فلسطينيو 48 ومخاطر الترانسفير الإسرائيلي

نبيل السهلي






















يمكن للمتابع لأداء حكومة نتنياهو والمؤسسات الإسرائيلية المختلفة أن يلحظ بوضوح جلي أن هناك مخططاً مبرمجاً لترسيخ فكرة يهودية الدولة، من خلال استصدار قوانين عنصرية متلاحقة تخدم التوجهات العنصرية الإسرائيلية لجهة تفريغ الأرض الفلسطينية من أهلها العرب سكانها الأصليين.

ولم تكن اعتداءات مجموعات من المتطرفين اليهود بزعامة الإرهابي اليهودي المتطرف باروخ مارزل والمدعومة من قبل الشرطة الإسرائيلية يوم الأربعاء 28/10/2010 على مدينة أم الفحم نهاية المطاف، بل ستشهد القرى والمدن العربية داخل الخط الأخضر مزيداً من الاعتداءات وبدعم من المؤسسة الإسرائيلية من أجل تهيئة الظروف لعملية ترانسفير كبيرة تطال غالبية الأقلية العربية.

[/size]

وفي هذا السياق أكد النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي عفو إغبارية أن الاعتداء الإسرائيلي على مدينة أم الفحم وأهلها إنما يندرج ضمن التدريبات العسكرية التي تجريها قوات الشرطة والجيش الإسرائيليين لطرد المواطنين العرب من فلسطين، ولا يمكن السكوت على هذه الأعمال الإجرامية التي تستهدف المواطنين العرب.


واللافت أن الأقلية العربية بعد الاعتداء على مدينة أم الفحم مؤخراً -وقبل ذلك تدمير قرية العراقيب أكثر من مرة في جنوب فلسطين المحتلة- باتت في مواجهة حقيقية لسياسات الترانسفير المخطط لها بدراية إسرائيلية كبيرة، خاصة أنها تلت مباشرة استصدار العديد من القوانين العنصرية وفي المقدمة منها قانون المواطنة والولاء.







إسرائيل ومحاولات طمس الهوية العربية

سعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1948 إلى قطع اتصال الأقلية العربية مع محيطها العربي، وحاولت في نفس الوقت استيعابها ودمجها في المجتمع الإسرائيلي ولكن على هامشه في كافة مناحي الحياة.


كما طبقت المؤسسات الإسرائيلية سياسات محكمة لطمس الهوية العربية عبر تفتيتها، فحاولت جعل الدروز والشركس قوميات منفصلة وفرضت عليهم الخدمة الإلزامية في الجيش الإسرائيلي منذ عام 1958، وحاولت التفريق بين العرب المسلمين والمسيحيين، فضلا عن تقسيم المسيحيين إلى طوائف شرقية وغربية، والمسلمين إلى مذاهب مختلفة.

وقد مرّ العرب في داخل الخط الأخضر بثلاث فترات بين عامي 1948 و2010، وأشير إلى الفترة الأولى (1948-1966) على أنها فترة حكم عسكري نظراً لكثرة الإجراءات والقوانين العسكرية، فتم خلالها استصدار السلطات الإسرائيلية لـ34 قانوناً بغية مصادرة الأراضي العربية الفلسطينية، سواء تلك التي تعود ملكيتها إلى اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، أو إلى أصحابها الموجودين في إسرائيل الحاضرين الغائبين الذين يقطنون في قرى ومدن غير تلك التي طردوا منها.


وتوالت السياسات الإسرائيلية لمصادرة مزيد من الأراضي العربية، وبلغت المصادرة أوجها في نهاية مارس/آذار 1976 حين صادرت المؤسسة الإسرائيلية نحو 21 ألف دونم من أراضي قرى سخنين وعرابة وغيرها من القرى الفلسطينية في الجليل والمثلث، وعلى خلفية ذلك قامت الأقلية العربية في أرضها بانتفاضة يوم الأرض يوم 30 مارس/آذار 1976، وسقط خلالها ستة شهداء من القرى المذكورة، وأصبح هذا اليوم يوماً وطنياً في حياة الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده في الداخل والشتات، فتتجسد في اليوم المذكور الوحدة الوطنية الفلسطينية دفاعاً عن عروبة الأرض وضد مصادرتها من قبل سلطات الاحتلال.


ولم تتوقف السياسات التهويدية الإسرائيلية ولو للحظة واحدة رغم حديث حكومة نتنياهو عن السلام وضرورات إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، لكن الثابت أن الأشهر الماضية من العام الحالي 2010 شهدت نشاطات استيطانية كثيفة في كافة أراضي فلسطين التاريخية، سواء في منطقة الجليل أو منطقة النقب أو في الضفة الغربية وفي قلب فلسطين.

ونقصد هنا مدينة القدس التي تواجه نشاطاً استيطانياً محموماً، وبشكل خاص في داخل الأحياء العربية بغية تهويدها وفرض الأمر الواقع الإسرائيلي عليها، ولهذا اعتبرت حكومة نتنياهو القدس ما يسمى بأولوية قومية.







مدى نجاح السياسات الإسرائيلية

من الملاحظ أنه رغم مرور أكثر من 62 عاماً على إنشاء إسرائيل، لم تستطع مؤسساتها فرض الواقع الديمغرافي اليهودي بشكل مطلق، حيث يشكل العرب نحو 20% من إجمالي سكان إسرائيل أي 1.4 مليون عربي فلسطيني، ناهيك عن كون العرب أكثرية في منطقة الجليل، لكن في مقابل ذلك وتبعاً لمصادرة الأراضي العربية من قبل الجيش الإسرائيلي تحت حجج وضرورات الأمن، فإن الفلسطينيين ورغم ارتفاع مجموعهم من 151 ألفاً عام 1948 إلى نحو 1.4 مليون ويمثلون نسبة كبيرة من سكان إسرائيل كما أشرنا، فإنهم لا يملكون سوى 3% من الأراضي التي أقيمت عليها إسرائيل في مايو/أيار 1948.


ولهذا ثمة ضغوط إسرائيلية مدروسة كثيفة ومتشعبة على الأقلية العربية لتحقيق الهدف الديمغرافي بعد مصادرة المساحة الكبرى من الأرض الفلسطينية، وقد أدى ذلك إلى تفاقم معاناتها، فبينما لم تتعد معدلات البطالة بين اليهود في سوق العمل الإسرائيلي 9% خلال الأعوام الأخيرة، ارتفعت معدلات البطالة بين العرب إلى نحو 20%، وبسبب ضعف الخيارات فإن 44% من الأطفال العرب يرتادون رياض الأطفال، في مقابل 95% للأطفال اليهود في سن ثلاث سنوات.

إضافة إلى ذلك يعاني أكثر من ربع الأطفال العرب داخل الخط الأخضر من ظاهرة الفقر المدقع. ومن الأهمية التأكيد أن العربي ممنوع من العمل في القطاعات الإسرائيلية الإستراتيجية خاصة العسكرية منها.


[size="4"]ونتيجة للتمييز في موازنات التعليم، ارتفعت معدلات الأمية بين العرب خلال الأعوام الأخيرة إلى 12% مقابل 5% بين اليهود.

وبهدف الإخلال بالوضع الديمغرافي لصالح الرؤى الإسرائيلية، وضعت السلطات الإسرائيلية مخططات لتهويد الجليل والنقب لكسر التركز العربي في المنطقتين، وذلك عبر مسميات مختلفة في مقدمتها ما يسمى مشاريع التطوير حتى عام 2020.







حدود المسؤولية العربية والفلسطينية

بطبيعة الحال فإن الهجمة الاستيطانية الإسرائيلية الشرسة التي تواجهها الأقلية العربية تتطلب جهداّ عربياً وإسلاميا استثنائياً يرقى إلى حجم التحدي، ومن باب أولى يجب العمل على صعيد دبلوماسي وسياسي عربي جماعي من أجل تبني المؤسسات الدولية قضية الأقلية العربية داخل إسرائيل، فضلا عن تمكين تلك الأقلية من الصمود في مواجهة عاصفة التهويد.

وهذا يتطلب عقد قمة عربية طارئة لتوصيف المخاطر وتحديد الخيارات بعد ذلك، وهذا أضعف الإيمان. ويجب أن يترافق ذلك مع حملة إعلامية عربية، خاصة من قبل الفضائيات لفضح سياسات إسرائيل العنصرية إزاء الأقلية العربية، خصوصا أن سلسلة عمليات الاعتداء على المدن والقرى العربية داخل الخط الأخضر ستتواصل وفق غالبية تصريحات المتطرفين اليهود وكذلك مجموعات المستوطنين.

وفي الاتجاه نفسه تعتبر عملية دعم صمود الأقلية العربية في مواجهة عاصفة التهويد الإسرائيلية مسؤولية فلسطينية من الدرجة الأولى، سواء من قبل منظمة التحرير الفلسطينية والمنضوين في إطارها، أو من قبل الفصائل والقوى والأحزاب غير المنضوية في الإطار المذكور، ومن باب أولى رفع شعار دعم عرب الداخل وتغليبه على شعار المفاوضات المباشرة بعد تجميد الاستيطان.

صحيح أن للأقلية العربية أحزابا عربية تمثلها في إطار الخريطة الحزبية في إسرائيل، لكن تلك الأقلية هي أولاً وأخيراً جزء من الشعب العربي الفلسطيني.







استخلاصات أساسية

من خلال ما تقدم يمكن تسجيل الاستخلاصات التالية:

1- الواضح أن المؤسسة الإسرائيلية بدأت تنفيذ فرض الأمر الواقع الديمغرافي الإسرائيلي، وقد توضح ذلك من خلال تدمير قرية العراقيب في منطقة النقب عدة مرات، والاعتداء على مدينة أم الفحم في قضاء حيفا عروس الساحل الفلسطيني مؤخراً.

2- من الإجراءات الإسرائيلية لفرض يهودية الدولة، استصدرت المؤسسة الإسرائيلية قوانين عنصرية متلاحقة تخدم التوجهات العنصرية الإسرائيلية لجهة تفريغ الأرض الفلسطينية من أهلها العرب سكانها الأصليين والإخلال في الميزان الديمغرافي لصالح اليهود. ومن أهم القوانين العنصرية قانون المواطنة والولاء الذي ينطبق على المقدسيين أيضا.

3- لم تكن اعتداءات مجموعات من المتطرفين اليهود بزعامة الإرهابي اليهودي المتطرف باروخ مارزل والمدعومة من قبل الشرطة الإسرائيلية يوم الأربعاء 28/10/2010 على مدينة أم الفحم نهاية المطاف، بل ستشهد القرى والمدن العربية داخل الخط الأخضر مزيداً من الاعتداءات وبدعم من المؤسسة الإسرائيلية من أجل تهيئة الظروف لعملية ترانسفير كبيرة تطال غالبية الأقلية العربية. وقد أكد أكثر من متطرف وجماعة يهودية نيتهم لارتكاب اعتداءات ضد العرب في المستقبل.

4- تعتبر عملية دعم صمود الأقلية العربية في مواجهة عاصفة التهويد الإسرائيلية مسؤولية فلسطينية من الدرجة الأولى، سواء من قبل منظمة التحرير الفلسطينية والمنضوين في إطارها، أو من قبل الفصائل والأحزاب غير المنضوية في الإطار المذكور، ومن باب أولى رفع شعار دعم عرب الداخل وتغليبه على شعار المفاوضات المباشرة بعد تجميد الاستيطان.

5- يمكن أن تتبنى الجامعة العربية تشكيل لجنة قانونية لملاحقة مرتكبي الجرائم من المتطرفين الإسرائيليين بحق الأقلية العربية واقتيادهم إلى المنظمات الدولية ذات الصلة لمحاكمتهم ونيلهم العقوبات اللازمة، وبهذا الخصوص يمكن الاستفادة من خبراء قانون عرب وأجانب.











المصدر:




الجزيرة