وثيقة مقدسية عن الدعوة إلى العصيان المدني في بداية الإضراب العام في فلسطين سنة 1936



د. محمد عقل

في 20/04/1936 أعلن العرب في فلسطين الإضراب العام مطالبين بوقف الهجرة اليهودية، ومنع بيع الأراضي لليهود، وإنشاء دولة وطنية ديمقراطية.

وفي 01/05/1936 وصل إلى نابلس مبعوث سَلَّمَ أكرم زعيتر بياناً صادراً عن رجالات القدس من أطباء ومحامين وأدباء وأساتذة وزعماء نقابات وهم يمثلون لواء القدس بجميع فئاته وطوائفه وأحزابه وأطيافه، وقد طبع البيان في مطبعة المعارف.

ويبدو أن إصداره جاء بمناسبة مرور أسبوع على الإضراب العام. والبيان يدعو إلى العصيان المدني من خلال رفع شعار "لا ضرائب بلا تمثيل" وهو الشعار الذي رفعه الأمريكيون عام 1766 خلال ثورتهم على البريطانيين.

يقول أكرم زعيتر "إن هذه الدعوة إلى الامتناع عن دفع الضرائب كانت الخطوة السياسية الجدّية الأولى الواجب اتخاذها في هذه المرحلة من النضال، مع العلم بأن البلاد صائرة إلى الثورة المسلحة، والشعور الثوري في تصاعد عجيب مدهش".

وفي مكان آخر يقول:" بادرنا إلى الإبراق إلى القدس نحيي هذا الإجماع الرائع، ونؤيد كل التأييد الدعوة إلى الامتناع عن الضرائب، ونلزم أنفسنا بتطبيقه، كما أبرقنا إلى اللجنة العربية العليا بتأييد الاقتراح والحث على الدعوة إلى تطبيقه فوراً".

كان لموقف رجالات القدس تأثير على قرارات اللجنة العربية العليا التي بدأت تتخذ مواقف متشددة وداعمة لاستمرار الإضراب. وفي 07/05/1936 تمت الموافقة على مطلب "لا ضرائب بدون تمثيل" في الاجتماع العام للجان القومية الذي عقد في القدس بدعوة من اللجنة العربية العليا.

يقتبس أكرم زعيتر في يومياته فقرات من البيان المذكور أعلاه، ويذكر أسماء قسم من الموقعين عليه، ونظراً لأهمية هذا البيان نورده كاملاً مذيلاً بأسماء جميع من وقّعوا عليه والبالغ عددهم 136 شخصاً:



لا ضرائب بلا تمثيل



إلى الأمة العربية الباسلة!


تنفرد فلسطين بخطر لم تلقه أمة أخرى على وجه الأرض، وهو أن الاستعمار البريطاني يعمل بكل قواه لاقتلاعها من وطنها وتمليك هذا الوطن لليهود. فإذا كان الاستعمار يرمي في مطلق أحواله في غير بلاد إلى امتصاص الأمة المحكومة امتصاصاً اقتصادياً، فإنه في فلسطين يرمي إلى هذا وإلى ما هو شر منه وهو ملاشاة كيان العرب، كما تدل عليه نتائج الحكم البريطاني مدّة الثماني عشرة سنة الماضية.

ويعلم العالم أجمع أنه على رغم ما بذل العرب من ضحايا غالية للمحافظة على كيانهم والاحتفاظ ببلادهم بواسطة الوفود تارة والشكاوي والاحتجاجات طوراً فإن السياسة الاستعمارية لم تصغ إلى شيء من هذا بل مضت في طريقها منذ الاحتلال حتى اليوم، فإذا باليهود في فلسطين سنة 1936 قد أصبح عددهم يزيد على أربعماية وخمسين ألفاً، وانتقل إليهم معظم الأرض الزراعية وأنشأوا الفرق الرياضية العسكرية وتأهبوا بالسلاح، وصاروا يدّعون أن فلسطين كادت تصبح في قبضة يدهم، والاستعمار البريطاني ظهير لهم حتى يدركوا كل ما يبتغون.

وكان قد أعلن جهاراً مرات عديدة بعد الاحتلال، في المؤتمرات الوطنية العامة (ولكن قبل أن استفحل خطر الاستعمار البريطاني ووصل اليهود إلى ما وصلوا إليه من العدد في الأنفس وامتلاك الأرض) أن الأمة يئست من المستعمرين وفرغت طاقتها من معاناة الاستعمار، وقد اقترح عليها أن تلجأ بكل عزيمة صادقة إلى قاعدة لا ضرائب بلا تمثيل، شأن الأمم العزيزة الأبية، التي تطبق هذه القاعدة وقت الشدة، جانحة إلى السلم، حتى ترد إليها حقوقها، ولا تقهر على الجلاء عن بلادها.
ولكن استئناف الأمل مرّة بعد أخرى أن الحكومة البريطانية تعود إلى رشدها، حال دون الأخذ بهذه القاعدة.
ويرى الآن موقعو هذا النداء أن الوقت قد حان بالضرورة القصوى للرجوع إلى ما سبق إعلانه واقتراحه في المؤتمرات فتتخذ الأمة من قاعدة لا ضرائب بلا تمثيل واللاتعاون سلاحاً سلمياً لمقاومة الاستعمار البريطاني مقاومة شريفة نبيلة تكرهه على التسليم للعرب بحقوقهم كاملة.

فإلى هذا السبيل ندعو الأمة جمعاء في هذا المأزق الحرج، وهو السبيل الوحيد الذي يدعوها الواجب القومي إليه، مستصرخين مختلف الهيآت (الهيئات) السياسية الوطنية والأحزاب والجمعيات والأندية والرجال الأباة والشباب الأحرار والعاملين لخلاص فلسطين من براثن الاستعمار إلى الإجماع على هذه الخطة وتنفيذها بإحكام، مع الثبات في الموقف، ومضاعفة الجهود لتقوية الإضراب العام وجعله يستمر إلى أقصى أمد، ومع العلم أيضاً أن الإضراب المتواصل إذا اقترن بإذن الله وقوة إيمان الأمة، بقاعدة لا ضرائب بلا تمثيل اقتراناً عملياً مطرداً يجعل جهاد الأمة الخطير في هذا الوقت العصيب كفيلاً لها بإيصالها إلى حقوقها من الحرية والاستقلال.

وليوقن كل عربي وعربية في فلسطين أن السبب الذي حال دون اقتطاف ثمرات جهادنا الوطني فيما مضى ليس قلة البذل والفداء والتضحية كلا، بل لأن ذلك الجهاد لم يبلغ تأثيره ولا يبلغ الحد الذي يبلغه الأخذ بقاعدة لا ضرائب بلا تمثيل واللاتعاون.

أيها العربي! إن تاريخ الأمة العربية المجيد العابقة صفحاته بذكريات البطولة الخالدة ينادي من خلال الأجيال والقرون كل عربي حر لتلبية هذا النداء صارخاً إن المستقبل لنا إذا كنا على جدارة لنكون أبناء الفاتحين من الآباء والأجداد.


أسماء الموقعين على البيان:

الدكتور عمر فاروق البديري، الدكتور فوتي فريج، الدكتور محمود طاهر الدجاني، الدكتور خليل البديري، حمدي الحسيني، عجاج نويهض، الدكتور ميخائيل شماس، عطا الله فريج، صالح عبدو، بدر قطينة، حنا خلف، أحمد طاهر الدجاني، عبد الحميد شومان، شكري قطينة، أحمد عقل، فهمي النشاشيبي، بدر الخالدي، حسن عويضة، حسين علي قليبو، جميل فرعون، سعاد العظمه، محمد فؤاد الإمام، داود عمر الدجاني، عادل عبد اللطيف، عبد الرحيم حب رمان، تاجو الجاعوني، راسم يونس الحسيني، المحامي سليمان الصالح، عوني الشهابي، يوسف العلمي، هاشم السبع، محمد عزة نسيبة، اسحق الحسيني، محمد يوسف العلمي، فهمي عويضة، محمود سليم البيطار، محمد شرف، شوكت العسلي، جلال شرف، توفيق فريج، جودة الحلبي، موسى حامد، عزمي طه، درويش موسى قويدر، يعقوب عبد السلام الحسيني، داود القطب، حافظ أمين الدجاني، شاكر الشخشير، مينا حلبي، جورج منصور، بدوي اشتيه، محمود الخضرا، عاهد النمري، حمدي كنعان، شكيب النشاشيبي، أحمد القره جوللي، هشام العظمة، جميل الصالح، لطفي خورشيد، عبد المطلب الخطيب، سعيد أبو زياد، فرح الصائغ، رشاد أبو غربية،حسن عابدين، عدنان نبيل، سعيد كمال آغا، محمود قطينة، سليمان خلف، كامل خليل طاهر الدجاني، محي الدين ازمرد، نعمان الكالوتي، محمد علوي، علي مصطفى أبو الحاج، محمد عبد المعطي العلمي، سعدي التميمي، كمال الترهي، توفيق حسين الشاهد، حسين الشاهد، محمد الطزيز، محمد هاشم، ابراهيم الشاويش، فخري الشاويش، داود طوطح، ذو الكفل عبد اللطيف، محمد عبد الحميد سمحان، أميل أبو خليل، عبد الله مصطفى، صالح أحمد عودي، ابراهيم حنظل، متري الخوري القنواتي، أنطون حزبون، علي الحواش، محمد سليم أهرام، أنطون مرقص، حنا مرقص، عبد الله بندك، عوني الحواش، أحمد العسلي، حبيب جريس حنظل، جميل حنانيا، علي كمال، عبد الرحمن المغربي، أنطون بنايوت، يوسف انسطاس، رؤوف درويش، محمد صبحي المغربي، محمد موسى رصاص، بطرس مبارك، أنطون أبو عاقلة، محمد نصرالدين البشيتي، وديع نصار، محمد ضياء الدين المغربي، وجيه مكيه، جورج القواس، خليل الجاعوني، صدقي الحواش، زهدي المغربي، فتح الله جودة، يوسف بلبل، سعد الدين العارف، صالح العاص، حسن عابدين، مصطفى الأنصاري، فخري الدجاني، أنطون السخل، المحامي أحمد رشدي المهتدي، عبد الرحيم ملص، حسين داود الأنصاري، فخري الجاعوني، موسى الشهابي، داود الأنصاري، نديم أبو طه، بشارة سفري، كامل عويضة، أحمد سكتان، حنا ميخائيل خبيط. -طبع في مطبعة المعارف بالقدس.

( الوثيقة في أرشيف الهاغاناه- تل أبيب).