يا بسمه

موضوع جميل
.
Invision Power Board © 2001-2014 Invision Power Services, Inc.