المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
قرن من الجهاد - ثورات شعب فلسطين - ونكباته
منتديات شئون مصرية > منتديات السياسة والإقتصاد > شئون فلسطينيــة
أسامة الكباريتي
لم يبقى بلد في العالم خاضعاً للاستعمار سوى فلسطين ..


ومنذ الاحتلال البريطاني والشعب الفلسطيني في ثورات وانتفاضات متتابعة، حتى أنه في بعضها كان ينتقل من ثورة إلى أخرى دون هوادة ..
قرن كامل مفعم بالأحداث، وتأريخ أهمله التأريخ، وبطولات يحاول الأخ طمس آثارها قبل العدو ..



ثورات الشعب الفلسطيني


انتفاضة موسم النبي موسى، القدس أبريل 1920:

تعد هذه الانتفاضة أولى الانتفاضات الشعبية في فلسطين، وقد حدثت الشرارة الأولى لهذه الانتفاضة بينما كانت وفود القرى محتشدة في القدس يوم 4 أبريل 1920 للمشاركة في هذا الموسم الديني السنوي.وقد خطب في هذه الحشود عدد من رجالات فلسطين مثل موسى كاظم الحسيني والحاج أمين الحسيني وعارف العارف ... فألهبوا حماس الجماهير. وفي هذه الأثناء، يظهر أن أحد اليهود قد أهان العلم الإسلامي لأهل الخليل، وقام بتلويثه، فهاجمه المتظاهرون وضربوه. ثم تفجر الموقف واتسعت الاشتباكات لتشمل مدينة القدس، وفرضت السلطات البريطانية الأحكام العرفية، وحاولت السيطرة على الوضع،لكن ذيول الأحدث استمرت حتى 10 أبريل 1920.
أسفرت هذه الانتفاضة عن مقتل خمسة يهود وجرح 211 آخرين بينهم 18 إصابة خطيرة. أما من العرب فقد استشهد أربعة وجرح 24 آخرين، كما جرح سبعة جنود بريطانيين.
ورغم أن هذه الانتفاضة بدت انفعالاً عفوياً، إلا أنه من الواضح أن عدداً من القيادات الوطنية والجمعيات والمنظمات التي يقودونها قد قامت بدور تحريضي، ونسّقت بشكل منظم الهجمات ضد اليهود. وكان للحاج أمين الحسيني دور بارز في ذلك، حيث ذكر أحد معاصريه (عجاج نويهض) أنه "في موسم النبي موسى كان للحاج أمين اليد المدبرة الحكيمة في إعطاء اليهود أول درس"؛ وقد حُكم على الحاج أمين وعلى عارف العارف، بعد أن استطاعا الهرب، بالسجن غيابياً لمدة عشر سنوات، لكن المندوب "السامي" البريطاني أصدر عفواً عنهما بعد ذلك، في محاولة لتهدئة الأوضاع. وإثر هذه الانتفاضة قامت السلطات البريطانية بإقالة موسى كاظم الحسيني من رئاسة بلدية القدس، حيث تفرغ لقيادة الحركة الوطنية الفلسطينية حتى وفاته سنة 1934، وقد عيَّنت مكانه راغب النشاشيبي في رئاسة البلدية، لتلعب منذ ذلك الوقت ورقة الصراع العائلي (حسينية ونشاشيبية)، والتي انعكست سلباً على حركة المقاومة طوال الاحتلال البريطاني.


انتفاضة يافا: مايو 1921

عاش شعب فلسطين أجواء من الغضب وخيبة الأمل إثر زيارة وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل إلى فلسطين في 28 مارس 1921، والذي أكد بشكل قاطع دعم بريطانيا للوطن القومي اليهودي، وكان لقاؤه بالوفد العربي الفلسطيني في القاهرة في 22 مارس، وفي القدس في 28 مارس مخيباً للآمال. كما قمعت الشرطة بعنف مظاهرة قامت في حيفا في 28 مارس وقتلت اثنين من العرب، ومنعت المظاهرات ... مما أثار جواً من التوتر.

وقد وقعت شرارة الانتفاضة عندما اعتدت مجموعة من الشيوعيين اليهود ـ المحتفلين بعيد العمال في أول مايو1921 على المسلمين القاطنين في حي المنشية في يافا وحدث إطلاق نار على المارة العرب، صدر - على ما يبدو - من منـزل للمهاجرين اليهود شرقي شارع العجمي. فهاجم العرب منـزل المهاجرين اليهود وقتلوا 13 يهودياً وجرحوا 24 آخرين من أصل مائة يقيمون فيه معظمهم من الشباب. ثم اتسعت الاشتباكات والأحداث لتغطي أجزاء عديدة من شمال فلسطين، ولتستمر جذوتها حتى منتصف مايو1921.
واستفاد اليهود من وجود أفراد الكتيبة اليهودية الذين تسلموا البنادق بحجة الدفاع عن تل أبيب، لكنهم ما لبثوا أن تسرّبوا منها إلى شوارع وأسواق يافا وأخذوا يطلقون النار على العرب وهم يلبسون الزي العسكري البريطاني. وتظاهر أهل يافا مطالبين السلطات بإحلال جنود هنود مكان البريطانيين لأن العرب لا يستطيعون التفريق بينهم وبين اليهود، وقد استجابت السلطات جُزئياً لطلبهم.

ومع اتساع الانتفاضة خارج يافا، قام ثلاثة آلاف عربي بمهاجمة مستعمرة بتاح تكفا، وقد تصدت لهم قوة بريطانية من فوج الفرسان الهندي الثامن وساعدها الطيران البريطاني الذي قام بقصف المهاجمين وقد فقد العرب في هذا الهجوم 28 شهيداً و15 جريحاً وفقد اليهود 4 قتلى و12 جريحا. وفي يوم 6 مايو هاجم حوالي 400 عربي مستعمرة الخضيرة وأحرقوا منـزلين، وكان يمكن أن تدمر المستعمرة لولا تدخل الطيران البريطاني، الذي قصفهم وأجبرهم على الانسحاب. وفي اليوم نفسه، هاجم حوالي 600 عربي مستعمرة رحوبوت، لكن الجيش البريطاني استطاع الوصول في الوقت المناسب، والدفاع عنها. كما هاجم العرب مستعمرتي كفر سابا وعين حاي (اللتين هرب أهلهما إلى بتاح تكفا)، وأوقعوا فيهما الكثير من الدمار.

ومن جهة أخرى، قام اليهود بأسر العرب الموجودين عندهم في مستعمرة بتاح تكفا وقتلوا خمسين مسلماً. ووجد بين القتلى المسلمين من قُتل حرقاً بماء الفضة، وبالآلات القاطعة، ومن شُوِّه وعذب قبل قتله، وكان بين الشهداء أطفال ونساء وبنات هتكت أعراضهن وبقرت بطونهن، وجُرِّدن من ملابسهن، وبلغت هذه الأخبار حد التواتر وثبتت بتقارير الأطباء.

وحسب الإحصاءات الرسمية البريطانية قتل من اليهود 47 وجرح 146، وقتل من العرب 48 وجرح 73. ويبدو أن هذه الأرقام أقل من العدد الحقيقي، ففي اليومين الأولين فقط قُتل من اليهود 40 وجرح 130، كما يظهر أن الإحصائية لم تشمل الشهداء العرب الخمسين الذين قُتلوا في مستعمرة بتاح تكفا. وربما انفرد سامي الجندي بذكر أن شهداء العرب بلغوا 157 وأن جرحاهم وصلوا إلى 705، وأن قتلى اليهود وجرحاهم يزيد عن ذلك. وقد اعترف تقرير اللجنة الملكية البريطانية أن معظم الإصابات وسط العرب كانت على أيدي القوات البريطانية.
وذكر تقرير بريطاني آخر أن معظم إصاباتهم كانت برصاص البريطانيين أو اليهود، وأن معظم إصابات اليهود كانت بالسكاكين والعصي على أيدي العرب.

وقد ظهر أيضاً الأداء المتحيز للسلطات البريطانية من خلال الإجراءات القضائية التي اتخذها النائب العام "نورمان بنتويش" - وهو بريطاني يهودي صهيوني كان يتولى أمور القضاء والعدالة في فلسطين - حيث أحال القضايا المتعلقة بالفظائع التي ارتكبها الصهاينة إلى المحاكم كقضايا شخصية بسيطة.

وكان يمكن لهذه الانتفاضة أن تتفاعل وتتسع لولا أن موقف الزعامات السياسية الفلسطينية مال إلى تهدئة الوضع. وقام عدد من الوجهاء ورؤساء البلديات بتهدئة الجماهير. وقدَّرت السلطات البريطانية "خدمات" رؤساء بلديات القدس وطولكرم ويافا وقاضي القدس ومفتيا عكا وصفد فمنحتهم وسام عضو الإمبراطورية M.B.E. وحتى موسى كاظم - رئيس اللجنة التنفيذية التي تُمثل قيادة الحركة الوطنية- قام بنفسه بجولة لتهدئة الوضع، لأن القيادة كانت لا تزال تأمل بحل سياسي، ولم تكن في وضع يؤهلها لأي عمل ثوري.

ومن جهتها، قامت السلطات بعمل استرضائي، إذ أوقفت الهجرة اليهودية مؤقتاً اعتباراً من 14مايو1921. وألقى المندوب السامي هربرت صمويل بيانا في 3 يونيو 1921 ذكر فيه أن بريطانيا لن تفرض على شعب فلسطين سياسة تجعلهم يعتقدون أنها مناقضة لمصالحهم الدينية والسياسية والاقتصادية. وقد نشر هذا جواً من الارتياح في الوسط العربي، غير أنه لم يكن عملياً سوى وسيلة لتهدئة الأمور وترتيب الأوضاع، ليمضي المشروع الصهيوني بوسائل أكثر احترافاً ونجاحاً. وقد اعترف السكرتير العام للحكومة "ديدز" أن الغالبية العربية شعرت بعد ذلك بأشهر بأن الحكومة البريطانية "مقيدة اليد والقدم"، وأن هذا البيان مجرد ذرٍّ للرماد في العيون، وأن الشقة قد اتسعت بين العرب والإدارة البريطانية، التي أصبحوا يرونها والصهيونية شيئاً واحداً.


انتفاضة مدينة يافا (رواية أخرى)

أدت مظاهرات القدس في 27/2/1920 الذي اشترك فيها أكثر من 40 ألف فلسطيني احتجاجا على سلخ فلسطين عن سورية، وانتفاضة القدس في 4/4/1920 التي استمرت أربعة أيام ضد على الانتداب البريطاني وتصريح بلفور ومؤتمر سان ريمو الذي أوصى بفصل فلسطين عن سورية وفرض الانتداب البريطاني عليها وإعلان المندوب السامي خطوط سياسته الرامية إلى إنشاء مجلس استشاري يشترك فيه اليهود، والتي أسفرت عن قتل 9 وجرح 372 شخصا من الفلسطينيين واليهود، بالإضافة إلى معركة ميسلون واحتلال دمشق في 24/7/1920 وضرب ثورة العشرين في العراق إلى التهاب الشعور الوطني في نفوس الفلسطينيين فعقدوا المؤتمر الوطني الفلسطيني الثالث في حيفا في 13/12/1920 بعد موجة من الاضطرابات والاحتجاجات والمظاهرات وأعمال العنف التي اجتاحت فلسطين مطالبة برحيل الانتداب ورفض تصريح بلفور والهجرة اليهودية واعتبار اللغة العبرية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية واللغة الانجليزية، أما اليهود فقد طالبوا بتحويل فلسطين إلى وطن قومي يهودي وترحيل العرب إلى الصحراء وقامت الهستدروت بتنظيم مظاهرة عمالية بمناسبة عيد العمال في الأول من أيار من عام 1921 الذي كان يصادف يوم عيد الفصح عند المسيحيين الأرثوذكس، وكانوا خلال هذه المظاهرة يرفعون الأعلام الصهيونية ويطالبون بالثأر من الفلسطينيين للدماء اليهودية التي سفكت في انتفاضة القدس، وتوجهوا إلى حي المنشية وأطلقوا النار على الفلسطينيين مما أدى إلى اشتباكات عنيفة امتدت إلى العباسية وطولكرم وقلقيلية خاصة وأن اليهود كانوا يستفزون الفلسطينيين باستقبالهم المهاجرين ونقلهم إلى تل - أبيب في مواكب ومهرجانات يرفعون فيها الأعلام الصهيونية ويهتفون هتافات معادية للفلسطينيين مما جعل الجمعية الإسلامية - المسيحية في يافا تطالب بوقف الهجرة وتهدد بمنع إنزال المهاجرين اليهود إلى البر مهما كلفهم الأمر، وقررت جمعية بحارة يافا مقاطعة البواخر التي تنقل المهاجرين اليهود وأيدتها اللجنة التنفيذية العربية فتوترت الحالة وهاجت الخواطر وامتدت الاضطرابات إلى اللد والرملة وكل المدن والقرى الفلسطينية، ولما عجزت بريطانيا عن القضاء على الانتفاضة لجأت إلى الرموز الوطنية الفلسطينية وطلبت منهم التدخل لتهدئة الخواطر، فذهب إلى يافا موسى كاظم الحسيني والحاج أمين الحسيني وبرلاسينا بطريرك اللاتين في فلسطين وطلبوا من الشعب الهدوء على وعد أن تبحث بريطانيا مطالبهم، فوافق أهالي يافا، ولكن بريطانيا التي كانت موالية كالعادة للحركة الصهيونية اعتبرت ذلك مجرد حيلة فقط حتى تصل قواتها من مصر وقبرص، وبعد وصول هذه القوات هاجمت بريطانيا يافا فتجددت الاشتباكات واستطاعت بريطانيا أن تقضي الانتفاضة ولكن بعد أربعة عشر يوما من القتال المتواصل وقد أسفرت هذه الاشتباكات عن قتل 47 وجرح 146 يهودي واستشهاد 157 وجرح 700 فلسطيني معظمهم على يد القوات البريطانية، وتشكيل محكمة عسكرية حكمت على العشرات من الفلسطينيين بالسجن والغرامة التي تجاوزت الأشخاص إلى المدن والقرى حيث فرضت غرامة قدرها 6000 جنيه فلسطيني على طولكرم وقلقيلية وقاقون، وأخيرا لجأت بريطانيا إلى الأسلوب المعتاد وهو تشكيل لجان التحقيق في أسباب الاضطرابات فشكلت "لجنة هيكرافت" برئاسة "السير توماس هيكرافت" قاضي قضاة فلسطين، وقد جاء في تقرير هذه اللجنة أن أسباب الاضطرابات ترجع إلى سياسة الوطن القومي اليهودي، والوقوف ضد رغبة أهالي البلاد في حكم أنفسهم بأنفسهم، ودعت إلى إجراء مباحثات مع الفلسطينيين، ولذلك عقد الفلسطينيون مؤتمرهم الرابع في القدس في 29/5/1921 بحضور أكثر من مئة مندوب من مختلف أنحاء فلسطين في ظل ظروف خطيرة كانت تمر بها البلاد وخاصة الهجرة اليهودية وانتفاضة يافا، وبعد تسع جلسات من النقاش والدراسة قرر المؤتمر تأكيد قرارات المؤتمر الوطني الثالث في حيفا الذي يدعوا إلى شجب السياسة الصهيونية الرامية إلى إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين المبنية على أساس تصريح بلفور، ورفض الهجرة، والمطالبة بحكومة تمثيلية وطنية مستقلة، وإرسال وفد إلى ارويا لشرح القضية، وتشكيل لجنة لدراسة انتفاضة يافا وتقديم تقرير عنها، وتنظيم الأمور المالية، وإنشاء جريدة عربية باللغة الانجليزية تنطق باسم المؤتمر، وانتخاب لجنة تنفيذيه جديدة برئاسة عارف الدجاني، وإرسال وفد إلى بريطانيا طبقا لقرارات لجنة "هيكرافت" لإجراء مباحثات حول القضية الفلسطينية مع الحكومة البريطانية وقد ذهب الوفد إلى لندن وبقي فيها عام كامل دون جدوى.


يتبع ...
أسامة الكباريتي
ثورة البراق 1929

حائط البراق (حائط المبكى حسب ما يسميه الصهاينة!) وهو جدار المسجد الأقصى وجزء لا يتجزأ منه و سمي بحائط البراق نسبة إلى البراق الشريف الذي أسرى برسول الله ص من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى عليه؟ وقد أرتبط بثورةالبراق في سنة 1929م والشهداء الذين رووا بدمائهم أرض فلسطين الطاهرة والشهداء الذين أعدموا بعد سجنهم في سجون سلطات الانتداب؟

ويذكر بأن لجنة دولية شكلت من بريطانيا ووافقت عليها عصبة الأمم آنذاك للتحقيق في أحداث ثورةالبراق وقد اعتمدت بريطانيا وعصبة الأمم نتائج التحقيق سنة 1930م والتي تضمنت أن للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي ولهم وحدهم يعود الحق الديني فيه لكونه جزءاً لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف وللمسلمين أيضاً تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام حارة المغاربة لأنها وقف أيضاً.



يوميات ثورةالبراق:

في يوم 14 آب (أغسطس ) 1929 ( عشية 9 آب يوم الصوم استذكاراً بما يزعم الصهاينة أنه يوم خراب الهيكل ) تظاهر الصهاينة في تل أبيب وهتفوا: الحائط حائطنا.. العار من نصيب كيث روش (حاكم القدس الذي أمر برفع الستار في العام الماضي).

· وفي اليوم التالي جاء وفد من صهاينة تل الربيع (تل ابيب) إلى القدس وسويا مع الصهاينة الموجودين هناك تظاهروا في مظاهرة صاخبة اخترقت الشوارع في اتجاه حائط البراق وترددت فيها الهتافات نفسها الحائط حائطنا.

· وفي اليوم التالي قام الفلسطينيون بدورهم في مظاهرة صاخبة وصلت إلى باحة البراق وخلال ذلك قلبوا طاولة الشماس واخرجوا الاسترحامات التي يضعها عادة المصلون الصهاينة في شقوق الحائط، ومزقوا ثياب الشماس وتفرقوا إلى بيوتهم.

· وقد مرت المظاهرات الثلاث في سلام ولكنها شحنت الجو بالتوتر وأشاعت مزيداً من الشكوك والريبة بين الفلسطينيين و الصهاينة ولذلك ما إن وقعت حادثة محلة البخارية في القدس (طعن فيها احد الفلسطينيين احد الشباب الصهاينة الذي دخل بستانه لاسترجاع كرته في أعقاب مشاجرة بينهما توفي بعدها )، حتى اشتعل الجو وبدأت سلسلة المصادمات بين الفلسطينين و الصهاينة في مختلف أنحاء البلاد. وفعلاً في يوم حادثة البخارية، 17 آب ( أغسطس) 1929، وقعت مشاجرة عامة بين الفلسطينيين و الصهاينة جرح فيها احد عشر صهيونياً وخمسة عشر فلسطينيينا.

· وفي 23 آب سرت إشاعة مفادها أن الصهاينة قتلوا فلسطينيين فهاجت خواطر الفلسطينيين وما لبث أن سرى الهياج إلى القرى المجاورة ثم اتسع وشمل القرى والمدن وفي مقدمتها يافا وحيفا وصفد والخليل، وقامت مظاهرة هائجة في نابلس للإعراب عن سخطها واستيائها وتحولت الاضطرابات في الخليل، وقتل فيها 60 صهيونياً وجرح أكثر من خمسين .

· استمرت الاضطرابات وخلال هذا هجم اليهود على الفلسطينيين في أكثر من موقع وقتلوا بدورهم بعض الفلسطينيين ومن بينهم إمام مسجد سكنة ابي كبير وستة من أفراد عائلته.

· وانتهت الاضطرابات في 29 آب 1929 بحوادث صفد حيث قتل وجرح فيها 45 يهودياً وعدد غير محدد من الفلسطينيين.

· وفي حالات عديدة كانت الضحايا بين الفلسطينيين نتيجة الاصطدام مع البوليس والجيش الانكليزيين اللذان استنفرا إمدادات وصلت إليه من مصر خلال أيام الاضطرابات الأولى. (اعتمدت هذه الرواية على كتاب عيسى السفري فلسطين بين الانتداب والصهيونية باعتبارها نموذجاً لما كتبه العرب حول هذه الحوادث ص 124-127).

ونقتطف المعلومات التالية حول ثورةالبراق وحائط البراق من كتاب التيار الإسلامي في فلسطين وأثره في حركة الجهاد (1917م ـ 1948م) لمؤلفه محسن محمد صالح، والتي جاءت مستندة إلى مراجع متنوعة لمؤلفيها أحمد الشقيري، محمد عزة دروزة، أكرم زعيتر، عبدالوهاب الكيالي، بيان نويهض، أميل الفوري، ناجي علوش، إحسان النمر وغيرهم.


صيحـات صهيونية

تزايدت في الفترة (1924 ـ 1928م) صيحات الصهاينة المطالبة بالحائط الغربي للمسجد الأقصى حائط البراق والذي يسمونه الصهاينة حائط المبكى ونشرت التصريحات الصهيونية التي تعلن عن هدفها في إقامة هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى وزاد من مخاوف المسلمين أن الصهاينة نشروا صوراً زنكوغرافية تمثل هيكل سليمان قائماً مقام المسجد الأقصى يرفرف عليه العلم الصهيوني، وفي عيد الغفران الذي وافق 23 سبتمبر 1928م جاء الصهاينة إلى الحائط بأعداد كبيرة ونفخوا في الصور وأحضروا المقاعد والكراسي والموائد والخزائن والمصابيح وأقاموا ستاراً يفصل بين الرجال والنساء، وهكذا حولوا المكان بحيث يحسبه الناظر كنيساً صهيونياً وخشي المسلمون أن يظل الصهاينة على تلك الحال فيكون ما فعلوه حقاً مكتسباً لهم مع مرور الزمن ربما يوسعونه إلى ما هو أبعد منه بعد ذلك، فغضب المسلمون وسارع المجلس الإسلامي الأعلى إلى الاحتجاج لدى حكومة الانتداب البريطاني وتحذيرها من العواقب الوخيمة وقد قامت الحكومة برفع المقاعد والموائد التي وضعها الصهاينة، وفي 8 أكتوبر 1928م أكد المجلس الإسلامي موقفه تجاه الحائط الذى نشرته جريدة الجامعة العربية في القدس ـ في ذلك اليوم ـ من أن هذا الجدار هو مكان البراق الشريف نسبة إلى براق النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأنه جدار المسجد الأقصى وأنه في عقيدة المسلمين جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى الذي له مكانة مقدسة عظيمة عند عامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.



لجنة الدفاع

عقد المسلمون عدة اجتماعات خصوصاً في المسجد الأقصى لمواجهة المؤامرة الصهيونية على حائط البراق وكان لهم اجتماع بعد صلاة عصر يوم 30 سبتمبر 1928م تحدث فيه ثلاثة من القيادات الإسلامية هم الشيخ عبد الغني كاملة والشيخ حسن أبو السعود ثم محمد عزة دروزة.

وقد اتفق المجتمعون تحت قبة الصخرة على تشكيل لجنة ممثلة لهم سموها لجنة الدفاع عن البراق الشريف وكلوا إليها تنفيذ المقررات التي قرروها، كما عاهدوا الله على الدفاع عن هذا المكان حتى النهاية، وقد قامت اللجنة بتأسيس فروع لها في مختلف مدن فلسطين، كما قامت بمراجعة حكومة الانتداب والاحتجاج لديها وإيصال الأخبار إلى العالم الإسلامي وأخذت وفود المسلمين تأتي من أنحاء فلسطين باسم الجمعيات والهيئات والأفراد معلنة استعدادها للدفاع عن البراق، وأمطرت حكومة فلسطين بالبرقيات تطالبها بأن تحول دون ما ينجم عن اعتداء الصهاينة من إثارة فتنة في البلاد..

وطلبت لجنة الدفاع عن البراق الشريف بواسطة أربع رسائل رسمية بإمضاء عبد الرحمن العلمي من كيت روش حاكم القدس حق التظاهر وكان الجواب بالرفض في كل مرة فأخذت مدن فلسطين بالهياج، واشتد نشاط جمعيات الشبان المسلمين في هذا الأمر.

وأكدت اللجنة في بيان لها صدر في القدس في 25 أكتوبر 1928م ورود مئات البرقيات من جمعيات المسلمين وأفرادهم داخل فلسطين وخارجها يستفسرون عما تم بشأن حائط البراق، وقد أكد البيان أن الحالة تزداد تحرجاً وأن الصهاينة مستمرون في اعتداءاتهم، وأنهم أصبحوا يزدحمون بشكل غير معتاد ويملؤون المكان بالأدوات المحظورة، وطالب البيان المسلمين بأن يكونوا صوتاً واحداً وأن يسارعوا إلى علاج الحالة بحزم واهتمام.

[/size]

[size="5"]المؤتمر الإسلامي (نوفمبر 1928م)

كان للحاج أمين الحسيني المفتي الأكبر ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى دور بارز في إثارة الجو الإسلامي في البلاد إثر وقوع هذه الأحداث وقد دعا المجلس الإسلامي الأعلى ولجنة الدفاع عن البراق الشريف إلى مؤتمر إسلامي عام لمسلمي فلسطين في القدس كما دعي إليه جمع كبير من رجال المسلمين في فلسطين وشرق الأردن والعراق وسورية ولبنان والهند، بحيث اكتسبت قضية البراق بعداً إسلامياً أوسع خصوصاً في المناطق العربية القريبة من فلسطين، وقد انعقد هذا المؤتمر في اليوم الأول من شهر نوفمبر 1928م وانتخب الحاج أمين الحسيني رئيساً للمؤتمر وبلغ عدد الحاضرين حوالي 700 شخص من مسلمي فلسطين وغيرها.

وقد اتخذ المؤتمر الإسلامي عدة قرارات تلخصت في :

ـ الاحتجاج بكل قوة على أي عمل أو محاولة ترمي إلى إحداث أي حق للصهاينة في مكان البراق الشريف، واستنكار ذلك أشد الاستنكار والاحتجاج على أي تساهل أو تغاض أو تأجيل يمكن أن يبدو من الحكومة في هذا العمل.

وطالبوا بمنع الصهاينة من رفع الصوت في صلواتهم بحيث يكون المنع باتاً مستمراً من وضع أي أداة من أدوات الجلوس أو الإنارة أوالعبادة أوالقراءة وضعاً مؤقتاً أو دائماً في البراق الشريف في أي حال من الأحوال وأي ظرف من الظروف، وإلا فإن المسلمين سيجدون أنفسهم مضطرين لأن يقوموا بالدفاع عن هذا المكان الإسلامي المقدس وعن حقوقهم الثابتة فيه.

ـ ألقى المؤتمرون على الحكومة تبعة ما ينتج عن دفاعهم عن البراق الشريف إن توانت في منع أي اعتداء من الصهاينة.

ـ المطالبة بإقصاء بنتويش الصهيوني الإنجليزي عن منصبه كمدع عام وقد عرف بتهجمه على الإسلام والمسلمين بوقاحة.

ـ تأسيس جمعية حراسة المسجد الأقصى والأماكن الإسلامية المقدسة على أن يكون مركزها القدس، وأن تتعاون في مهامها مع لجنة الدفاع عن البراق الشريف.

وقد تلخصت مهمات الجمعيات بتنفيذ قرارات المؤتمر وإنشاء فروع لها في جميع أنحاء العالم الإسلامي والاتصال بالجاليات الإسلامية في المهجر لتشرح لهم الوضع في فلسطين.

وعلى الصعيد الداخلي أصدر المؤتمر نداء للمواطنين بعدم بيع أراضيهم للصهاينة ووجوب مؤازرة الشركات الوطنية التي شكلها المسلمون لشراء الأراضي.

ومن جهة أخرى وجهت أسئلة عدة في مجلس العموم البريطاني حول قضية البراق وقد اضطر أمري وزير المستعمرات أن يعلن في 12 نوفمبر 1928م أن هدف الحكومة البريطانية وحكومة الانتداب في فلسطين بالنسبة لهذه الحوادث هو المحافظة على الوضع الراهن بين الفلسطينيين والصهاينة، وأكد أن الأزمة القائمة سوف يمكن تفاديها ودياً باتفاق يتم بين الطرفين وأن حكومة صاحب الجلالة سوف تبذل جهودها للوصول إليه.

وعندما أثيرت مسألة أحداث البراق لعام 1928م مرة أخرى في 19 نوفمبر صرح وكيل وزارة المستعمرات أورمسبي غور بأن الحكومة البريطانية وحكومة فلسطين عازمتان على عدم تغليب طائفة على أخرى كما أعرب إمري في 26 نوفمبر 1928م عن ثقته بأعمال المندوب السامي وأنه سيبذل جهده للمحافظة على الوضع الراهن ووعد بأن ينشر قريباً كتاباً أبيض عن القضية، وبالفعل فقد رضخت الحكومة البريطانية لمطالب المسلمين وأصدرت كتاباً أبيض بشأن حائط البراق، كفل الحالة الحاضرة للمسجد وضمن الملكية الإسلامية للحائط، كما ضمن للصهاينة حقهم المكتسب في الزيارة فقط، إلا أن الحكومة ماطلت في تنفيذ هذا الكتاب واستمر ذلك الحال حتى أيام أحداث البراق 1929م.

وفي إطار حرص رجال المؤتمر الإسلامي على إعطاء قضية البراق بعداً إسلامياً انتخب المؤتمر 12 عضواً لمقابلة المندوب السامي بالوكالة مستر لوك لطلب تصريح رسمي من الحكومة عن موقفها وتعهداتها بحفظ حقوق المسلمين (قبل إصدار الكتاب الأبيض) وقد ضم الوفد 3 شخصيات من الوفد اللبناني لإظهار التضامن الإسلامي المطلوب وكانت الحكومة تعي جيداً أهمية هذا التضامن، ولذلك فقد منعت الزعيم الهندي مولانا محمد علي من دخول فلسطين لحضور المؤتمر ولم تسمح له إلا بعد مراجعة المفتي لها، بل وبعد ثلاثة أسابيع من انتهاء المؤتمر.

ولإكساب قضية البراق بعداً عالمياً أرسل رئيس المؤتمر الحاج أمين الحسيني برقية إلى شكيب أرسلان وإحسان الجابري ورياض الصلح في جنيف يوكلهم نيابة عن المؤتمر بالدفاع عن قضية البراق الشريف أمام عصبة الأمم والرأي العام الأوروبي.

التصعيد الصهيوني

أما الصهاينة فقد قاموا من جهتهم بحملة واسعة ضد المفتي وضد المجلس الإسلامي الأعلى، واتسعت الحملة لتشمل معظم الدول الأوروبية، وفي أواخر مارس 1929م أخذ الصهاينة يعلنون بصراحة عما يسمى بحقوق لهم في الحرم القدسي ومكان البراق، وبوجوب إعادة بناء هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى، وتلقى المفتي رسالة من حاخام رومانيا يطلب إليه تسليم الأقصى الشريف للصهاينة ليقيموا صلواتهم فيه.. ومن ناحية أخرى كان الصهاينة يعدون العدة بسرية وكتمان شديدين لشن عدوان مسلح على الفلسطينيين والاستيلاء على حائط البراق بالقوة.

وفي يوليو 1929م زادت حدة الادعاءات الصهيونية وانبرى المجلس الإسلامي الأعلى يدحض الادعاءات الصهيونية وأصدر عدة نشرات في تأكيد حقوق المسلمين في البراق وإثبات ملكيتهم له وأجرى اتصالات مع زعماء العالم الإسلامي وصحافته وأحزابه ومنظماته التي سارعت إلى تأييد الفلسطينيين في موقفهم كما عقد سلسلة من الاجتماعات الشعبية لتوعية الرأي العام وكشف الستار عن حقيقة أهداف الصهاينة ومخططاتهم.

وقد شهد الموقف تصعيداً خطيراً من جانب الصهاينة خصوصاً أثناء المؤتمر الصهيوني العالمي في زيورخ بسويسرا (28يوليو ـ 11 غسطس 1929م) حيث كانت قضية حائط البراق القضية الرئيسة في المؤتمر، وفي تلك الفترة عاد الصهاينة إلى الاعتداء المتوالي على البراق الشريف بجلب الأدوات الممنوعة ومنع سكان الحي المسلمين من المرور إلى منازلهم في طريق البراق، وذكرت جمعية حراسة المسجد الأقصى في بيان لها قبل انتهاء المؤتمر الصهيوني أن المؤتمر يقوم بمحاولات واسعة النطاق لاستثارة صهاينة العالم مبدياً السخط على الكتاب الأبيض الذي أصدرته الحكومة البريطانية بشأن البراق الشريف، وأكد بيان الجمعية أنه تقرر اتخاذ التدابير اللازمة لمقاومة أعمال الصهاينة في الداخل والخارج، ودعا إلى تقديم الاحتجاجات وإلى ردع الصهاينة عن تكرار اعتداءاتهم حيث أنهم قد اعتدوا في الفترة الأخيرة على جماعة من المسلمين المجاورين للبراق، وبحضور ضابط صهيوني وكانت الجمعية قد أصدرت هذا البيان إثر اجتماع إسلامي عام حضره عدة آلاف من المسلمين عقب صلاة الجمعة الموافق 2 أغسطس 1929م جدد فيه المسلمون العهد على الدفاع بكل قواهم عن البراق والأقصى الشريف.

ومن جهته أبرق أمين الحسيني إلى وزارة المستعمرات يطالب بسرعة تنفيذ ما جاء في الكتاب الأبيض دفعاً للأخطار، ولم تكد تمضي أيام حتى حدثت ثورةالبراق.

أسامة الكباريتي
أحداث ثورة البراق… أغسطس 1929م

وافق يوم 15 أغسطس 1929م يوم احتفال الصهاينة بعيد الصيام وذكرى خراب الهيكل وقد نظم الصهاينة في ذلك اليوم مظاهرات في القدس شارك فيها الآلاف من شبانهم وشاباتهم حيث ساروا في شوارع القدس ثم اتجهوا إلى حائط البراق وهناك رفعوا العلم الصهيوني وأنشدوا أناشيدهم الدينية ونشيدهم الوطني (الهاتكافا) وأخذوا يهتفون الحائط حائطنا.. الويل لمن يدنس أماكننا المقدسة، لتسقط الحكومة وهناك شتم خطباء الصهاينة رسول الله (والإسلام والأمة الإسلامية مما استفز مشاعر المسلمين وهيج عواطفهم).

وقد وافق اليوم التالي ـ يوم الجمعة 16 أغسطس 1929م ـ ذكرى المولد النبوي وخرج المسلمون بعد صلاة الجمعة من المسجد الأقصى في مظاهرة اتجهت نحو حائط البراق حيث ألقى الشيخ حسن أبو السعود ـ أحد شيوخ المسجد الأقصى ومن أشد المقربين للحاج أمين ـ خطاباً حماسياً ألهب المشاعر، وسرعان ما حطم المتظاهرون منضدة للصهاينة وأخرجوا الاسترحامات التي وضعوها في خروق الحائط وأحرقوها.

ويذكر الغوري أنه ثبت للفلسطينيين بصورة قاطعة أن الحكومة جعلت توزع على الصهاينة بصورة سرية الأسلحة والعصي الغليظة، وانتقل الكثير من أفراد المنظمات العسكرية السرية بأسلحتهم من تل أبيب وغيرها إلى القدس، كما أخذت جماعات مسلحة من الصهاينة تنزل إلى شوارع القدس وكأنهم دوريات من المحتلين..
[/size]

[size="5"]حـوادث قـتـل

وفي يوم 19 أغسطس طعن عربي صهيونياً طعنة مات على إثرها يوم 20 أغسطس فعاد الصهاينة للتحرش بالفلسطينيين وحدثت اشتباكات أقرب إلى الفردية حتى كان يوم الجمعة 23 أغسطس حينما سرى خبر بأن الصهاينة قتلوا عربيين فهاجت نفوس الفلسطينيين وما لبثت جموع المسلمين الهائجة أن غادرت ساحة المسجد الأقصى بعد صلاة الجمعة، وقامت بهجوم على الصهاينة امتد إلى ضواحي المدينة وسرى هذا الهياج إلى القرى المجاورة وانتشرت أخبار الصدامات في كل فلسطين فعمتها المظاهرات والصدامات وتفجرت الثورة في أرجائها، ففي اليوم التالي قتل المسلمون أكثر من 60 صهيونياً في الخليل وجرحوا أكثر من 50 آخرين وهاجم المتظاهرون ثكنة البوليس في نابلس حيث سقط عد كبير من الجرحى، وامتدت الاضطرابات إلى بيسان وحيفا ويافا، وهناك في يافا اقتحم الصهاينة وعلى رأسهم شرطي صهيوني اسمه خانكيز بيت إمام مسجد من عائلة عون فقتلوه وبقروا بطنه وحطموا رؤوس ابن أخيه وزوجته وابنه، وبلغ مجموع شهداء أفراد عائلته ستة، كما هاجم الصهاينة مقام عكاشة في القدس فأتلفوه ودنسوا قبور الصحابة الكائنة فيه، ودمر الفلسطينيين من جهتهم ست مستعمرات صهيونية تدميراً تاماً.

وفي صفد وصلت إشاعات للمسلمين أن الصهاينة قد اعتدوا على الحرم وهدموه وأحرقوه فأسرع الناس إلى الجامع الكبير في السوق ليستمعوا إلى أقوال الخطباء فباغتهم مدير البوليس البريطاني الميجر فردي وصعد درجات المنبر وقال بالعربية : أيها الإخوان لا تصدقوا كل ما قيل، إن الصهاينة لم يهدموا الحرم وإنما هاجموه واستولوا على البراق وإن حكومتنا لا يمكن أن تصبر على هذا.. ولم تمكنه الجماهير المسلمة من إكمال كلامه وصاح صائحهم : إلى متى نصبر على ذبح إخواننا في القدس؟.. الانتقام.. الانتقام، وصاح قادم من الخارج أن المجاهد أحمد طافش قد استشهد.. فخرج المسلمون من المسجد وهاجموا الحارة الصهيونية في صفد، ووصل عدد القتلى الصهاينة إلى 20 وجرح حوالي 25 وأحرق أو دمر حوالي مائة بيت.

ولم تستطع حكومة الانتداب إعادة النظام والهدوء إلا بعد أن جاءت نجدة عسكرية بريطانية من مصر وبعد ان دام القتال حتى نهاية شهر أغسطس.

وقد تفاعلت أحداث البراق خارج فلسطين فقامت المظاهرات الاحتجاجية والتضامنية في سورية والعراق والأردن، وأخذ عدد كبير من أهل شرقي نهر الأردن يتهيؤون للزحف نحو فلسطين والاشتراك في واجب الجهاد.

أوقفت السلطات البريطانية المئات من الشباب العربي المسلم واعتقلتهم إثر ثورة البراق وأصدرت بحقهم أحكاماً قاسية فصدر 20 حكماً بالإعدام نفذ في ثلاثة منهم وهم: (فؤاد حجازي، عطا الزير، محمد جمجوم) أما الباقون فخفف الحكم عنهم إلى المؤبد كما صدر 23 حكماً بالمؤبد، وحكم على 87 شخصاً أحكاماً مختلفة تتراوح بين 3 ـ 15 سنة وبلغ عدد من حكم عليهم من الفلسطينيين ما مجموعه 792 رجلاً، وحكم على قرى عربية كثيرة بدفع الغرامات ووضع أكثر الزعماء الفلسطينيين تحت الإقامة الجبرية، أما الأحكام على الصهاينة فقد تميزت باللين وبلغ عدد المحكوم عليهم من الصهاينة 92 شخصاً حكم على صهيوني واحد فقط من بينهم بالإعدام هو الشرطي خانكيز قاتل العائلة العربية ثم خفف الحكم إلى المؤبد ثم خفض إلى 15 عاماً ثم عفي عنه.

و كانت حصيلة الاشتباكات، التي امتدت من الخليل و بئر السبع جنوبا حتى صفد شمالا كالتالي:

116 شهيدا فلسطينيا و133 قتيلا صهيونيا

232 جريحا فلسطينيا و339 جريحا صهيونيا


(لجنة شو )


شكلت الحكومة البريطانية لجنة للتحقيق في أحداث البراق، عرفت باسم رئيسها (شو) وقد وصلت إلى فلسطين في 24 أكتوبر 1929م واستمعت إلى 110 شهود في جلسات علنية و20 شاهداً في جلسات سرية وكان من بين الشهود الحاج أمين الحسيني ولم يثبت للجنة أن للمفتي أو للجنة التنفيذية دوراً في تدبير وتنظيم الاضطرابات واعتبرت أن الفرقاء الثلاثة : الحكومة والفلسطينيين والصهاينة مسؤولون عن الأحداث وأوصت بتعيين لجنة تحقيق دولية كما أوصت بإيجاد تعليمات أكثر وضوحاً تسترشد بها حكومة فلسطين بشأن المسائل الحيوية كالهجرة والأراضي.

بناء على توصية لجنة شو تقدمت بريطانيا إلى عصبة الأمم المتحدة طالبة الموافقة على تأليف لجنة لهذا الغرض وقد وافقت العصبة على ذلك على أن تؤلف اللجنة من ثلاثة أشخاص غير بريطانيين وأن يكون أحدهم متضلعاً في القانون وخبيراً في القضاء، وتم اختيار لجنة من: اليل لوفغرن، شارلس بارد، وس.فان كمبن، ووصلت إلى القدس في 19يونيو 1930م وأقامت شهراً وعقدت خلال إقامتها 23 جلسة واستمعت إلى 52 شاهداً 21 منهم من الصهاينة و30 عن المسلمين وموظف بريطاني واحد، وأبرز المسلمون خلال الجلسات 26 وثيقة وأبرز الصهاينة 35 وثيقة وقد انتهت اللجنة من تقريرها في ديسمبر 1930م ووافقت بريطانيا وعصبة الأمم على استنتاجاتها فأصبحت بالتالي وثيقة دولية مهمة.

وتلخصت استنتاجاتها في أن للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي ولهم وحدهم يعود الحق العيني فيه لكونه جزءاً لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف وللمسلمين أيضاً تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة لأنه وقف أيضاً وذكرت أن للصهاينة حرية السلوك للحائط الغربي لإقامة التضرعات في جميع الأوقات مع مراعاة الشروط في عدم جلب أي أدوات عبادة إلى جوار الحائط.. كما لا يسمح للصهاينة بنفخ البوق (الشوفار) بالقرب من الحائط ولا أن يسببوا أي إزعاج للمسلمين يمكن تحاشيه.

وبعد هذه الحقائق يأتي من الرؤساء العرب من يسمي حائط البراق بحائط المبكى وليسمح للصهاينة أن يصلوا فيه!!.

من أشهر أبطال ثورة البراق:

http://www.youtube.com/watch?v=0ANSDXXaORQ

قصة هؤلاء الأبطال الثلاثة بدأت بثورة ولم تنته حتى اليوم, بدأت عندما اعتقلت قوات الشرطة البريطانية مجموعة من الشبان الفلسطينيين إثر ثورة البراق ، هذه الثورة التي بدأت عندما نظم قطعان المستوطنين مظاهرة ضخمة بتاريخ 14 آب 1929 بمناسبة " ذكرى تدمير هيكل سليمان" أتبعوها في اليوم التالي 15/آب بمظاهرة كبيرة في شوارع القدس لم يسبق لها مثيل حتى وصلوا إلى حائط البراق " مايسمى بحائط المبكى اليوم" وهناك رفعوا العلم الصهيوني وراحوا ينشدون " النشيد القومي الصهيوني" وشتموا المسلمين … وكان اليوم التالي هو يوم الجمعة 16/آب والذي صادف ذكرى المولد النبوي الشريف, فتوافد المسلمين للدفاع عن حائط البراق الذي كان في نية اليهود الاستيلاء علية.. فكان لا بد من الصدام بين العرب والصهاينة في مختلف المناطق الفلسطينية.

كان الاعتقال يحمل معناً واضحاً بالدعم التام والمطلق للصهاينة, وهذا ما لم يرضى به أهالي كل من صفد والخليل وباقي المدن والقرى الفلسطينية ، ولهذا قامت قوات الشرطة باعتقال 26 فلسطينياً ممن شاركوا في الدفاع عن حائط البراق وحكمت عليهم بالإعدام وقد تم تخفيف هذه العقوبة إلى السجن المؤبد عن 23 منهم مع الحفاظ على عقوبة الإعدام بحق الشهداء الثلاثة , محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير. ونبذة من حياة الشهداء تبين مدى دعم القوات البريطانية للصهاينة ورفضها لأي شكل من أشكال المقاومة ضدهم.

فؤاد حسن حجازي

(1904-1930)






أول الشهداء الثلاثة الذين أعدمتهم سلطات الانتداب البريطاني في سجن عكا عقب ثورة البراق وأصغرهم سنا.

ولد في مدينة صفد -شمال فلسطين عام 1904، وتلقى فيها دراسته الابتدائية ثم الثانوية في الكلية الاسكتلندية، وأتم دراسته الجامعية في الجامعة الأمريكية ببيروت. عرف منذ صغره بشجاعته وجرأته وحبه لوطنه واندفاعه من أجل درء الخطر الصهيوني عنه. وشارك مشاركة فعالة في مدينته في الثورة التي أعقبت أحداث البراق سنة 1929 وقتل وجرح فيها مئات الأشخاص، أصدرت حكومة الانتداب حكما بإعدام 26 شخصا عربيا من المشاركين فيها ثم استبدلت به حكم السجن المؤبد على 23 شخصا وأكدت الحكم بإعدام الثلاثة الآخرين وهم فؤاد حسن حجازي، وعطا الزير، ومحمد جمجوم.

وحددت يوم 17/ 6/ 1930 موعداً لتنفيذ الأحكام على الرغم من الاستنكارات والاحتجاجات العربية. وقد خلد الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان في قصيدته الشهداء الثلاثة (الثلاثاء الحمراء)

شارك فؤاد حسن حجازي مشاركة فعالة في مدينته في ثورة البراق التي عمت انحاء فلسطين عقب احداث البراق سنة 1929 وقتل وجرح فيها مئات الأشخاص وقد اقرت حكومة الإنتداب حكم الإعدام على كل من: فؤاد حسن حجازي و محمد خليل جمجوم وعطا الزير

وكان فؤاد حسن حجازي الأول من بين المحكومين الثلاثة الذين اعدمتهم سلطات الإنتداب البريطاني في في يوم 17-6-1930، بسجن القلعة بمدينة عكا، واصغرهم سناً. وقد قدم الشاعر الشعبي نوح ابراهيم مرثية للمحكومين الثلاثة وقد غنتها فرقة العاشقين ما زالت مشهورة لدى الفلسطينيين.

في اليوم السابق لموعد الإعدام كتب وصيته وبعث بها إلى صحيفة اليرموك فنشرتها يوم 18-06-1930 بخط يده وتوقيعه وقد قال في ختامها: ان يوم شنقي يجب ان يكون يوم سرور وابتهاج وكذلك يجب اقامة الفرح والسرور في يوم 17 حزيران من كل سنة، ان هذا اليوم يجب ان يكون يوما تاريخياً تلقى فيها الخطب وتنشد الأناشيد على ذكرى دمائنا المهراقة في سبيل فلسطين والقضية العربية.

محمد خليل جمجوم

(1902-1930)






هو واحد من الشهداء الثلاثة الاوائل الذين أعدمتهم سلطات الانتداب البريطانية سنة 1929 عقب ثورة البراق.

ولد في مدينة الخليل وتلقى دراسته الابتدائية فيها. وعندما خرج للحياة عرف بمقاومته للصهيونيون فكان يتقدم المظاهرات التي تقوم في أرجاء مدينة الخليل احتجاجا على شراء أراضي العرب أو اغتصابها.

وبعد أن شملت ثورة البراق (1929) عددا كبيرا من المدن والقرى في مقدمتها يافا وحيفا وصفد بالإضافة إلى القدس، كان لا بد من الصدام بين عرب مدينة الخليل والصهاينة، حيث قاد المظاهرات هناك.

قبضت السلطات البريطانية على عدد من العرب في مقدمتهم محمد خليل جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي وأصدرت أحكاما بإعدام 26عربيا ثم استبدلت بالإعدام السجن المؤبد لثلاثة وعشرين منهم وأبقت حكم الإعدام على هؤلاء الأبطال الثلاثة وحددت يوم الثلاثاء 1930/6/17 موعدا لتنفيذه في سجن عكا، ولم تستجب هذه السلطات للمطالية بتخفيض حكم الإعدام عليهم إلى السجن المؤبد.

وعندما أبلغهم الجلاد موعد تنفيذ الحكم بدأ محمد جمجوم ورفيقاه بإنشاد نشيد: "يا ظلام السجن خيم"، ثم استقبلوا زائريهم قبل إعدامهم بساعة وأخذوا بتعزيتهم وتشجيعهم وهم وقوف بملابس السجن الحمراء. وفي الساعة التاسعة من يوم الثلاثاء 1930/6/17 نفذ حكم الإعدام شنقا بالشهيد محمد جمجوم، وكان ثاني القافلة الثلاثية رغم أنه كان مقررا أن يكون ثالثهما فقد حطم قيده وزاحم رفيقه عطا الزير على الدور الثاني حتى فاز ببغيته.

ولد بمدينة الخليل عام 1902م وتلقى دراسته الابتدائية فيها. أكمل دراسته الجامعية في الجامعة الأمريكية ببيروت وشارك في الأحداث الدامية التي تلت ثورة البراق ضد مواطنين صهاينة في زمن الانتداب البريطاني على فلسطين.

عرف محمد خليل جمجوم بمعارضته للصهيونية وللانتداب البريطاني. جعلت مشاركته في مذبحة 67 صهيونيا خليليا القوات البريطانية تقدم على اعتقاله في 1929م مع 25 من الفلسطينيين وقد حوكموا جميعاً بالإعدام الإ ان الأحكام تم تخفيفها إلى مؤبد الا عنه وعن فؤاد حجازي وعطا الزير

وفي يوم الثلاثاء 17/6/1930 تقرر إعدام الثلاثة، وكان تطبيق حكم الإعدام شنقاً في محمد خليل جموم الساعة التاسعة صباحاً.
عطا الزير


واحد من الشهداء الثلاثة الأوائل الذين أعدمتهم سلطات الانتداب البريطاني في سجن عكا عقب ثورة البراق.

ولد في مدينة الخليل- فلسطين عام 1895 م، وألم بالقراءة والكتابة إلماما قليلا، وكان يقرض الشعر أحيانا.

عمل في عدة مهن يدوية، واشتغل في الزراعة، وعرف عنه منذ الصغر جرأته وقوته الجسمانية، واشترك في المظاهرات التي شهدتها مدينة الخليل احتجاجا على هجرة الصهيونيين إلى فلسطين، ولا سيما إلى مدينة الخليل. وفي ثورة البراق عام 1929 هب عطا الزير مع غيره من سكان الخليل مدافعا عن أهله ووطنه ، بكل ما لديه من قوة. وشهدت مدن فلسطين صداما داميا بين العرب والصهاينة وفي الخليل نفسها قتل ستون صهيونيا وجرح أكثر من خمسين.

تم إعدامه في يوم 17-6-1930 في سجن القلعة بمدينة عكا على الرغم من الاستنكارات الاحتجاجات العربية. كان الزير أكبر المحكومين الثلاثة سنا.

وقد سمح له ولرفيقيه أن يكتب رسالة في اليوم السابق لموعد الأعدام وقد جاء في رسالتهم:

"الآن ونحن على أبواب الأبدية، مقدمين أرواحنا فداء للوطن المقدس، لفلسطين العزيزة، نتوجه بالرجاء إلى جميع الفلسطينيين، الا تنسى دماؤنا المهراقة وأرواحنا التي سترفرف في سماء هذه البلاد المحبوبة وان نتذكر اننا قدمنا عن طيبة خاطر، أنفسنا وجماجمنا لتكون أساسا لبناء استقلال امتنا وحريتها وان تبقى الأمة مثابرة على اتحادها وجهادها في سبيل خلاص فلسطين من الأعداء وان تحتفظ بأراضيها فلا تبيع للأعداء منها شبرا واحدا، وألا تهون عزيمتها وان لا يضعفها التهديد والوعيد، وان تكافح حتى تنال الظفر. ولنا في آخر حياتنا رجاء إلى ملوك وأمراء العرب والمسلمين في أنحاء المعمورة، ألا يثقوا بالأجانب وسياستهم وليعلموا ما قال الشاعر بهذا المعنى: ويروغ منك كما يروغ الثعلب. وعلى العرب في كل البلدان العربية والمسلمين ان ينقذوا فلسطين مما هي فيه الآن من الآلام وان يساعدوها بكل قواهم. واما رجالنا فلهم منا الامتنان العظيم على ما قاموا به نحونا ونحو امتنا وبلادهم فنرجوهم الثبات والمتابعة حتى تنال غايتنا الوطنية الكبرى. واما عائلاتنا فقد أودعناها إلى الله والأمة التي نعتقد أنها لن تنساها، والآن بعد ان رأينا من امتنا وبلادنا وبني قومنا هذه الروح الوطنية وهذا الحماس القومي، فاننا نستقبل الموت بالسرور والفرح الكاملين ونضع حبلة الأرجوحة مرجوحة الأبطال بأعناقنا عن طيب خاطر فداء لك يا فلسطين، وختاما نرجو أن تكتبوا على قبورنا: إلى الأمة العربية الاستقلال التام أو الموت الزؤام وباسم العرب نحيا وباسم العرب نموت".

ألقت سلطات الانتداب القبض على عدد كبير من العرب، وحكمت على 26 منهم بالإعدام، ثم أبدلت الإعدام سجنا مؤبدا لثلاثة وعشرين منهم، بينما أبقته على عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي الذين نقلوا إلى سجن عكا.

وفي يوم الثلاثاء 17/ 6/ 1930 اليوم الذي حدد لتنفيذ حكم الإعدام استقبل الشهداء زائريهم بملابس الإعدام الحمراء قبل التنفيذ بساعة، ثم طلب عطا الزير حناء ليخضب بها يديه على عادة أهل الخليل في أعراسهم وأفراحهم، وقد طلب زميله ورفيقه محمد جمجوم أن يشنق قبله، وفاز بأمنيته. وعندما قاده جلاده إلى منصة الإعدام طلب أن تفك قيوده لأنه لا يخشى الموت، فرفض طلبه، وعندها حطم عطا الزير السلاسل بقوة عضلاته، وتقدم نحو المشنقة رافع رأسه مبتسم المحيا.

وعندما أبلغوا بموعد الإعدام أنشد ثلاثتهم:

http://www.youtube.com/watch?v=wbnqqI8pfOk&NR=1



يا ظلام السجن



يا ظلام السجن خيّم إننا نهوى الظلاما

ليس بعد الليل إلا فجرَ مجدٍ يتسامى

إيه يا أرضَ الفخارِ يا مقّر المخلصينا

قد هبطناكِ شبابًا لا يهابون المنونا

وتعاهدنا جميعًا يومَ اقسمنا اليمينا

لن نخون العهدَ يومًا واتخذنا الصدقَ دينًا

ايّها الحُراس عفوًا

واسمعوا منّا الكلاما

متعونا بهواءٍ منعه كانَ حرا مًا

لستُ والله نسّيًا ما تقاسيه بلادي

فاشهد يا نجم أنّي ذو وفاءٍ وودادِ

يا رنينَ القيدِ زدني نعمةً تُشجي فؤادي

إن في صوتك معنىً للأسى والاضطهادِ

لم أكن يومًا اثيمًا لم أخن يومًا نظاما

انما حب بلادي في فؤادي قد اقاما

وفي الساعة التاسعة من نفس اليوم نفذ حكم الإعدام بمحمد جمجوم الذي كان ثاني قافلة الشهداء وقبل ساعة من موعد تنفيذ الحكم, استقبل محمد جمجوم وفؤاد حجازي زائرين أخذو هم بتعزيتهم وتشجيعهم فقال محمد جمجوم "الحمد لله أننا الذين لا أهمية لنا نذهب فداء الوطن لا أولئك الرجال الذين يستفيد الوطن من جهودهم وخدماتهم" وطلب مع رفيقه فؤاد حجازي "الحنَّاء" ليخضبا ايديهما كعادة أهل الخليل في أعراسهم..

أما فؤاد حجازي وهو أول القافلة يقول لزائريه: " إذا كان إعدامنا نحن الثلاثة يزعزع شيئاً من كابوس الانكليز على الأمة العربية الكريمة فليحل الإعدام في عشرات الألوف مثلنا لكي يزول هذا الكابوس عنا تماماً "..

وقد كتب فؤاد وصيته وبعث بها إلى صحيفة اليرموك فنشرتها في اليوم التالي وقد قال في ختامها: "إن يوم شنقي يجب أن يكون يوم سرور وابتهاج, وكذلك يجب إقامة الفرح والسرور في يوم 17 حزيران من كل سنة. إن هذا اليوم يجب أن يكون يوماً تاريخياً تلقى فيه الخطب وتنشد الأناشيد على ذكرى دمائنا المهراقة في سبيل فلسطين والقضية العربية"..

وهكذا أعدم الثلاثة, وتركوا الدنيا لأهل الدنيا, ومضوا يحملون جهادهم في سبيل مقدساتهم عملاً صالحاً يقابلون به وجه ربهم, تركوا دماءهم تقبل وجه هذه الأرض فتزهر ورداً أحمر, شجراً واقفاً أخضر وشهيداً تلو شهيد…

ومن أروع ما قيل في وكانه على لسان عطا الزير:



http://www.4shared.com/file/81402702/feb16f40/___online.html



ياليـل خلّي الأسير تــ يكمّـل نواحه

رايح يفيق الفجر ويرفرف جناحـه

تـ يمرجح المشنوق من هبّـة رياحه

وعيون بالزنازين بالسر ماباحـوا ..



ياليـل وقّف أفضّي كل حسراتي

يمكن نسيت مين أنا ونسيت آهاتي

ياحيف كيف انقضت بإيديك ساعاتي

شمل الحبايب ضاع وتكسروا قداحـه ..



لاتظن دمعي نزف دمعي عــ أوطاني

عــ كمشـة زغاليل بالبيت جوعانه

مين رح يطعمها من بعدي واخوانـي

ثنين من قبلي شباب عـ المشنقـة راحـوا ..



وأم ولادي كيف رح تقضي نهارهـا

ويلها عليي أو ويلها عـ صغارها

ياريت خليت في إيدهـا اسوارهـا

يومـن دعاني الحرب تـ اشتري سلاحـه.
أسامة الكباريتي
وصف ثورة البراق 1929
كما يرويها أحمد الشقيري رحمه الله

[b]نشطت الحركة الوطنية في أواخر العشرينات – 1928، 1929، 1930- نشاطاً كبيراً، والتهبت مشاعر الحماسة في جميع أرجاء البلاد فعمت جميع طبقات الشعب، وكان وراء هذا التحرك الوطني عاملان أساسيان، الأول انعقاد المؤتمر الصهيوني في زيورخ والثاني العدوان اليهودي على ساحة البراق الشريف.

وكأنما جاء عملي في الصحافة والسياسة ودراستي للحقوق لازداد التحاما بالأحداث الوطنية في تلك الأيام العصيبة، وكانت ما تزال جريدة مرآة الشرق، عند باب الخليل في القدس، دار ندوة للشباب ومركزاً للنشاط الفكري والتوجيه القومي في صفوف الجيل الصاعد.
و أخذت وكالات الأنباء تنقل إلينا خطب زعماء الصهيونية في مؤتمرهم في زيورخ وتكشف عن أهدافهم التوسعية والعدوانية، وأعلنت قرارات المؤتمر فإذا بها تدعو إلى مزيد من الهجرة اليهودية وشراء الأراضي ودعم المؤسسات العسكرية والمالية وتقوية الوكالة اليهودية.
فزاد ذلك من نشاطنا نحن الشباب، وازدادت دعوتنا إلى بعث الحياة في الحركة الوطنية، وأصبح لدينا وقود جديد نلهب به حماسة الجماهير.
وسرت في هذا الطريق خطوات عملية، فاتصلت بالشباب الناشئين من أبناء العائلات والأسر الوجيهة، محاولاً تجميعهم في إطار وطني خالص، ولكنني أخفقت فقد كانت العصبية العائلية قد ترعرعت في الشباب اليوافع حتى الأطفال الرضع، وكان اللقاء بينهم مستحيلا، ولم يكن أمامنا ما نعمله، فتلك كانت البيئة التي صنعتها عهود التخلف والانحلال، تقابلها في الطرف الآخر البيئة اليهودية التي لا تعرف العائلية، وتقوم الخلافات فيها على أسس سياسية وفكرية.
ورغم ذلك كله فقد كان الشعب في الطليعة، شأنه دائما، وجاءت ثورة البراق 1929 لتكشف عن أصالته وبطولته.
وساحة البراق هي المكان الذي تتحدث الروايات الإسلامية أنه البقعة التي ربط فيها الرسول الكريم فرسه – البراق- ليلة إسرائه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وفي جوار هذه البقعة حائط "المبكى" وهو جزء من جدار المسجد الأقصى.
وجاء عيد الغفران عند اليهود فإذا بالأخبار المثيرة تشد حواسنا وتفتح أمامنا صفحة أخرى من الاعتداءات اليهودية، لها ما بعدها.
أصبحنا في ذلك اليوم لنرى جموع اليهود شباباً وشيوخاً، رجالاً ونساء، يتدفقون على المدينة القديمة في طريقهم إلى حائط "المبكى"، في مظاهرة شبه عسكرية.
وكانت تقاليد اليهود إلى ذلك العهد قاصرة على البكاء والدعاء، وكفى. ولكنهم في ذلك اليوم تجاوزوا – الستاتكو- فنفخوا في الصور ووضعوا الطاولات وأقاموا الستائر ورفعوا أصواتهم، وكانت حركاتهم ومظاهرهم آية في التحدي والاستفزاز.
ولم تكن الطاولات والستائر والأبواق ذات أهمية بذاتها، لولا ما كنا نحسه من الخطر الصهيوني على المسجد الأقصى والمقدسات الدينية عامة. بل على فلسطين بأسرها، فقد كنا نتابع التصريحات اليهودية وما تهدف إليه من إقامة هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى، وزاد من مخاوفنا الصور الزنكوغرافية التي نشرت حينذاك وهي تمثل هيكل سليمان قائماً مقام المسجد الأقصى يرفرف عليه العلم الصهيوني.
وكانت السلطة البريطانية ترقب هذه التحديات اليهودية من غير اكتراث ولا مبالاة، وكان في ميسورها أن تقمعها في مهدها، ولكن أنى لها ذلك، وهي قائمة في فلسطين من أجل قيام الوطن اليهودي وحمايته وحراسته.
بل أن السلطة البريطانية حشدت قوات كبيرة لتقف إلى جانب اليهود، إمعانا في الكيد للجماهير العربية العزلاء، وراح سرب من الطائرات البريطانية مؤلفا من اثنتي عشرة طائرة يحلق فوق المسجد الأقصى وأحياء المدينة القديمة، في حملة إرهاب وحرب أعصاب.
فأخذنا نحن الشباب في توعية الجماهير وتبصيرها بالخطر الداهم، واتصلنا بمجموعات الشباب في أنحاء البلاد كافة، وكررت الدعوة إلى قيام قيادة وطنية جديدة تتولى زمام الحركة الوطنية بعد أن أصبحت البلاد أسيرة العائلتين الكبيرتين- الحسينية والنشاشيبية- وهؤلاء أصبحوا أسرى مناصبهم التي تشرف عليها السلطة البريطانية.
فاهتاجت الخواطر والمشاعر وابتدأ الصدام في القدس القديمة، فتصدى الشعب للمسيرة اليهودية، وتصدى رجال الشرطة للجماهير العربية وسقط القتلى والجرحى بالمئات، وكانت معظم إصابات العرب على أيدي رجال السلطة*.
وتجاوزت الأنباء الحدود إلى الأقطار المجاورة، فانتشر القلق وهب أهالي شرق الأردن للزحف على فلسطين لحماية المقدسات الدينية من طغيان اليهود وعدوانهم، ولم يكن ذلك عجيبا فشرق الأردن وفلسطين بلد واحد منذ أقدم عهود التاريخ، ولم يفصلهما إلاّ بريطانيا، فجعلت الإمارة الأردنية في الشرق، وفلسطين في الغرب، وكلتاهما تحت الانتداب.
وقررنا نحن الشباب أن نوزع أنفسنا على مناطق البلاد المختلفة لنشعلها حامية على الإستعمار والصهيونية، وكان نصيبي أن أعمل في بلدي –عكا- وفي لواء الجليل في شمال البلاد.
وتألفت في البلاد جمعيات – حراس المسجد الأقصى- على غرار الجمعيات اليهودية التي ألفها اليهود تحت اسم "حراس "المبكى"" وكان للحاج أمين الحسيني ودوائر المجلس الإسلامي دور كبير في إيقاظ الشعور والتنبيه للخطر الصهيوني والاتصال بالبلاد العربية والإسلامية في مناشدتها النصرة والعون، ولكن الحاج أمين كان حريصاً على الاحتفاظ بمنصبه في كنف السلطة البريطانية، ولم تكن هذه تشعر بخطر على وجودها ما دام نشاطه بعيداً عنها محصوراً في دائرة محدودة ضد الحركة الصهيونية، فكان توازنا وتهادنا غير مكتوب، قدر له أن يعيش بضع سنوات حتى عام 1936.
وعم الاضطراب جميع مدن فلسطين وقراها، فقامت المظاهرات وتوالت الاجتماعات، ووقع الاصطدام بين القرى العربية والمستعمرات اليهودية، وقامت العصابات الصهيونية بضرب المناطق العربية العزلاء، فتفردت في البطش بها- وهي السياسة الإرهابية التي كبرت ونمت وأصبحت من تقاليد الجيش الإسرائيلي وخططه، قبل نكبة حزيران وبعدها.
وكنت دائم الحركة في شمال البلاد مع إخواني الشباب، نحض الشعب على وحدة الصفوف ونبذ الخلافات، والجهاد للذود عن حمى الوطن.
ولا أعرف يوما مر علي في تلك الفترة، إلاّ ووقفت في أحد المقاهي أو الميادين أو الشوارع أخطب في الجماهير لأشرح خطورة الموقف، وأدعو إلى مقاومة الاستعمار والصهيونية معا، والتخلص من الزعامة "الزائفة" وكان جامع الجزار في عكا وساحاته الرحبة مركزا للحركة الوطنية، فقد كانت تحتشد الجماهير ليلاً ونهاراً، وأصبحت "خطيب" الجامع، بدلا عن الخطيب المعين الذي لا يشق له غبار!
ولقد ضاقت السلطة البريطانية ذرعا بهذا النشاط المثير الذي كنت أقوم به مع إخواني الشباب، فاعتقلني رجال الشرطة ونقلوني إلى قرية الزيب في ضاحية عكا، في إقامة إجبارية في بيت آل السعدي.
ونشطت السلطات البريطانية في طول البلاد وعرضها، تعتقل الشباب، تفرض على البعض إقامة جبرية وتزج الآخرين في السجون، وأعلنت الأحكام العرفية، وساد البلاد جو مشحون من القلق والاضطراب لم يسبق أن شهدت له مثيلا.
وأفاقت القيادة الوطنية من سباتها، وكانت ممثلة في اللجنة التنفيذية فأخذت في تنظيم شؤونها، وعملت على استعادة ثقة الجماهير بها، بعد أن كاد الزمام أن يخرج من يدها إلى أيدي الشباب، وتوالت الإعانات والتبرعات على صندوق اللجنة التنفيذية حتى بلغت خمسة عشر ألف جنية فلسطيني، وكان ذلك رأس مال الحركة الوطنية كله وأجمعه!
وتباهت اللجنة التنفيذية أن ورد عليها هذا المال الوفير بعد أن لم تحصل إلاّ على مئات من الجنيهات من حين إلى حين لتغطية نفقات وفد فلسطين حين يسافر إلى لندن أو جنيف أو الهند.
ولقد حزنت وأنا في معتقلي في الزيب- في الإقامة الإجبارية- حين جاءتنا الأخبار أن مجموع التبرعات قد وصل إلى قمته – خمسة عشر ألف جنيه- فقط، وكنت إلى بضعة أشهر مضت أكتب في جريدة مرآة الشرق عن المؤسسات اليهودية: - الكيرن كايمت وأموالها، والكرن هايسود ومخصصاتها، والوكالة اليهودية وميزانيتها، فضلا عن البنوك والمصارف والتعاونيات اليهودية التي تؤلف في مجموعها شبكة الحياة الرئيسية للمجتمع اليهودي في زراعته وصناعته، وفي مستعمراته وعصاباته، وفي إعلامه وسياسته..
وسألت نفسي، لم لا تكون لنا جباية شعبية منظمة كما يفعل اليهود، ولم لا تكون لنا "عربية عالمية" و "إسلامية عالمية" تمدنا وتقوي صمودنا وثباتنا في وطننا، وتكون درعا وحصنا لنا على غرار ما تفعل الصهيونية العالمية في بناء الوطن القومي اليهودي وحمايته ورعايته؟
ومضت أيام وأسابيع فهدأت الحركة الوطنية، فلم تكن لها قوة دافعة في قيادتها، ولا سند عربي وإسلامي من حولها، ومشاعر الغضب الثائرة لابد أن تهدأ مهما عصفت واضطربت إذا لم يكن وراءها ما يكفل الدوام والاستمرار.
وانتهت مدة اعتقالي وعدت إلى القدس وتركت جريدة مرآة الشرق، وأفقت من أحزاني لأرى أن النشاط الدائم الباقي، وهو الحركة الصهيونية دائمة السعي والعمل، دائمة النمو والتكامل، وأن النشاط الفوار المتقطع، هو الحركة العربية، حركة عربية شعبها بطل أصيل، وقيادتها عليلة وهزيلة.
وها قد مضت على ثورة البراق ثمان وثلاثون سنة، فجاء حزيران من عام 1967 فاحتلت إسرائيل القدس القديمة مع باقي فلسطين بأسرها، ورفع العلم الصهيوني على حائط "المبكى"، وعملت الجرافات على هدم المنازل والزوايا والتكايا الإسلامية المجاورة، وأنشأوا ساحة رحبة أمام حائط "المبكى"، وراح علماء الآثار اليهود يحفرون وينقبون تحت المسجد الأقصى بحثا عن بقايا هيكل سليمان.
وأصبح العويل والبكاء من نصيب العرب والمسلمين، الملايين الملايين، وعلى رأسهم أصحاب الجلالة والسمو والفخامة الملوك والأمراء والرؤساء، فقد أنتقل إليهم دور اليهود في النواح والصراخ.
إنهم جميعاً يبكون ويولولون ولكن دون أن يكون لهم ما كان لليهود – حائط "المبكى".. وها نحن نبكي ولكن من غير حائط!
[/b]
أسامة الكباريتي
ثورة الكف الأخضر:
1929 ـ 1930

كانت الكف الأخضر هي أولى المجموعات الثورية ظهوراً بعد ثورة البراق. وقد تركز نشاطها في شمال فلسطين وخصوصاً في قضاءي صفد وعكا. وبدأت هذه المجموعة بـ 27 رجلاً من الثوار الذين شاركوا في ثورة البراق، والذين هربوا من قبضة السلطات الأمنية. وقد انضم إليهم عشرات آخرين ليصل عددهم إلى نحو ثمانين رجلاً، وقد لاقوا تعاطفا واسعا من السكان. وقامت هذه المجموعة بهجمات على اليهود وضد الشرطة، ونشطت خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 1929. وقد تولى قيادتها أحمد طافش.
وقد قامت السلطات البريطانية بعمليات مسح شاملة، وبتسيير الدوريات الراجلة، وتفتيش القرى، وقام الطيران البريطاني بالمساعدة في عمليات المسح الجوي. كما تم التعاون مع السلطات الفرنسية وقوات حدود شرق الأردن في عمليات الملاحقة، التي استمرت بشكل مكثف طوال شهري يناير وفبراير 1935. وتمكنت من القبض على أحمد طافش في شرق الأردن في 27 يناير 1930.
ولم تستطع هذه المجموعة الثورية من الاستمرار بسبب ما تعرضت له من حملات، ولأن الزعامات السياسية الفلسطينية لم تتبن أسلوبها في العمل، ولم تدعمها، ولم تتعاون معها.


انتفاضة أكتوبر 1933:

أخذت الهجرة اليهودية تتزايد بشكل خطير منذ مطلع الثلاثينيات، ونشطت الحركة السياسية الفلسطينية، وتزايد الوعي بأن بريطانيا هي "أصل الداء وسبب البلاء"، حيث تأكد للفلسطينيين أن مشكلتهم هي أساساً مع بريطانيا، وركَّزت على ذلك حملات حزب الاستقلال وجمعيات الشبان المسلمين. وطالبت اللجنة التنفيذية العربية-التي تمثل العرب الفلسطينيين سياسياً - بوقف الهجرة، وهدّدت بتبني سياسة اللاتعاون مع السلطات. وعندما رفضت السلطات البريطانية الطلب، قررت اللجنة تصعيد الموقف بتسيير المظاهرات دون إذن السلطات. وقررت الإضراب العام في فلسطين يوم 13 أكتوبر 1933، وإقامة مظاهرة كبرى في القدس، بحيث تتوالى بعد ذلك المظاهرات في مدن وقرى فلسطين، وتُضرب البلاد في كل مرة تحدث فيها المظاهرات. وألزمت اللجنة التنفيذية أعضاءها بتقدم المسيرات، وأصدرت بياناً أكدت فيه أن"عرب فلسطين قد يئسوا يأسا تاماً من الحكومة، فهم لا يخاطبونها في شيء، ولا يطلبون منها شيئاً".
وفي يوم 13 أكتوبر أضربت فلسطين وخرجت مظاهرة كبيرة من المسجد الأقصى بقيادة اللجنة التنفيذية، وقامت الشرطة بتفريق المتظاهرين بالقوة مما أدى إلى وقوع 11 جريحاً بينهم خمسة من الشرطة.
وفي يوم 27 أكتوبر عمّ الإضراب فلسطين، وخرجت مظاهرة كبيرة في يافا بعد صلاة الجمعة بقيادة اللجنة التنفيذية، وحاولت الشرطة تفريق المتظاهرين، إلا أن الأمر تحوّل إلى مواجهاتٍ عنيفةٍ، أدّت - حسب المصادر البريطانية - إلى مقتل 14 عربياً بالرصاص وجرح العشرات. بينما ذكر بيان اللجنة التنفيذية أن ثلاثين قد قتلوا وجرح مائتين. واعتقلت السلطات 12 من القادة الفلسطينيين، بينهم ثلاث أعضاء في اللجنة التنفيذية، وأصيب موسى كاظم الحسيني -رئيس اللجنة- بكدمات، وذُكر أنه تُوفي متأثراً بهذه الإصابة في مارس 1934.

وقد أحدثت "مجزرة يافا" ردود فعل غاضبة، فقامت مظاهرات عنيفة في مدن فلسطين، واستمر الإضراب العام أسبوعاً كاملاً. وحدثت مواجهات مع الشرطة في حيفا ونابلس والقدس. وحسب الإحصاءات العربية فقد استشهد في القدس ويافا وحدهما 35 وجرح 255. أما المصادر البريطانية فأشارت إلى استشهاد ما مجموعه 26 عربياً وجرح 187 آخرين، بينما قتل شرطي واحد.
وكان من الواضح أن مشاعر العداء ضد بريطانيا قد وصلت حداً كبيراً، وكانت هذه أولى المواجهات العامة الموجهة مباشرة ضد بريطانيا وسياستها. وقد حاول المندوب "السامي" البريطاني تهدئة الوضع قُبيل أحداث يافا عندما اجتمع باللجنة التنفيذية في 25 أكتوبر، لكن أحد أعضائها نقل له طلب كثير من الناس أن يخبروه أنه "ليس لدينا ما نخسره، لقد فقدنا الثقة بالحكومة، لقد فقدنا أرضنا، فقدنا كل شيء، ولن نبالي بما سيحدث لنا".





الشيخ عز الدين القسام



عبدالقادر الحسيني




الحاج أمين الحسيني



استشهاد الشيخ عز الدين القسام:
نوفمبر 1935

نتحدث في مكان آخر من هذا الموضوع عن جماعة القسام"الجهادية" ودورها، غير أننا نكتفي هنا بالتركيز على إعلان الشيخ القسام الثورة في فلسطين. فبعد نحو عشر سنوات من التنظيم والإعداد السري الجهادي، قرر الشيخ القسام إعلان الثورة في نوفمبر 1935. وقد توافق ذلك مع الازدياد الهائل في الهجرة اليهودية والاستيطان، وتهريب اليهود للسلاح بكميات ضخمة، فضلاً عن ازدياد الرقابة على القسام ورفاقه. وتلخصت خطة القسام في الخروج إلى القرى، وحضّ الناس على شراء السلاح، والاستعداد للثورة. وقد خرج القسام مجاهداً في الجبال في شمال فلسطين مع نفر من أصحابه، بعد أن باع بيته، وبعد أن باع أصحابه حلي زوجاتهم وبعض أثاث بيوتهم، ليشتروا بها البنادق والرصاص.

وقد فقد القسام وإخوانه عنصر المباغتة عندما كُشف أمرهم ومكانهم قبل أوانه، حيث كانوا يخططون للهجوم على إحدى المستعمرات اليهودية "بيت ألفا".
وبعد فجر يوم20نوفمبر1935، طَوّقت قوات كبيرة من الشرطة تقدر ب400 رجل - مُعظمُهم من الإنجليز - القسامَ وعشرةً من إخوانه، في أحراش بلدة يعبد، واستمرت المعركة أربع ساعات ونصف.
وحسب المصادر العربية فإن البريطانيين خسروا 15 رجلاً، لكن التقارير البريطانية تشير إلى مقتل شرطي واحد وجرح آخر.
وقد استشهد في هذه المعركة الشيخ القسام نفسه واثنان من رفاقه، كما قُبض على ستة آخرين.
ولا تنبع أهمية الحادثة من الاشتباك نفسه أو من عدد القتلى والجرحى، وإنما من أن استشهاد القسام قدم نموذجاً عملياً في التضحية والفداء لأحد كبار العلماء في فلسطين.
وكان استشهاده علامة فارقة في تاريخ فلسطين الحديث، وأحدث تَغيّراً أساسياً في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية. إذ أنه كرس البديل الجهادي بعد سنوات من العمل السياسي غير المجدي.
وألهبت حركته وتضحيته الحماس "وصارت مثلاً رائعاً للجرأة والجهاد العلني ضد الإنجليز"، "وقامت البلد وقعدت، واهتزت أيما اهتزاز، وزُلزلت أيما زلزال". وأطلق شعب فلسطين على القسام لقب "أبو الوطنية".
وكان القسام محقاً قبل استشهاده، عندما قال قبل ابتداء المعركة أنه وإخوانه عبارة عن عود ثقاب "كبريت" سيشعل الثورة في البلاد. فاستشهاد القسام لم يكن نهاية حركته، بل بداية الثورة.
وقد شارك في جنازة القسام ثلاثون ألفا من مختلف أرجاء فلسطين، وبلغ حماس الجماهير مداه وترددت صيحاتها بالانتقام.
أسامة الكباريتي
الثورة الفلسطينية الكبرى
1936- 1939

تعد هذه الثورة من أعظم الثورات في تاريخ فلسطين في القرن العشرين وقد عبّرت عن روح التضحية والفداء والمصابرة والإصرار على الحقوق التي تميز بها أبناء فلسطين. وتمكنت هذه الثورة في بعض مراحلها من السيطرة على كل الريف الفلسطيني، بل والسيطرة على عدد من المدن، بينما انكفأت السلطات البريطانية في بعض المدن المهمة. وقدّمت هذه الثورة نموذجاً عالمياً هو أطول إضراب يقوم به شعب كامل عبر التاريخ حيث استمر 178 يوما. وربما لو كان الأمر مقتصرا على الصراع بين شعب فلسطين وبين الاستعمار البريطاني لنالت فلسطين حريتها واستقلالها منذ تلك الثورة، إذا ما قارنا هذه الثورة بثورات الشعوب التي نالت استقلالها. ولكن وجود العامل اليهودي-الصهيوني وتأثيره القوي داخل فلسطين وفي بريطانيا والدول الكبرى جعل الأمر أكثر صعوبة وتعقيداً، وفرض أن تتسع دائرة مشروع التحرير إلى الدائرة العربية والإسلامية.

وتنقسم الثورة إلى مرحلتين، كانت بينهما مرحلة توقف أشبه "بالهدنة المسلحة" المشوبة بالتوتر.


المرحلة الأولى من الثورة:
أبريل - أكتوبر 1936

لم تُلق جماعة "الجهادية" (القساميون) السلاح بعد استشهاد قائدها، فقامت باختيار قائد جديد هو الشيخ فرحان السعدي - على الرغم من كونه في الخامسة والسبعين من عمره - إلا أنه كان لا يزال مقاتلاً صلباً نشطاً مشهوراً بدقته في إصابة الهدف. وقد عملت هذه الجماعة على تهيئة الظروف لانطلاقة أقوى وأوسع.

وقد تفجّرت الشرارة الأولى للثورة الكبرى في فلسطين يوم 15 أبريل 1936، عندما قامت مجموعة قسامية بقيادة الشيخ فرحان السعدي بقتل اثنين من اليهود وجرح ثالث على طريق نابلس-طولكرم. وقد ردّ اليهود باغتيال اثنين من العرب في اليوم التالي، ثم حدثت صدامات واسعة بين العرب واليهود في منطقة يافا يوم 19أبريل أدت إلى مقتل تسعة يهود وجرح 45 آخرين، وقتل من العرب اثنان وجرح 28. وساد البلاد جو شديد من التوتر، أعلنت الحكومة على إثره منع التجول في يافا وتل أبيب كما أعلنت حالة الطوارئ في كل فلسطين.

وفي 20 أبريل شُكِّلت في نابلس لجنة قومية غير حزبية، كان وقودها الدافع مجموعة من الشبان المثقفين في مقدمتهم أكرم زعيتر. وقد دعت اللجنة إلى الإضراب العام في فلسطين، على أن يستمر إلى أن تعلن الحكومة البريطانية استجابتها للمطالب الوطنية. وقد لقي الإضراب استجابة واسعة، وتشكلت لجان قومية في أنحاء فلسطين لتأمين الإضراب وإنجاحه، وتجاوبت الأحزاب العربية الفلسطينية مع الإضراب وأيدته. ثم ما لبثت-تحت الضغط الشعبي- أن وحدت القيادة الفلسطينية بتشكيل "اللجنة العربية العليا" في 25 أبريل والتي وافق الحاج أمين الحسيني على رئاستها. وهكذا نزل الحاج أمين لأول مرة منذ 16 عاما إلى ميدان المعارضة المكشوفة للسلطات البريطانية. وقد قررت اللجنة العليا الاستمرار في الإضراب، وأكدت على مطالب الشعب الفلسطيني المعروفة بإيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومنع انتقال الأراضي العربية إلى اليهود، وإنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي.

وهكذا، دخلت فلسطين في إضراب شامل استمر ستة أشهر، وأصيبت فيه مظاهر العمل والنشاط التجاري والصناعي والتعليمي والزراعي والمواصلات في جميع المدن والقرى بالشلل. وقد زاد من حدة الإضراب تبنّي الفلسطينيين سياسة "العصيان المدني" بتنفيذ الامتناع عن دفع الضرائب اعتباراً من 15 مايو. وأخذ الوضع الفلسطيني يأخذ شكل الثورة الشاملة مع مرور الوقت، فأخذت العمليات الثورية المسلحة التي بدأت محدودة متفرقة-في الانتشار والتوسع حتى عمت معظم أرجاء فلسطين، وبلغ معدلها خمسين عملية يومياً، وزاد الثوار حتى بلغوا حوالي خمسة آلاف، معظمهم من الفلاحين الذين يعودون إلى قراهم بعد القيام بمساعدة الثوار الذين تفرغوا تماماً. وبعد جهود سرية قام بها الحاج أمين ورفاقه، حدث تطور نوعي في الثورة، وذلك بقدوم تعزيزات من الثوار العرب من العراق وسوريا وشرق الأردن بلغت حوالي 250 رجلاً. وكان على رأسها القائد العسكري المعروف فوزي القاوقجي الذي وصل في 22 أغسطس وتولى بنفسه القيادة العامة للثورة، ونظم الشؤون الإدارية والمخابرات، وأقام محكمة للثورة، وأسس غرفة للعمليات العسكرية. وقد اعترفت القيادة العسكرية البريطانية في تلك المدة بتحسن تكتيكات الثوار، مشيرة إلى أنهم أظهروا علامات على فعالية القيادة والتنظيم.

ولم تنفع الوسائل السياسية والعسكرية البريطانية في إيقاف الإضراب والثورة، بما في ذلك إعلان بريطانيا في 18 مايو إرسال لجنة ملكية "لجنة بيل" للتحقيق في أسباب "الاضطرابات"، ورفع التوصيات لإزالة أي"ظلامات مشروعة"، ومنع تكرارها. ولم تتوقف المرحلة الأولى من الثورة الفلسطينية الكبرى والإضراب إلا في 12 أكتوبر 1936 إثر نداء وجهه زعماء السعودية والعراق وشرق الأردن واليمن لأهل فلسطين بـ"الإخلاد إلى السكينة حقناً للدماء، معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية، ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل، وثِقُوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم".
بلغت عمليات المجاهدين في هذه المرحلة من الثورة حوالي أربعة آلاف. ويبدو أن السلطات البريطانية تكتمت كثيرا على خسائرها وخسائر الأطراف الأخرى، لتُهوِّن من شأن الثورة، فذكرت أنه قُتل من اليهود 80 وجرح 288، وقتل من الجيش والشرطة البريطانية 35 وجرح 164، فيما قتل من العرب 193 وجرح 803. وحسب عزة دروزة فإن عدد قتلى العرب زاد عن 750 وعدد الجرحى زاد عن 1500. واستدل مكتب الإحصاء الفلسطيني على "كذب البيانات الرسمية" بأنه بعد أقل من شهرين من بدء الإضراب بلغ عدد قتلى الجنود الذين دفنتهم إدارة الصحة في نابلس 162 جندياً. وقد بلغت خسائر الحكومة البريطانية بسبب الإضراب 3.5 مليون جنيه استرليني عدا خسائر توقف التجارة والسياحة، وهو ما يوازي ميزانية فلسطين لسنة كاملة في ذلك الوقت. وقُدّرت خسائر العرب بعدة ملايين من الجنيهات، رغم أن كل ما جاءهم من إعانات خارجية لم يصل إلى 20 ألف جنيه. وبلغ عدد المنكوبين العرب 300 ألف (ثلث الشعب الفلسطيني). بينهم 40 ألفا من مدينة يافا وحدها.


مرحلة التوقف المؤقت للثورة:
أكتوبر 1936 - سبتمبر 1937

دخلت فلسطين بعد توقف الإضراب في شبه هدنة مؤقتة، بانتظار نتائج توصيات اللجنة الملكية "لجنة بيل"، التي أرسلت للتحقيق في مطالب أهل فلسطين. وقد حافظ الثوار على درجة من التوتر يسهل معها انتقال البلاد إلى الوضع الثوري السابق، في حالة عدم تحقيق المطالب العربية. ولذلك، فقد استمرت عمليات المجاهدين ذات الطابع الفردي كالنسف والقنص والاغتيالات السياسية. وقد اعترفت الحكومة البريطانية بمقتل 97 شخصا بينهم 9 جنود بريطانيين، وجرح 149 بينهم 13 من الشرطة والجيش خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 1937.

وقد أوصت اللجنة الملكية في خلاصة تقريرها - الذي رفعته للحكومة البريطانية في 22 يونيو 1937، ونشرته الحكومة في 7 يوليو - بتقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة عربية وأخرى يهودية، على أن تبقى الأماكن المقدسة وممر إلى يافا تحت الانتداب البريطاني، وقد اجتاحت البلاد موجة من السخط أدّت إلى تفجُّر المرحلة الثانية من الثورة.
أسامة الكباريتي
المرحلة الثانية من الثورة:

سبتمبر 1937 - سبتمبر 1939


كان حادث اغتيال أندروز Andrews حاكم لواء الجليل-على يد جماعة القسام يوم26 سبتمبر 1937 - المؤشر البارز على بدء المرحلة الثانية من الثورة الفلسطينية.وقد عُدَّ مقتل أندروز صدمة كبيرة للسلطات البريطانية إذ كان أول اغتيال لشخصية مدنية كبيرة، وعُدَّ إعلاناً صريحاً للثورة ضد الحكم البريطاني. ويبدو أن حكومة فلسطين كانت مستعدة تماماً للقيام بإجراءات ثورية قمعية قاسية، وكان من الواضح وجود روح من التوافق بين السلطات المدنية والعسكرية لاعتماد أسلوب الشدة والقوة لسحق أي "اضطرابات" من جذورها ... ولذلك لم تتردد هذه المرة - اعتباراً من الأول من أكتوبر 1937 - من حل اللجنة العربية العليا، وإبعاد بعض أفرادها إلى جزر سيشل، وإقالة المفتي من رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى،وحل اللجان القومية والقيام بحملة اعتقالات واسعة.

وكان متوقعاً بالنسبة لمؤيدي سياسة "القبضة الحديدية" الذين انتقدوا بمرارة "عجز" السلطات المدنية في ثورة1936، أن يؤدي أسلوب السلطة الجديد إلى سحق الثورة في مهدها. ولكن الذي حدث كان عكس ذلك تماما، فقد تفجرت ثورة كبرى استمرت أربعة أضعاف تلك المدة التي عاشتها المرحلة الأولى من الثورة ...،ولم تتوقف هذه الثورة إلاّ بعيد اندلاع الحرب العالمية الثانية في أواخر سنة 1939.


ففي يوم فرار الحاج أمين الحسيني إلى لبنان في 14 أكتوبر استؤنفت العمليات الجهادية بشكل واسع. ورغم محاولات الجيش سحق هذه الثورة بكل الوسائل، إلا أنها استطاعت الاستمرار والانتشار، وعاشت فلسطين جواً من الثورة الوطنية العارمة التي حظيت بدعم شعبي هائل. وفي صيف 1938 وصلت الثورة إلى قمة نفوذها، وخضعت لهيمنتها مناطق واسعة، خصوصا شمال فلسطين ووسطها، وتحطمت الإدارة المدنية في معظم مناطق فلسطين. واقتحم الثوار العديد من المدن المهمة، وكانوا يسيرون وهم مسلحون تماماً في شوارع نابلس دون خوف، وأظهر الثوار قدرة جيدة على التنظيم وفعالية في "حرب العصابات"، وشكلوا محاكم للفصل في القضايا، وعاقبوا بحسم السماسرة والجواسيس والعملاء. وأصبح قادة الثوار بمثابة الحكام الإداريين في مناطقهم ... وعندما كان يَحلُّ القائد في قرية كانت تزدحم بأهل القرى المجاورة ووفود المدن القريبة"وتقام فيها الولائم والحفلات، وتنشد الأهازيج، وترسل الزغاريد، كأن الناس في عرس أو عيد، غير مبالين ولا متحسبين، كأنه لم يكن للحكومة وجود. وزادت أعداد الثوار حتى بلغت حوالي عشرة آلاف، غير أن عدد المتفرغين منهم تماماً للثورة لم يكن يزيد على ثلاثة آلاف، وكان هناك ألف يعملون في المدن، والباقي من الفلاحين الذين يقومون بنجدة إخوانهم في المعارك عندما تستدعي الحاجة. وبلغ من شدة الثورة أن وزير المستعمرات عدَّ فلسطين "أصعب بلد في العالم"، ووصف مهمة المندوب السامي والقائد العام للقوات البريطانية بأنها "أشق مهمة واجهت السلطات البريطانية في أية بلاد أخرى بعد الحرب العظمى".


وشُكّلت في سوريا ولبنان "لجنة الجهاد المركزية" تحت إشراف وتوجيه الحاج أمين، وتولى إدارتها الفعلية في دمشق محمد عزة دروزة، وقد اهتمت اللجنة بتوجيه الثورة وإمدادها وإسعاف منكوبيها. أما قيادة الثورة في فلسطين فقد تولاها الفلسطينيون أنفسهم، وأبدى العديد من قادتهم مهارة كبيرة، غير أن قادة الثورة لم يتوحدوا جميعا تحت قائد واحد، بسبب وجود شيء من التكافؤ جعل من الصعب قيادة أحدهم للجميع. لكن جماعة القسام استطاعت أن توحد تحت قيادة أبي إبراهيم الكبير -وبمساعدة عدد من إخوانه أعضاء الجماعة كيوسف أبو درة ومحمد الصالح وأبو إبراهيم الصغير وسليمان عبد القادر - مناطق شمال فلسطين وقسماً من مناطق نابلس وقسماً من منطقة القدس الشمالية، وهي من أكثر المناطق التي تركزت فيها الثورة. وبرز من القادة أيضا عبد الرحيم الحاج محمد في منطقة طولكرم الشرقية، وكان يعرف في بعض مراحل الثورة بالقائد العام، كما برز عارف عبد الرزاق في منطقة طولكرم الغربية، وتولى حسن سلامة قيادة منطقة اللد، وتولى عيسى البطاط قيادة منطقة الخليل، كما تولى عبد القادر الحسيني قيادة منطقة القدس.


وقد اتخذت هذه الثورة طابعاً إسلامياً جهادياً عاماً من خلال الدور العظيم لجماعة القسام في شمال فلسطين ووسطها، وحركة الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني في مناطق القدس والخليل، ومن خلال القيادة السياسية لمفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني للحركة الوطنية الفلسطينية، وكذلك عبد الرحيم الحاج محمد المشهور بتدينه والتزامه ... وغيرهم، وفي التعميم على محاكم المجاهدين بالحكم بكتاب الله وسنة رسوله.

وكانت أحلك الأيام التي واجهت السلطات البريطانية ومخابراتها هي صيف 1938، إذ قُضي على الجواسيس في معظم المناطق، ولم تجد السلطات ما تفرق به بين الثوار في المدن عن غيرهم سوى اعتبار كل لابس للكوفية والعقال ثائرا، (وكان هذا غطاء الرأس المعتاد للفلاحين) فتقوم السلطات بملاحقته. ولذلك أصدر الثوار أمراً في أغسطس 1939 لأهل المدن الفلسطينية بنـزع الطربوش (غطاء الرأس في المدن)، ولبس الكوفية والعقال، وذلك إعلاناً للتضامن التام مع الثوار ورمزا لكون الجميع ثواراً. وما أن صدر الأمر حتى سارع أهل فلسطين إلى الاستجابة فزال الفارق الظاهري بين الثوار وغيرهم، وزال الطربوش نهائياً، مما أدهش السلطات، التي فوجئت أن شعبا بكامله ينـزع لباس رأسه، الذي هو من تقاليده الموروثة.


وقد اضطرت السلطات البريطانية إلى إرسال تعزيزات عسكرية ضخمة يقودها أفضل قادة بريطانيا العسكريين أمثال ديل Dill، وويفل Wavell، وهنينج Haining، ومونتجمري Montgomery. وقامت عملياً بإعادة احتلال فلسطين قرية قرية، مستخدمة كافة وسائل البطش والدمار والعقوبات الجماعية، ومستعينة بكافة الوسائل الحديثة لجيش من أقوى جيوش العالم من طيران ودبابات ومدافع وغيرها. واستمرت الحملة عنيفة قاسية خصوصاً من شهر أكتوبر 38 وحتى شهر أبريل 1939. وخلال عام واحد (نوفمبر 1938 - نوفمبر 1939). كانت القوات البريطانية قد قامت باحتلال 2088 قرية وتفتيشها. أي أن كل قرية في فلسطين احتلت وفتشت بما معدله مرتين، لأن مجموع قرى فلسطين يبلغ حوالي ألف قرية. ولذلك فقد عانت الثورة من حالة من التراجع والضعف خصوصا منذ أبريل 1939. حيث فقدت الكثير من زخمها، واستشهد الكثير من قادتها بينما اضطر آخرون للانسحاب. غير أن جذوة الثورة استمرت بالانطفاء التدريجي حتى أواخر سنة 1939.


وحسب الإحصائيات البريطانية فإن مجموع العمليات التي قام بها الثوار خلال فترة 1936-1939 كانت كما يلي:

السنــــــة: 1936 - 1937 - 1938 - 1939

مجموع العمليات : 4076 - 598 - 4969 - 952



ولا يظهر أنه توجد إحصائيات رسمية دقيقة حول الإصابات في المرحلة الثانية من الثورة لكن تقدير أحد القادة السياسيين المؤرخين المعايشين لتلك الأحداث، وهو محمد عزة دروزة، وكان يتولى إدارة اللجنة المركزية للجهاد في أثناء الثورة،يذكر أن إصابات اليهود كانت نحو 1500 ربعهم إن لم يكن ثلثهم من القتلى، وهو قريب من الإحصائيات الرسمية اليهودية، وقَدَّر الإصابات في الجيش والشرطة البريطانية بـ1800 قتيل وجريح، بينما قَدَّر قتلى العرب بثلاثة آلاف وجرحاهم بسبعة آلاف.


توقفت هذه الثورة نتيجة إعادة احتلال بريطانيا "العظمى" لفلسطين، ونتيجة تنسيقها وتعاونها الميداني مع اليهود في فلسطين. وكذلك بسبب حالة الإنهاك والإعياء والانهيار الاقتصادي التي أصابت شعب فلسطين طيلة ثلاث سنوات ونصف، دون أن يجد عوناً جاداً من بلاد العرب والمسلمين، التي كانت هي الأخرى ترزح تحت النفوذ الاستعماري. وبسبب استشهاد كثير من قادة الثورة، ثم بسبب الخلافات الداخلية الفلسطينية الحزبية والعائلية التي ظهرت أواخر مراحل الثورة، واستثمرتها بريطانيا بشكل يسئ إلى الثورة ويضعفها.


على أن هذه الثورة أجبرت بريطانيا على إصدار كتابها الأبيض في مايو 1939 الذي وعدت فيه باستقلال فلسطين خلال عشر سنوات، وبإيقاف الهجرة اليهودية بعد خمس سنوات، ووضع قيود مشددة على انتقال الأراضي لليهود، وقد كان ذلك أحد العوامل التي أسهمت في تهدئة الثورة.

أسامة الكباريتي
ثورة فلسطين الكبرى


ثورة فلسطين الكبرى هي الثورة التي شهدتها فلسطين في السنوات ما بين 1936 و 1939 و شملت جميع أنحائها و كانت الأطول عمراً قياساً بالثورات و الإنتفاضات التي سبقتها. مرت الثورة بمراحل عدة، بعد أن إنطلقت في 20 نيسان عام 1936، بإعلان الإضراب العام الكبير، و الذي استمر ستة أشهر.


محتويات:
  1. ما قبل الثورة
  2. مقدمة في أسبابالثورة
  3. الثورة الفلسطينية الكبرى 1936 – 1939
  4. مرحلة التوقف المؤقت للثورة : تشرينالأول 1936 – أيلول 1937
  5. المرحلة الثانية من الثورة : أيلول 1937 – أيلول 1939
5.1 أهم المعارك التي خاضها الثوار فيمرحلة المد
5.1.1 معركة صيدا : 17/10/1937
5.1.2 معركة النزلة الشرقية : 16/12/1937


ما قبل الثورة
بعد تصفية 1935 اشتد اضطراب الجو السياسي في فلسطين لقرب نيل بعض الأقطار العربية استقلالها وخاصة مصر و سوريا و لبنان على إثر التفاوض لعقد معاهدات التحالف وكان أمل الجماهير الفلسطينية و كفاحها لنيل الاستقلال ومناهضة إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين ولم تكن هذه الأماني لتتحقق إلا عن طريق النضال الجماهيري الموحد والوقوف في وجه السلطة البريطانية. تهيأت الظروف المواتية لإعلان الثورة نتيجة لإنتشار روح القومية العربية خارج فلسطين و إدراك العرب لمخططات الصهاينة الرامية إلى إنشاء الوطن اليهودي بمساعدة بريطانيا، و ازدياد حجم الهجرة الصهيونية منذ سنة 1933 و سيطرة الصهاينة على الشؤون الاقتصادية و تحسس العرب من استمرار شرائهم الأراضي العربية إضافة إلى عدم وضوح المقاصد النهائية التي ترمي إليها الدولة المنتدبة وعدم ثقة العرب بإخلاصها.
بدأت الثورة بقيام العرب بمظاهرات احتجاج رفعت فيها بعض الشعارات كمطالبة سلطة الاحتلال بإيقاف الهجرة الصهيونية فوراً و حظر نقل ملكية الأراضي العربية إلى اليهود الصهاينة ثم إقامة حكومة ديمقراطية يكون النصيب الأكبر فيها للعرب وفقاً لغالبيتهم العددية، و كانت هذه من الأسباب الممهدة لانفجار الثورة .


مقدمة في أسباب الثورة
بعد خمسة أيام من إعلان الإضراب ترأس الحاج أمين الحسيني إحتجاجاً لرؤساء الأحزاب الفلسطينية في بيت بحي المصرارة في القدس ، نتج عنه تشكيل قيادة عامة لشعب فلسطين عرفت بإسم اللجنة العليا ، وهي أصبحت لاحقاً تعمل بإسم الهيئة العربية العليا .
ضمت اللجنة ،المفتي الحاج أمين الحسيني رئيساً، و عضوية راغب النشاشيبي و أحمد حلمي عبد الباقي و الدكتور فخري الخالدي و يعقوب فراج و ألفرد روك و عوني عبد الهادي و عبد اللطيف صلاح و الحاج يعقوب الغصين و جمال الحسيني و فؤاد سابا .
وقرر المجتمعون استمرار الإضراب إلى أن تبدل الحكومة البريطانية سياستها المتبعة في البلاد تبديلاً أساسياً تظهر بوادره في وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين. سرعان ما انطلقت العمليات المسلحة مترافقة مع الإضراب ،ومن أبرز عمليات الثوار في القدس ،في المرحلة الأولى من الثورة معركة باب الواد على طريق القدس-يافا ، و الهجوم على سينما أديسون في القدس ،والهجوم على سيارة مفتش البوليس البريطاني في المدينة ،وعلى اثنين من ضباط الطيران البريطانيين.
بعد ستة أشهر و وساطة من الملوك والأمراء العرب، جرى الإعلان عن وقف الإضراب، و نهاية المرحلة الأولى من الثورة التي ما لبث أن تفجرت بعد تبين كذب الوعود البريطانية. واجه البريطانيون المرحلة الأولى من الثورة بقمع شديد وتعزز هذا القمع عشية انطلاق المرحلة الثانية منها، بمحاولة اعتقال الحاج أمين الحسيني و نفيه لكنه استطاع الإفلات من طوق البريطانيين الذين دهموا مقر اللجنة العربية العليا، و التجأ إلى المسجد الأقصى ثم غادره إلى خارج فلسطين .

ومن القدس انطلقت المرحلة الثانية من الثورة عبر سلسلة كبيرة من الهجمات التي نفذها الثوار ضد دوريات الجيش و الشرطة البريطانية بلغت فعاليات الثورة في القدس ،ذروتها في أيلول من عام ثمانية وثلاثين ،وذلك حين تمكن الثوار الفلسطينيون من تحرير البلدة القديمة في القدس ،من سيطرة قوات الاحتلال البريطاني ،واستمرت البلدة محررة لأكثر من أسبوع رغم قيام الطائرات البريطانية بإلقاء منشورات على القدس وضواحيها ،موقعة من القائد العسكري البريطاني ،لمنطقة القدس ،ويدعو فيها جميع السكان في البلدة القديمة إلى إلقاء السلاح والتزام منازلهم ضد الثوار هجمات عديدة لقوات الاحتلال البريطاني التي حاصرت البلدة ، و أحكمت الطوق عليها ، و لكن البريطانيين الذين اقتحموا البلدة بعد ذلك، اضطروا إلى الخروج منها مجدداً لثلاثة أيام، قبل أن يقوموا بشن هجوم كبير عليها و معاودة احتلالها .

استخدم البريطانيون في هجماتهم على الثوار في القدس الطائرات بقنابلها ومدافعها الرشاشة ، وقاوم الثوار الهجوم البريطاني شبراً شبراً، حتى أن وصول البريطانيين إلى سوق العطارين قد استغرق ثلاثة أيام ، وجرى استخدام السكان، عبر خدعة بريطانية، كدروع بشرية لحماية تقدم البريطانيين .
معركة البلدة القديمة، هي واحدة من المعارك الكبرى التي شهدتها الثورة، في ذروتها سنة 1938، حيث تمكن الثوار من السيطرة على أكثر من مدينة على غرار ما شهدته البلدة القديمة من القدس ، غير أن الثورة ولأسباب عديدة انحسرت عام تسعة وثلاثين .

ومن أسباب الثورة أيضا :-
وصول حدة التناقض إلى ذروته في عملية انتقال المجتمع الفلسطيني من الاقتصاد الزراعي الإقطاعي العربي إلى الاقتصاد الصناعي البرجوازي الصهيوني وسيطرة الصهاينة على الاقتصاد الفلسطيني . ولاشك أن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية قد أرغمت على تبني شكل الكفاح المسلح لأنه لم يعد بوسعها أن تبقى تمثل قيادة الجماهير في الوقت الذي وصل فيه التناقض إلى شكل صدامي حاسم، مما دفع القيادة الفلسطينية آنذاك إلى تبني أسلوب الكفاح المسلح و هو حركة عز الدين القسام وسلسلة الهزائم التي منيت بها هذه القيادة طيلة فترة قيادتها للحركة الجماهيرية ,ثم العنف الصهيوني مضافا إليه العنف الاستعماري وطرق قمع الثورات والانتفاضات الوطنية فتطورت هذه الإضرابات وعمت أنحاء فلسطين و طافت في الشوارع و تحولت بعد ذلك إلى ثورة عظيمة هذت مضاجع بريطانيا وقواتها عندما بدأت بإلقاء القنابل وقطع أسلاك التلغراف وتعطيل الطرق والمعابر ومجابهة القوات البريطانية وتفجير أنابيب البترول وقطع السكك الحديدية لتأخير وصول الإمدادات . وعلى آثر ذلك تدفقت أعداد كبيرة من الجنود البريطانيين تقدر بعشرين ألف جندي وبعد استكمال وصول القوات البريطانية في 30 أيلول 1936 صدر مرسوم بالأحكام العرفية وضاعفت سلطة الانتداب خطها القمعي المتصلب .


الثورة الفلسطينية الكبرى
1936 – 1939
تعد هذه الثورة من أعظم الثورات في تاريخ فلسطين في القرن العشرين وقد عبرت عن روح التضحية والفداء والمصابرة والإصرار على الحقوق التي تميز بها أبناء فلسطين . وتمكنت هذه الثورة في بعض مراحلها من السيطرة على كل الريف الفلسطيني , بل والسيطرة على عدد من المدن , بينما أنكفأت السلطات البريطانية في بعض المدن الهامة . وقدمت هذه الثورة نموذجا عالميا هو أطول إضراب يقوم به شعب كامل عبر التاريخ الحديث حيث استمر 178 يوما . وربما لو كان الامر مقتصرا على الصراع بين شعب فلسطين وبين الاستعمار البريطاني لنالت فلسطين حريتها و استقلالها منذ تلك الثورة , إذا ما قارنا هذه الثورة بثورات الشعوب التي نالت استقلالها , ولكن وجود العامل اليهودي-الصهيوني وتأثيره القوي داخل فلسطين وفي بريطانيا والدول الكبرى جعل الأمر أكثر صعوبة وتعقيدا , وفرض أن تتسع دائرة مشروع التحرير إلى الدائرة العربية والإسلامية. وتنقسم الثورة إلى مرحلتين , كانت بينهما مرحلة توقف أشبه " بالهدنة المسلحة " المشوبة بالتوتر المرحلة الأولى من الثورة : نيسان تشرين الأول 1936
لم تلق جماعة " الجهادية " (القساميون) السلاح بعد استشهاد قائدها، فقامت باختيار قائد جديد هو الشيخ فرحان السعدي- الذي رغم أنه كان في الخامسة والسبعين من عمره إلا أنه كان لا يزال مقاتلاً صلباً نشطاً مشهوراً بدقته في إصابة الهدف .


وقد عملت هذه الجماعة على تهيئة الظروف لانطلاقة أقوى وأوسع . وقد تفجرت الشرارة الأولى للثورة الكبرى في فلسطين يوم 15 نيسان 1936، عندما قامت مجموعة قسامية بقيادة الشيخ فرحان السعدي بقتل إثنين من اليهود و جرح ثالث على طريق نابلسطولكرم . رد اليهود باغتيال اثنين من العرب في اليوم التالي ، ثم حدثت صدامات واسعة بين العرب واليهود في منطقة يافا يوم 19 نيسان أدت إلى مقتل تسعة يهود وجرح 45 آخرين ، وقتل من العرب اثنان وجرح 28 . وساد البلاد جو شديد من التوتر ، أعلنت الحكومة على إثره منع التجول في يافا وتل أبيب كما أعلنت حالة الطوارئ في كل فلسطين . وفي 20 نيسان شكلت في نابلس لجنة قومية غير حزبية كان وقودها الدافع مجموعة من الشبان المثقفين في مقدمتهم أكرم زعيتر . وقد دعت اللجنة إلى الإضراب العام في فلسطين و على أن يستمر إلى أن تعلن الحكومة البريطانية استجابتها للمطالب الوطنية . وقد لقى الإضراب استجابة واسعة ، وتشكلت لجان قومية في أنحاء فلسطين لتأمين الإضراب وإنجاحه ، وتجاوبت الأحزاب العربية الفلسطينية مع الإضراب وأيدته . ثم ما لبثت تحت الضغط الشعبي أن وحدت القيادة الفلسطينية بتشكيل " اللجنة العربية العليا " في 25 نيسان و التي وافق الحاج أمين الحسيني على ترؤسها . وهكذا نزل الحاج أمين لأول مرة منذ 16 عاما إلى ميدان المعارضة المكشوفة للسلطات البريطانية . وقد قررت اللجنة العليا الاستمرار في الإضراب، و أكدت على مطالب الشعب الفلسطيني المعروفة بـ
  • إيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
  • منع انتقال الأراضي العربية إلى اليهود.
  • إنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي.
وهكذا دخلت فلسطين في إضراب شامل استمر ستة أشهر ، وأصيبت فيه مظاهر العمل والنشاط التجاري والصناعي والتعليمي والزراعي والمواصلات في جميع المدن والقرى بالشلل . وقد زاد من حدة الإضراب تبني الفلسطينيين سياسة " العصيان المدني " بتنفيذ الامتناع عن دفع الضرائب اعتباراَ من يوم 15 مايو .
وأخذ الوضع الفلسطيني يأخذ شكل الثورة الشاملة مع مرور الوقت ، فأخذت العمليات الثورية المسلحة التي بدأت محدودة متفرقة في الانتشار حتى عمت معظم أرجاء فلسطين , وبلغ معدلها خمسين عملية يومياً، وزاد عدد الثوار حتى بلغ حوالي خمسة آلاف، معظمهم من الفلاحين الذين يعودون على قراهم بعد القيام بمساعدة الثوار الذين تفرغوا تماما . وبعد جهود سرية قام بها الحاج امين ورفاقه , حدث تطور نوعي في الثورة، وذلك بقدوم تعزيزات من الثوار العرب من العراق وسوريا وشرق الأردن بلغت حوالي 250 رجلا . وكان على رأسها القائد العسكري المعروف فوزي القاوقجي الذي وصل في 22 آب وتولى بنفسه القيادة العامة للثورة، ونظم الشئون الإدارية والمخابرات، و أقام محكمة للثورة، و أسس غرفة للعمليات العسكرية . وقد إعترفت القيادة العسكرية البريطانية في تلك الفترة بتحسن تكتيكات الثوار، مشيرةً إلى انهم أظهروا علامات على فعالية القيادة والتنظيم .
ولم تنفع الرسائل السياسية والعسكرية البريطانية في إيقاف الإضراب والثورة، بما في ذلك إعلان بريطانيا في 18 مايو إرسال لجنة ملكية " لجنة بيل " للتحقيق في أسباب " الأضطرابات "، ورفع التوصيات لإزالة أي " ظلامات مشروعة " ومنع تكرارها . ولم تتوقف المرحلة الأولى من الثورة الفلسطينية الكبرى والإضطراب إلا في 12 تشرين الأول 1936 إثر نداء وجهه زعماء السعودية و العراق و شرق الأردن و اليمن لأهل فلسطين بـ "الإخلاد إلى السكينة حقناً للدماء، معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية، ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل، و ثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم".
بلغت عمليات المجاهدين في هذه المرحلة من الثورة حوالي أربعة آلاف، ويبدو أن السلطات البريطانية تكتمت كثيراً على خسائرها وخسائر الأطراف الأخرى، لتهون من شأن الثورة، فذكرت أنه قُتل من اليهود 80 وجرح 288، وقتل من الجيش والشرطة البريطانية 35 وجرح تابع ماقبله ..

وقتل من الجيش والشرطة البريطانية 35 وجرح 164، فيما قتل من العرب 193 وجرح 803 . وحسب محمد عزة دروزة فإن عدد قتلى العرب زاد عن 750 وعدد الجرحى زاد عن 1500 . واستدل مكتب الإحصاء الفلسطيني على " كذب البيانات الرسمية " بأنه بعد أقل من شهرين من بدء الإضراب بلغ عدد قتلى الجنود الذين دفنتهم إدارة الصحة في نابلس 162 جندياً. وقد بلغت خسائر الحكومة البريطانية بسبب الإضراب 3.5 مليون جنيه استرليني عدا خسائر توقف التجارة والسياحة، وهو ما يوازي ميزانية فلسطين لسنة كاملة في ذلك الوقت . وقدرت خسائر العرب بعدة ملاين من الجنيهات، رغم أن كل ما جاءهم من إعانات خارجية لم يصل إلى 20 ألف جنيه . وبلغ عدد المنكوبين العرب 300 ألف ( ثلث الشعب الفلسطيني ) بينهم 40 ألفاً من مدينة يافا وحدها .
أسامة الكباريتي
مرحلة التوقف المؤقت للثورة :

تشرين الأول 1936 – أيلول 1937


دخلت فلسطين بعد توقف الإضراب في شبه هدنــة مؤقتـة بانتظار نتائج توصيات اللجنة الملـكية " لجنة بيـل " التي أرسلت للتحقيق في مطالب أهل فلسطين. وقد حافظ الثوار على درجة من التوتر يسهل معها انتقال البلاد إلى الوضع الثوري السابق، في حالة عدم تحقيق المطالب العربية. ولذلك، فقد استمرت عمليات المجاهدين ذات الطابع الفردي كالنسف والقنص والاغتيالات السيـاسية . وقد اعترفت الحكومة البريطانية بمقتل 97 شخصا بينهم 9 جنود بريطانين , وجرح 149 بينهم 13 من الشرطة والجيش خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 1937 .

وقد أوصت اللجنة الملكية في خلاصة تقريرها الذي رفعته إلى الحكومة البريطانية في 22 حزيران 1937، ونشرته الحكومة في 7 تموز بتقسيم فلسطين إلى دولتين : واحدة عربية وأخرى يهودية ، على أن تبقى الأماكن المقدسة وممر إلى يافا تحت الانتداب البريطاني، وقد اجتاحت البلاد موجة من السخط أدت إلى تفجر المرحلة الثانية من الثورة.



المرحلة الثانية من الثورة :

أيلول 1937 – أيلول 1939


كان حادث إغتيال ( أندروز Andrews ) حاكم لواء الجليل على يد جماعة القسام يوم 26 أيلول 1937 – المؤشر البارز على بدء المرحلة الثانية من الثورة الفلسطينية . وقد اعتبر مقتل أندروز صدمة كبيرة للسلطات البريطانية إذ كان أول اغتيال لشخصية مدنية كبيرة ، واعتبر إعلاناً صريحاً للثورة ضد الحكم البريطاني . ويبدو أن حكومة فلسطين كانت مستعدة تماماً للقيام بإجراءات ثورية قمعية قاسية، وكان من الواضح وجود روح من التوافـق بين السلطـات المدنيــة والعسكرية باعتماد أسلوب الشدة والقوة لسحق أية " إضطرابات ". ولذلك لم تتردد هذه المرة، إعتباراً من الأول من تشرين الأول 1937 في حل اللجنة العربية العليا , و إبعاد بعض أفرادها إلى جزر سيشل، و إقالة المفتي من رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، و حل اللجان القومية والقيام بحملة اعتقالات واسعة .

وكان متوقعاً بالنسبة لمؤيدي سياسة " القبضة الحديدية " الذين انتقدوا بمــرارة " عجـز" السلطات المدنية في ثورة 1936، أن يؤدي أسلوب السلطة الجديد إلى سحق الثورة في مهدها . و لكن الذي حدث كان عكس ذلك تماماً، فقد تفجرت ثورة كبرى استمرت أربعة أضعاف تلك الفترة التي عاشتها المرحلة الأولى من الثورة، ولم تتوقف هذه الثورة إلا بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية أواخر سنة 1939 .

ففي يوم فرار الحاج أمين الحسيني إلى لبنان في 14 تشرين الأول استؤنفت العمليات الجهادية بشكل واسع . ورغم محاولات الجيش سحق هذه الثورة بكل الوسائل ، إلا أنها استطاعت الاستمرار والانتشار , وعاشت فلسطين جوا من الثورة الوطنية العارمة التي حظيت بدعم شعبي هائل . وفي صيف 1938 وصلت الثورة إلى قمة نفوذها ، وخضعت لهيمنتها مناطق واسعة ، خصوصا شمال فلسطين ووسطها ، وتحطمت الإدارة المدنية في معظم مناطق فلسطين . واقتحم الثوار العديد من المدن الهامة، و كانوا يسيرون وهم مسلحون تماماً في شوارع نابلس دون خوف و أظهر الثوار قدرة جيدة على التنظيم وفعالية في " حرب العصابات " , وشكلوا محاكم للفصل في القضايا، وعاقبوا بحسم السماسرة والجواسيس والعملاء. وأصبح قادة الثوار بمثابة الحكام الإدارين في مناطقهم، وعندما كان يحل القائد في قرية كانت تزدحم بأهل القرى المجاورة ووفود المدن القريبة وتقام فيها الولائم والحفلات، وتنشد الأهازيج ، وترسل الزغاريد، كأن الناس في عرس أو عيد، غير مبالين لا متحسبين، كأنه لم يكن للحكومة وجود. وزادت أعداد الثوار حتى بلغت حوالي عشرة آلاف، غير أن عدد المتفرغين منهم تماماً للثورة لم يكن يزيد على ثلاثة آلاف ، وكان هناك ألف يعملون في المدن والباقي من الفلاحين الذين يقومون بنجدة إخوانهم في المعارك عندما تستدعي الحاجة. وبلغ من شدة الثورة أن وزير المستعمرات عد فلسطين " أصعب بلد في العالم " ووصف مهمة المندوب السامي والقائد العام للقوات البريطانية بأنها " أشق مهمة واجهت السلطات البريطانية في أية بلاد أخرى بعد الحرب العظمى ".

وشكلت في سورية و لبنان " لجنة الجهاد المركزية " تحت إشراف وتوجيه الحاج أمين ، وتولى إدارتها الفعلية في دمشق محمد عزة دروزة ، وقد إهتمت اللجنة بتوجيه الثورة و إمدادها و إسعاف منكوبيها . أما قيادة الثورة في فلسطين فقد تولاها الفلسطنيون أنفسهم ، وأبدى العديد من قادتهم مهارة كبيرة , غير أن قادة الثورة لم يتوحدوا جميعا تحت قائد واحد , بسبب وجود شئ من التكافؤ جعل من الصعب قيادة أحدهم للجميع . لكن جماعة القسام استطاعت أن توحد تحت قيادة ( أبي إبراهيم الكبير ) – وبمساعدة عدد من إخوانه أعضاء الجماعة كيوسف أبو درة ومحمد الصالح وأبو إبراهيم الصغير وسليمان عبد القادر مناطق شمال فلسطين وقسماً من مناطق نابلس وقسماً من منطقة القدس الشمالية ، وهي من أكثر المناطق التي تركزت فيها الثورة . وبرز من القادة أيضا عبد الرحيم الحاج محمد في منطقة طولكرم الشرقية ، وكان يعرف في بعض مراحل الثورة بالقائد العام ، كما برز عارف عبد الرزاق في منطقة طولكرم الغربية ، وتولى حسن سلامة قيادة منطقة اللد ، وتولى عيسى البطاط قيادة منطقة الجليل، كما تولى عبد القادر الحسيني قيادة منطقة القدس .

وقد إتخذت هذه الثورة طابعاً إسلامياً جهادياً عاماً من خلال الدور العظيم لجماعة القسام في شمال فلسطين ووسطها ، و حركة الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني في مناطق القدس و الخليل، ومن خلال القيادة السياسية لمفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني للحركة الوطنية الفلسطينية، وكذلك عبد الرحيم الحاج محمد المشهور بتدينه والتزامه، و غيرهم و في التعميم على محاكم المجاهدين بالحكم بكتاب الله وسنة رسوله.

وكانت أحلك الايام التي واجهت السلطات البريطانية ومخابراتها هي صيف 1938 ، إذ قُضي على الجواسيس في معظم المناطق ، ولم تجد السلطات ما تفرق به بين الثوار في المدن عن غيرهم سوى اعتبار كل لابس للكوفية والعقال ثائراً ( وكان هذا غطاء الرأس المعتاد للفلاحين ) فتقوم السلطات بملاحقته . ولذلك أصدر الثوار أمراً في آب 1939 لأهل المدن الفلسطينية بنـزع الطربوش ( غطاء الرأس في المدن )، ولبس الكوفية والعقال ، وذلك إعلاناً للتضامن التام مع الثوار ورمزاً لكون الجميع ثواراً . وما أن أصدر الامر حتى سارع أهل فلسطين إلى الاستجابة فزال الفارق الظاهري بين الثوار وغيرهم ، وزال الطربوش نهائياً، مما أدهش السلطات التي فوجئت أن شعباً بكامله ينزع لباس رأسه، الذي هو من تقاليده الموروثة.

وقد إضطرت السلطات إلى إرسال تعزيزات عسكرية ضخمة يقودها أفضل قادة بريطانيا العسكريين أمثال ( ديــل Dill ) (وويفل Wavell ) ( وهنــينك Haining ) ( ومونتكومري Montgomery ) وقامت عملياً باعادة احتلال فلسطين قرية قرية مستخدمة كافة وسائل البطش والدمار والعقوبات الجماعية، ومستعينة بكافة الوسائل الحديثة لجيش من أقوى جيوش العالم من طيران ودبابات ومدافع وغيرها. واستمرت الحملة عنيفة قاسية خصوصاً من شهر تشرين الأول 1938 وحتى شهر نيسان 1939. وخلال عام واحد (تشرين الثاني 1938 – تشرين الثاني 1939 ) . كانت القوات البريطانية قد قامت باحتلال 2088 قرية وتفتيشها . أي ان كل قرية في فلسطين احتلت وفتشت بما معدله مرتين، لأن مجموع قرى فلسطين يبلغ حوالي ألف قرية . ولذلك فقد عانت الثورة من حالة من التراجع والضعف خصوصاً منذ نيسان 1939، حيث فقدت الكثير من زخمها، واستشهد الكثير من قادتها بينما اضطر آخرون للإنسحاب و استمرت جذوة الثورة بالانطفاء التدريجي حتى أواخر سنة 1939 .

وحسب الإحصائيات البريطانية فإن مجموع العمليات التي قام بها الثوار خلال فترة 1936-1939 كانت كما يلي :- السنة 1936 1937 1938 1939 مجموع العمليات 4076 598 4969 952

ولا يظهر أنه توجد إحصائيات رسمية دقيقة حول الإصابات في المرحلة الثانية من الثورة لكن تقدير محمد عزة دروزة، وهو أحد القادة السياسيين المؤرخين المعايشين لتلك الأحداث و كان يتولى إدارة اللجنة المركزية للجهاد في أثناء الثورة، يذكر أن إصابات اليهود كانت نحو 1500 ربعهم إن لم يكن ثلثهم من القتلى ، وهو قريب من الإحصائيات الرسمية اليهودية، وقدر الإصابات في الجيش والشرطة البريطانية ب 1800 قتيل وجريح، بينما قدر قتلى العرب بثلاثة آلاف وجرحاهم بسبعة آلاف .

توقفت هذه الثورة نتيجة إعادة احتلال بريطانيا لفلسطين ، ونتيجة تنسيقها و تعاونها الميداني مع اليهود في فلسطين، و كذلك بسبب حالة الإنهاك و الإعياء و الانهيار الاقتصادي التي أصابت شعب فلسطين طيلة ثلاث سنوات ونصف، دون أن يجد عوناً جاداً من بلاد العرب والمسلمين، والتي كانت هي الأخرى ترزح تحت النفوذ الاستعماري . يضاف إلى ذلك استشهاد كثير من قادة الثورة و الخلافات الداخلية الفلسطينية الحزبية والعائلية التي ظهرت أواخر مرحلة الثورة ، و استثمرتها بريطانيا بشكل يسئ إلى الثورة و يضعفها .

على أن هذه الثورة أجبرت بريطانيا على إصدار كتابها الأبيض في أيار 1939 الذي وعدت فيه باستقلال فلسطين خلال عشر سنوات، وبإيقاف الهجرة اليهودية بعد خمس سنوات، ووضع قيود مشددة على انتقال الأراضي لليهود، وقد كان ذلك أحد العوامل التي أسهمت في تهدئة الثورة.

أسامة الكباريتي
أهم المعارك التي خاضها الثوار في مرحلة المد

امتدت تلك المرحلة الممتدة من صيف 1937 وحتى خريف 1938 و بدأت بمقتل لويس أندروز و الخطوات البريطانية التي جاءت كرد على ذلك وبين تولي الجنرال ويفيل، القائد الأعلى للقوات البريطانية في الشرق، قيادة القوات البريطانية في فلسطين.


معركة صيدا : 17/10/1937

جرت هذه المعركة في المنطقة الواقعة بين قريتي دير الغصون و صيدا ( قضاء طولكرم) وذلك عندما حاولت قوات بريطانية تطويق ومحاصرة قوة من الثوار، كان يقودها عبد الرحيم الحاج محمد، كان قوامها ستين ثائراً، وكانت ترابط في منطقة النزلات.

علم الثوار بأمر الحصار من ضابط عربي كان مجنداً في قوات " الزنّار الأحمر " فبدأوا بالانسحاب، وعند مرور الثوار في الوادي الواقع بين صيدا ودير الغصون، بدأت طائرة بريطانية بقصفهم، وتبادلوا النار مع بعض قوات الفرسان التي حاولت إدراكهم. نجح الثوار، وعلى رأسهم القائد عبد الرحيم الحاج محمد، بالإفلات من الطوق مستعينين بالظلام الذي كان قد حل. و قد جرح في هذه المعركة ثائران. ( هذا حسب رواية شفوية لشاهد عيان على المعركة وهو الحاج أبو غالب كتانة، مختار النزلة الشرقية في حينه) . في حين إدعت المصادر العسكرية بأنه لم تقع إصابات في صفوف قواتها . ( أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية، ملف رقم C.O.733 \352|3 ) .


معركة النزلة الشرقية : 16/12/1937

جرت هذه المعركة في قرية النزلة الشرقية، حين استطاع البريطانيون هذه المرة مباغتة الثوار الذين كانوا مرابطين هناك. أحكم البريطانيون الطوق، بشكل أجبر الثوار على التحصن في مواقعهم. وهذه المرة أيضاً ساعد المجندون العرب في الجيش البريطاني، عندما فتح بعضهم ثغرة في الطوق استطاع معظم الثوار الإفلات من خلالها تاركين وراءهم أربعة شهداء، أما عبد الرحيم الحاج محمد فقد جرح في المعركة، في ذراعه الأيسر، وقام مختار القرية، الحاج أبو غالب كتانة، بإخفائه في أحد الكهوف، ولم يستطع الإنكليز اكتشافه.

نقل عبد الرحيم الحاج محمد من باقة الغربية إلى ميسر و من هناك إلى قفين و أم القطف و عارة و عرعرة حيث كان يقيم متخفياً في كل قرية من هذه القرى بضع ليال، ثم كان ينتقل إلى قرية أخرى إلى أن تم نقله عبر إحدى العبارات على نهر الأردن إلى شمال الأردن ومن هناك إلى دمشق حيث عولج فيها مدة ثلاثة أشهر.

(مقابلة مع عطية نايف غزالة، كفر اللبد 1999 .3 .31) .

وبعد انتهاء عمليات التفتيش، التي دامت ساعات طويلة، نقل إلى باقة الغربية التي مكث فيها واحداً وعشرين يوماً، كان يأتي إليه الطبيب فؤاد دعدس من طولكرم متخفياً في ثوب بائعة لبن كانت تدخل إلى البيت الذي اختبأ فيه القائد العام. حيث كان يغيّر له الضمادات التي لف بها الجرح.


ومن الجدير ذكره هنا التنويه للدور الذي لعبه الأطباء العرب أثناء الثورة لتقديم العلاج اللازم للثوار الذين أصيبوا في المعارك، ولم يرغبوا بأن يعالجوا بالمشافي الحكومية كي لا يتم اعتقالهم من قبل السلطات. فقد كان قادة الفصائل يبعثون الرسل إلى الأطباء كي يحضروا إلى رؤوس الجبال لمعالجة الجرحى. وفي الحالات الحرجة، كان الجريح يجلب إلى بيت أو العيادة الشخصية للطبيب كي يتم علاجه.

وكان في ذلك مخاطرة كبيرة على الجريح نفسه وعلى الطبيب الذي كان، إذا ما أكتشف أمره، عرضة للطرد من وظيفته وحتى الاعتقال. وفي المنطقة التي نحن بصددها، حري بنا أن نذكر الدور المميز الذي لعبه الدكتور فؤاد دعدس، الطبيب في المستشفى الحكومي في طولكرم، والطبيب أديب الخرطبيل وهو طبراني الأصل والذي عمل مديراً للمستشفى الحكومي في طولكرم أثناء إضراب و ثورة 1936 -1939. في حين كان لزوجته اللبنانية الأصل دور مهم في تنظيم الفعاليات الشعبية والنسائية في منطقة طولكرم وقضاها أثناء الثورة.

وفي هذا السياق يمكن أن نذكر الدور المميز الذي لعبه الصيدلي منير السختيان، صاحب صيدلية السختيان في طولكرم، والذي كان يجهز الثوار في المنطقة بما يلزمهم من الأدوية بشكل مجاني أو بمبلغ رمزي. وقد كان يلعب في بعض الحالات دور الطبيب الجراح والمضمد إذا عز على الثوار إحضار طبيب لمعالجة الجرحى.

وقد تقودنا قصة نجاح الأجهزة اللوجستية للثورة، مع وسائلها وآلياتها المتواضعة، إلى عبرة مفادها أن الجماهير الفلسطينية في هذه الفترة من الثورة كانت تتمتع بقسط كبير من الرغبة والإستعداد للتضحية في سبيل خدمة الصالح العام، في حين تراجعت، إلى حد كبير، ظاهرة العمالة والمخبرين العرب الذين كانوا على استعداد للتعاون مع البريطانيين وجهات أخرى ضد مصلحتهم الوطنية، مقابل أرباح شخصية يجنونها من هذه الجهة أو تلك.





أسامة الكباريتي
تطور المشروع الصهيوني في فلسطين



(1939 – 1947)
<FONT face=Arial>


أولاً: الموقف الصهيوني من سياسة الكتاب الأبيض والتعاون مع بريطانيا عشية اندلاع الحرب

عندما أعلنت الحكومة البريطانية كتابها الأبيض عام 1939، جاء رد الفعل الصهيوني على المستويين الشعبي والرسمي سريعاً وغاضباً، ففي 18 مايو (في اليوم التالي لإعلان ذلك الكتاب) اندلعت المظاهرات اليهودية الغاضبة في فلسطين تعلن تصميم التجمع اليهودي في البلاد (الييشوف) على رفض ما جاء في ذلك الكتاب وعزمهم على مقاومته مهما كانت التضحيات، وأعلن بن جوريون رئيس اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية تأييده لهذه المظاهرات في رسالة وجهها إلى قائد القوات البريطانية في فلسطين، أكد له فيها البيان الرسمي للوكالة اليهودية، الذي أعلنت فيه رفضها لما جاء في الكتاب الأبيض واستعداد اليهود لمقاومته فهم "لن يقبلوا بغلق أبواب فلسطين أمامهم ولن يقبلوا تحويل وطنهم إلى جيتو آخر".

أما الرد الرسمي للمنظمة الصهيونية العالمية فقد عبر عنه "حاييم وايزمان" رئيس المنظمة في رسالة بعث بها إلى المندوب السامي البريطاني في فلسطين جاء فيها "إن الوطن القومي (اليهودي) يفقد معناه في اللحظة التي يصبح فيها دخول اليهود إليه ممنوعاً إلا بموافقة العرب"، وهدد وايزمان في رسالته باستعداد اليهود لمقاومة سياسة الكتاب الأبيض إذا ما جرى تنفيذها.

وعندما عقد المؤتمر الصهيوني الحادي والعشرون في جنيف خلال الفترة من 16 إلى 25 أغسطس 1939 (قبل أقل من أسبوع من اندلاع الحرب العالمية الثانية) كان على هذا المؤتمر أن يضع أسس العمل الصهيوني في ظل احتمالات اندلاع الحرب. وكان التعاون مع بريطانيا وسياسة الكتاب الأبيض أحد البنود الرئيسية في جدول أعمال ذلك المؤتمر، الذي أسفرت مناقشاته عن رفض ما جاء في ذلك الكتاب، وصوَّت المؤتمرون بالنفي على صلاحيته كأساس للنقاش، إلا أنهم تركوا الباب مفتوحاً أمام الحكومة البريطانية لتعديل ما جاء فيه.

أما بالنسبة إلى التعاون مع بريطانيا، فقد اتجهت الآراء الرئيسية في ذلك المؤتمر إلى ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول، ويتزعمه "حاييم وايزمان"، وكان يرى ضرورة التعاون مع بريطانيا، وأن التحالف معها مسألة حيوية بالنسبة إلى الحركة الصهيونية. وأنه "بقدر ما هي بريطانيا ضرورية للصهيونية فإن التطور الصهيوني لفلسطين يبدو حيوياً لبريطانيا.

بينما كان الاتجاه الثاني، والذي تزعمه "بن جوريون"، يرى أن الوقت قد حان لإلغاء سياسة وايزمان الخاصة بالتعاون التام مع سلطات الانتداب أو التخفيف مها. وكان من رأي أصحاب هذا الاتجاه "أن اليهود في فلسطين قد أصبح لهم كيان خاص يؤهلهم لأن يكون لهم دولة، وعليهم أن يتصرفوا كما لو كانوا كذلك".

أما الاتجاه الثالث، والذي كان يمثل أغلبية المؤتمر، فكان يسعى إلى حل وسط بين الاتجاهين السابقين، ويرى ضرورة الاستمرار في تنفيذ الأهداف الصهيونية، مع مراعاة الاستمرار في التعاون مع بريطانيا، وعدم مقاومتها إلا كحل أخير لا وجود لغيره، وقد مثل هذا الرأي "بيرل كاتزنلسون" إلا أنه في النهاية جاءت قرارات المؤتمر معبرة عن الاتجاه الأخير.

وحتى لا يتعرض العمل الصهيوني للخلل إذا ما وقعت الحرب، قام المؤتمر الصهيوني الحادي والعشرون باختيار مجلس عام من 72 عضوا، على أن يختار ذلك المجلس ـ من أجل تنفيذ المهام العاجلة ـ مجلساً داخلياً مكوناً من ثمانية وعشرين عضواً. وعند اختيار المجلس الأخير فاز حزب المباي بثلاثة عشر عضواً وبذا أصبح المجلس الصهيوني مع اللجنة التنفيذية للمنظمة (وكان أغلب أعضائها من يهود فلسطين)، هم صانعو القرارات الصهيونية خلال الحرب العالمية الثانية بالنسبة إلى الأمور الملحة، الأمر الذي نقل سلطة القرار الصهيوني من المؤسسات الصهيونية الخارجية إلى المؤسسات الصهيونية في فلسطين، وهو ما قوَّى من نفوذ بن جوريون رئيس اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية في القدس، وجعله منافساً قوياً لحاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية في ذلك الوقت.

وبانتهاء المؤتمر الحادي والعشرين، قام حاييم وايزمان بإبلاغ الحكومة البريطانية في التاسع والعشرين من أغسطس بأن اليهود يقفون إلى جانب بريطانيا العظمى، وسوف يحاربون إلى جانب الديمقراطية، وعرض وضع الإمكانات البشرية والمادية اليهودية تحت طلب الحكومة البريطانية، رغم الخلاف حول الكتاب الأبيض، وقد رد "نيفل تشمبرلين" رئيس الحكومة البريطانية مرحباً بذلك العرض ومؤكداً على أنه بالرغم من الخلاف بين اليهود وحكومته، فإنه يعتقد في إمكانية اعتماد بريطانيا على الوكالة اليهودية.

وترجع وقفة المنظمة الصهيونية إلى جانب بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية – بالرغم من اتجاه بريطانيا إلى تطبيق سياسة الكتاب الأبيض عام 1939 ـ إلى سببين رئيسيين هما:

1. سياسة ألمانيا النازية المعادية لليهود، سواء داخل ألمانيا نفسها أو في البلاد التي ضمتها حتى ذلك الوقت (تشيكوسلوفاكيا ـ النمسا)، مما كان يُنذر بالخطر والقضاء على المشروع الصهيوني لو قُدِّر لألمانيا النازية كسب الحرب.

2. رؤية القيادة الصهيونية للحرب ووقوف اليهود إلى جوار بريطانيا في صراعها ضد النازية فرصة مواتية لتحقيق هدفين هما:

أ. تدريب وتسليح قوة يهودية بموافقة السلطات البريطانية ومعاونتها، تكون نواة الجيش اليهودي في فلسطين.

ب. تطويق عنق بريطانيا بجميل يسمح للقيادة الصهيونية بطلب المزيد من المكاسب منها بعد انتهاء الحرب كما حدث في الحرب العالمية الأولى (تصريح بلفور)، فضلاً عن غض البصر ـ خلال الحرب ـ عن أعمال الهجرة اليهودية (غير الشرعية)، والتي كانت المنظمة الصهيونية مصرة على استمرارها رغم سياسة الكتاب الأبيض.

ثانياً: التعاون العسكري الصهيوني البريطاني ودعم القوة العسكرية اليهودية
لتحقيق أهداف التعاون مع بريطانيا عقدت اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية برئاسة بن جوريون اجتماعاً في الثامن من سبتمبر 1939 ـ بعد أسبوع من اندلاع الحرب ـ حضره قادة الهجناه، لتحديد خطة العمل على ضوء الموقف الدولي الجديد. وفي هذا الاجتماع وجَّه بن جوريون حديثه للحاضرين قائلاً: "لقد تمخضت الحرب العالمية الأولى عن وعد بلفور، أما الحرب العالمية الثانية فلابد أن تأتي بالدولة اليهودية، وحدد بن جوريون هدفين مباشرين للعمل هما:

1. إنشاء الجيش اليهودي.

2. إنشاء الدولة اليهودية.
وأوضح بن جوريون للحاضرين، أن ذلك سوف يترتب عليه حرب واسعة النطاق، وطالب قادة الهجناة بما يلي:

1. التخلي عن الدفاع الثابت والخروج لمواجهة العدو أبعد ما يكون عن أهدافه وأقرب ما يكون من قواعده.

2. تشكيل جيش يكون في مقدوره مواجهة الجيوش العربية النظامية.

3. إقامة صناعة للأسلحة تتسم بفعالية أكثر.

4. الحصول على أسلحة ثقيلة.
وتحقيقاً لنفس الأهداف قدمت اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية إلى سلطات الانتداب البريطانية كشوف المسجلين لديها للخدمة الوطنية حتى سبتمبر 1939 (136043 رجل وأمرأة تراوح أعمارهم ما بين 18 و35 عاماً)، من أجل الخدمة العسكرية في فلسطين. وأرفقت عرضها باقتراح تشكيل وحدات عسكرية يهودية مستقلة ومعترف بها من الأعداد السابقة، إلا أن طلبها رُفض منذ البداية.

وكان الموقف الرسمي لحكومة تشمبرلين في ذلك الوقت، هو تشجيع اليهود على الانضمام إلى القوات البريطانية كأفراد، وليس تشكيل وحدات يهودية مستقلة، خوفاً من إثارة العرب، سواء داخل أو خارج فلسطين في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى تسكين الأوضاع في تلك المنطقة.

وما أن تولى ونستون تشرشل رئاسة الوزراء القومية في العاشر من مايو 1940، حتى تجددت المطالبة اليهودية بإنشاء جيشهم الخاص، ورغم تأييد تشرشل لمطالب الزعماء الصهيونيين وتعاطفه معهم، إلا أن هذه المطالب لاقت نفس المعارضة التي لاقتها في عهد تشمبرلين ولنفس الأسباب من الوزراء والقادة العسكريين البريطانيين، وخاصة من لهم علاقة بالشرق الأوسط. إلا أن تشرشل كان له رأي آخر، فقد أرسل ـ بعد أقل من أسبوعين من توليه منصبه ـ إلى اللورد لويد وزير المستعمرات الجديد يخبره "إن هدفنا الوحيد في فلسطين الآن هو تحرير (سحب) إحدى عشرة كتيبة من خير جنودنا فيها، لذا يجب تسليح اليهود وتنظيمهم بأسرع ما يمكن، إذ لا يمكن تركهم دون سلاح".

وسرعان ما أدى دخول إيطاليا الحرب وتهديدها لمصر، وحاجة القيادة البريطانية في الشرق الأوسط إلى قواتها الموجودة في فلسطين لتدعيم الدفاع عن قناة السويس، إلى رضوخ الوزراء والقادة البريطانيين لضغوط تشرشل فيما يتعلق بنقل جزء من القوات البريطانية في فلسطين للدفاع عن قناة السويس، وإحلال قوة يهودية محلها.

وفي 23 أغسطس 1940 أبلغ وزير المستعمرات البريطانية حاييم وايزمان بقرار مجلس الوزراء البريطاني بالاستفادة من اليهود في كل مسرح الحرب وليس في فلسطين وحدها. ورأى وزير المستعمرات أن يكون حجم القوات اليهودية في فلسطين في حدود كتيبة واحدة (500جندي)، مع استخدام ما يزيد عن هذا العدد من المتطوعين كقوة يهودية خارج فلسطين مع عدم حملها علماً أو إشارة مميزة.

ولما كان تشكيل الكتيبة اليهودية المشار إليها لا يحقق المطامع الصهيونية في إنشاء الجيش اليهودي،خاصة وقد سُمح لعرب فلسطين بتشكيل قوة مماثلة[1]، فقد لجأ وايزمان إلى تشرشل مرة أخرى. ورغم ضغوط الأخير على وزرائه، إلا أنها لم تسفر عن استجابة فورية لمطالب وايزمان، الذي أخطر في 4 مارس 1941 بتأجيل مشروع الجيش اليهودي ستة أشهر. وقد عللت بريطانيا تأجيل المشروع بحجة نقص المعدات العسكرية في ذلك الوقت[2]. إلا أنه مع تدهور الأوضاع العسكرية البريطانية في الشرق الأوسط في ذلك الوقت، كان للقيادة الصهيونية في فلسطين شأن آخر، فقد كان ذلك الموقف يحمل الكثير من النذر إلى تلك القيادة، وجعلها تشعر بالقلق خوفاً من احتلال الألمان لسورية وفلسطين. ففي مسرح شمال أفريقيا والبحر المتوسط، نجح روميل في استرداد برقة والوصول إلى الحدود المصرية في 12 أبريل 1941. كما نجحت القوات الألمانية في احتلال اليونان، وحشدت فيها الفيلق الحادي عشر و1280 طائرة، وأسطولاً ضخماً من سفن النقل خلال شهر أبريل وأوائل مايو. أما سورية التي كانت تحتلها حكومة فيشي، فقد أصبحت مسرحاً لنشاط عملاء المحور وطائرات النقل الألمانية، كما تحركت قوات فيشي إلى الحدود الفلسطينية، في الوقت الذي اندلع فيه القتال بين القوات البريطانية وحكومة رشيد عالي الكيلاني – الموالية للمحور ـ في العراق.

ومن ثم "عقدت القيادة العليا للهجناة اجتماعاً سرياً لاستعراض الموقف واحتمالاته، ولم يكن الموقف او احتمالاته تبعث على الاطمئنان. وعلى ضوء تقدير الموقف، "كان هناك حاجة ملحة لإنشاء قوات عسكرية تكون خاضعة خضوعاً مباشراً وخالصاً لقيادة الهجناة ويمكن الاعتماد عليها لمواجهة أو لتعويق الغزو النازي لفلسطين".

وعلى ذلك أصدرت القيادة الصهيونية قرارها بإنشاء قوات البلماخ (القوة الضاربة) في الرابع عشر من مايو 1941. وجاء تشكيل البلماخ مواكباً لقرار قيادة الحلفاء غزو سورية ولبنان في أغسطس من نفس العام. وقد شاركت سرايا البلماخ في هذا الغزو بالقيام بأعمال الارشاد والتخريب والاستطلاع خلف خطوط قوات حكومة فيشي. "ومنذ ذلك الوقت وحتى انتصار قوات الحلفاء في العلمين استمر التعاون غير الرسمي، الذي انطوى على اعتراف بريطاني غير مباشر بقوات البلماخ". وطبقاً لرواية إيجال آلون قائد البلماخ آنذاك، فإن ذلك التعاون مع البريطانيين أتاح لقواته فرصة فريدة لتلقي تدريب أفضل معترف به على أيدي بريطانيين متخصصين في أعمال التخريب والمخابرات والاستطلاع والاتصالات. وتحت ستار المئات من قوات البلماخ ـ التي اعترف بها البريطانيون وموّلُوها ـ تلقى آلاف من قوات الهجناه تدريباً وخبرة مماثلة كما وُضعت نواة لقوة جوية وأخرى بحرية.

أما بالنسبة إلى القوة اليهودية الرسمية التي كانت القيادات الصهيونية تلح على تشكيلها منذ بداية الحرب، فلم تسمح بها الحكومة البريطانية إلا في 20 سبتمبر عام 1944، عندما وافق البريطانيون في النهاية على تشكيل لواء مشاة من يهود فلسطين قوامه خمسة آلاف فرد، وأعطيت هذه القوة فرصة الاشتراك في عمليات إيطاليا في ربيع عام 1945 تحت علمها الخاص.

ولم تقتصر مشاركة يهود فلسطين في الحرب إلى جوار بريطانيا على قوات البلماخ (3000 مقاتل) واللواء اليهودي (5000 مقاتل) فقد تطوع أيضاً في القوات البريطانية ما يقرب من 22600 يهودي كان توزيعهم كما يلي:

4800 فرد في وحدات المشاة.

3300 فرد في وحدات المهندسين.

4400 فرد في وحدات النقل.

1250 فرد في وحدات الأسلحة والمعدات.

1100 فرد في وحدات خدمة الجيش.

2000 فرد في الوحدات الجوية.

1100 فرد في الوحدات البحرية.

4000 متطوعة في وحدات وخدمات الاحتياط.

ولم يقتصر التعاون العسكري اليهودي مع بريطانيا على نشاط القوات السابقة، فقد امتد ذلك التعاون ليشمل عدة مجالات أخرى مثل استخدام معامل الجامعة العبرية في الأبحاث اللازمة للقوات البريطانية في المنطقة، وإنشاء الورش والمصانع الحربية اليهودية لإصلاح وصيانة الأسلحة والمعدات وتصنيع الذخائر والمهمات. وبذلك تكون السلطات البريطانية قد أسهمت ليس فقط في تنمية القوة المسلحة اليهودية وزيادتها، بل إنها أتاحت الفرصة أيضاً لتطوير وتنمية القدرات اليهودية في فلسطين في مجالات البحث العلمي العسكري والصناعات الحربية.


ثالثاً: مقاومة سياسة الكتاب الأبيض
لم تر القيادات الصهيونية أي تعارض بين سياستها الرامية إلى التعاون مع بريطانيا خلال الحرب ومقاومتها لسياسة الكتاب الأبيض الذي أصدرته حكومة الأخيرة. وقد عبر بن جوريون عن موقف اليهود من هذه المعادلة الصعبة عند اندلاع تلك الحرب بقوله "سنحارب مع البريطانيين ضد هتلر كما لو لم تكن هناك ورقة بيضاء، وسنحارب الورقة البيضاء كما لو لم تكن هناك حرب".

وفي إطار محاربة الكتاب الأبيض تحركت الوكالة اليهودية والمنظمات الصهيونية في عدة اتجاهات كان أبرزها ما يلي:

· استغلال الثغرات في النظام الجديد لانتقال الأراضي لزيادة رقعة الأرض اليهودية في فلسطين.

· استغلال مشكلة اللاجئين اليهود في أوروبا لتهجيرهم إلى فلسطين بدلاً من استيعابهم في البلاد الأخرى.

· تنظيم الهجرة غير الشرعية لإدخال مزيد من المهاجرين اليهود إلى فلسطين أكثر مما حدده الكتاب الأبيض لعام 1939.

· تبديل الجياد ونقل ثقل النشاط الصهيوني إلى الولايات المتحدة للضغط على بريطانيا من أجل إلغاء سياسة الكتاب الأبيض.
<FONT size=4><FONT size=4>[/size]
· اللجوء إلى الإرهاب الدولي للضغط على الحكومة البريطانية لإنهاء الانتداب وإقامة الدولة اليهودية.

[size="4"]1. محاولة زيادة رقعة الأرض اليهودية في فلسطين
عند عرض نظام انتقال الأراضي الجديد على مجلس العموم البريطاني تحركت القوى الصهيونية في المجلس وخارجه ضد هذا النظام، واتهم رئيس حزب العمال وزارة المستعمرات بأنها ابتعدت في سياستها عما جاء في صك الانتداب البريطاني على فلسطين، وقدَّم نائب عمالي آخر اقتراح يلوم الحكومة لأنها تجاهلت موقف اللجنة الدائمة للانتدابات من الكتاب الأبيض لعام 1939، الذي تحفظت عليه تلك اللجنة، كما سارع بن جوريون إلى توجيه كتاب إلى المندوب السامي في فلسطين، أشار فيه إلى أن نظام انتقال الأراضي الجديد يعني أن أي يهودي لن يتمكن من حيازة أي قطعة صغيرة من الأرض أو البناء في أي منطقة سوى المدن وجزء صغير من البلاد، وأن هذا النظام يُنكر على اليهود المساواة أمام القانون ويفرق بين السكان على أسس عنصرية، إلا أن الضغوط الصهيونية لم تثن الحكومة البريطانية عن سياستها الجديدة تجاه انتقال الأراضي العربية إلى اليهود، مع بعض الاستثناءات التي ترتبت على السلطات الخاصة للمندوب السامي البريطاني على نحو ما سبق ذكره.

وعندما تقدمت الوكالة اليهودية في مايو 1944 بطلب لإقامة مستعمرات زراعية يهودية في أراضي الدولة تخصص للجنود اليهود المسَّرحين من الجيوش البريطانية، رفض المندوب السامي وقتئذ ذلك الطلب بالنسبة إلى المنطقتين (أ) و(ب)، إلا إذا كان إقامة هذه المستعمرات سيتم على أرض يملكها اليهود فعلاً، أو إذا كان انتقالها لا يتعارض مع أحكام نظام انتقال الأراضي الصادر عام 1940.

ولما كانت اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية تعلم أن أراضي الدولة مستثناة من أحكام ذلك النظام، فقد طالبت بتهيئة جزء من تلك الأراضي في المنطقتين (أ) و(ب) لتوطين الجنود المسرحين. وفي نوفمبر عام 1944 عاودت اللجنة التنفيذية للوكالة طلبها الخاص بتوطين الجنود اليهود المسرحين من الجيوش البريطانية، وبعد دراسة الموقف وافقت حكومة الانتداب على تخصيص 42500 دونم من أراضي الدولة لاستيطان اليهود في المنطقة الحرة.

ولم تتوقف نتيجة الاستثناءات الممنوحة للمندوب السامي على انتقال الأراضي التي سبقت الإشارة إليها إلى أيدي اليهود بعد العمل بنظام الأراضي الجديد، فقد وافق المندوب السامي أيضاً ما بين عامي 1941، 1946 على انتقال 2514 دونم في المنطقة (أ) و10837 دونم في المنطقة (ب) إلى أيدي اليهود كان بعضها بقصد التبادل لتجميع الممتلكات العربية واليهودية والبعض الآخر عن طريق البيع، فضلاً عن الأراضي التي كانت ضمن صفقات عُقدت وسُجلت في سجلات الأراضي قبل إعلان النظام الجديد، ويوضح (جدول مساحة الأراضي العربية واليهودية المزروعة وتوزيعها على المناطق المختلفة طبقاُ لإحصاء عام 1945) توزيع الأراضي العربية واليهودية المزروعة طبقاً لإحصاء حكومة الانتداب عام 1945.0


2. استغلال مشكلة اللاجئين اليهود في أوروبا لتهجيرهم إلى فلسطين
عندما فاضت أوروبا باللاجئين اليهود خلال السنوات الأولى للحرب، عقد مؤتمر في جزيرة برمودا في أبريل عام 1943 لبحث إغاثة المنكوبين عموماً، وقد رَكز ذلك المؤتمر على الجوانب الإنسانية للمشكلة، ولم يربط إغاثة اللاجئين بالأهداف الصهيونية لإقامة الدولة العبرية في فلسطين، وعلى ذلك أصدر المؤتمر قراراته المتعلقة بتشكيل وكالة إغاثة اللاجئين وإعادة توطينهم UNRWA، دون أن يربط التوطين بفلسطين، مما أغضب القيادات الصهيونية.

وقد توافق تأسيس وكالة إغاثة اللاجئين المشار إليها مع إنشاء هيئة لاجئي الحرب الأمريكية في أواخر عام 1943، وأعلنت تلك الهيئة أن الحكومة الأمريكية أصدرت تعليماتها لممثليها الدبلوماسيين في العالم بإعطاء الأولوية القصوى لإنقاذ الذين يواجهون الخطر على حياتهم في المناطق التي يسيطر عليها النازيون، والاتصال بالدوائر المختلفة لإزالة أية عقبات في طريق إنقاذ هؤلاء الناس، إلا أن القيادات الصهيونية كانت ترى أنه لا يكفي إرسال الطعام إلى اللاجئين اليهود وعدم وضع العراقيل في وجه الفارين من السيطرة النازية وتأمين انتقالهم عبر البلدان المحايدة، فلا قيمة لذلك في نظرها إذا لم يتم تهجير هؤلاء اللاجئين إلى فلسطين. وأعلن بن زيفي رئيس المجلس الوطني اليهودي في ذلك الوقت أن إنقاذ اليهود يعني إدخالهم إلى فلسطين ولا حل غير ذلك، وأنه إذا لم يتحقق هذا الغرض فلا معنى لذلك الإنقاذ.

وعندما تفاقمت مشكلة اللاجئين اليهود في أوروبا، طلب الرئيس الأمريكي "روزفلت" من "موريس ارنست" أحد مستشاريه اليهود بحث برنامج محدد لإنقاذ نصف مليون من اللاجئين اليهود في أوروبا واستيعابهم في مختلف بلدان العالم، وما أن أعلن موريس أرنست ـ بعد بحثه للموضوع ـ أن بريطانيا على استعداد لقبول مائة وخمسين ألف لاجئ إذا قبلت الولايات المتحدة مثل هذا العدد وتم توزيع الباقي على دول العالم، حتى هاجمته القيادات الصهيونية كما لو كان خائناً، لأنها رأت في برنامج الرئيس الأمريكي وما أعلنه موريس أرنست تخريباً للصهيونية السياسية ومشروع الدولة اليهودية في فلسطين.

وبالنسبة إلى الوكالة اليهودية فإنها حاولت منذ البداية استغلال مشكلة اللاجئين اليهود لتجاوز عدد المهاجرين الذي حددهم الكتاب الأبيض، فعندما اندلعت الحرب ألحت الوكالة اليهودية على حكومة الانتداب من أجل تهجير كل اليهود الذين تمكنوا من الهرب من ألمانيا والبلاد الواقعة تحت الاحتلال إلى المعسكرات الذي سارعت الوكالة بإقامتها في البلاد المحايدة، غير أن الحكومة البريطانية لم تقبل تهجير أكثر من 9600 يهودي على نحو ما سبق، ومن ثم عمدت الوكالة اليهودية إلى عمليات الهجرة غير الشرعية لتحقيق غايتها.

ومع تقدم الحرب وتراخي الحكومة البريطانية في تطبيق مبدأ رفض هجرة المنتمين إلى دول المحور والبلاد الواقعة تحت الاحتلال، عمدت الوكالة اليهودية إلى استغلال هذا التراخي لتهجير آلاف اليهود تحت دعوى جمع شمل الأسر اليهودية، كما طالبت بالسماح بتهجير أعداد أخرى من اليهود ادعت أن بعضهم كانوا من المواطنين الفلسطينيين والبعض الآخر كن زوجات لمواطنين فلسطينيين، وأخريات كن زوجات ليهود يقيمون في فلسطين ولم يكن أهلاً للمواطنة الفلسطينية، وقد طالبت الوكالة اليهودية بوضع هؤلاء في قائمة تبادل المواطنين بين ألمانيا وبريطانيا بحجة أنهم كانوا في زيارة أقربائهم عندما احتجزتهم سلطات الاحتلال الألماني، وقد استجابت الحكومة البريطانية من ناحيتها لذلك الطلب إلا أن السلطات الألمانية وضعت العقبات في طريق التنفيذ، فلم يُسمح إلا بتبادل الرجال والنساء الذين تجاوزت أعمارهم سن التجنيد العسكري.

وخلال المفاوضات التي دارت بين الوكالة اليهودية و الحكومة البريطانية في ربيع عام 1944 حول الهجرة اليهودية، طالبت الوكالة بالسماح لليهود الهاربين من "بلاد العدو" أو البلاد التي حررتها "قوات حكومة صاحب الجلالة" بالهجرة إلى فلسطين، ومنح اللاجئين اليهود الذين أبعدتهم السلطات البريطانية إلى جزيرة موريشوس الحق في دخول فلسطين، إلا أنه إزاء تصاعد عمليات الإرهاب الصهيوني في فلسطين في ذلك الوقت، رفضت الحكومة البريطانية في البداية المطالب اليهودية السابقة، إلا أنه إزاء الضغط الصهيوني قبلت الحكومة البريطانية في سبتمبر عام 1944 تخصيص شهادات هجرة لنحو 10300 يهودي من اللاجئين في دول البلقان وإيطاليا وفرنسا وسويسرا وهولندا وعدن وتركيا.

وقُرب نهاية الحرب عام 1945 قامت أجهزة الوكالة اليهودية في البلدان الأوروبية بحصر اليهود اللاجئين في تلك البلاد، وأنتهت عملية الحصر إلى وجود ربع مليون لاجئ في البلدان التي تم تحريرها في وسط وشرق أوروبا والاتحاد السوفيتي، وكان من الواضح للمسؤولين في الوكالة أن سياسة الكتاب الأبيض لن تسمح بتهجير كل هؤلاء اللاجئين، ما لم تتحول الحكومة البريطانية عن تلك السياسة.

وفي 18 يونيه عام 1945 تقدمت الوكالة اليهودية بطلب إلى المندوب السامي البريطاني في فلسطين تدَّعي فيه أنه بعد دراسة مسائل الإيواء والإعاشة فإنه أصبح في الإمكان تهجير مائة ألف يهودي إلى البلاد منهم خمسة عشر ألف من الصبية الذين فقدوا الوالدين وستة وأربعين ألف من القادرين على العمل وخمسة وثلاثين ألف من المعالين، إلا أن حكومة الانتداب رفضت طلب الوكالة اليهودية، وإن سمحت في سبتمبر من نفس العام بدخول المهاجرين غير الشرعيين التي كانت تلك الحكومة قد أبعدتهم إلى جزيرة موريشوس في نهاية عام 1940.


3. تنظيم الهجرة غير الشرعية والإشراف عليها
كانت الهجرة غير الشرعية هي الوسيلة الرئيسية للوكالة اليهودية والمنظمات الصهيونية الأخرى للتغلب على قيود الهجرة التي فرضها الكتاب الأبيض وتهجير أعداد من اليهود أكبر مما حددته الحكومة البريطانية في ذلك الكتاب، ولم يكن هذا النوع من الهجرة جديداً على الوكالة اليهودية والمنظمات الصهيونية الأخرى، فقد بدأت تلك الهجرة منذ أواخر العشرينيات، إلا أنه في الوقت الذي كانت فيه الوكالة تشجع هذه الهجرة سراً فإنها كانت تدَّعي عدم مسؤوليتها عن حدوثها، مشيرة إلى أن هذا النوع من الهجرة يحدث غالباً من العرب.

غير أن تقرير الحكومة البريطانية إلى مجلس عصبة الأمم عن إدارتها لفلسطين خلال عام 1934 يؤكد على أن سلطات الانتداب كانت تُولي اهتماماً خاصاً للاستيطان غير الشرعي الذي يقوم به اليهود في أغلب الأحوال، وأن عدد هؤلاء المستوطنين قد بلغ 22400 يهودي خلال عامي 1932 و1933، وقد اعترفت الوكالة اليهودية في تقاريرها عام 1935 بهذه الهجرة معللة حدوثها بأن اليهود الذين لم يمكنهم انتظار دورهم في الحصول على شهادات الهجرة الرسمية كانوا يبحثون عن أي وسيلة تمكنهم من دخول فلسطين.

وكانت الهجرة غير الشرعية موضع بحث لجنة بيل مع الوكالة اليهودية عام 1936 بعد أن تبين لتلك اللجنة أن عدد المهاجرين اليهود غير الشرعيين خلال عامي 1933، 1934 وحدهما قد بلغ 40300، وكان هؤلاء المهاجرون يدخلون فلسطين براً عبر حدود الدول العربية المجاورة، وبحراً في سفن خُصصت لهذا الغرض بمساعدة المنظمات الصهيونية في فلسطين وخارجها، وقدرت حكومة الانتداب عدد المهاجرين اليهود الذين دخلوا فلسطين بطرق غير شرعية بما يراوح بين ثلاثين ألف وأربعين ألف يهودي.

وعندما أعلن الكتاب الأبيض لعام 1939، قامت الوكالة اليهودية نفسها بالإشراف المباشر على تنظيم الهجرة اليهودية غير الشرعية، وقد برر بن جوريون هذه الهجرة بأنه في الوقت الذي حدَّ فيه الكتاب الأبيض من الهجرة اليهودية الشرعية إلى فلسطين، فإن بلدان العالم الأخرى أقفلت أبوابها أمام الهجرة اليهودية بعد أن فاضت أوروبا باللاجئين اليهود.

وتوضح تقارير وزارة المستعمرات البريطانية أن المنظمة الصهيونية العالمية كانت تخصص عدداً من السفن التي تجوب البحر الأبيض لنقل هؤلاء المهاجرين من الموانئ التي يتجمعون فيها، ثم يتم نقلهم إلى الشاطئ الفلسطيني بواسطة قوارب صغيرة تسمح بتسربهم خلسة إلى تلك البلاد.

ومع تزايد الهجرة اليهودية غير الشرعية في أولى سنوات الحرب، اتخذت حكومة الانتداب إجراءات مشددة ضد المهاجرين غير الشرعيين منها سجن المهاجر لمدة 6 أشهر مع دفع غرامة تعادل مائة جنيه استرليني ومصادرة السفن الصغيرة التي تحمل هؤلاء المهاجرين، إلا أن الإجراءات السابقة لم تردع الوكالة اليهودية والمنظمات الصهيونية عن الاستمرار في تنظيم تلك الهجرة، فاتخذت حكومة الانتداب قراراً في 13 أغسطس عام 1940 يقضي بحرمان المهاجرين غير الشرعيين الذين يضبطون من البقاء في فلسطين وإبعادهم إلى قبرص أو أي مكان آخر حتى يتم اتخاذ قرار بشأنهم، مع تغريم صاحب وسيلة النقل المستخدمة في نقل المهاجرين غير الشرعيين وكذلك الذين ساعدوا على وصولهم إلى الأراضي الفلسطينية بغرامة تساوي ألف جنيه فلسطيني أو السجن لمدة ثماني سنوات.

وبالرغم من تشديد الرقابة البريطانية على الحدود الفلسطينية خلال سنوات الحرب، فقد بلغ عدد المهاجرين غير الشرعيين من اليهود19965 مهاجراً خلال تلك الفترة وحتى مارس 1944.


4. نقل ثقل النشاط الصهيوني إلى الولايات المتحدة الأمريكية
مع دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب قدَّر زعماء الحركة الصهيونية أنه سيكون لها الكلمة الأولى في السياسة الدولية بعد الحرب، ومن ثم قرر هؤلاء الزعماء نقل ثقل النشاط الصهيوني إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فاجتمعت كل المنظمات والجماعات الصهيونية في أول مؤتمر للحركة الصهيونية الأمريكية بفندق "بلتيمور" في نيويورك خلال الفترة من 9 إلى 11 مايو 1942، للحصول على تأييد الحكومة الأمريكية من أجل إلغاء الكتاب الأبيض، وفي هذا المؤتمر تمت الموافقة على المشروع الذي عرف فيما بعد باسم "برنامج بلتيمور" جاء فيه:

"أن النظام الجديد للعالم، الذي سيجئ في أعقاب النصر، لا يمكن أن يستقر على أساس من السلام والعدل والمساواة ما لم تُحل مشكلة اليهود المشردين بشكل نهائي، ويستحث المؤتمر:

أ. فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية.

ب. تخويل الوكالة اليهودية الإشراف على الهجرة إلى فلسطين والسلطة اللازمة لبناء الإقليم بما في ذلك تطوير أراضيه غير المحتلة وغير المنزرعة (المزروعة).

ج. قيام فلسطين باعتبارها كومنولث يهودي يدخل في تكوين العالم الديمقراطي الجديد".
وكانت القرارات السابقة بمثابة انتصار لتوجهات بن جوريون الداعية إلى الإسراع بإقامة الدولة اليهودية في فلسطين على عكس سياسة التدرج التي كان يتبعها حاييم وايزمان، وقد نجح بن جوريون بعد عودته من مؤتمر بلتيمور في الحصول على موافقة المجلس التنفيذي الصهيوني على قرارات ذلك المؤتمر، وبذلك أصبحت تلك القرارات هي البرنامج الرسمي للوكالة اليهودية والحركة الصهيونية. كما كان مؤتمر بلتيمور بمثابة المحطة التي غيرت فيها الحركة الصهيونية جيادها، فاستبدلت الجواد البريطاني العجوز الذي استنفذ أغراضه بالجواد الأمريكي ـ الذي تنبأت بخروجه من الحرب أقوى المنتصرين – ليحملها خلال مرحلة إنشاء الدولة اليهودية.

وقد ظهر النشاط الصهيوني والنفوذ اليهودي في الولايات المتحدة في سلسلة الحملات الإعلامية التي شنتها وسائل الإعلام الأمريكية خلال الحرب لاثارة تعاطف الشعب الأمريكي مع المطالب الصهيونية، باستغلال اضطهاد النازي لليهود في أوروبا والمبالغة في أحداث هذا الاضطهاد، وتنظيم قوة ضغط يهودية كانت بداية اللوبي (جماعات الضغط) الصهيوني الأمريكي فيما بعد.

وقد نجحت الحملات الإعلامية وصفقات المصالح الذي عقدها زعماء الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة مع عدد من السياسيين وأعضاء الكونجرس الأمريكي في تشكيل قوة ضغط على الإدارة الأمريكية لمساندة المطالب اليهودية والمشروع الصهيوني في فلسطين، وتوضح الوثائق الأمريكية المنشورة الجهود التي بذلتها تلك الإدارة لإقناع زعماء الكونجرس الأمريكي بعدم اتخاذ قرارات مساندة للمطالب الصهيونية المتطرفة، كانت تهدف إلى إلغاء القيود على الهجرة اليهودية وإنشاء الدولة العبرية على كل التراب الفلسطيني فور انتهاء الحرب، خوفاً من ردود الفعل العربية والإسلامية التي يمكن أن تضر المصالح الأمريكية بمنطقة الشـرق الأوسط.

وقد ظل موقف الرئيس روزفلت بعد مؤتمر بلتيمور غامضاً، وقد وصف بن جوريون ذلك الموقف بقوله أن روزفلت "كان حساساً تجاه مأساة يهود أوروبا، وربما كان يعطف على الطموحات الصهيونية، ولكنه لم يعتقد يوماً بأن فلسطين الصغيرة يمكن أن تشكل حلاً للشعب اليهودي".



<DIV align=right><FONT face=Arial><FONT size=4>
أسامة الكباريتي
تابع ماقبله ....

وحاول الرئيس الأمريكي أن يكون رأياً محايداً تجاه القضية الفلسطينية فأرسل مندوبين عنه إلى المنطقة في ربيع عام 1943 لاستطلاع الموقف والآراء فيها بشكل مباشر بعيداً عن الدعايات الصهيونية هما الجنرال "باتريك هاركي" والكولونيل "هوسكنس"، وأوضح الأول في تقريره المؤرخ في مايو 1943، أن المطالب الصهيونية تهدف إلى إقامة دولة يهودية تشمل كل فلسطين وربما شرق الأردن، مع نقل السكان الفلسطينيين العرب إلى العراق، والهيمنة الاقتصادية على كل الشرق الأوسط، أما الكولونيل هوسكنس فقد نصح ـ على ضوء ما شاهده وسمعه خلال زيارته للمنطقة ـ بعدم اتخاذ قرار بشأن فلسطين إلا بعد الحرب وبعد مشاورات بين العرب واليهود، وهو الرأي الذي جنح إليه الرئيس روزفلت وتبلور في رسالة بعث بها إلى الملك عبدالعزيز آل سعود في 5 يونيه 1943 يوضح فيها رغبته في توصل العرب واليهود إلى تفاهم ودي حول فلسطين، ومؤكداً على موقف الولايات المتحدة الأمريكية الذي يرى عدم اتخاذ أي قرار يغير من وضع فلسطين الأساسي دون استشارة كاملة مع العرب واليهود.

وظل ذلك هو الموقف الأمريكي المعلن حتى عام 1944 الذي رشح فيه الرئيس الأمريكي نفسه للمرة الرابعة على نحو غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة، في الوقت الذي بلغت فيه حملات الدعاية الصهيونية والضغوط اليهودية قمتها، وتسابق مجلساً الشيوخ والنواب في اتخاذ القرارات المؤيدة للمطالب الصهيونية، وإزاء الضغوط اليهودية ومطالب حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية وجَّه الرئيس روزفلت في 15 أكتوبر من ذلك العام رسالة إلى السناتور "روبرت واجنر" رئيس الجمعية اليهودية الأمريكية، بمناسبة انعقاد المؤتمر السابع والأربعين للمنظمة الصهيونية الأمريكية، أعلن فيها تأييد الحزب الديمقراطي لفتح أبواب فلسطين للهجرة غير المحدودة والاستيطان اليهودي فيها.

وقد أثار موقف الكونجرس والرئيس الأمريكي خلال عامي 1944 و1945 ردود فعل عربية واسعة، تمثلت في حملة ضغط عربية مضادة للحد من تأثير الضغوط السياسية الأمريكية تجاه فلسطين، وتشير الوثائق الأمريكية المنشورة إلى الرسائل المتبادلة بين الرئيس روزفلت والملوك والرؤساء العرب حول هذا الموضوع. ولما كانت وزارتا الخارجية والحربية الأمريكية وأصحاب شركات البترول يلفتون نظر الرئيس الأمريكي إلى أهمية المصالح الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية، فقد حاول الرئيس روزفلت أن يتخذ لنفسه موقفاً وسطاً، فلم ينفذ ما وعد به الجمعية اليهودية الأمريكية بعد انتخابه وأعاد تكرار وعده للملك عبدالعزيز عند عودته من يالتا، في 14 فبراير 1945 بعدم اتخاذ قرار حاسم بشأن المشكلة الفلسطينية، إلاّ بعد التشاور مع العرب واليهود.

5. اللجوء إلى الإرهاب للضغط على الحكومة البريطانية
عندما صدر الكتاب الأبيض، في مايو 1939، هددت الوكالة اليهودية باللجوء إلى العنف لمقاومة تنفيذ السياسة البريطانية لذلك الكتاب، وبدأت منظمة الأرجون المعارضة للوجود البريطاني في فلسطين عملياتها الإرهابية ضد العرب في البداية ثم ضد حكومة الانتداب ومنشآتها بعد ذلك، إلا أن الوكالة اليهودية التي كانت ترفض علميات الإرهاب ضد البريطانيين والمرافق العامة علناً لم تتورع عن دعمها وتشجيعها سراً قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، كما نظمت الوكالة عمليات تهريب السلاح من المستودعات البريطانية وتوزيعه على المستعمرين اليهود وقوات الهجناه.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية جَّمدت المنظمات اليهودية نشاطها الإرهابي تماشياً مع السياسة اليهودية تجاه التعاون مع البريطانيين خلال تلك الحرب، إلا أنها سرعان ما استأنفت نشاطها فور انحسار التهديد الألماني ومطاردة القوات البريطانية لقوات روميل في شمال أفريقيا عام 1943، وقد أدى التزام منظمة الأرجون بوقف الأعمال الإرهابية خلال المرحلة الأولى من الحرب إلى انشقاق بعض أعضائها الذين كونوا عصابة إرهابية أخرى بزعامة "إبراهام شتيرن" رفضت الالتزام بوقف الأعمال الإرهابية خلال الحرب.

وقد تفاوتت مواقف وسياسات المنظمات الصهيونية من الإرهاب خلال السنوات الأخيرة من الحرب، حيث قررت منظمة الأرجون ـ بعد تولي مناحم بيجين قيادتها ـ استئناف نشاطها اعتباراً من عام 1943 والتعاون من منظمة شتيرن في شن حملة إرهابية ضد الوجود البريطاني في فلسطين الذي عدته هاتان المنظمتان احتلالاً للبلاد ضد رغبة التجمع اليهودي فيها (الييشوف)، متجاهلين أن بريطانيا هي التي عملت على زرع هذا التجمع في فلسطين منذ ظهور الحركة الصهيونية.

وقد فسر مناحم بيجين في مذكراته فلسفة حملة الإرهاب ضد حكومة الانتداب بقوله "إن البريطانيين يعتمدون في حكمهم للشعوب المتخلفة على نفوذ هيبتهم، وقد اقتنعنا من التاريخ وتجاربنا بأننا إذا تمكنا من تحطيم هيبة الحكومة البريطانية، فإن زوال حكمها سيتبع ذلك تلقائياً، ولذلك هاجمنا باستمرار نقطة الضعف هذه".

وشهد عام 1944 وحتى نهاية الحرب تزايداً كبيراً في العمليات الإرهابية لمنظمتي الأرجون وشتيرن، وأمتدت أيدي الإرهاب الصهيوني إلى كبار رجال حكومة الانتداب في فلسطين، ولم ينج المندوب السامي "السير هارولد ماك مايكل" وزوجته من الموت إلا بأعجوبة، كما حاول الإرهابيون اغتيال عدد من كبار المسؤولين البريطانيين خارج فلسطين، ونجح بعض أعضاء منظمة شتيرن في اغتيال "اللورد موين" في القاهرة في نوفمبر عام 1944.

أما بالنسبة إلى الوكالة اليهودية ومنظمتها الهجناه، فقد اصطنعت موقفاً معارضاً للنشاط الإرهابي لمنظمتي الأرجون وشتيرن منذ عام 1943، في الوقت الذي كانت تشجع فيه نشاطات هاتين المنظمتين بالنسبة إلى التسلح والتدريب العسكري وتنظيم الهجرة غير الشرعية، إلا أن موقف حكومة الانتداب المتشددة تجاه الإرهاب الصهيوني بعد مقتل اللورد موين وحملات الاعتقال والنفي التي لجأت إليها تلك الحكومة لقمع ذلك الإرهاب أثارت يهود الييشوف ضد الإرهابيين ودفع الوكالة اليهودية إلى التعاون مع سلطات الانتداب لمقاومة الإرهاب ومحاولة إقناع قادة منظمتي الارجون وشتيرن بالإقلاع عن العمليات الإرهابية.

وأصدرت الوكالة اليهودية بياناً تستنكر فيه أساليب الأرجون في السطو على المصارف والمؤسسات الحكومية وفرض الإتاوات على أثرياء اليهود، كما أصدرت الهجناه منشوراً هاجمت فيه منظمتي الأرجون وشتيرن، ووجَّهت إليهما تُهَم قطع الطرق والاتجار في المخدرات والسوق السوداء.

وأعرب بن جوريون عن الموقف الجديد للوكالة اليهودية تجاه إرهاب منظمتي الارجون وشتيرن في خطبة مفصلة ألقاها في مؤتمر الهستدروت آنذاك بقوله "أنه لا يوجد أي سبب يمنع اليهود من أن يتعاونوا مع السلطات البريطانية في سبيل الهدف المشترك "، وقدم بن جورين في هذا المؤتمر برنامجاً لمكافحة الإرهاب يرتكز على أربع نقاط هي:

أ. الطرد من العمل لكل من يعمل أو يتعاون مع منظمتي الارجون وشتيرن.

ب. عدم إيواء أو حماية أي إرهابي حتى لو كان في أحلك الساعات.

ج. عدم الرضوخ للتهديد والابتزاز الذي يصدر من هاتين المنظمتين.

د. التعاون مع سلطات الانتداب لقمع الإرهاب.

-------------------------


[1] كان دور الكتائب محصوراً في الدفاع المحلي وحراسة المنشآت والمرافق في داخل الأراضي الفلسطينية.

[2] نجحت ضغوط القيادات الصهيونية ومساندة تشرشل لها، في تشكيل القوة اليهودية في النهاية في شكل لواء مشاة عام 1944.
أسامة الكباريتي
تطبيق الكتاب الأبيض وتطور الموقف العربي


(1939 – 1947)



أولاً: السياسة البريطانية وتطبيق الكتاب الأبيض


عندما ظهرت بوادر الحرب العالمية الثانية، كانت فلسطين تمثل في الإستراتيجية البريطانية العمق اللازم لدفاعاتها في مصر والقاعدة البديلة عن منطقة قناة السويس لحماية خطوط مواصلاتها الإمبراطورية وخطوط النفط عبر المنطقة، ومن هذا المنطلق جاء حرص الحكومة البريطانية عام 1939 على تسكين الأوضاع في فلسطين وتهدئة الرأي العام العربي بإصدارها كتابها الأبيض، الذي أعلنت إصرارها على تنفيذه بالرغم من الرفض الذي واجههه ذلك الكتاب على الساحتين العربية واليهودية. إلا أن قيام الحرب وتطوراتها لم تسمح للحكومة البريطانية إلا بتنفيذ جزئي لسياسة الكتاب الأبيض بشأن انتقال الأراضي العربية إلى أيدي اليهود والهجرة اليهودية إلى فلسطين.

وعلى أثر انسحاب قوات المحور من مصر تحت ضغط قوات الحلفاء في خريف عام 1942، عُهد إلى لجنة التخطيط المشتركة في وزارة الحرب القيام بدراسة متطلبات بريطانيا في الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب، وعندما استعرضت اللجنة دول المنطقة، وجدت أن نظام الانتداب البريطاني القائم في دول شرق البحر المتوسط يفسح المجال لقيام أنظمة عربية مستقلة ترتبط بمعاهدات مع بريطانيا، وبالنسبة إلى فلسطين رأت اللجنة "أن احتياجات بريطانيا الإستراتيجية ـ في حالة إجراء أي تعديل للانتداب ـ ترتكز على ميناء حيفا مما يستلزم الحصول على تسهيلات لحماية طريق حيفا/ بغداد وأنابيب النفط الممتدة من كركوك إلى حيفا، بالإضافة إلى المنشآت البترولية في حيفا ذاتها. كما أشارت اللجنة إلى حاجة بريطانيا إلى تطوير قاعدة بحرية في حيفا وضرورة الإشراف على خط حديد حيفا/ القنطرة وعلى قواعد برية وجوية في المنطقة".

وفي يوليه عام 1944 شكَّلت الحكومة البريطانية لجنة لدراسة أوضاع فلسطين بعد انتهاء الحرب والتوصل إلى حل لمشكلاتها على المدى البعيد وإبلاغه إلى رئاسة الأركان الإمبراطورية، وقد رأت تلك اللجنة ضرورة المحافظة على المصالح البريطانية الإستراتيجية في فلسطين، فيما لو جرى تقسيمها، بتوقيع معاهدتين مع دولتي التقسيم تعطي الحكومة البريطانية حق إنشاء المطارات والمنشآت اللازمة لقواتها وتحريك تلك القوات دون معوقات داخل حدود الدولتين، كما اقترحت اللجنة أن تتمتع القدس باستقلال ذاتي تحت سيطرة المندوب السامي وضم القسم العربي من فلسطين إلى شرق الأردن، إلا أن اعتراض مخططي الإستراتيجية البريطانية على تقسيم فلسطين ظل حجر الزاوية بالنسبة إلى الخطط المتعلقة بمستقبل فلسطين.

وعندما اتخذ الكونجرس الأمريكي قرارين في أواخر يناير 1944 يطالب فيهما الحكومة الأمريكية بالعمل على فتح أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين وإقامة دولة يهودية فيها، لفتت الحكومة البريطانية نظر حليفتها إلى "أن الموضوع الذي تعرضت له قرارات الكونجرس يتضمن التزامات كبيرة منها التزامات عسكرية، وإن القرار البريطاني في هذا الشأن سوف يكون متماشياً بالطبع مع الرغبات الأمريكية، لكن ذلك يقتضي أن تكون حكومة الولايات المتحدة على علم بالأعباء المترتبة على ذلك".

ومع تزايد الضغط الأمريكي على بريطانيا عام 1945، من أجل فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية وانتقاد سياستها بهذا الشأن، سأل "ونستون تشرشل" رؤساء الأركان عشية تركه الحكم لحزب العمال عن السبب الذي يدعو بريطانيا إلى التمسك بهذا المكان شديد الصعوبة في الوقت الذي لا تقتصر فيه الولايات المتحدة الأمريكية على موقفها السلبي، بل توجه الانتقاد تلو الانتقاد، ملمِّحاً إلى رغبته في ترك مسؤولية فلسطين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن تلميحه لاقى معارضة شديدة، كما كانت وزارة الخارجية البريطانية ترى أن ذلك سيفسر في الشرق الأوسط على أنه دليل على تخلي بريطانيا عن دورها كدولة عظمى، وقد يستتبع ذلك انهيار نفوذها في شتى أنحاء المنطقة، وهو ما دعا رئيس الوزراء البريطاني إلى تنحية الرغبة التي راودته جانبا، إلى أن جاء حزب العمال إلى الحكم برؤيته الجديدة بعد الحرب.


1. تقييد انتقال الأراضي العربية إلى اليهود

كان تقييد انتقال الأراضي العربية إلى اليهود جزءاً أساسياً من سياسة الكتاب الأبيض بعد أن أجمعت تقارير الخبراء البريطانيين على أنه في ضوء النمو الطبيعي في أعداد الفلسطينيين، في الوقت الذي استمرت فيه عمليات انتقال الأراضي إلى أيدي اليهود دون قيود خلال السنوات السابقة، فإنه لم يعد هناك أراض في بعض المناطق يمكن أن تنتقل إلى أيدي اليهود، وأنه لابد من فرض قيود على بيع الأراضي العربية إليهم إذا كانت هناك نية للحفاظ على مستوى معيشة العرب آنذاك، وعدم تزايد أعداد المعدمين بينهم.

وإزاء اندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر من نفس العام وتخوف الحكومة البريطانية من تهديد مصالحها في الدول العربية والإسلامية فيما لو استمرت في سياستها السابقة تجاه تهويد فلسطين، أصدرت حكومة الانتداب في 28 فبراير 1940 تعليمات جديدة للحد من انتقال الأراضي العربية إلى أيدي اليهود، وقد برر رئيس الوزراء البريطاني أمام مجلس العموم إصدار هذه التعليمات بما يلي:

أ. ضمان عدم انحياز حكومة الانتداب لأيٍّ من الجانبين العربي واليهودي.

ب. تهيئة الظروف الملائمة للقوات البريطانية من أجل تحقيق النصر ضد النازيين.

ودعم رئيس الوزراء البريطاني وجهة نظره بتقارير الخبراء البريطانيين عن الأوضاع في فلسطين، ومساندة العرب للفلسطينيين والرسائل التي تلقاها من بعض زعماء المسلمين التي تدعوه إلى إيجاد حل عادل للأوضاع في فلسطين.

وقد أوضح البيان التفسيري لتعليمات انتقال الأراضي، أنها صدرت وفقاً للسلطات المخولة للمندوب السامي بمقتضى الكتاب الأبيض، وحدد ذلك البيان منطقتين في فلسطين تخضع فيهما عمليات انتقال الأراضي لرقابة الحكومة مع مراعاة أحكام المادة السادسة من صك الانتداب هما المنطقة (أ) والمنطقة (ب)، أما في غير هاتين المنطقتين فلم يكن هناك أية قيود على انتقال الأراضي.

وتشمل المنطقة الأولى الأراضي الجبلية بوجه عام مع بعض المناطق في قضاءي غزة وبئر السبع، حيث أصبحت الأراضي المتوفرة غير كافية لإعالة سكان تلك المنطقة وقتئذ، وعلى ذلك تقرر منع انتقال الأراضي فيها لغير عرب فلسطين، إلا في الأحوال الاستثنائية التي وضع لها أحكام خاصة في تلك التعليمات.

كما تضم المنطقة الثانية "مرج ابن عامر" وشرقي الجليل والسهول الساحلية الواقعة بين حيفا والطنطورة وبين الحد الجنوبي لقضاء الرملة وبير طوفيا والقسم الجنوبي من قضاء بئر السبع، وقد نصت المادة الرابعة من التعليمات الجديدة على حظر انتقال الأراضي العربية الواقعة في تلك المنطقة إلى غير عرب فلسطين، إلا في حالة الحصول على موافقة من المندوب السامي الذي له حق القبول أو الرفض.

إلا أن الثغرات في هذه التعليمات ـ المترتبة على سلطة الاستثناء المعطاة للمندوب السامي البريطاني ـ سمحت للصندوق القومي لليهود بشراء ما يقرب من اثنين وثمانين ألفاً وخمسمائة دونم من الأراضي في المنطقتين (أ)، (ب) خلال السنوات السبع التالية لصدور ذلك النظام، وكان أغلب هذه الأراضي في مناطق الحدود التي رُسمت في مشروع التقسيم الذي سبقت الإشارة إليه، كما سمح المندوب السامي بانتقال 2514 دونم في المنطقة (أ) و10837 دونم في المنطقة (ب) إلى أيدي اليهود ما بين عامي 1940 و1946.

وتوضح إحصائيات حكومة الانتداب عام 1945 أن مساحة فلسطين (بعد استبعاد البحر الميت وبحيرتي طبرية والحولة) هي 26323023 دونم، وأن تلك المساحة كانت موزعة عند إجراء ذلك الإحصاء كما يلي:


أ. الحيازات العربية 12766524 دونم تمثل 48.5% من الأراضي الفلسطينية.

ب. الحيازات اليهودية 1491699 دونم تمثل 5.67% من الأراضي الفلسطينية.

ج. الأراضي العامة 1491690 دونم تمثل 5.67% من الأراضي الفلسطينية.

د. منطقة بئر السبع والنقب غير المزروعة 10573110 دونم تمثل 40.16% من الأراضي الفلسطينية.

وبالرغم من أن الحيازات اليهودية السابقة كانت تمثل أقل من 6% من إجمالي الأراضي الفلسطينية في ذلك الوقت، إلا أن نسبة حيازات اليهود في الأراضي الزراعية كانت تقرب من 13% من جملة تلك الأراضي التي كانت مساحتها 9205538 دونم عند إجراء ذلك الإحصاء.


2. الحد من الهجرة اليهودية إلى فلسطين

أوضحت الحكومة البريطانية عند إصدارها كتابها الأبيض عام 1939، أنه ليس في وسعها وقتئذ فتح أبواب فلسطين على مصاريعها أمام الهجرة اليهودية ـ حسبما تطالب المنظمات الصهيونية والوكالة اليهودية ـ لأن ذلك يخالف روح المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم والتزاماتها قبل العرب بموجب صك الانتداب، كما أنه ليس من سياستها إيقاف تلك الهجرة نهائياً إذا تبين أن ذلك من شأنه إلحاق الضرر بالأوضاع الاقتصادية في فلسطين.

وقد وجدت الحكومة البريطانية أن تلك الأوضاع تسمح بتهجير نحو 75000 مهاجر يهودي خلال السنوات الخمس التالية اعتباراً من أول أبريل عام 1939، على أن ينظم دخولهم فلسطين بواقع عشرة آلاف كل سنة تبعاً لقدرة البلاد على الاستيعاب، مع إضافة 25 ألف مهاجر آخرين، من قبيل المساهمة في حل مشكلة اليهود في أوروبا عندما يرى المندوب السامي أن وسائل إعاشتهم واستيعابهم أصبحت مكفولة.

وفي تنفيذها للسياسة السابقة قررت حكومة الانتداب وقف إصدار شهادات الهجرة خلال الستة أشهر التي تبدأ في أكتوبر عام 1939 نتيجة لارتفاع معدلات الهجرة اليهودية غير الشرعية إلى فلسطين خلال الفترة السابقة، إلا أنه عندما قامت الحرب سمحت تلك الحكومة بقبول 9600 مهاجر يهودي من الذين تمكنوا من الفرار من ألمانيا والبلاد الأوروبية التي وقعت تحت الاحتلال، وعندما طالبت الوكالة اليهودية بتهجير كل اليهود الذين تمكنوا من الهرب إلى البلاد المحايدة، رفضت حكومة الانتداب هذا الطلب لدواعي الأمن التي فرضت عدم السماح لأي يهودي من "بلاد الأعداء" بالهجرة إلى فلسطين خوفاً من تسلل العملاء بينهم.

وبدأت الحكومة البريطانية منذ ديسمبر 1939 في تنفيذ نظام جديد للهجرة اليهودية يخضع لضوابط معينة فرضتها ظروف الحرب، كان منها رفض تهجير اللاجئين اليهود الألمان أو الذين ينتمون للأراضي التي احتلتها ألمانيا عدا الذين يحملون منهم شهادات الهجرة إلى فلسطين، وعندما فاضت أوروبا بأعداد كبيرة من اليهود الألمان الذين كانوا يحملون تلك الشهادات، اضطرت الحكومة البريطانية إلى رفض تهجيرهم إلى فلسطين، ومع تقدم الحرب شهد الالتزام بمبدأ رفض هجرة الذين ينتمون إلى "بلاد العدو" نوعاً من التراخي، حاولت الوكالة اليهودية استغلاله لتهجير أكبر عدد ممكن من اليهود إلى فلسطين، وكانت تلك الوكالة تطالب منذ مايو 1940 بإعفاء ثلاث فئات من اليهود في البلاد الواقعة تحت سيطرة قوات المحور من قرار حظر قبول المهاجرين، إلا على حاملي شهادات الهجرة: هم الأطفال والزعماء اليهود البارزون، والقائمون على أمر مكاتب فلسطين الذين بقوا في مواقعهم حتى فقدوا فرصة الرحيل إلى فلسطين، إلا أن الحكومة البريطانية لم توافق إلا في ربيع عام 1942 على تهجير الأطفال دون سواهم، ثم وافقت بعد ذلك على تخصيص خمسة في المائة من شهادات الهجرة لرجال الدين والأطباء ورجال الأعمال الذين يقع عليهم اختيار الوكالة اليهودية.

ومع نهاية عام 1943 أوضحت سجلات إدارة الهجرة لحكومة الانتداب "أن عدد المهاجرين اليهود الشرعيين المفروض قبولهم خلال السنوات الخمس التي تنتهي في 31 مارس 1944 ـ طبقاً لما جاء في الكتاب الأبيض ـ لم يصل إلى خمسة وسبعين ألفاً، وقد عزا وزير المستعمرات هذا النقص في بيان ألقاه أمام مجلس العموم البريطاني في 10 نوفمبر 1943 ـ إلى ظروف الحرب التي وقفت حائلاً دون تحقيق البرنامج الذي رسمه الكتاب الأبيض، وقدر عدد اليهود الذين دخلوا البلاد سواء بالطرق الشرعية أو غير الشرعية – حتى آخر سبتمبر عام 1943 بنحو 43922 مهاجر"، وهو ما يعني أن على الحكومة البريطانية الموافقة على هجرة 31078 يهودياً حتى آخر مارس 1944.

ودارت في ربيع عام 1944 مفاوضات بين الوكالة اليهودية والحكومة البريطانية حول الهجرة اليهودية إلى فلسطين بعد نهاية السنوات الخمس المشار إليها، انتهت بموافقة الأخيرة على هجرة 10300 من اللاجئين اليهود في دول البلقان وإيطاليا وفرنسا وسويسرا وهولندا وعدن وتركيا، على ألا يسمح بتهجير أكثر من 1500 مهاجر شهرياً اعتباراً من أول أكتوبر 1944. وبنهاية عام 1944 كان عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين ابتداءً من عام 1939 وحتى ذلك التاريخ قد بلغ 75031 مهاجراً.

ولما لم تكن تلك الأعداد كافية في نظر الوكالة اليهودية فإنها قامت بإعداد الخطط لاستقبال مائة ألف مهاجر يهودي فور انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومع بدء إحداق قوات الحلفاء بألمانيا في شتاء عام 1945، قامت الوكالة اليهودية بتقديم خطط الهجرة التفصيلية للأعداد السابقة إلى حكومة الانتداب، إلا أن الأخيرة رفضت طلبات الوكالة اليهودية وخططها، وكل ما سمحت به في مايو 1945 هو قبول هجرة ثلاثة آلاف يهودي إلى فلسطين، كما سمحت في سبتمبر من نفس العام بعودة المهاجرين غير الشرعيين الذين سبق أن أبعدتهم سلطات الانتداب إلى جزيرة "موريشوس" وظلو محجوزين هناك.

وبنهاية عام 1945 كانت أعداد المهاجرين اليهود الذين وصلوا إلى فلسطين خلال الحرب وحتى ذلك التاريخ قد بلغت 92 ألف مهاجر، الأمر الذي يعود بدرجة كبيرة إلى نشاط الهجرة غير الشرعية في ذلك الوقت التي أصبحت تشرف عليها الوكالة اليهودية على نحو ما سيأتي فيما بعد.


ثانياً: تطور الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية

شهد صيف عام 1939 تآكل الثورة العربية في فلسطين نتيجة لسياسة القمع الوحشية التي اتبعتها حكومة الانتداب والقوات البريطانية التي أعادت غزو فلسطين عند اشتعال الثورة وتناميها، فضلاً عن جسامة التضحيات التي تكبدها الشعب الفلسطيني وتشتت قياداته خارج البلاد، بعد أن عدَّتها السلطات البريطانية خارجة على القانون.

ومع بداية الحرب العالمية الثانية سعت الحكومة البريطانية إلى تهدئة الأوضاع في البلاد، وشجعت الزعماء الفلسطينيين المنفيين على العودة إلى البلاد ووعدتهم بإسقاط التهم الموجهة إليهم إذا لم يشتركوا في أية نشاطات سياسية، وقد قبل عدد من هؤلاء الزعماء العودة، إلا أن الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين ورئيس اللجنة العربية العليا المنحلة لم يثق في الوعود البريطانية واستمر يتنقل من بلد إلى آخر هرباً من الاعتقال، مبتعداً بنفسه عن مناطق انتشار القوات البريطانية في الشرق الأوسط، وفي النهاية وجد أنه من الضروري أن يلوذ بالأراضي الواقعة تحت احتلال قوات المحور، طالباً المساعدة الألمانية ضد بريطانيا، عملاً بالقول "عدو عدوي يمكن أن يكون صديقي". وقد شجع المفتي على هذا التوجه اعتقاده بأن الحرب ستنتهي لصالح دول المحور بعد النجاح الذي حققته قواتها في المسارح المختلفة خلال المرحلة الافتتاحية للحرب.

ولكن جهود المفتي السابقة لم يكن لها أي تأثير على الشعب الفلسطيني الذي أنهكته الثورة المستمرة طوال السنوات الثلاث السابقة، حيث اتجه المعتدلون من قياداته العائدة إلى مهادنة الإنجليز، وفي عام 1943 كان هناك نحو ثمانية آلاف من عرب فلسطين يعملون في القوات البريطانية في فلسطين، وفي ظل اعتماد القوات البريطانية في سد بعض احتياجاتها على الصناعات المحلية، فقد أدى ذلك إلى نمو نسبي في الصناعات العربية والطبقة العاملة الفلسطينية، وانحصر الكفاح الفلسطيني خلال سنوات الحرب في المقاطعة اليهودية الشاملة، والحيلولة دون تسرب الأراضي للمستوطنين اليهود. وشكَّلت الحركة الوطنية "صندوق الأمة" لجمع الأموال والعمل على إنقاذ الأراضي العربية التي كانت تنوء تحت عبء الضرائب والحفاظ على ملكيتها العربية.

وعلى الصعيد السياسي ظل التنافس على الزعامة هي الآفة التي رسخت الفُرقة بين الأحزاب الفلسطينية خلال الحرب بعد هروب الحاج أمين الحسيني، وقام زعماء حزب الاستقلال عام 1943 بمحاولات لتشكيل لجنة موحدة إلا أن مشايعي آل الحسيني والأحزاب الأخرى عرقلوا قيام ذلك الاتحاد حينما كان ذلك ممكناً، إلا أن الزعماء العرب الذين كانوا يسعون إلى إنشاء الجامعة العربية عام 1944 شجعوا فكرة إحياء اللجنة العربية العليا. وفي سبتمبر من نفس العام زار فلسطين بعض الزعماء العرب لإقناع القيادات الفلسطينية بتوحيد صفوفها، وبالرغم من فشل هذه الجهود، فقد أبدى أنصار الحاج أمين الحسيني استعدادهم لإرسال مندوب فلسطيني للاشتراك في المشاورات الخاصة بإنشاء الجامعة العربية، وتم تفويض موسى العلمي للقيام بهذه المهمة.

وخلال الاجتماعات التي جرت في الاسكندرية لإعداد برتوكول جامعة الدول العربية رفض العلمي حضور تلك الاجتماعات بصفته مجرد مراقب وأصر على أن يتمتع بالعضوية الكاملة وتمثيل كل عرب فلسطين الذين لم يتفق قادتها على من يمثلهم، وأيده في ذلك مندوبو العراق وشرق الأردن، وعلى ذلك تم التوصل إلى حل وسط عند صياغة الملحق الخاص بفلسطين في المسودة النهائية لميثاق الجامعة الذي نص على قيام مجلس الجامعة العربية بتعيين ممثل عن عرب فلسطين يشترك في أعماله وله حق التصويت في ظروف معينة دون التوقيع على القرارات.

ونظراً لاستمرار الخلافات الحزبية بين الفلسطينيين وغياب القيادات الفعالة، انتقلت المبادرة بالنسبة إلى القضية الفلسطينية بصورة متزايدة إلى الحكومات العربية في السنوات الأخيرة للحرب، وتزايد هذا الاتجاه بعد إنشاء جامعة الدول العربية في شهر مارس 1945، وقد تضمن ميثاق تلك الجامعة فصلاً مستقلاً يسمح للفلسطينيين بالمشاركة في اجتماعات الجامعة لحين حصولهم على العضوية الكاملة بعد استقلال فلسطين.

وقدمت بعض الحكومات العربية مشروعات لحل القضية الفلسطينية في إطار عربي مثلما حدث عندما قدم نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي مشروع الهلال الخصيب إلى "ريتشارد كيزي" وزير الدولة البريطاني للشرق الأوسط في ديسمبر عام 1942، حيث وجد نوري السعيد في ذلك المشروع حلاً للقضية الفلسطينية على أساس قيام اتحاد فيدرالي يضم العراق وسورية ولبنان وإمارة شرق الأردن وفلسطين، على أن يتمتع اليهود باستقلال إداري في إطار هذه الدولة العربية المتحدة بحيث لا يشكل المجتمع اليهودي المستقل إدارياً خطراً على هذه الدولة العربية المتسعة على عكس الوضع لو كانت فلسطين دولة قائمة بذاتها.

إلا أن مصر عارضت مثل هذه الاتحادات الإقليمية الجزئية ورأت أنها تلتف حول المشكلة الفلسطينية ولا تحلها، وأنه من الأفضل السعي لإيجاد حل ملائم لتلك القضية في إطار عربي شامل بتأسيس اتحاد عربي يضم كل الدول العربية المستقلة، وهو ما انتهى إلى قيام جامعة الدول العربية.

وعندما اجتمعت اللجنة التحضيرية للتوقيع على بروتوكول إنشاء الجامعة العربية بالإسكندرية في أكتوبر 1944 شرح موسى العلمي مندوب فلسطين المراحل التي مرت بها القضية الفلسطينية، وفي نهاية كلمته طرح سؤالين أمام الحاضرين كان نصهما "هل ستبقى فلسطين عربية؟ وهل سيظل عربها آمنين في ديارهم؟ ورداً على هذين السؤالين اختصت فلسطين بقرار خاص في بروتوكول الإسكندرية قررت فيه اللجنة التحضيرية" أن فلسطين ركن مهم من أركان البلاد العربية، وأن حقوق العرب لا يمكن المساس بها من غير إضرار بالسلم والاستقرار في العالم، كما ترى اللجنة أن التعهدات التي ارتبطت بها الدولة البريطانية والتي تقضي بوقف الهجرة اليهودية والمحافظة على الأراضي العربية والوصول إلى استقلال فلسطين هي من حقوق العرب الثابتة التي تكون المبادرة إلى تنفيذها خطوة نحو الهدف المطلوب وكذا استتباب السلم وتحقيق الاستقرار، وتعلن اللجنة تأييدها لقضية عرب فلسطين بالعمل على تحقيق أمانيهم المشروعة وصون حقوقهم العادلة.

واتساقاً مع الموقف العربي السابق من القضية الفلسطينية، مارست الدول العربية – فرادى وجماعات – الضغط الدبلوماسي على بريطانيا والولايات المتحدة دفاعاً عن عرب فلسطين، وهو ما ظهر جلياً في المواقف التي اتخذتها تلك الدول في مواجهة قرارات وتصريحات أعضاء الكونجرس والرئيس الأمريكي المنحازة لليهود والحركة الصهيونية خلال عامي 1944، 1945.

فعلى أثر مناقشة الكونجرس الأمريكي في أواخر يناير 1944 لمشروع قرار يطالب الحكومة الأمريكية "بالقيام بكافة الخطوات الضرورية لفتح أبواب هجرة اليهود إلى فلسطين، وأن يكون لهـم الحق في استعمار هذه البلاد وإنشاء دولة يهودية حرة ديمقراطية فيها"، طالبت مصر والعراق في 9 فبراير من الحكومة الأمريكية إيضاحات حول هذا الموضوع على ضوء تأكيدات الرئيس الأمريكي السابقة أن موضوع فلسطين سوف يؤجل إلى ما بعد انتهاء الحرب.

وفي 24 فبراير قدمت الحكومة السورية احتجاجاً للحكومة الأمريكية جاء فيه "إن قرارات الكونجرس الأمريكي بشأن قيام دولة يهودية في فلسطين توجه ضربة مميتة إلى الحقوق العربية، وأن الدول العربية جميعها التي وضعت مواردها في خدمة الحلفاء لتحقيق النصر تشعر بالخيانة من أثر هذه القرارات التي تراها مخالفة لكل المبادئ المعلنة في ميثاق الأطلسي، إن إعطاء ميزة لليهود على حساب العرب لا يمكن تبريره أو قبوله، ونحن نطالب أن توضع الحقوق العربية في فلسطين موضع اعتبار قبل أي قرار"، ثم انضمت المملكة العربية السعودية ولبنان وشرق الأردن إلى مصر وسورية والعراق في ضغطها على الحكومة الأمريكية مما أعطى الموقف العربي وزناً إضافياً وحوله إلى إجماع عربي.

وفي محاولة لإزالة آثار الضغط العربي السابق قام الحاخامان "ستيفن وايز" و"أباهيلل سيلفر" نيابة عن الحركة الصهيونية بمقابلة الرئيس روزفلت يوم 9 مارس 1944وخرجاً من عنده يعلنان على لسان الرئيس الأمريكي "أن أبواب فلسطين سوف تفتح الآن أمام اللاجئين اليهود، وعندما يجئ الوقت لتقرير شؤون منطقة الشرق الأوسط، فإن الحقوق العادلة سوف تتأكد لكل هؤلاء الذين يطالبون بوطن قومي لليهود في فلسطين، إن ذلك هدف تنظر إليه الحكومة والشعب الأمريكي بعطف عميق".

وكان للتصريح السابق المنسوب إلى الرئيس الأمريكي صداه السيئ في العالم العربي وكانت مصر أول من تحرك، فاستدعى مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء المصري الوزير المفوض الأمريكي في القاهرة وأبلغه أستياء الشعب المصري كله من التصريح المنسوب إلى الرئيس الأمريكي وطلب إيضاحاً جديداً من الحكومة الأمريكية حول ذلك الموضوع.

وفي 15 مارس أرسلت وزارة الخارجية الأمريكية توضح للحكومة المصرية "أن البيان المنسوب للرئيس الأمريكي تحدث عن وطن قومي لليهود في فلسطين طبقاً لوعد بلفور، ولم يتحدث عن دولة يهودية في فلسطين كما جاء في قرار الكونجرس"، وأكدت الحكومة الأمريكية مرة أخرى، أنها "لن تحدث تغييرات أساسية بالنسبة إلى سياستها في فلسطين بدون تشاور كامل مع كل من اليهود والعرب.

وشهدت الشهور الأولى من عام 1945 ضغطاً عربياً متزايداً لمقاومة المشروع الصهيوني في فلسطين وخاصة من جانب المملكة العربية السعودية، فخلال الأسبوع الأول من يناير 1945، طالب الملك عبدالعزيز بضرورة إنشاء تحالف عسكري بين الدول العربية يحميها إذا دعت الضرورة، والحصول على "تعهدات أمريكية بالدفاع عن العرب الفلسطينيين ضد الصهيونية"، وبالسلاح إذا اقتضى الأمر".

وعند استقباله للضباط الأمريكيين الملحقين على المفوضية الأمريكية بجدة يوم 31 يناير أدلى الملك عبدالعزيز بتصريح أكد فيه مرة أخرى الدعم العربي للفلسطينيين، فقد أوضح الملك لهؤلاء الضباط "أن الأمة العربية تواجه تهديدين: أولهما الضغط الفرنسي على سورية، والثاني (هو) الضغط اليهودي على فلسطين .. وفيما يتعلق بفلسطين، فإن أمريكا وبريطانيا أمامهما حرية الاختيار بين عالم عربي هادئ ومسالم أو دولة يهودية غارقة في الدم.

"إننا نطلب من أمريكا تسوية مشكلة فلسطين على أساس تقاليد العدل الأمريكي، وإذا اختارت أمريكا أن تمالئ اليهود الملعونين في القرآن إلى آخر الدنيا، فإنها تكون بذلك خسرت صداقتها معنا وسوف تندم على ذلك، إن الاختيار على أي حال لأمريكا، ونحن قلنا رأينا، ونرغب منكم أن تنقلوه إلى حكومتكم".

وقد أكد الملك عبدالعزيز موقفه الصلب من المشروع الصهيوني والهجرة اليهودية للرئيس روزفلت نفسه عندما التقى بالأخير على ظهر الطراز "كوينسي" في مياه البحيرات المرة المصرية يوم 14 فبراير من نفس العام، فعندما طلب الرئيس الأمريكي التشاور مع الملك بشأن مشكلة اليهود الذين طردوا من ديارهم في أوروبا، كان رد الملك عبدالعزيز: "أنه لا يجد سبيلاً لحل هذه المشكلة إلا أن يعود هؤلاء المطرودون إلى بلادهم الأصلية التي طُردوا منها، أما اليهود الذين لا يستطيعون العودة إلى بلادهم الأصلية، فإنه يمكن توطينهم في بلدان المحور التي اضطهدتهم".

وعندما ضرب الرئيس الأمريكي المثل بما حدث لليهود على أيدي الألمان في بولندا في محاولة لإثارة عطف الملك وقبوله لتوطين بعض اللاجئين اليهود في فلسطين، أدرك الملك عبدالعزيز ما يرمي إليه الرئيس روزفلت، وأوضح للأخير قضية عرب فلسطين وحقوقهم المشروعة في أراضيهم، وأكد للرئيس الأمريكي استحالة التعاون بين العرب واليهود، ولفت نظره إلى التهديد المتزايد الذي يتعرض له وجود العرب، والأزمة التي نجمت عن استمرار الهجرة اليهودية وانتقال الأراضي العربية إلى أيدي اليهود، فطمأن الرئيس الأمريكي الملك عبدالعزيز وأكد له أنه "لن يفعل شيئا لمساعدة اليهود ضد العرب، كما لن يقوم بأي تحرك معاد للشعب العربي"، موضحاً "أن تأكيده هذا يتعلق بسياسته هو مستقبلاً كرئيس للسلطة التنفيذية في الولايات المتحدة الأمريكية".

وعندما التقى الملك عبدالعزيز بونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني في الفيوم بعد أسبوع من لقائه بالرئيس روزفلت لم يكن الملك أقل صلابة بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، فعندما طلب تشرشل أن يساعده الملك في موضوع فلسطين بقيادة المعتدلين من العرب إلى حل وسط مع الصهيونيين، وتهيئة الرأي العام العربي لقبول تنازلات لصالح اليهود، كان رد الملك عبدالعزيز أن ما يطلبه تشرتشل "عمل من أعمال الخيانة لرسول الله ولكل المسلمين المؤمنين، ولو أني أقدمت عليه لأضعت شرفي ودمرت روحي، وأنا لا أوافق على أي تنازل للصهيونيين فضلاً عن أن أقنع به غيري، وحتى إذا قبلت أن أفعل ذلك، فلن يكون ما أفعله مساعدة لبريطانيا وإنما سيكون عبئا عليها، لأن تأييد المطامع الصهيونية من أي جهة سوف يؤدي إلى إراقة الدماء، وسوف ينشر الفوضى في العالم العربي، وهذا لن يكون في صالح بريطانيا".

وإزاء استمرار تصريحات السياسيين الأمريكيين المؤيدة للمطامع الصهيونية استمر الضغط العربي المضاد على الإدارة الأمريكية حتى الأيام الأخيرة للرئيس روزفلت، ففي العاشر من مارس 1945، أرسل كل من الملك عبدالعزيز والأمير عبدالإله الوصي على عرش العراق رسالة إلى الرئيس روزفلت يوضح فيها كل منهما المخطط الصهيوني في فلسطين وخطره على البلدان العربية ووحدتها إذا ما سقطت فلسطين في أيد غير عربية، ويحذران من الآثار الدامية التي ستترتب على قيام الدولة اليهودية في فلسطين "فإن العرب فُرادى وجماعات يعتبرون أن مستقبل فلسطين قضية حياة أو موت".

ورداً على هاتين الرسالتين أعاد الرئيس روزفلت تأكيد موقفه من القضية الفلسطينية، وأنه لن يتخذ حيالها أي قرار يؤثر على الوضع الأساسي في هذه البلاد دون استشارة كل من العرب واليهود، وأنه لن يقوم بأي عمل من شأنه أن يثير عداء الشعب العربي.


.
ترى أهناك من يقرأ او يهتم !!

أسامة الكباريتي
التدخل الأمريكي وتحويل القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة



(1945 – 1947)


أولاً: التدخل الأمريكي في القضية الفلسطينية
[/size]
في الوقت الذي اقتصر فيه التدخل الأمريكي في القضية الفلسطينية خلال الحرب على القرارات والبيانات والتصريحات المؤيدة للموقف الصهيوني والضغط على الحكومة البريطانية من أجل فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية، فقد تصاعد هذا التدخل بعد الحرب إلى مستوى المشاركة في بحث مستقبل هذا البلد والضغط من أجل فتح أبوابه للهجرة اليهودية وقيام الدولة العبرية فيه، وقد ساعد على ذلك الحالة الاقتصادية السيئة لبريطانيا وحاجتها الماسة للدعم الأمريكي من ناحية، واتجاه حكومة العمال الجديدة إلى تحميل الولايات المتحدة الأمريكية نصيبها من المسؤولية تجاه القضية الفلسطينية من ناحية أخرى.
فعندما تولى حزب العمال الحكم في بريطانيا في نهاية يوليه عام 1945، خلفاً لحكومة المحافظين، شكل مجلس الوزراء لجنة لبحث سياسة الحكومة في الشرق الأوسط بوجه عام وفي فلسطين بوجه خاص، وقامت اللجنة بعملها خلال شهر أغسطس، وقدَّمت تقريراً في شهر سبتمبر أكدت فيه على "أنه لتلبية متطلبات الإستراتيجية البريطانية في المنطقة فإنه من الضروري المحافظة على صداقة العرب وتوحيد المشرق العربي في ظل ميثاق أمن إقليمي يقوم على أساس المشاركة بين الأنداد".
أما بالنسبة إلى فلسطين فقد أوصت اللجنة المشار إليها بما يلي:
1. مواصلة تطبيق سياسة الكتاب الأبيض فيما يتعلق بالهجرة اليهودية مؤقتاً حتى يتم إقرار سياسة جديدة للمستقبل، مع بذل كل جهد ممكن لإقناع العرب بالموافقة على استمرار الهجرة بالمعدلات المعمول بها وقتئذ (1500 مهاجر شهرياً) حتى يتم إقرار السياسة الجديدة.
2. إبلاغ حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ـ قبل الاتصال بالعرب ـ بأن الحكومة تدرس وضع سياسة جديدة بعيدة المدى بالنسبة إلى فلسطين تزمع عرضها على المنظمة العالمية (الأمم المتحدة) في الوقت المناسب.
وفي الوقت التي كانت فيه اللجنة البريطانية السابقة لازالت تبحث الموقف في فلسطين لتحديد السياسة البريطانية تجاهها بعد الحرب، كانت الحركة الصهيونية التي أصاب زعماءها القلق من عدم إعلان الحكومة البريطانية الجديدة نواياها تجاه فلسطين قد وصلت إلى الرئيس الأمريكي الجديد "هاري ترومان" بواسطة "إيلي جاكسون" صديقه الحميم وشريكه السابق في محل خردوات في "مينسوتا" قبل انتخاب ترومان عضواً في الكونجرس واختياره نائباً لروزفلت. وعلى ذلك تجاهل الرئيس ترومان آراء معاونيه بعدم اتخاذ قرارات تؤثر سلباً على المصالح الأمريكية النامية في الشرق الأوسط، وطلب من الحكومة البريطانية السماح بتهجير مائة ألف لاجئ يهودي أوروبي إلى فلسطين، ولما كان طلب الرئيس الأمريكي لا يتمشى مع التوجهات البريطانية الجديدة، فقد كان رد الحكومة البريطانية هو طلب تشكيل لجنة برلمانية مشتركة (إنجليزية/ أمريكية) تكون مهامها كما يلي:
1. بحث الإجراءات الكفيلة بتحسين أوضاع اليهود في البلدان الأوروبية التي تعرضوا فيها للاضطهاد النازي والفاشي.
2. بحث الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في فلسطين من حيث علاقتها بالهجرة اليهودية، وبحث الإجراءات الكفيلة بالسماح بنسبة معقولة من الهجرة اليهودية إلى فلسطين في المستقبل القريب.
3. بحث احتمال حل مشكلة اللاجئين اليهود في أوروبا بفتح أبواب الهجرة إلى بلدان أخرى منها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الكومنولث البريطاني.
وقد واجه اقتراح تشكيل اللجنة المشتركة الرئيس ترومان بمشكلة دقيقة في الوقت الذي كان فيه الرأي العام الأمريكي ـ الذي تأثر بالدعاية اليهودية ـ يساند المطالب الصهيونية، والبلاد مقبلة على انتخابات مجلس النواب والتجديد النصفي لمجلس الشيوخ، إلا أن الرئيس ترومان اختار الموافقة على تشكيل اللجنة المشتركة حتى لا ينفرد البريطانيون بتقرير السياسة التي يرونها تجاه فلسطين.
وفي 13 نوفمبر 1945 أوضح أرنست بيفن وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم أن الحكومة ستنفذ توصيات اللجنة المشتركة إذا ما جاءت بالإجماع، كما أعلن قرار الحكومة باستشارة العرب حول ضمان المحافظة على عدد المهاجرين المسموح شهرياً (1500مهاجر)، وكان ذلك العدد مرتبطاً باستكمال الأعداد التي قررت في الكتاب الأبيض (75 ألف مهاجراً أصلياً بالإضافة إلى 25 ألف آخرين للمساهمة في حل مشكلة اللاجئين اليهود في أوروبا إذا ما كانت الحالة الاقتصادية تسمح بالأعداد الأخيرة).
وتشكلت اللجنة البرلمانية المشتركة من اثنى عشر عضواً نصفهم من الإنجليز والنصف الآخر من الأمريكيين، وعلى ضوء مشاورات اللجنة مع كل من العرب واليهود في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفلسطين والمشرق العربي، فإنها وضعت في 20 إبريل 1946 تقريرها الجماعي الذي ضمنته عدة مبادئ هي:
1. عدم انفراد اليهود أو العرب بالسيطرة على فلسطين.
2. عدم تحول فلسطين إلى دولة عربية أو دولة يهودية.
3. أن يوفر شكل الحكومة التي ستقوم في فلسطين ـ وفقاً لضمانات دولية ـ الحماية التامة للديانات والمقدسات الإسلامية والمسيحية واليهودية في البلاد.
وانتهت اللجنة في تقريرها إلى رفض تقسيم فلسطين، وأكدت على أن "أي محاولة في ذلك الوقت أوفي المستقبل القريب لإقامة دولة فلسطينية مستقلة أو دولتين فلسطينيتين مستقلتين (إحداهما يهودية والأخرى عربية) لابد أن تؤدي إلى حرب أهلية قد تهدد السلام العالمي". وخلصت اللجنة إلى ضرورة بقاء فلسطين دولة موحدة ثنائية القومية تحت الانتداب البريطاني تمهيداً لوضعها تحت وصاية الأمم المتحدة، ومطالبة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأخرى بفتح أبوابها لاستقبال عدد من اللاجئين اليهود.


وتقدمت اللجنة بعدد من التوصيات الخاصة بتطوير فلسطين من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، كما أوصت بإصدار مائة ألف تصريح هجرة إلى فلسطين تمنح قدر الإمكان خلال عام 1946" والإسراع بخطى الهجرة بالشكل الذي تسمح به الظروف، وخضوعها في المستقبل إلى اتفاق وسط بين العرب واليهود، وطلبت اللجنة في تقريرها أن تبادر الوكالة اليهودية إلى التعاون الفعال مع دولة الانتداب في قمع الإرهاب والهجرة غير الشرعية".
وقد تفاوتت ردود الفعل البريطانية والأمريكية تجاه التوصيات السابقة التي أجمعت عليها اللجنة البرلمانية المشتركة، فبالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية تجاهل الرئيس ترومان رغبة الحكومة البريطانية في العمل المشترك تجاه القضية الفلسطينية وأصدر تصريحاً، أعده له مساعده اليهودي الصهيوني ديفيد نايلز، رحب فيه بتوصية اللجنة حول هجرة المائة ألف يهودي إلى فلسطين وتجاهل باقي التقرير ـ الذي حاولت اللجنة أن تجعله متوازناً حتى يحظى بموافقة إجماعية من أعضائها ـ مشيراً إلى أن باقي التوصيات تحتاج دراسة متأنية. أما بالنسبة إلى بريطانيا، فقد صرح "كلمنت أتلي" رئيس وزرائها في مجلس العموم في أول مايو 1946 بأن التقرير يتضمن التزامات على المدى البعيد لا ترغب الحكومة البريطانية في الاضطلاع بها قبل أن تتأكد من مدى استعداد الولايات المتحدة الأمريكية للاشتراك في تحمل المسؤوليات العسكرية والمالية المترتبة عليها، كما أعلن أن الحكومة البريطانية لن تسمح بهجرة مائة ألف يهودي إلى فلسطين إلا إذا جرى نزع سلاح المقاتلين العرب واليهود وحل المنظمات الإرهابية الصهيونية وأبدت الوكالة اليهودية استعدادها للتعاون في هذا الشأن.
وقد هدد موقف الرئيس الأمريكي من تقرير اللجنة وعدم رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في تحمل أية أعباء عسكرية في فلسطين توصيات اللجنة البرلمانية المشتركة[1] بالتجميد، لولا أن اتفقت في النهاية الحكومتان الأمريكية والبريطانية على مجموعة من الإجراءات تساعدهما على تقريب وجهات النظر وتحديد مواقفهما النهائية من توصيات اللجنة البرلمانية، وقد تلخصت تلك الإجراءات فيما يلي:
1. قيام كل من الحكومتين باستطلاع رأي الحكومات العربية واليهودية حول ما جاء في تقرير اللجنة البرلمانية المشتركة.
2. التقاء وفدين من خبراء الحكومتين لبحث المطالب المترتبة على توصيات اللجنة البرلمانية وخاصة ما يتعلق منها بالالتزامات العسكرية والمالية.
3. تضع الحكومة الأمريكية نصب عينيها اقتراح الحكومة البريطانية بعقد مؤتمر تحضره كل الأطراف المعنية في المرحلة الثالثة من المشاورات.
وشكلت الحكومة الأمريكية وفدها برئاسة "هنري جريدي" نائب وزير خارجيتها كما شكلت الحكومة البريطانية الوفد المناظر برئاسة "هربرت موريسون" رئيس مجلس العموم وبدأت المباحثات بين الوفدين في لندن في يوليه 1946، في الوقت الذي تزايدت فيه القلاقل في فلسطين ووصل الإرهاب اليهودي مداه، وخلال أسبوعين توصل الجانبان إلى صيغة تقرير قدم إلى الحكومتين وعرف باسم "خطة جريدي ـ موريسون"، وكانت تلك الخطة تقضي بتحويل فلسطين إلى دولة إتحادية من ثلاث مناطق إحدها عربية وأخرى يهودية ومنطقة خاضعة للسيطرة البريطانية تشمل منطقتي القدس والنقب، مع تحول الانتداب إلى وصاية بريطانية ووجود حكومة مركزية تشرف على شؤون الدفاع والسياسة الخارجية والجمارك ورسوم الإنتاج، على أن تشرف الحكومتان العربية واليهودية على شؤون الإدارة المحلية والزراعة والصحة العامة والتجارة والصناعة. وأوصى الوفدان في تقريرهما أنه إذا تمت الموافقة على خطتهم وقبلت الولايات المتحدة الأمريكية المشاركة في التكاليف المالية المترتبة عليها فسوف يُسمح بدخول مائة ألف يهودي إلى فلسطين خلال العام الأول، وبعد ذلك يتحدد العدد الذي يُسمح به من المهاجرين على ضوء طاقة الاستيعاب الاقتصادية للبلاد، كما قدم الوفدان خطة لتطوير فلسطين والبلدان المجاورة اقتصادياً، واقترح الوفد الأمريكي أن يطلب الرئيس ترومان من الكونجرس 300 مليون دولار من أجل هذا التطوير.
وقد رأت الحكومة البريطانية في هذه الخطة حلاً متوازناً للقضية الفلسطينية في ضوء الاعتبارات التالية:
1. تحقق تلك الخطة وضعاً شبيهاً بالاستقلال لخمسة وسبعين في المائة من السكان العرب.
2. توفر الخطة ضمانات فعالة للأقلية العربية في المنطقة اليهودية.
3. تسمح هذه الخطة بمنح اليهود قدراً من الإشراف على الهجرة وتنمية الأراضي داخل المنطقة اليهودية بحيث يمكنهم تطوير مشروع الوطن القومي فيها دون قيود.
4. يمكن تنفيذ هذه الخطة تحت إشراف الدولة المنتدبة دون اللجوء إلى الأمم المتحدة.
5. تضمن الخطة نواة التطور الدستوري على أساس إمكان توسيع منطقتي الحكم الذاتي بالتدريج بنقل السيطرة فيها من الحكومة المركزية إلى الحكومتين في هاتين المنطقتين.
6. إلغاء الانتداب على فلسطين على المدى البعيد إما بتقسيمها أو تكوين نظام فيدرالي يشمل كل المناطق تبعاً لما يسفر عنه تنفيذ تلك الخطة.
أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد رفض الرئيس ترومان الخطة برمتها، وقرر السير في طريق منفصل بعيداً عن بريطانيا بالنسبة إلى معالجة القضية الفلسطينية وعدم المشاركة في المرحلة التالية الخاصة بعقد مؤتمر في لندن يحضره كافة الأطراف المعنية، في الوقت الذي أصر فيه على إدخال المائة ألف يهودي إلى فلسطين أرضاءً ليهود الولايات المتحدة الأمريكية، وهكذا ترك ترومان بريطانيا تتخبط وحدها وتجني الثمار المرة لقطعها وعد بلفور ودعمها للمشروع الصهيوني في فلسطين.
ثانياً: فشل الحلول البريطانية وتحويل القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة
قررت الحكومة البريطانية في صيف عام 1946 التشاور مع كل من العرب واليهود على ضوء ما انتهى إليه وفداً الخبراء الإنجليز والأمريكيين، وكانت الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية قد تلقت طلباً من الحكومتين البريطانية والأمريكية لإبداء رأيها فيما جاء بتقرير اللجنة البرلمانية الإنجليزية الأمريكية الذي أعلن في ربيع ذلك العام وأثار سخط العرب، لأنهم شعروا أن ذلك التقرير يلغي ما جاء بالكتاب الأبيض لعام 1939 الذي انعقدت عليه آمالهم.
ولم يكن اليهود أقل سخطاً على ذلك التقرير، لأنه لم يعترف بقيام الدولة اليهودية في فلسطين، وفرض قيود على الهجرة اليهودية إليها، كما طالب بحل المنظمات شبة العسكرية.
ولم يمنع الموقف العربي والصهيوني المعلن من تقرير اللجنة البرلمانية المشتركة الحكومة البريطانية من توجيه الدعوات في 25 يوليه 1946 إلى دول الجامعة العربية و الوكالة اليهودية والهيئة العربية العليا لحضور مؤتمر في لندن يعقد في سبتمبر من نفس العام، في محاولة أخيرة لحل المشكلة الفلسطينية عن طريق التفاوض، وبينما قبلت الدول العربية الدعوة فقد رفضتها الهيئة العربية العليا لفلسطين لأنه لم يُسمح للحاج أمين الحسيني برئاسة وفدهم، كما رفضت الوكالة اليهودية الحضور لعدم قبول الحكومة البريطانية ضم الزعماء الصهيونيين المعتقلين إلى وفد الوكالة، أما حكومة الولايات المتحدة الأمريكية فقد اعتذرت عن أن يمثلها في المؤتمر مندوبون بصفة مراقبين.
وعندما بدأ مؤتمر لندن أعماله في لانكستر هاوس يوم 9 سبتمبر، بادر الوفد البريطاني إلى طرح خطة الاستقلال الذاتي الإداري باعتبارها أول البنود في أجندة المؤتمر، إلا أن الوفود العربية هاجمت تلك الخطة لأنها ستؤدي في النهاية إما إلى تقسيم فلسطين أو سيطرة اليهود عليها، لأن السماح بهجرة غير مقيدة في القسم اليهودي الوارد في تلك الخطة سيؤدي إلى تزايد إعداد اليهود بما يحقق لهم الأغلبية العددية ومن ثم السيطرة على الحكم في البلاد.
وعندما رأى الوفد البريطاني إجماع الوفود العربية على رفض خطة الاستقلال الذاتي الإداري فإنه طالبهم بتقديم مقترحات بديلة على أساس عدم التزام الحكومة البريطانية بالخطة التي عرضتها، فقدمت الوفود العربية خطتها البديلة التي تقوم على العناصر التالية:
1. قيام دولة موحدة في فلسطين تضم أغلبية عربية دائمة وتحصل على استقلالها بعد فترة انتقال قصيرة (سنة أو سنتين) تحت الانتداب البريطاني، يجرى فيها الحكم بموجب دستور ديموقراطي.
2. يحصل اليهود ممن يتمتعون بالمواطنة الفلسطينية الكاملة على الحقوق المدنية الكاملة على قدم المساواة مع مواطني فلسطين الآخرين.
3. توفير ضمانات خاصة لحماية الحقوق الدينية والثقافية للأقلية اليهودية.
4. ضمان سلامة الأماكن المقدسة وحرية الممارسات الدينية في كل أنحاء فلسطين.
5. منح الأٌقلية اليهودية نسبة من عدد مقاعد المجلس التشريعي تتمشى مع نسبة عدد المواطنين اليهود إلى إجمالي المواطنين الفلسطينيين.
6. ضرورة حصول أي تشريع خاص بالهجرة وانتقال الأراضي على موافقة الأغلبية العربية في المجلس التشريعي.
7. عدم تعديل الضمانات الخاصة بالأماكن المقدسة إلا بموافقة الأمم المتحدة، وضرورة الحصول على موافقة أغلبية الأعضاء اليهود في المجلس التشريعي لتعديل أي ضمانات تتمتع بها الأقلية اليهودية.
8. عقد معاهدة تحدد العلاقة المستقبلية بين الحكومة البريطانية وحكومة الدولة الاتحادية.
فطلبت الحكومة البريطانية مهلة لدراسة الخطة العربية البديلة، ومن ثم تأجل استئناف المباحثات لمدة شهرين (حتى يناير عام 1947). والحقيقة أن تأجيل المؤتمر لم يكن لدراسة الخطة العربية فحسب، فقد آثرت الحكومة البريطانية الانتظار حتى ينتخب المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرون مجلساً تنفيذياً جديداً كان يُؤمل أن يكون أكثر اعتدالاً من سابقه، بما يسمح بالمشاركة اليهودية في المؤتمر، إلا أن بريطانيا واجهت خلال هذه الفترة مزيداً من الإرهاب الصهيوني، وتعرضت سياستها في فلسطين لنقد شديد من كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية.
وتحت ضغط المنظمات الصهيونية الأمريكية أصدر الرئيس ترومان بياناً في الرابع من أكتوبر 1946، يستعرض فيه جهود إدارته تجاه القضية الفلسطينية ويطالب بريطانيا بفتح أبواب فلسطين لاستقبال المهاجرين اليهود على الفور دون انتظار حل القضية الفلسطينية، وأبدى استعداد الحكومة الأمريكية للمساعدة في هذا الشأن، كما طالب بتحرير قوانين الهجرة في البلاد المختلفة لحل مشكلة اللاجئين في أوروبا، وأشاد بتقرير اللجنة البرلمانية المشتركة التي أخذت بتوصيته الخاصة بتهجير مائة ألف لاجئ يهودي من أوروبا إلى فلسطين، كما أشار إلى تأييد الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء دولة يهودية في منطقة كافية من فلسطين.


[size="5"](((تصريح رئيس الولايات المتحدة (مستر ترومان)

فى 4 أكتوبر 1946



لقد عرفت بمزيد الأسف بأن اجتماعات مؤتمر فلسطين المنعقد فى لندن قد أجلت وبأنها لن تستأنف حتى السادس عشر من ديسمبر 1946 وعلى ضوء هذا الوضع فان من المناسب فحص سجل جهود الادارة فى هذا الموضوع، هذه الجهود التى دعمها - داخل الكونجرس وخارجه - أعضاء كلا الحزبين السياسيين وأن أدلى بآرائى عن الموقف كما هو قائم الآن.

ومما يدعو الى التذكر أنه عندما قدم ايرل هاريسون تقريره فى 29 سبتمبر 1945 بشأن حالة الأشخاص المشردين فى أوروبا طلبت حالا اتخاذ الخطوات لتخفيف حالة هؤلاء الأشخاص الى حد أقصاه قبول 100.000 يهودى للدخول الى فلسطين.

وتلبية لهذا الاقتراح دعت الحكومة البريطانية حكومة الولايات المتحدة لتتعاون فى تكوين لجنة تحقيق انجلو- امريكية مشتركة، تلك الدعوة التى كانت هذه الحكومة سعيدة فى قبولها، آملة أن مشاركتها من شأنه أن يساعد على تخفيف وضع اليهود المشردين فى أوروبا وأن يساعد على ايجاد حل لمشكلة فلسطين الصعبة والمعقدة فى حد ذاتها.

وان السرعة التى نظرت بها الحكومة الى القضية نفسها نراها منعكسة فعلا فى مهلة المئة وعشرين يوما التى حددت لاتمام مهمة اللجنة.

ان تقرير لجنة التحقيق الانجلو- أمريكية - وضع بالاجماع فى العشرين من ابريل سنة 1946.

ومن دواعى سرورى أن أشير الى أنه من بين التوصيات المتضمنة فى التقرير كانت احداها اقرار لاقتراحى السابق ألا وهو قبول 100.000 يهودي للدخول الى فلسطين. والادارة اهتمت حالا باستنباط الطرق والوسائل لنقل 100.000 مشرد والاعتناء بهم عند وصولهم. وعلى هذا الأساس أرسل الخبراء الى لندن فى يونيو 1946 لاجراء تدابير السفر الفعلى بصورة مؤقتة.)))

وقد ساهمت الحكومة البريطانية مع هذه الجماعة لكنها أوضحت بأن التقرير فى نظرها يجب أن يعتبر ككل وأن موضوع المئة ألف مشرد لا يمكن اعتباره أمرا منفصلا.

وقد كان لبيان الرئيس ترومان أسوأ الأثر في فلسطين والبلاد العربية، حيث شجع ذلك البيان المنظمات الإرهابية اليهودية على تشديد ضغطها على حكومة الانتداب، كما اندلعت المظاهرات في البلدان العربية ضد الولايات المتحدة الأمريكية واحتجت حكوماتها على ذلك البيان، كما أرسل الملك عبدالعزيز آل سعود خطاباً إلى الرئيس ترومان يبدي فيه دهشته من البيان المشار إليه الذي يتعارض مع الوعود التي قطعها الرئيس روزفلت له، وأوضح للرئيس ترومان الظلم الذي يمكن أن يحيق بالعرب نتيجة للسياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية والذي يمكن أن يؤثر على العلاقات العربية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية.
ولم يكن الرئيس الأمريكي وحده الذي خذل الحكومة البريطانية في هذه المرحلة الحرجة من معالجة القضية الفلسطينية، ففي ديسمبر من نفس العام خيب المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرون أيضاً ظن الحكومة البريطانية وأسقط آمالها التي عقدتها عليه بانحيازه الكامل إلى فريق المتشددين الذي كان يتزعمه بن جوريون.
وقبل أن يستأنف مؤتمر لانكستر هاوس أعماله في 21 يناير 1947 ناقش مجلس الوزراء البريطاني مذكرة وضعها وزير الخارجية حول الحلول الثلاثة المقترحة للمشكلة الفلسطينية حتى يقرر المجلس الحل الذي يتم عرضه على كل من العرب واليهود عند استئناف المؤتمر لأعماله[2] ، وقد تلخصت تلك الحلول فيما يلي:
1. تنفيذ التقسيم وفق ما طالب به اليهود دون حاجة إلى فترة انتقال يقوم خلالها نظام الاستقلال الذاتي الإداري.
2. إقناع العرب بقبول حصة نهائية وإن كانت كبيرة من المهاجرين اليهود مقابل إقامة دولة موحدة مستقلة وفق ما طالب به العرب في المؤتمر.
3. تطبيق نظام الاستقلال الذاتي الإداري في إطار دولة ثنائية القومية طبقاً لخطة اللجنة البرلمانية المشتركة خلال فترة انتقال يتم بعدها تقسيم فلسطين إلى دولتين إحداهما عربية والأخرى يهودية.
وقد وافق مجلس الوزراء البريطاني على الحل الأخير كأساس للمناقشات مع الوفود العربية عند استئناف المؤتمر، على أن يكون مفهوماً أن هذا الحل سيؤدي في النهاية إلى الاستقلال بشرط الحفاظ على حق بريطانيا في وضع قواتها في فلسطين إلا أن الحكومة الأمريكية تمسكت بالتقسيم الفوري ـ الذي رأته أسهل الحلول من حيث التنفيذ وأقلها ضرراً ـ وإن أبدى وزير خارجيتها استعداد حكومته لمساندة قيام دولة ثنائية تمهيداً للتقسيم إذا ما فشلت الحكومة البريطانية في الحصول على موافقة كل من العرب واليهود.
وفي محاولة للتوفيق بين المطالب العربية واليهودية التي تساندها الولايات المتحدة الأمريكية، توصل وزير الخارجية البريطانية إلى صيغة ظن أنها قد ترضي الطرفين أطلق عليها اسم "خطة بيفن". وقد نصت تلك الخطة على قيام دولة اتحادية تتمتع بالحكم الذاتي المباشر تحت الوصاية البريطانية لمدة خمس سنوات تحصل بعدها على الاستقلال المباشر، مع السماح بدخول أربعة آلاف يهودي شهرياً لمدة سنتين وتوفير ضمان للأقلية اليهودية بعد الاستقلال.
وعندما عُرضت "خطة بيفن" على اليهود، يوم 10 فبراير، وعلى العرب، بعد ذلك بيومين، رفضها الجانبان من دون نقاش، وعلى حين عاد اليهود إلى خيارهم الثاني وهو العودة إلى أوضاع، الانتداب عام 1939 (قبل إصدار الكتاب الأبيض)، طالب بعض العرب بالانسحاب البريطاني الفوري من فلسطين مؤكدين أنهم سيضعون حلاً نهائياً للمشكلة خلال الصدام المحتوم، إلا أن مجلس الوزراء البريطاني رفض الاقتراح اليهودي بالعودة إلى أوضاع ما قبل الحرب لأنها ستؤدي إلى استلام اليهود للسلطة في فلسطين، كما رفض المطالب العربية.
وإزاء الضغوط الأمريكية والصهيونية وفشل الحكومة البريطانية في التوصل إلى حل يرضي الطرفين وضغوط الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعرضت لها بريطانيا عام 1947، قررت الحكومة البريطانية تخفيف مسؤولياتها في الشرق الأوسط، وعلى ذلك قررت تحويل المشكلة الفلسطينية برمتها إلى الأمم المتحدة.
وأوضح ارنست بيفن وزير الخارجية البريطانية أمام مجلس العموم يوم 23 فبراير 1947 الأسباب التي دعت الحكومة إلى اللجوء إلى الأمم المتحدة بقوله "لقد عجزت بريطانيا عن التوفيق بين السماح لليهود بغزو فلسطين، وبين مراعاة صك الانتداب في عدم الإضرار بمصالح سكانها الآخرين، وقد أصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض الذي حدد الهجرة إلى فلسطين ليوقفها فيما بعد، وأقر المجلس الموقر هذا الكتاب الذي أثار معارضة اليهود وتشدد العرب وإصرارهم على الاستقلال الكامل، ومما زاد تعقيد القضية أن أمريكا زجت بنفسها فيها، وأخذ الرئيس ترومان يوالي تصريحاته عنها، ولو وقف أمر هذا التدخل عند إدخال مائة ألف مهاجر يهودي إلى فلسطين لكان في الإمكان معالجته، ولكن الحديث يدور حول المجئ بالملايين، وليس من العدل المساواة بين مصالح العرب أصحاب البلاد وبين اليهود الطارئين على فلسطين، إلا أن بريطانيا لا تستطيع أن تفرض حلاً نهائياً بالقوة لأنها دولة منتدبة، ولذا أصبح من واجبها أن ترفع الأمر إلى الأمم المتحدة، لتقر وتفرض الحل الذي تراه".
وفي 12 أبريل 1947 طلبت الحكومة البريطانية رسمياً من السكرتير العام للأمم المتحدة أن يدعو لعقد دورة طارئة للجمعية العامة بقصد تشكيل لجنة خاصة تقوم بالإعداد لبحث المشكلة الفلسطينية في الدورة العادية التالية للجمعية العامة.

خارطة التقسيم (قرار التقسيم -مجلس الأمن 1947):




----------------------

[1] ناقشت هيئة الأركان الأمريكية المشتركة موضوع إرسال قوات أمريكية إلى فلسطين، ثم نصحت في 21 يونيه بعدم اشتراك الولايات المتحدة الأمريكية عسكرياً لتنفيذ توصيات اللجنة المشتركة لأن ذلك سيؤدي إلى تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة.

[2] نتيجة لرفض الوكالة اليهودية حضور مؤتمر لانكستر هاوس بالشروط البريطانية، فقد أجرت الحكومة البريطانية معهم مباحثات غير رسمية أثناء المؤتمر بواسطة وزير المستعمرات.



أسامة الكباريتي
تطور الموقف بعد الحرب العالمية الثانية



أولاً: تطور الموقف الصهيوني بعد الحرب

في الوقت الذي كانت فيه حكومة حزب العمال تبحث الموقف في فلسطين خلال شهر أغسطس عام 1945، دُعي المؤتمر الصهيوني للانعقاد في لندن في أول اجتماعاته بعد الحرب، وقد حذر ذلك المؤتمر من أن اليهود في فلسطين سوف يلجأون إلى العنف ضد الحكم البريطاني إذا لم تتخل الحكومة البريطانية عن سياسة الكتاب الأبيض.

وما أن تبلورت السياسة الجديدة لحكومة العمال تجاه فلسطين، حتى قررت الوكالة اليهودية وقف تعاونها مع حكومة الانتداب وزيادة معدلات الهجرة غير الشرعية بالشكل الذي يهدم هذه السياسة، كما قرر قادة الهجناه أن الوقت قد حان لتحدي الحكم البريطاني، وهو ما أدى إلى تصاعد الأعمال الإرهابية ضد حكومة الانتداب بشكل أكثر عنفاً بعد أن توحدت جهود الهجناه ومنظمتا الأرجون وشتيرن في هذا المجال، وهو ما عبر عنه "مناحيم بيجن" في مذكراته بقوله "في تلك الفترة انتهت حملة اليهود ضدنا، وولدت حركة النضال الموحد وقمنا بعمليات مشتركة رائعة".

وقد اتخذت المواجهة الصهيونية للحكم البريطاني خلال هذه المرحلة أربعة محاور للعمل تصاعدت نشاطاتها حتى تم إحالة القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة في أبريل عام 1947، وهذه المحاور هي:

1. الإسراع بمعدلات الهجرة غير الشرعية

أوكلت مهمة تهجير اللائقين من المهاجرين اليهود في أوروبا والشرق الأوسط إلى جهاز الموساد الذي أسسته الوكالة اليهودية خلال الحرب العالمية الثانية. وكانت عمليات الهجرة غير الشرعية تعتمد في مراحلها الأولى على الجنود اليهود المتطوعين في القوات البريطانية ووحدات اللواء اليهودي في أوروبا، حيث كان يتم نقل كل مجموعة من المهاجرين في عربات عسكرية يمكنها أن تعبر نقاط التفتيش عبر الحدود الأوروبية، ثم يتم نقلها إلى مناطق للتجمع، ترسل منها إلى موانئ الإبحار، وكانت كل رحلة تستدعي الحصول على المستندات والمؤن بشكل يحقق الاكتفاء الذاتي لكل قافلة وشراء أو استئجار السفينة التي ستقوم بعملية النقل وإخفاء معالمها وكان على كل سفينة أن تجد طريقها إلى فلسطين بعيداً عن السفن والطائرات البريطانية، حيث تقابلها فرق الإنزال التابعة للهجناه عند النقطة المحددة على الساحل الفلسطيني، ومنذ صيف عام 1945 وحتى نهاية عام 1947 وصل إلى فلسطين سبعون سفينة تحمل المهاجرين اليهود.

وقد وصل إلى فلسطين بعض هذه السفن خلال الشهور الأولى بعد الحرب أكثر من ألف يهودي، ثم تزايدت أعدادهم بعد ذلك إلى ما يقرب من 22 ألف مهاجر، وفي أوائل عام 1947 ارتفع العدد إلى 40 ألف يهودي، وفيما بين صيف عام 1945 ونهاية عام 1947 وصل إلى فلسطين بطريقة غير مشروعة واحد وسبعون ألف مهاجر من معسكرات اللاجئين في أوروبا.


2. إقامة المستعمرات في المناطق التي حرَّمها الكتاب الأبيض

اتجهت الوكالة اليهودية بعد الحرب إلى إنشاء المستعمرات الدفاعية ـ التي سبقت الإشارة إليها ـ في المناطق المحظورة لتحقيق هدفين هما:

أ. السيطرة على مراكز حيوية في المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية.

ب. إحباط سياسة الكتاب الأبيض الرامية إلى إبقاء الجزء الأكبر من فلسطين خارج الدولة اليهودية.

وطبقاً لرواية آلون كانت إقامة المستعمرات الدفاعية بالنسبة إلى الهجناه أيسر من تنظيم الهجرة غير الشرعية والإشراف عليها، فلم يكن الأمر يتطلب أكثر من "اختيار الموقع المطلوب وإعداد مستعمرة أو قرية كاملة التجهيز ثم القيام بعملية النقل وترتيب الدفاع والتعاون بين الجنود والمدنيين".

وقد لعبت هذه المستعمرات الدفاعية غير المشروعة التي أنشئت في هذه المرحلة دوراً حيوياً عند اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية الأولى (1948 ـ 1949)، وخاصة في منطقة النقب حيث أنشئ ست وعشرون مستعمرة.


3. الهجوم على الأهداف الحكومية العسكرية والمرافق الإستراتيجية

استهدفت الهجمات اليهودية الضغط على الحكومة البريطانية بتقويض هيبة الحكم ومركز البريطانيين وإحساسهم بالأمن في فلسطين، وإقناعهم بأنه بدون موافقة اليهود لن تستطيع الحكومة البريطانية الاحتفاظ بهذا البلد كقاعدة آمنة في الشرق الأوسط.

وقد اتسمت تلك الهجمات بطابع الإغارة على أهداف مختارة مثل "السكك الحديدية والجسور والعربات ومراكز الشرطة والقواعد العسكرية، بالإضافة إلى محطات الرادار وزوارق الدوريات المسلحة والسفن في فلسطين وقبرص.

وفي إطار تنسيق العمل بين المنظمات الصهيونية تولت قوات الهجناه المهام ذات الطابع العسكري مثل مهاجمة المنشآت العسكرية والأهداف الحيوية التي تشدد حكومة الانتداب الحراسة عليها، بينما اختصت الأرجون بأعمال النسف والتدمير، في حين انفردت شتيرن بأعمال القتل والاغتيال.

وقد دفع النشاط الإرهابي السابق وزير الخارجية البريطانية إلى إرسال مذكرة إلى نظيره الأمريكي في 6 نوفمبر 1945 يلفت نظره فيها إلى تصاعد أعمال العنف التي تقوم بها القوات الصهيونية في فلسطين، مشيراً إلى أن الحركة الصهيونية تريد دفع الأمور بأسرع مما هو لازم، الأمر الذي يضع سلطات الانتداب والقوات البريطانية في فلسطين تحت ضغوط شديدة، وأرفق بيفن بمذكرته بيان حجم القوات الصهيونية المسلحة في فلسطين والتي أجملها فيما يلي:


أ. قوات الهجناة: ما بين 60 ألف إلى ثمانين ألف جندي مسلح بما فيها قوات البالماخ ووحدات الكوماندوز وقوامها ستة آلاف جندي.

ب. قوات الأرجون: الأكثر تعصباً وعددها يقدر بما بين ستة آلاف إلى سبعة آلاف مقاتل.

ج. عصابة شتيرن الإرهابية: وتضم عدة مئات من الإرهابيين المدربين.

كما لفت بيفن نظر حاييم وايزمان وموشي شرتوك (شاريت) إلى خطورة لي ذراع السلطات البريطانية، لأن ذلك سوف يؤدي إلى تعقيدات هم في غنى عنها.

ولم يسفر التحذير البريطاني عن تهدئة الأوضاع في فلسطين، حيث تشير الوثائق البريطانية إلى تزايد مشاركة الآلاف من يهود المستعمرات والمدن في النشاطات الإرهابية والعسكرية. فعندما تصاعد النشاط الإرهابي عام 1946، صدر بيان بريطاني في 24 يوليه من ذلك العام يحدد التنظيمات الارهابية اليهودية في التشكيلات التالية:

أ. قوات الهجناه والبالماخ غير المسموح بها قانونياً، وتعمل تحت قيادة مركزية يتبعها ثلاث قيادات إقليمية، وتشكل البالماخ قوة عاملة متفرغة من ستة آلاف فرد.

ب. قوة مستقرة تضم أربعين ألف فرد من سكان المستعمرات والمدن.

ج. قوة شرطة المستوطنات وهي قوة نظامية مدربة قوامها ستة عشر ألف فرد.

د. الارجون تسفاني ليئومي، وهي عصابة سرية تضم ما ين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف فرد.

هـ. جماعة شتيرن، وهي عصابة تضم ما بين مائتين وثلثمائة من الرجال الخطرين، وهي أكثر التصاقاً بالأرجون.

وإزاء هذا النشاط الإرهابي المتزايد تحت إشراف الوكالة اليهودية وبتوجيهاتها، بدأت حكومة الانتداب في إلقاء القبض على عدد من زعماء اليهود، واتخاذ إجراءات حاسمة ضد الوكالة اليهودية فضلاً عن إلقاء القبض على كثير من أفراد المنظمات السابقة المشتبه في تورطهم في الأعمال الإرهابية، ونفي بعضهم خارج فلسطين.

وقد أثارت المواجهة البريطانية العنيفة لإرهاب المنظمات الصهيونية ردود فعل غاضبة لدى جماعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية، وهددت تلك الجماعات بدعوة الكونجرس إلى رفض قرض أمريكي مقترح كانت بريطانيا في أمسِّ الحاجة إليه، ومن ثم وجد المسؤولون البريطانيون أنفسهم مضطرين إلى وقف الإجراءات التأديبية وقصر ردود فعل قواتهم على مجرد الدفاع عن النفس، مما شجع المنظمات الصهيونية على تصعيد أعمالها الإرهابية إلى حد لم يعد يمكن السكوت عليه، مثل نسف فندق الملك داود ـ الذي كان مقراً لقيادة القوات البريطانية في فلسطين ـ وما ترتب على ذلك من خسائر فادحة في الأرواح (93 قتيلاً و3 جرحى)، مما دفع السلطات البريطانية إلى استئناف سياسة القمع، وهو ما أدى إلى إضعاف موقف المعتدلين ودعم موقف المتطرفين، سواء في الوكالة اليهودية أو المنظمة الصهيونية العالمية، كما أدى إلى تدهور العلاقات الإنجليزية اليهودية.

وعندما اجتمع المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرون في بال (بسويسرا) خلال شهر ديسمبر 1946، ثار خلاف في الرأي بين حاييم وايزمان (رئيس المنظمة الصهيونية) وبين دافيد بن جوريون (رئيس المجلس التنفيذي للوكالة اليهودية في ذلك الوقت) حول العلاقات مع البريطانيين، فبينما كان وايزمان لازال يتشبث بالعلاقة مع بريطانيا ويطالب بالعمل على تقويتها، كان بن جوريون يرى تركيز الجهود الدبلوماسية الصهيونية على الولايات المتحدة الأمريكية بدلاً من انجلترا، وقد انحاز المؤتمر لرأي بن جوريون ولم يعاد انتخاب وايزمان لرئاسة المؤتمر الصهيوني مرة أخرى.


4. دعم القوة العسكرية اليهودية في فلسطين

قامت الوكالة اليهودية ـ فور انتهاء الحرب العالمية الثانية ـ بتكثيف جهودها لدعم القوة العسكرية اليهودية في فلسطين استعداداً للمواجهة المنتظرة مع الجيوش العربية عند انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، "وهذا يعني أولاً وقبل كل شيء الحصول على جميع أنواع الأسلحة"، "فالقوة العسكرية هي التي ستقرر نتيجة النضال". وعلى ذلك اتجهت جهود الوكالة اليهودية إلى الحصول على الأسلحة الثقيلة، وإنشاء المصانع الحربية لإنتاج الذخائر والأسلحة الخفيفة، استكمالاً لجهودها في مجال التصنيع الحربي الذي بدأته خلال الحرب العالمية الثانية[1].

ففي 15 مايو 1945 ـ فور انتهاء الحرب في أوروبا ـ توجه "بن جوريون" ومعه "اليعازر كابلان" أمين صندوق الوكالة اليهودية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لعقد صفقة ضخمة تهدف إلى إقامة صناعة للذخيرة في فلسطين والحصول على الآلات اللازمة لإنشاء مصانع السلاح.

ونجح بن جوريون في جمع عدة ملايين من الدولارات من يهود الولايات المتحدة الأمريكية لشراء الاحتياجات المطلوبة ونقلها إلى فلسطين، ومع كل الجهد الذي كانت تبذله الحكومة البريطانية بحثاً عن الأسلحة في المستعمرات اليهودية خلال هذه الفترة فإنها لم تستطع اكتشاف طبيعة هذه الآلات والغرض منها.

وخلال وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية، في صيف عام 1945، طلب بن جوريون من بعض أعضاء المنظمة الصهيونية الأمريكية تكوين لجنة سرية في الولايات المتحدة الأمريكية تتولى تدبير الأموال اللازمة للحصول على الأسلحة من القارة الأمريكية وتدبير وسائل نقلها إلى فلسطين سراً. "وقد تكونت بالفعل هيئة سرية أُطلق عليها اسم "مؤسسة (سونبرن)" تولت جمع ملايين الدولارات وأنشأت مكاتب لشراء الأسلحة وشركات وهمية تتولى شحنها ونقلها بعد شرائها. وقد شملت هذه الأسلحة المشتراة على عدد من الدبابات الخفيفة والمدفعية الخفيفة والمتوسطة والسيارات المدرعة الخفيفة وسيارات النقل".

وكان يجرى فك أجزاء هذه الأسلحة وشحنها بالسفن والطائرات بواسطة مؤسسة سونبرن على أنها آلات زراعية، وتم تهريب هذه الأسلحة إلى فلسطين بالرغم من الرقابة التي فرضتها حكومة الانتداب في ذلك الوقت.

وعندما عقد المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرون في ديسمبر 1946 لفت بن جوريون نظر المجتمعين إلى مشكلة الأمن كما يراها، فقد يواجه المجتمع اليهودي في فلسطين "البيشوف" جيوش الدول العربية التي قد تُرسل للقضاء على ذلك المجتمع، وعلى ذلك "ينبغي أن تأخذ الأهبة لذلك الاحتمال، باستغلال قدراتنا الفنية والمالية إلى أقصى حد ... إن الدول العربية لم تستكمل بعد أهبتها إلا أننا قادمون على فترة تحول عنيف، ويتحتم علينا ألا نغفل الأخطار التي تنتظرنا، ولابد أن نتأهب من فورنا وبأكبر درجة ممكنة، إن هذا من وجهة نظرنا هو أخطر واجب تواجهه الصهيونية اليوم".

وفي نهاية المؤتمر كُلف بن جوريون بمهام الدفاع، بالإضافة إلى مهمته كرئيس للمجلس التنفيذي، فقام بدراسة أوضاع الهجناه ومدى إمكاناتها لمواجهة الاختبار المنتظر، وطالب قيادتها بتجنيد كل الضباط وضباط الصف اليهود ـ الذين اكتسبوا خبراتهم في الحرب العالمية الثانية ـ لمدة عامين في قوات الهجناه وخاصة في القوة الجوية والبالماخ.

وعندما قام بن جوريون بدراسة موقف الأسلحة المتاحة للهجناه في أبريل 1947، وجد أن هناك حاجة ماسة للحصول على مزيد من الأسلحة وخاصة الدبابات والعربات نصف جنزير وقطع المدفعية الثقيلة والهاون لدعم الوحدات البرية، بالإضافة إلى الطائرات المقاتلة لإنشاء القوة الجوية وزوارق الطوربيد والغواصات والسفن الأخرى اللازمة للبحرية، وعلى ذلك تم اعتماد المبالغ اللازمة لشراء مزيد من الأسلحة الثقيلة من تشيكوسلوفاكيا وفرنسا بالإضافة إلى ما سبق الحصول عليه من الولايات المتحدة الأمريكية.

وطبقاً لرواية بن جوريون بلغت جملة الأسلحة التي تم شراؤها في تلك الفترة ما يلي:

أ. الأسلحة البرية

40 دبابة، 144 عربة (مدرعة) نصف جنزير، 416 قطعة مدفعية، 24 هاوناً ثقيلاً، 158 رشاشاً ثقيلاً، 1417 رشاشاً متوسطاً، 6034 رشاشاً خفيفاً 52391 بندقية، 523 بندقية آلية، 1752 مسدساً.

ب. الأسلحة الجوية

44 طائرة منها 20 طائرة خفيفة من المخلفات البريطانية في فلسطين (من طراز اوستر).

ج. الأسلحة البحرية

59 سفينة مختلفة الأنواع،

وقد نجحت الوكالة اليهودية في تهريب نسبة كبيرة من هذه الأسلحة إلى فلسطين قبل اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام 1948، إلا أن الأسلحة الثقيلة مثل الطائرات والدبابات تأخر دخولها فلسطين إلى ما بعد إنهاء الانتداب رسمياً في 14 مايو 1948.

وفي 18 يونيه 1947 وجه بن جوريون تعليماته إلى قيادة الهجناه لافتاً أنظارهم إلى المخاطر المنتظرة كما يراها، وقد شدد على أن الييشوف يقف أمام جبهتين معاديتين: البريطانية والعربية، "ولكن يجب التمييز بين هاتين الجبهتين، وهذا التمييز حيوي، فالمعركة الدائرة بين الصهيونية وسياسة الكتاب الأبيض، هي في أساسها سياسية وليست عسكرية.. ويختلف الأمر في الجبهة العدوانية العربية، فالمنظمة (الهجناه) هنا هي العامل الرئيسي والحاسم، وإزاء هجوم مسلح من جانب العرب، لا مفر من الحسم عن طريق القوة، حسم عسكري يهودي، وإذا لم تُعدَّ المنظمة لتصبح قادرة على أداء هذه المهمة، فإنها تكون قد ابتعدت عن هدفها الأساسي، ويصبح صميم وجود الييشوف والمشروع الصهيوني عُرضة لخطر الدمار"[2].

وبعد عرض بن جوريون للقوة العسكرية العربية ـ كما قدرها ـ أكد على أن المهمة الأولى للمنظمة (الهجناه) هي إعداد نفسها لمواجهة هذه الجبهة العربية، ومن أجل ذلك "، يجب إحداث تحسن كبير في تدريباتها ونظامها، وتخطيطها، وتثقيفها الصهيوني والعسكري، وقدرتها على العمل، وقوتها الضاربة … ويجب ملاءَمة بنيتها مع الظروف الجديدة، ومع الحاجات المتفاقمة في خطورتها، من خلال الإفادة الكاملة من الخبرة العسكرية التي اكتسبناها واكتسبها آخرون من الحرب العالمية الأخيرة، ومن خلال استخدام منجزات العلم والتكنولوجيا الحديثة لأغراض الدفاع عن أنفسنا".

واتساقاً مع تعليمات بن جوريون أعلن قائد الهجناه في العاشر من أكتوبر 1947، إنشاء "شيروت هافير" (سلاح الطيران)، ومع إنشاء هذا السلاح الجديد، عُدت القوة الجوية تشكيلاً مستقلاً، وفي أوائل عام 1948، كان هذا السلاح مزوداً بثمان وعشرين طائرة منها 27 طائرة خفيفة وطائرة ذات محركين، كما توفر له آنذاك ما بين 50 و60 طياراً يهودياً، منهم عشرون طياراً خدموا في القوات الجوية الملكية البريطانية أثناء الحرب، فضلاً عن ألفين من الفنيين في التخصصات المختلفة ممن جُندِّوا في تلك القوات.


ثانياً: تطور الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية بعد الحرب

إزاء استمرار الخلاف بين حزب الاستقلال والحزب العربي الفلسطيني، الذي أحياه أنصار الحاج أمين الحسيني، قرر مجلس الجامعة العربية في دورته الثالثة (31 أكتوبر ـ ديسمبر 1945)، إرسال جميل بك مردم رئيس الوزراء السوري إلى فلسطين للمساعدة في إنهاء الخلاف بين الزعماء الفلسطينيين، وقد نجح رئيس الوزراء السوري في التوفيق بينهم وتكوين هيئة موحدة من 12 عضواً تمثل مختلف الاتجاهات عُرفت باسم الهيئة العربية العليا.

وقد حاولت الجامعة في البداية ترك اختيار رئيس الهيئة للزعماء الفلسطينيين إلا أنهم انشقوا مرة أخرى فقررت الجامعة تعيين جمال الحسيني – الذي نجحت وساطتها لدى الحكومة البريطانية في عودته من منفاه ـ نائباً للرئيس، وترك منصب الرئاسة شاغراً احتراماً للحاج أمين الحسيني الذي كان لازال متخفياً في أوروبا لاتهامه بالتعاون مع المحور، واعترفت الحكومة البريطانية والأمم المتحدة بالهيئة العربية العليا بصفتها ممثلة للشعب العربي في فلسطين، واعتبرتها الحكومة البريطانية الهيئة المناظرة للوكالة اليهودية.

وعندما لجأ الحاج أمين الحسيني إلى مصر ضيفاً على الملك فاروق عام 1946، بدأ يوجه نشاطات الهيئة العربية العليا من القاهرة والعواصم العربية الأخرى التي كان يتنقل بينها. وأضاف إليها أعضاء جدداً وفرض عليها اتجاهاته المتطرفة، إلا أنه عندما اقترح على الجامعة العربية إعلان دولة عربية في فلسطين تشرف عليها الهيئة العربية العليا رفضت الجامعة الاقتراح.

أما على صعيد الدول العربية، فإنه إزاء الخلافات الفلسطينية السابقة، تزايد دور هذه الدول تجاه القضية الفلسطينية وسياسة الحكومتين البريطانية والأمريكية حيالها. فعندما أعلن هاري ترومان الرئيس الأمريكي في أواخر سبتمبر 1945 تصريحاً يطالب فيه الحكومة البريطانية السماح بهجرة مائة ألف يهودي بالهجرة إلى فلسطين ونفى وجود تعهد من الرئيس روزفلت بخصوص الأوضاع في فلسطين، بعث إليه الملك عبدالعزيز برسالة عبَّر فيها عن دهشته لصدور مثل هذا البيان في ظل التعهد الذي قطعه له سلفه الرئيس روزفلت بشأن عدم اتخاذ أي قرار يتعلق بفلسطين قبل التشاور مع العرب كطرف معني بقضيتها، وطالبه بالبحث عن الخطاب الذي أكد فيه الرئيس روزفلت هذا التعهد بتاريخ 5 أبريل 1945 ونشر ذلك الخطاب.

وعندما أعلن تقرير اللجنة البرلمانية الإنجليزية الأمريكية المشتركة حول المشكلة الفلسطينية دعا الملك فاروق ملوك ورؤساء دول الجامعة العربية (المملكة العربية السعودية وسورية ولبنان والعراق وشرق الأردن واليمن) لأول مؤتمر قمة عربية. وعندما عُقد المؤتمر يومي 28 و 29 مايو 1946 في انشاص اتخذ الملوك والرؤساء العرب عدة قرارات يمكن اعتبارها بداية عمل عربي مشترك لمواجهة المشروع الصهيوني في فلسطين، حيث شملت تلك القرارات ما يلي:

1. رفض توصيات اللجنة البرلمانية الإنجليزية الأمريكية بفتح أبواب فلسطين لمزيد من الهجرة اليهودية، وعدِّ أي سياسة تهدف إلى تنفيذ هذه التوصيات بمثابة عمل عدائي ضد الدول العربية.

2. التمسك بعروبة فلسطين والعمل على استقلالها وتشكيل حكومة تضمن حقوق جميع سكانها الشرعيين دون تفرقة بين عنصر أو مذهب.

3. اتخاذ كل التدابير الممكنة للدفاع عن الكيان الفلسطيني ـ كجزء لا يتجزأ من كيان البلاد العربية ـ ضد أي سياسة عدوانية يواجهها.

4. دعم الشعب العربي في فلسطين للدفاع عن نفسه إذا ما استمر الغزو الصهيوني لفلسطين.

5. تقديم الدعم المالي للشعب العربي في فلسطين بما يساوي واحداً في المائة من الدخل القومي لكل دولة عربية.

6. النظر إلى الصهيونية كخطر داهم يجب أن تعمل الدول العربية والشعوب الإسلامية على مواجهته والتصدي له.

وبعد عشرة أيام من انتهاء مؤتمر أنشاص عقد مجلس الجامعة العربية دورة طارئة في فندق بلودان قرب دمشق في المدة من 8 إلى 12 يونيه 1946 لبحث القضية الفلسطينية في ضوء تقرير اللجنة البرلمانية الإنجليزية الأمريكية وقرارات الملوك والرؤساء العرب في مؤتمر أنشاص، وعندما بدأ المؤتمر أعماله شكل لجنتين: الأولى للشؤون الداخلية ومهمتها بحث المساعدات التي على الدول العربية أن تقدمها للشعب العربي في فلسطين، والثانية للشؤون الخارجية ومهمتها بحث الرد على ما جاء في المذكرتين البريطانية والأمريكية اللتين تلقتهما دول الجامعة العربية بخصوص تقرير اللجنة البرلمانية الإنجليزية الأمريكية.

وبحثت اللجنتان ما أوكل إليهما، ونجحت أولاهما في دفع القيادات الفلسطينية نحو الاتفاق وتشكيل الهيئة العربية العليا لفلسطين على نحو ما سلف، كما بحثت استخدام القوة في مواجهة تطورات المشروع الصهيوني، إلا أن اللجنة رفضت اقتراحاً تقدم به جمال الحسيني "كان يقضي بتشكيل جيش عربي يحتل فلسطين ويكسر شوكة الصهيونيين "، وانقسمت اللجنة حيال تدخل الجيوش العربية في فلسطين إلى فريقين: الأول يميل إلى التدخل وكان من أنصار هذا الرأي كل من شرق الأردن وسورية ولبنان والعراق وفلسطين، والثاني يرفض ذلك التدخل، وكان أنصار هذا الرأي كل من مصر والمملكة العربية السعودية. وقد "تأثر موقف الدول العربية بموقف مصر التي كانت حريصة على ألا يؤثر موقفها من التطورات في فلسطين على العلاقات بينها وبين بريطانيا، ومحاولاتها التوصل إلى نتائج إيجابية في المفاوضات من أجل الجلاء عن مصر، خاصة وأن بريطانيا كانت تقيم سياستها على أساس الربط بين الموقف في فلسطين والموقف في مصر".

وبحثت لجنة الشؤون الخارجية التدابير الواجب عملها فيما لو أخذت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بتوصيات اللجنة البرلمانية الإنجليزية الأمريكية، وطالبت اللجنة الحكومات العربية جماعات وفُرادى بمطالبة الحكومة البريطانية بالتفاوض لإنهاء الوضع القائم في فلسطين، وعرض القضية الفلسطينية على الأمم المتحدة إذا لم تنته المفاوضات إلى حل مُرضٍ قبل أول سبتمبر من نفس العام.

وناقش المؤتمرون في بلودان توصيات اللجنتين وانتهوا إلى مجموعتين من القرارات، الأولى علنية والأخرى سرية للعمل بها فيما لو تفاقم الموقف في فلسطين، ولم تسجل القرارات السرية في محاضر الجلسات وإنما صاغها عبدالرحمن عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية في ذلك الوقت وسلم لكل من رؤساء الوفود العربية في المؤتمر نسخة منها.

وكان أبرز ما جاء في القرارات العلنية لمؤتمر بلودان ما يلي:

1. رفض كل أشكال تقسيم فلسطين وأي مزيد من الهجرة إليها.

2. مطالبة الحكومة البريطانية بفتح باب المفاوضات لإنهاء الوضع القائم في فلسطين، ونزع سلاح وتسريح الجماعات اليهودية المسلحة في تلك البلاد لوقف اعتداء هذه الجماعات على السكان العرب.

3. تشكيل لجنة عربية عليا لمتابعة تطورات القضية الفلسطينية والتنسيق مع الهيئة العربية العليا لفلسطين التي يوجهها الحاج أمين الحسيني.

4. إنشاء لجان دفاع عن فلسطين ومكاتب للمقاطعة في كل دولة عربية، ومنع تصدير المواد الأولية المساعدة للإنتاج اليهودي ومقاطعة المؤسسات الصهيونية.

5. إنشاء صندوق عربي تساهم فيه كل الدول العربية لمساعدة الفلسطينيين.

أما القرارات السرية للمؤتمر فقد تضمنت الإجراءات التي على الدول العربية القيام بها إذا ما قبلت الحكومتان البريطانية والأمريكية توصيات اللجنة الصهيونية المسلحة والشعب العربي في فلسطين، وبالنسبة إلى الرد على الاحتمال الأول الخاص بتبني الحكومتين البريطانية والأمريكية لتوصيات اللجنة البرلمانية نصت القرارات السرية على ما يلي:

1. العمل على عدم السماح للدولتين أو إحداهما أو رعاياهما بأي امتياز اقتصادي جديد.

2. عدم تأييد مصالحهما الخاصة في أية هيئة دولية.

3. المقاطعة الأدبية.

4. النظر في إلغاء ما يكون لهما من امتيازات مع الدول العربية.

5. الشكوى إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة".

أما بالنسبة إلى مواجهة الاحتمال الثاني وهو تطور الموقف في فلسطين إلى صِدَام بين المنظمات اليهودية المسلحة وعرب فلسطين، فقد أشارت القرارات السرية إلى سماح الحكومات العربية لشعوبها "بالتطوع بجميع الوسائل لنُصرة عرب فلسطين بالمال والسلاح والمجاهدين".

وفور انتهاء مؤتمر "بلودان" أرسلت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية وحكومات تلك الدول مذكرات إلى الحكومة البريطانية تطالبها بفتح باب المفاوضات حول مستقبل فلسطين، إلا أنه كان على الجامعة العربية ودولها الانتظار حتى تقوم لجنة الخبراء الإنجليز والأمريكيين التي سبقت الإشارة إليها بتسوية الخلاف بين الحكومتين البريطانية والأمريكية حول توصيات اللجنة البرلمانية. وما أن رفض الرئيس ترومان خطة الخبراء المشار إليه (خطة جريدي ـ موريسون)، حتى اضطرت الحكومة البريطانية إلى المضي وحدها بحثاً عن حل للمشكلة الفلسطينية، ومن ثم وجهت الدعوة في 25 يوليه 1946 إلى الأطراف العربية واليهودية لحضور مؤتمر لانكستر هاوس في لندن على نحو ما سبق ذكره.

وعندما عُقد المؤتمر السابق في 9 سبتمبر رفضت الوفود العربية مشروع الاستقلال الذاتي الإداري الذي اقترحه الوفد البريطاني وقدموا مشروعهم البديل الذي سبقت الإشارة إليه، وطالب المندوبون العرب بوضع دستور لفترة الانتقال يتمشى مع الأسس الواردة في مشروعهم، وهو ما يقتضي في البداية تشكيل حكومة مؤقتة تضم سبعة من الوزراء العرب وثلاثة من اليهود لوضع الترتيبات اللازمة لانتخاب مجلس تأسيسي لوضع الدستور المطلوب، على أن تقوم الحكومة المؤقتة بإصدار ذلك الدستور إذا عجز المجلس التأسيسي عن إصداره نتيجة لعدم تعاون الأعضاء اليهود والعرب، وما أن يتم إقرار ذلك الدستور حتى تُجرى انتخابات المجلس التشريعي ويعُين أول رئيس للدولة الفلسطينية المستقلة الذي تُنقل إليه سلطة المندوب السامي، وتُعقد معاهدة تحدد العلاقات المستقبلية بين الحكومة البريطانية وحكومة فلسطين، في الوقت الذي يُعقد فيه اتفاق عسكري يوفر للحكومة البريطانية التسهيلات التي تحتاجها في أراضي الدولة الفلسطينية.

وعندما انتهى مؤتمر لندن بالفشل كفت الحكومة البريطانية الدول العربية اللجوء إلى الأمم المتحدة ـ طبقاً لما جاء في قرارات بلودان السرية ـ لأنها قامت بنفسها بنقل القضية إلى تلك المنظمة الدولية.


ثالثاً: تطورات القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة


1. لجنة تحقيق الأمم المتحدة

عندما اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 28 أبريل 1947 لبحث المشكلة الفلسطينية، فإنها قررت تشكيل لجنة تحقيق من مندوبي إحدى عشرة من الدول الأعضاء (استراليا، كندا، تشيكوسلوفاكيا، جواتيمالا، الهند، إيران، هولندا، بيرو، السويد، أوروجواي، يوغسلافيا)، وبدأت اللجنة عملها بجولة كبيرة بدأتها من نيويورك وطافت بعدها ببعض الدول الأوروبية وزارت فيها معسكرات اللاجئين، كما استمعت إلى وجهات نظر زعماء اليهود وممثليهم، ثم زارت القدس وانتقلت إلى بيروت حيث استمعت إلى وجهة النظر الموحدة للدول العربية عرضها عليها السيد حميد فرنجية وزير الخارجية اللبنانية باسم هذه الدول بعد أن قاطع الفلسطينيون تلك اللجنة.

وعند وضع اللجنة لتقريرها في 21 أغسطس اتفق أعضاؤها على مجموعة من التوصيات العامة، منها إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وإعلان استقلالها (في أول فرصة مواتية) والحفاظ على وحدتها الاقتصادية، وسلامة الأماكن المقدسة وضمان الوصول إليها، وعدم النظر إلى حل المشكلة الفلسطينية على أنه حل لمشكلة اللاجئين اليهود في أوروبا، إلا أن اللجنة انقسمت حول طريقة تنفيذ هذه التوصيات إلى فريقين: الأول ويمثل سبع دول (السويد، كندا، أوروجواي، بيرو، هولندا، جواتيمالا، تشيكوسلوفاكيا) والثاني ويمثل ثلاث دول (إيران، الهند، يوغسلافيا)، أما استراليا فقد وقفت موقفاً محايداً ولم تشترك في توصيات أي الفريقين، وبينما أوصى فريق الأغلبية تقسيم فلسطين إلى دولتين وإدارة مستقلة لمدينة القدس، فقد أوصى فريق الأقلية بقيام دولة اتحادية تشمل كيانين يتمتع كل منها بالاستقلال الذاتي، وعلى ذلك اتفق أعضاء اللجنة على قيام كل فريق بوضع تقرير خاص بتوصياته.


2. بحث توصيات لجنة التحقيق في اللجنة الخاصة واللجان الفرعية

عندما انعقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها العادية في الأول من سبتمبر 1947 كان أمامها تقريران: الأول يوصي بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية، وإنشاء نظام دولي خاص بمنطقة القدس، وعقد معاهدة بين الدولتين العربية واليهودية لإنشاء وحدة اقتصادية بينهما، والثاني ويمثل رأي الأقلية ويوصي بتكوين دولة اتحادية من دولتين إحداهما عربية والأخرى يهودية يتمتعان بالحكم الذاتي بعد فترة انتقال، مدتها ثلاث سنوات، ويرأس تلك الدولة رئيس واحد له نائب، فإذا كان الرئيس عربياً يكون نائبه يهودياً، وبالعكس، كما كان أمامها طلب مشترك تقدمت به المملكة العربية السعودية والعراق لإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وإقامة دولة مستقلة موحدة فيها.

وجاء رد الفعل العربي والصهيوني تجاه تقريري لجنة التحقيق متفاوتاً، فبينما استنكر العرب المشروعين التقسيم والدولة الاتحادية وهددوا بالمعارضة المسلحة تجاه أي محاولة لتنفيذ أي من المشروعَيْن، فقد رفض المجلس الصهيوني العام مشروع الدولة الاتحادية من أساسه، وأعرب عن الارتياح المتحفظ تجاه مشروع التقسيم الذي أوصت به أغلبية اللجنة لصغر مساحة الأراضي التي خصصها المشروع للدولة اليهودية بالنسبة إلى ما يطمعون فيه، وقرر المجلس انتظار قرار الجمعية العامة قبل الحكم النهائي على المشروع.

أما بالنسبة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة فقد شكلت لجنة خاصة لبحث القضية الفلسطينية Adhoc من 55 عضواً من أعضاء المنظمة الدولية برئاسة وزير خارجية استراليا ، وقامت اللجنة بتشكيل ثلاث لجان فرعية من أعضائها، ودعت لحضور مداولاتها كلاً من الهيئة العربية العليا لفلسطين والوكالة اليهودية.

وقد تشكلت اللجنة الفرعية الأولى من تسع دول مؤيدة للتقسيم منها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي[3]، وأسند إلى تلك اللجنة الفرعية مهمة وضع خطة تفصيلية لمشروع التقسيم الذي قدمه فريق الأغلبية في لجنة التحقيق.

كما شكلت اللجنة الفرعية الثانية من تسع دول تعارض التقسيم منها ست دول عربية[4]، وأسند إلى تلك اللجنة الفرعية مهمة وضع خطة تفصيلية لمشروع دولة مستقلة موحدة طبقاً للاقتراح الذي تقدمت به المملكة العربية السعودية والعراق.

أما اللجنة الفرعية الثالثة فقد شكلت من استراليا وسيام وايسلاندا بغرض التوفيق بين الجانبين المتعارضين، إلا أن هذه اللجنة كانت موضع نقد شديد من جانب بعض الدول مثل فرنسا وكولومبيا لأنها لم تمارس مهامها بجدية ولم تشكل أية جماعة لبحث توصيات فريق الأقلية في لجنة التحقيق والتي كانت تقضي بإقامة دولة اتحادية في فلسطين أو أي حل وسط آخر.

وعلى ذلك فإن الجمعية العامة وجدت نفسها في النهاية مضطرة إلى اتخاذ قرار خطير حول مستقبل فلسطين على أساس أي من اقتراحي اللجنتين الفرعيتين فقط واللتان تمثلان موقفين مختلفين كل الاختلاف، إلا أنه قبل أن تقدم اللجنة الخاصة توصياتها إلى الجمعية العامة دعت ممثلي الهيئة العربية العليا والوكالة اليهودية لعرض وجهة النظر العربية واليهودية أمام تلك اللجنة، فشرح جمال الحسيني القضية شرحاً وافياً وفنَّد المزاعم الصهيونية وأوضح أن حقوق عرب فلسطين قد تعرضت لما لا يقل عن ثمانية عشر تحقيقاً خلال ربع قرن ولم تؤد كلها إلى شئ بعد أن تجاهلت حكومة الانتداب تلك الحقوق، وأكد جمال الحسيني على أن عرب فلسطين سيقاومون التقسيم حتى آخر قطرة في دمائهم، أما "جولدا مايرسون" (التي عرفت فيما بعد باسم جولدا مائير) ممثلة الوكالة اليهودية، فقد كررت أمام اللجنة الخاصة المزاعم الخاصة بالحقوق التاريخية والسياسية في فلسطين وعارضت بشدة مشروع الدولة الموحدة على أساس أن اليهود سيصبحون فيها أقلية مثلما هو عليه الحال في أي مكان آخر، كما لن يكون فيها ثمة مجال للوافدين الجدد من اليهود كما هو الحال في مشروع التقسيم.

وأثناء بحث التقسيم في اللجنة الفرعية الأولى علمت الوكالة اليهودية أن التعليمات الصادرة للوفد الأمريكي تقضي باستثناء النقب أو معظمه بما في ذلك منطقة العقبة من الدولة اليهودية لتعويض العرب. وبعد التشاور بين أعضاء المجلس التنفيذي للوكالة تقرر أن يتوجه الدكتور حاييم وايزمان إلى واشنطن لمقابلة الرئيس الأمريكي ويطرح عليه أهمية النقب واتصال الدولة اليهودية بالبحر الأحمر، وقد نجح وايزمان في إقناع الرئيس ترومان بوجهة النظر الصهيونية وسرعان ما تعدلت التعليمات الصادرة إلى الوفد الأمريكي لإدخال النقب في الدولة اليهودية لمشروع التقسيم.

وخلال المناقشات التي دارت في اللجنة الخاصة لم يلق العرب تأييداً ملحوظاً لآرائهم إلا من باكستان والهند وأفغانستان وإيران والصين وكوريا وتركيا والسلفادور، وعندما عرض مشروع القرار الذي تقدمت به الدول العربية لإقامة الدولة الموحدة في فلسطين وحماية حقوق الأقلية والأماكن المقدسة للتصويت لم يلق التأييد الكافي من أعضاء اللجنة الخاصة، كما رفضت تلك اللجنة بأغلبية صوت واحد التوصية التي تقدمت بها اللجنة الفرعية الثانية لعرض القضية على محكمة العدل الدولية لتدلي برأيها حول صلاحية الأمم المتحدة "لاقتراح أو فرض أي حل لا يتمشى مع رغبات سكان فلسطين".

والحقيقة أن الجهود الأساسية للدول العربية والدول الصديقة الأخرى التي ساندتها لم تكن تستهدف التمهيد لقبول مشروع الدولة الموحدة ـ الذي كانت تلك الدول تدرك أن الفرصة ضئيلة لتمريره ـ بقدر ما كانت تهدف إلى هزيمة مشروع التقسيم الذي قدمته اللجنة الفرعية الأولى، فعندما عرض المشروع الأخير للتصويت في اللجنة الخاصة لم يحظ ذلك المشروع إلا بأغلبية 25 صوتاً ضد 13 صوتاً وامتناع 17 عضواً عن التصويت، وهو ما يعني أن ذلك المشروع لم يحظ إلا بأقل من نصف أصوات اللجنة الخاصة بينما كان يحتاج إلى ثلثي أصوات الجمعية العامة حتى تجيزه المنظمة الدولية.


3. بحث مشروع قرار التقسيم في الجمعية العامة

في صباح يوم 26 نوفمبر 1947 اليوم المحدد لمناقشة مشروع التقسيم في الجمعية العامة والتصويت عليه كان مندوبو الدول العربية متفائلين بالنسبة إلى النتيجة النهائية، فمن ناحية التصويت كانوا يعتقدون أن المشروع لن يحظى بأغلبية الثلثين اللازمة لإجازته، ومن ناحية أخرى كان العرب راضيين عن موقف بريطانيا السلبي تجاه مشروع التقسيم وامتناعها عن التصويت عليه في اللجنة الخاصة، لاسيما وأن مندوبها في تلك اللجنة أعلن قبول حكومته لإنهاء الانتداب على فلسطين ومنحها الاستقلال التام، كما أكد على عدم استعداد تلك الحكومة لاستخدام القوة لتنفيذ أي قرار يتعلق بمصير فلسطين.

إلا أنه سرعان ما بدأ القلق يساور مندوبي الدول العربية عندما أشار الدكتور "أزولد أرنها" رئيس الجمعية العامة إلى أنه سوف يلغي الجلسة المسائية المقررة ويطلب التأجيل في نهاية جلسة بعد الظهر إلى يوم الجمعة 28 نوفمبر أي اليوم التالي لعيد الشكر عند الأمريكيين. وقد ناشد ممثلو الدول العربية رئيس الجمعية عدم إلغاء الجلسة المسائية لأنهم كانوا يعلمون أن كثيراً من وفود الدول التي لم تؤيد مشروع التقسيم في اللجنة الخاصة يتعرضون لضغوط وإغراءات شديدة للعدول عن موقفهم، وأن التأجيل سيفسح الفرصة لمزيد من الضغوط على تلك الوفود لإقرار مشروع التقسيم.

[/size]

4. التصويت على قرار التقسيم

فيما بين يوم 26 و28 نوفمبر تعرضت اثنتا عشرة دولة لضغوط شديدة من الحكومة الأمريكية والمؤسسات الصهيونية ومشايعيها، وطبقاً لرواية "سمنر ويلز" وكيل وزارة الخارجية الأمريكية في ذلك الوقت، "أن المسؤولين الأمريكيين استخدموا ـ بأمر مباشر من البيت الأبيض ـ كل أنواع الضغط المباشر وغير المباشر للتأثير على البلدان الواقعة خارج العالم الإسلامي، والتي عُرف أنها مترددة أو معارضة للتقسيم، واستخدام مندوبين ووسطاء من لدن البيت الأبيض للتأكد من الحصول على الغالبية الضرورية على الأقل".

ولم تكن الدول السابقة وحدها التي تعرضت للضغوط والغواية لمساندة مشروع التقسيم، بل إن الرئيس الأمريكي نفسه تعرض أيضاً لضغوط وغواية لا قِبَل له بها من جانب المؤسسات الصهيونية، وطبقاً لرواية الرئيس
أسامة الكباريتي
قرار رقم 181 (الدورة 2) بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947

التوصية بخطة لتقسيم فلسطين


(أ)


إن الجمعية العامة،

وقد عقدت دورة استثنائية بناء على طلب السلطة المنتدبة، لتأليف لجنة خاصة وتكليفها الإعداد للنظر في مسألة حكومة فلسطين المستقبلة في الدورة العادية الثانية،

وقد ألفت لجنة خاصة، وكلفتها التحقيق في جميع المسائل والقضايا المتعلقة بقضية فلسطين، وإعداد اقتراحات لحل المشكلة،

وقد تلقت وبحثت في تقرير اللجنة الخاصة (الوثيقة أ /ج ع / 364) (1) بما في ذلك عدد من التوصيات الإجتماعية ومشروع تقسيم مع اتحاد اقتصادي أقرته أكثرية اللجنة الخاصة،

تعتبر أن من شأن الوضع الحالي في فلسطين إيقاع الضرر بالمصلحة العامة والعلاقات الودية بين الأمم.

تأخذ علماً بتصريح سلطة الانتداب لأنها تسعى لإتمام جلائها عن فلسطين في 1 آب (أغسطس) 1948.

توصي المملكة المتحدة، بصفتها السلطة المنتدبة على فلسطين، وجميع أعضاء الأمم المتحدة الآخرين، فيما يتعلق، بحكومة فلسطين المستقبلة، بتبني مشروع التقسيم والاتحاد الاقتصادي المرسوم أدناه وتنفيذه.


وتطلب:

(أ) أن يتخذ مجلس الأمن الإجراءات الضرورية، كما هي مبينة في الخطة، من أجل تنفيذها.

(ب) أن ينظر مجلس الأمن، إذا كانت الظروف خلال الفترة الانتقالية تقتضي مثل ذلك النظر، فيما إذا كان الوضع في فلسطين يشكل تهديداً للسلم. فإذا قرر مجلس الأمن وجود مثل هذا التهديد،وجب عليه، في سبيل المحافظة على السلم والأمن الدوليين، أن يضيف إلى تفويض الجمعية العامة اتخاذ إجراءات تمنح لجنة الأمم المتحدة، تمشياً مع المادتين 39 و 41 من الميثاق، وكما هو مبين في هذا القرار، سلطة الاضطلاع في فلسطين بالمهمات المنوطة بها في هذا القرار.

(جـ) أن يعتبر مجلس الأمن كل محاولة لتغيير التسوية التي ينطوي عليها هذا القرار بالقوة، تهديداً للسلام، أو خرقاً له، أو عملاً عدوانياً، وذلك بحسب المادة 39 من الميثاق.

( د ) أن يبلغ مجلس الوصاية بمسؤولياته التي تنطوي عليها هذه الخطة.

تدعو سكان فلسطين إلى القيام، من جانبهم، بالخطوات اللازمة لتحقيق هذه الخطة.

تناشد جميع الحكومات والشعوب أن تحجم عن القيام بأي عمل يحتمل أن يعيق هذه التوصيات أو يؤخر تنفيذها.

تفوض الأمين العام تغطية نفقات السفر والمعيشة لأعضاء اللجنة المشار إليها في الجزء الأول، القسم ب، الفقرة 1 أدناه، وذلك بناء على الأساس والصورة اللذين يراهما ملائمين في هذه الظروف، وتزويد اللجنة بالموظفين اللازمين للمساعدة على الاضطلاع بالمهمات التي عينتها الجمعية العامة لها.*

(ب)2

إن الجمعية العامة

تفوض الأمين العام سحب مبلغ من صندوق رأس المال العامل لا يتجاوز 2.000.000 دولار، للأغراض المبينة في الفقرة الأخيرة من القرار المتعلق بحكومة فلسطين المستقبلة.


خطة التقسيم مع الاتحاد الاقتصادي

الجزء الأول - دستور فلسطين وحكومتها المستقبلة


أ - إنهاء الانتداب: التقسيم والاستقلال

1 - ينتهي الانتداب على فلسطين في أقرب وقت ممكن، على ألا يتأخر، في أي حال، عن 1 آب (أغسطس) 1948.

2- يجب أن تجلو القوات المسلحة التابعة للسلطة المنتدبة عن فلسطين بالتدريج، ويتم الانسحاب في أقرب وقت ممكن، على ألا يتأخر، في أي حال، عن 1 آب (أغسطس) 1948.

يجب أن تعلم السلطة المنتدبة اللجنة، في أبكر وقت ممكن، بنيتها إنهاء الانتداب والجلاء عن كل منطقة.

تبذل السلطة المنتدبة أفضل مساعيها لضمان الجلاء عن منطقة واقعة في أراضي الدولة اليهودية، تضم ميناء بحرياً وأرضا ًخلفية كافيين لتوفير تسهيلات لهجرة كبيرة، وذلك في أبكر موعد ممكن، على ألا يتأخر، في أي حال، عن 1 شباط (فبراير) 1948.

3 - تنشأ في فلسطين الدولتان المستقلتان العربية واليهودية، والحكم الدولي الخاص بمدينة القدس، المبين في الجزء الثالث من هذه الخطة، وذلك بعد شهرين من إتمام جلاء القوات المسلحة التابعة للسلطة المنتدبة، على ألا يتأخر ذلك، في أي حال، عن 1 تشرين الأول (أكتوبر) 1948. أما حدود الدولة العربية، والدولة اليهودية، ومدينة القدس، فتكون كما وضعت في الجزأين الثاني والثالث أدناه.

4 - تكون الفترة ما بين تبني الجمعية العامة توصيتها بشأن مسألة فلسطين، وتوطيد استقلال الدولتين العربية واليهودية، فترة انتقالية.

ب - خطوات تمهيدية للاستقلال

1 - تؤلف لجنة مكونة من ممثل واحد لكل دولة من خمس دول أعضاء. وتنتخب الجمعية العامة الأعضاء الممثلين في اللجنة على أوسع أساس ممكن، جغرافياً وغير جغرافي.

2 - في الوقت الذي تسحب فيه السلطة المنتدبة قواتها المسلحة، تسلم إدارة فلسطين بالتدريج إلى اللجنة التي ستعمل وفق توصياتالجمعية العامة بتوجيه مجلس الأمن. وعلى السلطة المنتدبة أن تنسق، إلى أبعد حد ممكن، خططها للانسحاب مع خطط اللجنة لتسلم المناطق التي يتم الجلاء عنها وإدارتها.

في سبيل تنفيذ هذه المسؤولية الإدارية، تخول اللجنة سلطة إصدار الأنظمة الضرورية واتخاذ الإجراءات الأخرى، كما يقتضي الحال.

على السلطة المنتدبة ألا تقوم بأي عمل يحول دون تنفيذ اللجنة للإجراءات التي أوصت بها الجمعية العامة، أو يعرقله، أو يؤخره.

3 - تمضي اللجنة، لدى وصولها إلى فلسطين، في تنفيذ الإجراءات لإقامة حدود الدولتين العربية واليهودية ومدينة القدس، بحسب الخطوط العامة لتوصيات الجمعية العامة بشأن تقسيم فلسطين على أن الحدود الموصوفة في الجزء الثاني من هذه الخطة، يجب تعديلها كقاعدة بحيث لا تقسم حدود الدولة مناطق القرى ما لم تقتض ذلك أسباب ملحة.

4 - تختار اللجنة وتنشئ في كل دولة بأسرع ما يمكن، بعد التشاور مع الأحزاب الديمقراطية والمنظمات العامة الأخرى في الدولتين العربية واليهودية، مجلس حكومة موقتاً، وتسير أعمال مجلسي الحكومة الموقتين، العربي واليهودي، بتوجيه اللجنة العام.

إذا لم يكن في الإمكان اختيار مجلس حكومة موقت لأي من الدولتين في 1 نيسان (أبريل) 1948، أو إذا انتخب (المجلس) ولم يستطع الاضطلاع بمهماته، فعلى اللجنة أن تبلغ مجلس الأمن بالأمر ليتخذ، إزاء هذه الدولة، التدابير التي يراها ملائمة، كما تبلغ الأمين العام به كي يحيط أعضاء الأمم المتحدة علماً بذلك.

5 - مع مراعاة نصوص هذه التوصيات، يكون لكل من المجلسين، في أثناء فترة الانتقال - بإشراف اللجنة - كامل السلطة في المناطق التابعة لها، وبنوع خاص السلطة في القضايا المتعلقة بالهجرة وتنظيم الأراضي.

6 - يتسلم، بالتدريج، كل من المجلسين الموقتين في كل دولة من اللجنة التي يعملان تحت إشرافها، كامل التبعات الإدارية لكل منهما، خلال الفترة التي تنقضي بين إنهاء الانتداب وتثبيت استقلال الدولة.

7 - توعز اللجنة إلى مجلسي الحكومة الموقتين لكل من الدولتين العربية واليهودية، بعد تكوينهما، المضي في إنشاء أجهزة الحكومة الإدارية، المركزية منها والمحلية.

8 - يجند مجلس الحكومة الموقت لكل دولة، في أقصر وقت ممكن، ميليشيا مسلحة من سكان تلك الدولة، تكون كافية في عددها للمحافظة على النظام الداخلي، وللحيلولة دون اشتباكات على الحدود.

يجب أن تكون هذه الميليشيا المسلحة في كل دولة، من أجل أغراض العمليات، تحت إمرة ضباط يهود أو عرب مقيمين في تلك الدولة. بيد أن السيطرة السياسية والعسكرية العامة على الميليشيا، بما فيها اختيار قيادتها العليا، يجب أن تمارسها اللجنة.

9- يجري مجلس الحكومة الموقت لكل دولة انتخابات "الجمعية التأسيسية" على أسس ديمقراطية، بحيث لا يتأخر ذلك عن شهرين اثنين من انسحاب القوات المسلحة التابعة للسلطة المنتدبة.

يضع مجلس الحكومة الموقت أنظمة الانتخاب في كل دولة، وتوافق عليها اللجنة. ويكون مؤهلاً لهذا الانتخاب في كل دولة، من تجاوزت سنهم ثمانية عشر عاماً، على أن يكونوا (أ) مواطنين فلسطينيين مقيمين في تلك الدولة، و (ب) عرباً ويهوداً مقيمين في الدولة، وإن لم يكونوا مواطنين فلسطينيين، ولكنهم وقعوا قبل الاقتراع بياناً أعربوا فيه عن نيتهم أن يصبحوا مواطنين في تلك الدولة.

يحق للعرب واليهود المقيمين في مدينة القدس، ممن وقعوا بياناً أعربوا فيه عن نيتهم أن يصبحوا مواطنين، والعرب في الدولة العربية واليهود في الدولة اليهودية، أن يقترعوا في الدولتين العربية واليهودية بالترتيب المذكور.

يمكن للنساء أن يقترعن، وأن ينتخبن للجمعية التأسيسية.

في أثناء الفترة الانتقالية، لا يسمح ليهودي بأن يجعل إقامته في منطقة الدولة العربية المقترحة، ولا لعربي بأن يجعل إقامته في منطقة الدولة اليهودية المقترحة، إلا بإذن خاص من اللجنة.

10 - تضع الجمعية التأسيسية لكل دولة مسودة دستور ديمقراطي، وتختار حكومة موقتة لتخلف مجلس الحكومة الموقت الذي عينتهتحت إشراف اللجنة، يجب أن تنتقل بالتدريج، من السلطة المنتدبة إلى اللجنة، مسؤولية جميع مهمات الحكومة، بما فيها المحافظة على القانون والنظام في المناطق التي انسحبت منها قوات الدولة المنتدبة.

14 - تسترشد اللجنة، في أعمالها، بتوصيات الجمعية العامة، وبالتعليمات التي قد يرى مجلس الأمن ضرورة إصدارها.

تصبح الإجراءات التي تتخذها اللجنة، ضمن توصيات الجمعية العامة، نافذة فوراً ما لم تكن اللجنة قد تسلمت قبل ذلك تعليمات مضادة من مجلس الأمن.

وعلى اللجنة أن تقدم إلى مجلس الأمن تقريراً كل شهر عن حالة البلاد، أو أكثر من تقرير إذا كان ذلك مرغوبا فيه.

15 - ترفع اللجنة تقريرها النهائي إلى الدورة العادية المقبلة للجمعية العامة، وإلى مجلس الأمن في الوقت نفسه.

جـ - تصريح

ترفع الحكومة الموقتة في كل دولة مقترحة قبل الاستقلال، تصريحاً إلى الأمم المتحدة يتضمن، في جملة ما يتضمنه، النصوص التالية:

[/size]
حكم عام

تعتبر الشروط التي يتضمنها التصريح قوانين أساسية للدولة، فلا يتعارض قانون، أو نظام، أو إجراء رسمي مع هذه الشروط أو يتدخل فيها، ولا يقدم عليها أي قانون أو نظام أو إجراء رسمي


الفصل الأول
الأماكن المقدسة والأبنية والمواقع الدينية

1 - لا تنكر أو تمس الحقوق القائمة المتعلقة بالأماكن المقدسة والأبنية والمواقع الدينية.

2 - فيما يختص بالأماكن المقدسة، تضمن حرية الوصول والزيارة والمرور، بما ينسجم مع الحقوق القائمة، لجميع المقيمين والمواطنين في الدولة الأخرى وفي مدينة القدس، وكذلك للأجانب، دون تمييز في الجنسية، على أن يخضع ذلك لمتطلبات الأمن القومي والنظام العام واللياقة.

كذلك تضمن حرية العبادة بما ينسجم مع الحقوق القائمة، على أن يخضع ذلك لصيانة النظام العام واللياقة.

3 - تصان الأماكن المقدسة والأبنية والمواقع الدينية، ولا يسمح بأي عمل يمكن أن يمس، بطريقة من الطرق، صفتها المقدسة. فإذا بدا للحكومة، ف
أسامة الكباريتي
تتكون منطقة قطاع يافا العربي من ذلك الجزء من منطقة تخطيط مدينة يافا التي تقع إلى الغرب من الأحياء اليهودية الواقعة جنوبي تل أبيب، وإلى الغرب من امتداد شارع هرتسل حتى التقائه بطريق يافا - القدس، وإلى الجنوب الغربي من ذلك الجزء من طريق يافا - القدس الواقع إلى الجنوب الشرقي من نقطة الالتقاء تلك، وإلى الغرب من أراضي مكفيه يسرائيل، وإلى الشمال الغربي من منطقة مجلس حولون المحلي، وإلى الشمال من الخط الذي يصل الزاوية الشمالية الغربية من حولون بالزاوية الشمالية الشرقية من منطقة مجلس بات يام المحلي، وإلى الشمال من منطقة مجلس بات يام المحلي. أما مسألة حي الكارتون فستبتها لجنة الحدود، بحيث تأخذ بعين الاعتبار، إضافة إلى الاعتبارات الأخرى، الرغبة في ضم أقل عدد ممكن من سكانه العرب وأكبر عدد ممكن من سكانه اليهود إلى الدولة اليهودية.


ب - الدولة اليهودية

تحد القطاع الشمالي الشرقي من الدولة اليهودية (الجليل الشرقي) من الشمال والغرب الحدود اللبنانية، ومن الشرق حدود سورية وشرق الأردن. ويضم كل حوض الحولة وبحيرة طبريا وكل مقاطعة بيسان، حيث يمتد خط الحدود إلى قمة جبال الجلبوع ووادي المالح. ومن هناك تمتد الدولة اليهودية نحو الشمال - الغربي ضمن الحدود التي وصفت فيما يتعلق بالدولة العربية.

يمتد الجزء اليهودي من السهل الساحلي من نقطة بين ميناء القلاع والنبي يونس في مقاطعة غزة، ويضم مدينتي حيفا وتل أبيب، تاركاً يافا قطاعاً تابعاً للدولة العربية. وتتبع الحدود الشرقية للدولة اليهودية الحدود التي وصفت فيما يتصل بالدولة العربية.


جـ - مدينة القدس

تكون حدود مدينة القدس كما هي محددة في التوصيات المتعلقة بمدينة القدس.( راجع أدناه الجزء الثالث، القسم ب).
[/size]

الجزء الثالث - مدينة القدس(6)

أ - نظام خاص

يجعل لمدينة القدس كيان منفصل (Corpus Separatum) خاضع لنظام دولي خاص، وتتولى الأمم المتحدة إدارتها، ويعين مجلس وصاية ليقوم بأعمال السلطة الإدارية نيابة عن الأمم المتحدة.


ب - حدود المدينة

تشمل مدينة القدس بلدية القدس الحالية، مضافاً إليها القرى والبلدان المجاورة، وأبعدها شرقاً أبو ديس، وأبعدها جنوباً بيت لحم، وأبعدها غرباً عين كارم. وتشمل معها المنطقة المبنية من قرية قالونيا، كما هو موضح على الخريطة التخطيطية المرفقة (ملحق ب).(7)


جـ - نظام المدينة الأساسي

على مجلس الوصاية، خلال خمسة أشهر من الموافقة على المشروع الحاضر، أن يضع ويقر دستوراً مفصلاً للمدينة، يتضمن جوهر الشروط التالية:

1 - الإدارة الحكومية، مقاصدها الخاصة:
على السلطة الإدارية أن تتبع، في أثناء قيامها بالتزاماتها الإدارية، الأهداف الخاصة التالية:
أ - حماية المصالح الروحية والدينية الفريدة، الواقعة ضمن مدينة العقائد التوحيدية الكبيرة الثلاث المنتشرة في أنحاء العالم - المسيحية واليهودية والإسلام - وصيانتها، والعمل لهذه الغاية بحيث يسود النظام والسلام - السلام الديني خاصة - مدينة القدس.
ب - دعم روح التعاون بين سكان المدينة جميعهم، سواء في سبيل مصلحتهم الخاصة أم في سبيل تشجيع التطور السلمي للعلاقات المشتركة بين شعبي فلسطين في البلاد المقدسة بأسرها، وتأمين الأمن والرفاهية، وتشجيع كل تدبير بناء من شأنه أن يحسن حياة السكان، آخذاً بعين الاعتبار العادات والظروف الخاصة لمختلف الشعوب والجاليات.

2 - الحاكم والموظفون الإداريون:
يقوم مجلس الوصاية بتعيين حاكم للقدس يكون مسؤولاً أمامه.
ويكون هذا الاختيار على أساس كفايته الخاصة دون مراعاة لجنسيته، على ألا يكون مواطناً لأي من الدولتين في فلسطين.
يمثل الحاكم الأمم المتحدة في مدينة القدس، ويمارس نيابة عنها جميع السلطات الإدارية، بما في ذلك إدارة الشؤون الخارجية. وتعاونه مجموعة من الموظفين الإداريين، يعتبر أفرادها موظفين دوليين وفق منطوق المادة (100) من الميثاق. ويختارون، قدر الإمكان، من بين سكان المدينة ومن سائر فلسطين دون أي تمييز عنصري. وعلى الحاكم أن يقدم مشروعاً مفصلاً لتنظيم إدارة المدينة إلى مجلس الوصاية، لينال موافقته عليه.

3 - الاستقلال المحلي:
( أ ) يكون للوحدات القائمة حالياً ذات الاستقلال المحلي في منطقة المدينة (القرى والمراكز والبلديات) سلطات حكومية وإدارية واسعة ضمن النطاق المحلي.
( ب ) يدرس الحاكم مشروع إنشاء وحدات بلدية خاصة، تتألف من الأقسام اليهودية والعربية في مدينة القدس الجديدة، ويرفعه إلى مجلس الوصاية للنظر فيه وإصدار قرار بشأنه.
وتستمر الوحدات البلدية الجديدة في تكوين جزء من البلدية الحالية لمدينة القدس.

4 - تدابيرالأمن:
( أ ) تجرد مدينة القدس من السلاح، ويعلن حيادها، ويحافظ عليه، ولا يسمح بقيام أيةتشكيلات أوتدريب أونشاط عسكري ضمن حدودها.
(ب) في حال عرقلة أعمال الإدارة في مدينة القدس بصورة خطيرة أومنعها، من جراء عدم تعاون أو تدخل فئة أو أكثر من السكان، يكون للحاكم السلطة باتخاذ التدابير اللازمة لإعادة سير الإدارة الفعال.
galaa.gif للمساعدة على استتباب القانون والنظام الداخلي، وبصورة خاصة لحماية الأماكن المقدسة والمواقع والأبنية الدينية في المدينة، يقوم الحاكم بتنظيم شرطة خاصة ذات قوة كافية، يجد أفرادها من خارج فلسطين، ويعطى الحاكم الحق في التصرف في بنود الميزانية بحسب الحاجة للمحافظة على هذه القوة والإنفاق عليها.

5 - التنظيم التشريعي:
تكون السلطة التشريعية والضرائبية بيدمجلس تشريعي منتخب بالاقتراع العام السري، على أساس تمثيل نسبي لسكان مدينة القدس البالغين، وبغير تمييز من حيث الجنسية. ومع ذلك، فيجب ألا يتعارض أي إجراء تشريعي أو يتناقض مع الأحكام المنصوص عليها في دستور المدينة، كما يجب ألايسود هذه الأحكام أي قانون أولائحة أو تصرف رسمي ويعطي الدستور الحاكم الحق في الاعتراض (VETO) على مشاريع القوانين المتنافية معا لأحكام المذكورة، ويمنحه كذلك سلطةإ صدارأوامر وقتية في حال تخلف المجلس عن الموافقة في الوقت الملائم على مشروع قانون يعتبر جوهرياً بالنسبة إلى سير الإدارة الطبيعي.

6 - القضاء:
يجب أن ينص القانون على إنشاءنظام قضائي مستقل، يشتمل على محكمة استئناف يخضع لولايتها سكان المدينة.

7 - الاتحاد الاقتصادي والنظام الاقتصادي:
تكون مدينة القدس داخلة ضمن الاتحاد الاقتصادي الفلسطيني، ومقيدة بأحكام التعهد جميعها وبكل معاهدة تنبثق منه، وكذلك بجميع قرارات المجلس الاقتصادي المشترك. ويقام مقر المجلس الاقتصادي في منطقة المدينة، ويجب أن يحتوي الدستور على أحكام للشؤون الاقتصادية التي لا تقع ضمن نظام الوحدة الاقتصادية، وذلك على أساس من عدم التمييز والمساواة في المعاملة بالنسبة إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ورعاياها.

8 - حرية العبور TRANSIT والزيارة والسيطرة على المقيمين:
تكون حرية الدخول والإقامة ضمن حدود المدينة مضمونة للمقيمين في الدولتين العربية واليهودية ولمواطنيهما، وذلك بشرط عدم الإخلال باعتبارات الأمن، مع مراعاة الاعتبارات الاقتصادية كما يحددها الحاكم وفقاً لتعليمات مجلس الوصاية. وتكون الهجرة إلى داخل حدود المدينة والإقامة فيها، بالنسبة إلى رعايا الدول الأخرى، خاضعة لسلطة الحاكم وفقاً لتعليمات مجلس الوصاية.

9 - العلاقات بالدولتين العربية واليهودية:
يعتمد الحاكم للمدينة ممثلي الدولتين العربية واليهودية، ويكونان مكلفين بحماية مصالح دولتيهما ورعاياهما لدى الإدارة الدولية للمدينة.

10 - اللغات الرسمية:
تكون العربية والعبرية لغتي المدينة الرسميتين، ولا يحول هذا النص دون أن يعتمد في العمل لغة أو لغات إضافية عدة بحسب الحاجة.

11 - المواطنة:
يصبح جميع المقيمين بحكم الواقع مواطنين في مدينة القدس، ما لم يختاروا جنسية الدولة التي كانوا رعاياها، أو ما لم يكونوا عرباً أو يهوداً قد أعلنوا نيتهم أن يصبحوا مواطنين في الدولة العربية والدولة اليهودية طبقاً للفقرة (9) من القسم (ب) من الجزء الأول من المشروع الحاضر. ويتخذ مجلس الوصاية التدابير لتوفير الحماية القنصلية لمواطني المدينة خارج أرضها.

12 - حريات المواطنين:
أ - يضمن لسكان المدينة بشرط عدم الإخلال بمقتضيات النظام العام والآداب العامة، حقوق الإنسان والحريات الأساسية، مشتملة حرية العقيدة والدين والعبادة واللغة والتعليم، وحرية القول، وحرية الصحافة، وحرية الاجتماع والانتماء إلى الجمعيات وتكوينها، وحرية التظلم.
ب - لا يجري أي تمييز بين السكان بسبب الأصل، أو الدين، أو اللغة، أو الجنس.
جـ - يكون لجميع المقيمين داخل المدينة حق متساو في التمتع بحماية القانون.
د - يجب احترام قانون الأسرة والأحوال الشخصية لمختلف الأفراد ومختلف الطوائف، كما تحترم كذلك مصالحهم الدينية.
هـ - مع عدم الإخلال بضرورات النظام العام وحسن الإدارة، لا يتخذ أي إجراء يعوق أو يتدخل في نشاط المؤسسات الدينية أو الخيرية لجميع المذاهب، ولا يجوز عمل أي تمييز نحو ممثلي هذه المؤسسات أو أعضائها بسبب دينهم أو جنسيتهم.
و - تؤمن المدينة تعليماً ابتدائياً وثانوياً كافيين للطائفتين العربية واليهودية كل بلغتها، ووفق تقاليدها الثقافية. وإن حقوق كل طائفة في الاحتفاظ بمدارسها الخاصة لتعليم أفرادها بلغتهم القومية، شرط أن تلتزم بمتطلبات التعليم العامة التي قد تفرضها المدينة، لن تنكر أو تعطل. أما مؤسسات التعليم الأجنبية فتتابع نشاطها على أساس الحقوق القائمة.
ز - لا يجوز أن تحد حرية أي فرد من سكان المدينة في استخدام أية لغة كانت في أحاديثه الخاصة، أو في التجارة، أو الأمور الدينية، أو الصحافة، أو المنشورات بجميع أنواعها، أو الاجتماعات العامة.

13 - الأماكن المقدسة:
أ - لا يجور أن يلحق أي مساس بالحقوق القائمة الحالية المتعلقة بالأماكن المقدسة، والأبنية والمواقع الدينية.
ب - تضمن حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة، والأبنية والمواقع الدينية، وحرية ممارسة العبادة، وفقاً للحقوق القائمة، شرط مراعاة حفظ النظام واللياقة.
جـ - تصان الأماكن المقدسة، والأبنية والمواقع الدينية، ويحرم كل فعل من شأنه أن يسيء بأية صورة كانت إلى قداستها. وإن رأي الحاكم، في أي وقت، ضرورة ترميم مكان مقدس أو بناء موقع ديني ما، فيجوز له أن يدعو الطائفة أو الطوائف المعنية إلى القيام بالترميمات اللازمة. ويجوز له القيام بهذه الترميمات على حساب الطائفة أو الطوائف المعنية أن لم يتلق جواباً عن طلبه خلال مدة معقولة.
د - لا تجبى أية ضريبة على مكان مقدس أو مبنى أو موقع ديني كان معفى منها وقت إقامة المدينة (بوضعها الدولي)، ولا يلحق أي تعديل في هذه الضريبة يكون من شأنه التمييز بين مالكي الأماكن والأبنية والمواقع الدينية أو ساكنيها، أو يكون من شأنه وضع هؤلاء المالكين أو الساكنين من أثر الضريبة العام في وضع أقل ملاءمة مما كان عليه حالهم وقت تبني توصيات الجمعية العامة.

14 - سلطات الحاكم الخاصة فيما يتعلق بالأماكن المقدسة والأبنية والمواقع الدينية في المدينة وفي أي جزء من فلسطين:
أ- إن حماية الأماكن المقدسة والأبنية والمواقع الدينية الموجودة في مدينة القدس، يجب أن تكون موضع اهتمام الحاكم بصورة خاصة.
ب - وفيما يتعلق بالأماكن والأبنية والمواقع المماثلة الموجودة في فلسطين خارج المدينة، يقرر الحاكم، بموجب السلطات التي يكون قد منحه إياها دستور الدولتين، ما إذا كانت أحكام دستوري الدولتين العربية واليهودية في فلسطين، والخاصة بهذه الأماكن وبالحقوق الدينية المتعلقة بها، مطبقة ومحترمة كما يجب.

جـ - وللحاكم كذلك الحق في اتخاذ القرارات، على أساس الحقوق القائمة، في حال حدوث خلاف بين مختلف الطوائف الدينية أو بشأن شعائر طائفة ما بالنسبة إلى الأماكن المقدسة والأبنية والمواقع الدينية في سائر أنحاء فلسطين. ويجوز للحاكم أن يستعين في أثناء قيامه بهذه المهمة، بمجلس استشاري مؤلف من ممثلين لمختلف الطوائف يعملون بصفة استشارية.

د - مدة نظام الحكم الخاص
يبدأ تنفيذ الدستور الذي يضعه مجلس الوصاية، في ضوء المبادئ المذكورة أعلاه، في ميعاد أقصاه أول تشرين الأول (أكتوبر) 1948. ويكون سريانه، أول الأمر، خلال عشر سنوات، ما لم ير مجلس الوصاية وجوب القيام، في أقرب وقت، بإعادة النظر في هذه الأحكام. ويجب، عند انقضاء هذه المدة، أن يعاد النظر في مجموع النظام من قبل مجلس الوصاية في ضوء التجارب المكتسبة خلال هذه الفترة من العمل به. وعندئذ يكون للمقيمين في المدينة الحرية في الإعلان، بطريق الاستفتاء، عن رغباتهم في التعديلات الممكن إجراؤها على نظام المدينة.


[size="5"]الجزء الرابع - الامتيازات

إن الدول التي يكون رعاياها قد تمتعوا في الماضي في فلسطين، بالمزايا والحصانات القنصلية التي كانت ممنوحة لهم في أثناء الحكم العثماني بموجب الامتيازات أو العرف، مدعوة إلى التنازل عن جميع حقوقها في إعادة تثبيت المزايا والحصانات المذكورة في الدولتين العربية واليهودية المنوي إنشاؤهما، وكذلك في مدينة القدس.

تبنت الجمعية العامة هذا القرار، في جلستها العامة رقم 128، بـ 33 صوتاً مقابل 13 وامتناع 10 كالآتي:



مع القرار : استراليا، بلجيكا، بوليفيا، البرازيل، بييلوروسيا، كندا، كوستاريكا، تشيكوسلوفاكيا، الدانمارك، جمهورية الدومينيكان، ايكوادور، فرنسا، غواتيمالا، هاييتي، ايسلندا، ليبيريا، لوكسمبورغ، هولندا، نيوزيلندا، نيكاراغوا، النروج، بنما، باراغواي، بيرو، الفيليبين، بولندا، السويد، أوكرانيا، جنوب أفريقيا، الاتحاد السوفياتي، الولايات المتحدة الأميركية، أوروغواي، فنزويلا.

ضد القرار: افغانستان، كوبا، مصر، اليونان، الهند، ايران، العراق، لبنان، باكستان، المملكة العربية السعودية، سورية، تركيا، اليمن.


امتنــاع: الارجنتين، تشيلي، الصين، كولومبيا، السلفادور، الحبشة، هندوراس، المكسيك، المملكة المتحدة، يوغسلافيا.




الملحق أ

مخطط تقسيم فلسطين



الملحق ب

حدود مدينة القدس





--------------------------

1. [b]انتخبت الجمعية العامة، في جلستها العامة رقم 128 التي انعقدت في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، وفقا لنصوص القرار المذكور أعلاه، الدول الأعضاء التالية كأعضاء في لجنة الأمم المتحدة لفلسطين: بوليلفيا، وتشيكوسلوفاكيا، والدانمارك، وبنما، والفيليبين[/b]

[b]2. تبني هذا القرار دون الرجوع إلى اللجنة.[/b]

3.يضافالبند التالي إلى التصريح المتعلق بالدولة اليهودية : "يمنح المواطنون الناطقون بالعربية في الدولة اليهودية تسهيلات كافية لاستعمال لغتهم، سواء في الكلام أم في الكتابة، في التشريع وأمام المحاكم وفي الإدارة."

4. في التصريح المتعلق بالدولة العربية تحل عبارة "يملكها عربي في الدولة اليهودية"،

5. الخريطة مرفقة مع القرار. إن الخريطة الأساسية المستعملة في تحديد ووصف هذه الحدود، هي "فلسطين 1 : 250.000" المنشورة في "مسح فلسطين" The Survey of Palestine.

6. بالنسبة إلى مسألة تدويل القدس، اُنظر أيضا قرارات الجمعية العامة 185 (الدورة الاستثنائية - 2) الصادر في 26 نيسان (أبريل) 1948، و187 (الدورة الاستثنائية - 2) الصادر في 6 أيار (مايو) 1948، و303 (الدورة 4) الصادر في 9 كانون الأول (ديسمبر) 1949، وقرارات مجلس الوصاية (القسم 4).

7. الخريطة مرفقة مع القرار "ملحق ب".


* تل عدس.



أسامة الكباريتي
موقف الأمم المتحدة

والموقف الصهيوني والبريطاني

بعد قرار التقسيم



أولاً: مراحل الجولة العربية الإسرائيلية وسمات كل منها

عندما اشتعل القتال بين بعض جيوش الدول العربية والقوات الإسرائيلية في الخامس عشر من مايو 1948، في شكل حرب مُعلَنَة، لم تكن تلك بداية الجولة العربية الإسرائيلية الأولى في حقيقة الأمر، فقد اشتعل أوار تلك الجولة عقب صدور قرار التقسيم في التاسع والعشرين من نوفمبر 1947، واستمرت أكثر من خمسة أشهر في شكل حرب غير معلنة، بين فصائل الفلسطينيين المجاهدين والمتطوعين العرب من ناحية، والمنظمات الصهيونية العسكرية والإرهابية من ناحية أخرى.

وعلى ذلك، ذهبت المصادر التاريخية الإسرائيلية وبعض المصادر الغربية والعربية إلى أن البداية الحقيقية لتلك الحرب، هي بداية تفجُّر الصراع المسلح في فلسطين في الأسبوع الأول من ديسمبر عام 1947، بين الفصائل الفلسطينية والمنظمات الصهيونية، ذلك الصراع الذي تصاعد بالعنف من مجرد أعمال التخريب والإغارات وكمائن الطرق ـ كما كان في الشهور الأربعة الأولى لتلك الحرب ـ إلى المعارك والعمليات الحربية في الشهرين التاليين وحتى إعلان قيام الدولة الإسرائيلية في منتصف شهر مايو 1948.

ومن ثمَّ، فإنه يمكن القول بأن الحرب العربية ـ الإسرائيلية الأولى اشتملت على مرحلتين:

الأولى، هي مرحلة الحرب غير المعلنة التى سبقت الإشارة إليها،

والثانية، هي مرحلة الحرب المعلنة التى اشتركت فيها بعض جيوش الدول العربية إلى جانب الفصائل الفلسطينية والمتطوعين العرب إبتداءً من 15 مايو 1948، ودُعِمت فيها المنظمات العسكرية الإسرائيلية بالمجندين الذين تمَّ تعبئتهم من يهود دول العالم المختلفة، خاصةً من أوروبا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وجنوب أفريقيا، فضلاً عن المتطوعين والمرتزقة الذين تدفقوا على إسرائيل من العديد من دول العالم.

وقد انقسمت المرحلتين السابقتين ـ على ضوء تطور موازين القوى ومبادرات الطرفين خلالها ـ إلى أربع مراحل فرعية متميزة لكلٍّ منها سماتها الخاصة كما يلي:

1. المرحلة الفرعية الأولى (1 ديسمبر 1947 ـ 31 مارس 1948)

وقد بدأت هذه المرحلة الفرعية مع بدء الصراع العسكري في مرحلة الحرب غير المعلنة وانتهت مع انتزاع اليهود للمبادأة في أول أبريل 1948، وقد تميزت هذه المرحلة الفرعية بالمد العربي، وتمتع العرب خلالها بمزايا عامل المبادأة لمدة 121 يوماً حاول فيها عرب فلسطين والمتطوعون الذين يساندونهم الحفاظ على عروبة ذلك البلد، واتخذ القتال خلالها شكل الكمائن والإغارات وأعمال القناصة ونسف المنشآت، بالإضافة إلى أعمال الحصار.

وبنهاية المرحلة الفرعية الأولى كان الفلسطينيون والمتطوعون العرب قد سيطروا على أغلب خطوط المواصلات ونجحوا في عزل الحي اليهودي في القدس القديمة والقدس اليهودية الجديدة.

2. المرحلة الفرعية الثانية (1 أبريل 1948 ـ 14 مايو 1948)

وقد بدأت هذه المرحلة الفرعية مع تحول اليهود إلى الهجوم العام وانتهت بنهاية مرحلة الحرب غير المعلنة عشية تدخل الجيوش العربية في 15 مايو 1948، وقد تميَّزت هذه المرحلة الفرعية بالمد الصهيوني، وتمتع اليهود فيها بمزايا عامل المبادأة لمدة 44 يوماً حاولوا خلالها فرض التقسيم على العرب وتوسيع رقعة الأرض التى اختصتهم بها الأمم المتحدة واتخذ القتال فيها شكل العمليات الهجومية والإغارات، وجرت فيها أربع عشرة معركة، ركزت خمسٌ منها على فتح وتأمين الطرق، وثلاث للاستيلاء على موانئ فلسطين الرئيسية لتأمين استقبال المهاجرين والأسلحة والذخائر، واثنتان لتأمين الجليل وواحدة لحث الفلسطينيين على الفرار، وثلاث لأغراض متفرقة أخرى.

وبنهاية المرحلة الفرعية الثانية كان اليهود قد حقَّقوا معظم أهدافهم وأصبحوا يسيطرون على 20% من مساحة فلسطين بعد أن كانوا يسيطرون على 3.3% من مساحتها، كما سيطروا على الموانئ الفلسطينية الرئيسية الثلاثة وفتحوا الطريق إلى القدس.

3. المرحلة الفرعية الثالثة (15 مايو 1948 ـ 11 يونيه 1948)

وقد بدأت هذه المرحلة الفرعية مع بدء الحرب المعلنة وتدخل الجيوش العربية في 15مايو 1948 وانتهت مع بداية الهدنة الأولى في 11 يونيه 1948، وتميزت هذه المرحلة الفرعية بالمد العربي على كافة الجبهات، واتَّسمت بتمتع العرب خلالها بمزايا عامل المبادأة لمدة 27 يوماً، حاول العرب فيها الحفاظ على عروبة فلسطين، واتخذ القتال فيها شكل العمليات والمعارك التقليدية بين القوات المتحاربة وجرت فيها تسع عشرة معركة انتهت بفرض مجلس الأمن الهدنة الأولى على أطراف الصراع.

وبنهاية المرحلة الفرعية الثالثة كان العرب قد سيطروا على معظم رقعة الأرض التى اختصت بها الأمم المتحدة عرب فلسطين في قرار التقسيم.

4. المرحلة الفرعية الرابعة (8 يوليه 1948 ـ 13 مارس 1949)

وقد بدأت هذه المرحلة الفرعية في 8 يوليه 1948 فور انتهاء الهُدنة الأولى، وانتهت في 13 مارس 1949 عندما انتهت آخر العمليات الإسرائيلية في تلك الحرب، وتميَّزت هذه المرحلة الفرعية بالمد الإسرائيلي على كافة الجبهات العربية، واتَّسمت بتمتُّع الإسرائيليين بالمبادأة لمدة 51 يوماً غطت فترات القتال الأربعة في هذه المرحلة الفرعية، التى عمل الإسرائيليون خلالها على توسيع رقعة الأرض التى يسيطرون عليها، واتخذ القتال فيها شكل العمليات والمعارك التقليدية التى بلغ عددُها 34 عمليةً ومعركةً فصَلَت بينها أربع هُدنات فرضها مجلس الأمن وبلغت مُددها 224 يوماً.

ونظراً لطول مدد تلك الهدنات، فإنها كانت بمثابة وقفات استراتيجية تغيَّرت خلالها مواقف طرفي الصراع تغيراً جذرياً نتيجة للجهود التى بذلها كلٌّ منهم لتغيير موازين القوى وتهيئة المسرح للعمليات القتالية التالية.

وقد برز خلال هذه المرحلة الفرعية تكرار تدخل الوساطة الدولية بين طرفي الصراع ونجاح تلك الوساطة في إيقاف القتال بينهما دون استخدام قوات محايدة للفصل بين قواتها، مما كان يسمح بتجدُد القتال عند أول بادرة تسنح لأيٍ من الطرفين.

وخلال هذه المرحلة الفرعية ظهر عجز جامعة الدول العربية وضعف التحالف الذي أقامته، وانكشاف أهداف أطرافه، وطغى على السطح المشاكل الداخلية لكل بلد وكل جيش عربي، كما ازدادت المشكلة الفلسطينية تعقيداً وتدهوراً بعد أن لعبت السياسة الدولية والمؤامرات الخارجية دوراً بارزاً في تقرير مسار الحرب ونتائجها.

وعندما انتهت تلك الجولة من الصراع بتوقيع اتفاقيات الهدنة بين الدول العربية وإسرائيل كانت الأخيرة قد وسَّعت رقعتها على حساب دولة فلسطين العربية التى وُئدت قبل مولدها، وتفتت ما تبقى من أراضيها، فجزء ضمه الملك عبدالله إلى دولته والجزء الآخر وضعته مصر تحت إدارتها.

وقد اتسمت مراحل الحرب السابقة بمجموعة من السمات العامة كان أبرزها ما يلي:

أ. ضعف معلومات العرب ـ أحد طرفي الصراع ـ عن الطرف الآخر، بالرغم من طول المعايشة والجوار معه، وسوء تقديرهم لقدراته الظاهرة والكامنة.

ب. ضعف الدعم العربي المالي والعسكري الذي قُدِم للمقاومة الفلسطينية قبل التدخل بالجيوش العربية مقارنة بالدعم الذي حصلت عليه المنظمات الصهيونية العسكرية.

ج. اختلال موازين القوى بين أطراف الصراع في تناسب عكسيٍّ مع إمكاناتهم وتعدادهم البشري نتيجة لتعبئة الطرف الصهيوني كل إمكاناته البشرية والاقتصادية والمعنوية لهذا الصراع، على عكس الطرف العربي الذي لم يعبئ له إلا جزءاً يسيراً من إمكاناته وقدراته.

د. امتلاك اليهود لنظرية قتال وأسلوب عمل مستمد من خبرة طويلة سابقة من عملهم ضمن قوات الحلفاء واللواء اليهودي في الحرب العالمية الثانية، بينما كان العرب يفتقرون إلى نظرية قتال أو أسلوب عمل متفق عليه، فضلاً عن اختلاف أهدافهم.

هـ. الثقة العربية المفرطة بالنفس والتقليل من شأن العدو، بما صور لهم الأمر وكأنه مجرد حملة لردع العصابات الصهيونية، أو تأديبها.

و. تكرار تدخل القيادات السياسية العربية في عمليات قواتها بعد أن حدَّدت لها أهدافاً غامضة، ثم عرقلت تحقيق هذه الأهداف بتكرار قبولها لوقف إطلاق النار، مما أضَّر بأوضاع قواتها المسلحة.

ز. الافتقار للتعاون الاستراتيجي والتعبوي بين الجبهات العربية – وخاصة بعد الهدنة الأولى ـ مما سمح للقوات الإسرائيلية بالانفراد بكل من هذا الجبهات على حدة وإيقاع الهزيمة بها.



يتبع ..................
أسامة الكباريتي
عطفا على الموضوع برمته:

أرى في التفاصيل التي أوردها الأساسات التي بنيت عليها نكبة الأمة في فلسطين .. لهذا ألتمس العذر منكم في الإطالة ..
ولسوف نعود بإذن الله لنضع تفاصيل وأخرى ومواقف تأريخية كانت لها أهميتها القصوى في تلك الحقبة التأريخية ..
نحن هنا لا نعلق أوزار النكبة على شماعة بعينها ..
بل نحاول تلمس طريقنا وسط ظلام دامس وتعتيم قاتل .. محاولات متعددة الأطراف لطمس الحقيقة .. والعودة باللائمة على الشعب الذي نُكِبَ وتبعثر على البسيطة .. ودمغه بالانهزامية والهرب والبيع وووووو.
أرجو أن تأخذوني بروية وتأن وطول بال وسعة صدر حفظكم الله ورعاكم
أسامة



ثالثاً: تطور موقف الأمم المتحدة

عندما أصدرت هيئة الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين فإنها أوكلت تنفيذه إلى اللجنة الخماسية التى نص عليها ذلك القرار، وكان من المقرر أن تعمل هذه اللجنة بدعم من مجلس الأمن وتحت إشرافه.

وبدأت اللجنة الخماسية أعمالها بدعوة كلٍّ من اللجنة العربية العليا لفلسطين والوكالة اليهودية وحكومة الانتداب لتعيين مندوبين عنهم لمساعدتها والتشاور معها، إلا أن اللجنة العربية العليا رفضت هذه الدعوة على أساس عدم اعترافها بشرعية قرار التقسيم، أما الوكالة اليهودية فقد أرسلت مندوبها وحرصت على التعاون مع اللجنة، كما أرسلت حكومة الانتداب مندوباً عنها، إلا أنها رفضت أن يكون لها دور إيجابي في تنفيذ قرار التقسيم امتداداً لسياستها السلبية تجاه ذلك القرار، وأصرت على رفض قيام اللجنة بمهمتها أو التعاون معها حتى موعد انتهاء انتدابها رسمياً في 15 مايو، بل إنها رفضت السماح للجنة بدخول فلسطين بدعوى خوفها على سلامتها.
وإزاء رفض العرب والبريطانيين التعاون معها عجزت اللجنة الخماسية عن القيام بمهامها لترتيب نقل السلطة من حكومة الانتداب وإنشاء الميلشيات العربية واليهودية، بالإضافة إلى رسم الحدود والإعداد للإتحاد الاقتصادي للدولتين المقترحتين، وعلى ذلك بقيت اللجنة في نيويورك اكتفاءاً بإرسال مندوب عنها إلى فلسطين، كما تباطأ مجلس الأمن في تنفيذ التزاماته طبقاً لما جاء في قرار التقسيم، ولم يتناول قضية فلسطين بشكل جاد إلا في 24 فبراير عندما ناقش التقرير الأول للجنة الخماسية التى اتهمت فيه العرب بمحاولة تعديل قرار التقسيم باستخدام القوة، وطالبت المجلس بتزويدها بالمساعدة العسكرية للنهوض بمسؤولياتها ومنع إراقة الدماء فور جلاء القوات البريطانية عن فلسطين.

وإزاء تفجر القتال بين اليهود والعرب وإعلان الأخيرين تصميمهم على مقاومة التقسيم بالقوة، وإصرار الحكومة البريطانية على رفض استخدام قواتها لفرض قرار التقسيم، أصبحت الإدارة الأمريكية أقل تمسكاً بذلك القرار الذي ظنت أنه يمكن تنفيذه دون اللجوء إلى استخدام القوة، وقد ساعد على هذا التحول في الموقف الأمريكي تزايد العداء العربي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية لدورها في إصدار قرار التقسيم ودعمها الكامل للمطامع الصهيونية، وتخوف الإدارة الأمريكية من التهديدات العربية بالتدخل في تدفق البترول إلى الغرب في الوقت الذي تزايد فيه ضغط السوفيت في أوروبا والشرق الأوسط[1].

وعندما اجتمع مجلس الأمن القومي الأمريكي في 17 فبراير 1948 لمناقشة الورقة التى قدمها جهاز التخطيط في وزارة الخارجية بشأن التخلي عن قرار التقسيم أوضح الجنرال "ألفريد جرونتر" أن فرض التقسيم يتطلب إرسال ما بين 80 ألف و 160 ألف جندي إلى فلسطين، وأن على الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحالة أن تعلن التعبئة الجزئية، وهو ما لم تكن الإدارة الأمريكية مستعدة لتنفيذه.

وهكذا نجحت وزارتا الدفاع والخارجية الأمريكية في التغلب مؤقتاً على الضغوط التى يواجهها الرئيس ترومان من المؤسسات الصهيونية والمشايعين لها من أعضاء الكونجرس ووسائل الإعلام الأمريكية، ومن ثَمَّ رفضت الولايات المتحدة الأمريكية استخدام القوة لفرض التقسيم وأوضح "وارين أوستن" ـ رئيس الوفد الأمريكي ـ يوم 24 فبراير في مجلس الأمن أن ميثاق الأمم المتحدة لا يمنح المجلس صلاحية فرض قرار التقسيم، واقترح أن يقوم ممثلو الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن بالاتفاق على ما يجب عمله بعد ذلك، وبالرغم من تصويت مجلس الأمن بالموافقة على اقتراح "أوستن"، إلا أن ممثلي الدول الخمس لم يتوصلوا إلى اتفاق جماعي بالرغم من تقديم ممثلي الولايات المتحدة الأمريكية والصين الوطنية وفرنسا مذكرة للمجلس أوضحوا فيها أنه لا يمكن تنفيذ التقسيم بطريقة سلمية.

وعندما تبين للصهيونيين تآكل المساندة الأمريكية لقرار التقسيم، قاموا وأنصارهم بحملة ضغط شديدة على الإدارة الأمريكية ، وخلال أسبوع واحد من فبراير تلقت الخارجية الأمريكية 22 ألف برقية بشأن فلسطين، وخلال أسبوعين كان قد تم جمع 35 مليون دولار من يهود الولايات المتحدة الأمريكية لدعم مشروع الدولة اليهودية، في الوقت الذي اشتد فيه النقد للتحول الجديد في الموقف الأمريكي تجاه فلسطين، والذي وصفته جريدة "نيويورك تايمز" بأنه استسلام واضح أمام التهديد باستخدام القوة، كما وصفه بعض الأمريكيين بأنه "انتصار لسياسة النفط وتهدئة مُخزيَة للعرب".
وبالرغم من الضغوط السابقة، فقد استمر تمسك الإدارة الأمريكية بموقفها الجديد من قرار التقسيم، وأعلن "أوستن" في 19 مارس أن مجلس الأمن لا يستطيع أن يفرض بالقوة مشروعاً لا يمكن تنفيذه بالطرق السلمية، وأن المجلس غير مستعد للمضي في جهوده الرامية إلى تنفيذ قرار التقسيم في ظل الظروف القائمة، مشيراً إلى أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد توصيات، ومن ثَمَّ اقترح رئيس الوفد الأمريكي قيام هدنة مؤقتة بين الجانبين العربي واليهودي، ووضع فلسطين تحت وصاية الأمم المتحدة إلى أن تُعقَد دورة خاصة ثانية للجمعية العامة بهدف إجراء مزيد من الدراسة لمستقبل فلسطين.
وإزاء هذا الموقف كثَّفَت المنظمات الصهيونية جهودها وضغوطها على الرئيس الأمريكي نفسه، الذي سرعان ما أعلن في الخامس والعشرين من مارس أن مشروع الوصاية المقترح ليس بديلاً عن مشروع التقسيم، وإنما هو تدبير مؤقت لتنظيم الإدارة في فلسطين بعد انتهاء سلطة الانتداب البريطانية وجلاء قواتها عن تلك البلاد.
وفي الثلاثين من مارس قدَّم "أوستن" في مجلس الأمن مشروع قرار يدعو زعماء العرب واليهود في فلسطين إلى إرسال مندوبين عنهم إلى مجلس الأمن لمناقشة قيام هدنة بين الجانبين كما يدعو الطرفين إلى التوقف فوراً عن أعمال العنف، كما كرر "أوستن" طلب الولايات المتحدة الأمريكية عقد دورة طارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة نظام الحكم الذي يجب إرساؤه في فلسطين بعد انتهاء الانتداب.

وفي أول أبريل قرر مجلس الأمن ـ بناءاً على اقتراح أمريكي ـ دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة لعقد دورة خاصة تبحث فيها من جديد مستقبل الحكم في فلسطين، كما اتخذ المجلس في 17، 13 أبريل قرارين آخرين: الأول يدعو إلى وقف الاشتباكات وإقرار هدنة بين طرفي الصراع في فلسطين، والثاني يدعو إلى إنشاء لجنة هدنة تتكون من قناصل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبلجيكا في القدس لمراقبة أي هدنة يتفق عليها.

قرار رقم 46 ( 1948 ) بتاريخ 17 نيسان ( إبريل ) 1948.

الدعوة إلى وقف العمليات العسكرية في فلسطين

إن مجلس الأمن،

بعد أن نظر في قراره رقم 43 ( 1948 ) في 1 نيسان ( إبريل ) 1948، والأحاديث التي أجراها رئيسه مع ممثلي الوكالة اليهودية لفلسطين والهيئة العربية العليا لغرض ترتيب هدنة بين العرب واليهود في فلسطين،

ونظراً إلى أنه، كما ورد في ذلك القرار، من الضرورة الملحة بمكان وضع حد فوراً لأعمال العنف في فلسطين، وإقامة الظروف الملائمة للسلام والنظام في ذلك البلد، ونظراً إلى أن حكومة المملكة المتحدة، ما دامت هي الدولة المنتدبة، مسؤولة عن صيانة السلام والنظام في فلسطين وعليها أن تستمر في اتخاذ جميع الخطوات الضرورية من أجل هذه الغاية، وأنها، في عملها هذا، يجب أن تحظى بتعاون وتأييد مجلس الأمن بصفة خاصة، وكذلك أعضاء الأمم المتحدة،

1 - يدعو جميع الأشخاص والمنظمات في فلسطين، وخصوصاً الهيئة العربية العليا والوكالة اليهودية، إلى أن تتخذ حالاً، دون إجحاف بحقوقها ومطاليبها ومواقفها، وكمساهمة منها في المنفعة العامة والمصالح الدائمة لفلسطين، الإجراءات التالية:

أ - إيقاف جميع الأعمال ذات الصبغة العسكرية أو شبه العسكرية، وكذلك أعمال العنف والإرهاب والتخريب،

ب - الامتناع من إحضار ومساعدة وتشجيع وإدخال العصابات المسلحة والرجال المحاربين إلى فلسطين، جماعات كانوا أم أفراداً، مهما كان أصلهم،

جـ - الامتناع من استيراد أو حيازة الأسلحة والمواد الحربية، ومن المساعدة أو التشجيع على استيرادها أو حيازتها،

د - الامتناع، لحين مواصلة النظر في حكومة فلسطين المستقبلة من قبل الجمعية العامة، من أي نشاط سياسي قد يجحف بحقوق أو مطاليب أو موقف إحدى الطائفتين.


قرار رقم 48 ( 1948 ) بتاريخ 23 نيسان ( أبريل ) 1948.
إقامة لجنة الهدنة لفلسطين

إن مجلس الأمن،

إذ يشير إلى قراره رقم 46 ( 1948 ) في 17 نيسان ( أبريل ) 1948، الذي يدعو جميع الأطراف المعنية إلى الإذعان لشروط معينة من أجل إقامة هدنة في فلسطين،

يقيم لجنة هدنة لفلسطين مؤلفة من ممثلين عن أعضاء مجلس الأمن الذين لهم قناصل متفرغون في القدس، ويلاحظ، مع ذلك، أن ممثل سورية أشار إلى أن حكومته ليست مستعدة للمساهمة في اللجنة. إن مهمة اللجنة ستكون مساعدة مجلس الأمن في الإشراف على تنفيذ القرار 46 ( 1948 ) من قبل الأطراف.

يطلب من اللجنة أن تقدم تقريراً إلى رئيس مجلس الأمن خلال أربعة أيام بخصوص نشاطها وتطور الوضع، وبعد ذلك أن تبقي مجلس الأمن على علم دائم بمجريات هذين الأمرين.

يحق للجنة ولأعضائها ومساعديهم ولموظفيها السفر مجتمعين أو منفردين حيثما ترى اللجنة في ذلك ضرورة للقيام بمهماتها.

سيزود الأمين العام اللجنة بحاجتها من الموظفين والمساعدة كما تراه ضرورياً، آخذاً بعين الاعتبار الحالة الملحة الخاصة بالنسبة إلى فلسطين.

تبنى المجلس هذا القرار، في جلسته رقم 287، بـ 8 أصوات
مقابل لا شيء وامتناع 3 كالآتي:

مـع القرار :

الأرجنتين، بلجيكا، كندا، الصين، فرنسا، سورية، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأميركية.

ضد القرار :

-

امتنــاع :

كولومبيا، أوكرانيا، الاتحاد السوفياتي.



وقد استقبل العرب الموقف الأمريكي الجديد بارتياح حذر، وأعلن مندوبو الدول العربية في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية استعدادهم لدراسة اقتراح الوصاية وقبول الهدنة في فلسطين، إلا أن اللجنة العربية العليا التى كانت أقل تقبلاً لفكرة الوصاية أبلغت مجلس الأمن أنه مادامت الهجرة اليهودية مستمرة، ومادام الصهاينة ماضيين في خططهم لإنشاء دولة يهودية، فإن عرب فلسطين لن يستطيعوا التوقف عن القتال.
وعلى الجانب اليهودي أكدت الوكالة اليهودية رفضها لاقتراح الوصاية وطالبت الأمم المتحدة بتطبيق قرار التقسيم بالقوة إذا استدعي الأمر، كما أبدت استياءها من الموقف الأمريكي الجديد الذي اعتبرته خيانة لقضيتهم، في الوقت الذي تزايدت فيه حدة الدعاية والضغط الصهيوني داخل الولايات المتحدة الأمريكية لاستعادة التأييد الأمريكي لقرار التقسيم، واتهمت الوكالة بريطانيا بالتواطؤ مع العرب في جهودهم للتسلل من الدول المجاورة إلى فلسطين، أما بالنسبة للهدنة، فقد أبدت الوكالة استعدادها لقبولها إذا تمَّ سحب كل المتطوعين العرب الذين دخلوا ذلك البلد، ومُنعت التحرشات العربية في المستقبل وسُمِح باستمرار الهجرة اليهودية دون قيود ولم تؤخر هذه الهدنة تحقيق الاستقلال.

وفي 17 أبريل كرَّر مجلس الأمن دعوته للعرب واليهود بإيقاف جميع الأعمال الحربية وشبه الحربية، وبعد خمسة أيام تشكلت لجنة للهدنة من قناصل كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبلجيكا وفرنسا في القدس.

وفي 20 أبريل بدأت الدورة الثانية للأمم المتحدة مناقشة ورقة العمل الأمريكية التي اقترحت إنشاء وصاية مؤقتة تتولى فيها الأمم المتحدة سلطة الإدارة من خلال مجلس الوصاية وحاكم عام تُعيِّنه الأمم المتحدة مع السماح بهجرة خمسة آلاف يهودي شهرياً، وبالرغم من اعتراض العرب على بعض جوانب ورقة العمل الأمريكية فقد وجدوا أنفسهم مضطرين ـ إزاء ضيق الوقت المتبقي على انتهاء الانتداب ـ لأن يقبلوا مشروع الوصاية باعتباره الوسيلة العملية الوحيدة لوأد قرار التقسيم.
وخلال مناقشة ورقة العمل الأمريكية أبدى العرب قدراً أكبر من المرونة، وأيدتها الدول التى ساندتها في رفض مشروع التقسيم منذ البداية، كما بدأت بعض الدول التي صوَّتت ـ على مَضضٍ ـ إلى جانب التقسيم في 29 نوفمبر 1947 تُعرب عن استيائها أو اعتراضها الجاد عليه ورأت بعض الدول ان التقسيم كان خطأ يجب تصحيحه.
وفي الثالث والعشرين من أبريل أعلنت الهيئة العربية العُليا استعدادها المشروط للنظر في اقتراح الوصاية على أنه تدبير مؤقت فقط يرمي في النهاية إلى حل مقبول يرضى به العرب.
وعلى ضوء المناقشات السابقة أُحيل مشروع الوصاية الأمريكي إلى اللجنة الأولى، كما تقَّرر تشكيل لجنة فرعية (اللجنة رقم 9) لبحث جميع الموضوعات المتعلقة بتأسيس نظام انتقالي في فلسطين يستند على نظام الوصاية المقترح، وانتهت اللجنة الأخيرة إلى الموافقة على تعديل مشروع الوصاية وإقراره، كما وافقت على دعم جهود مجلس الأمن من أجل التوصل إلى هدنة في فلسطين، وتكليف وسيط الأمم المتحدة، الذي سيختاره الأعضاء الدائمون بالتوصل إلى تسوية سلمية.

وفي الوقت الذي كانت فيه اللجنة رقم (9) تبحث مشروع الوصاية، كثَّفت المنظمات الصهيونية ضغوطها لوأد ذلك المشروع والإبقاء على قرار التقسيم دون تعديل أو على الأقل تمييع الموقف في المنظمة الدولية حتى انتهاء الانتداب في 15 مايو.
وقبل بضعة أيام من ذلك اليوم الموعود، صرح حاييم وايزمان قائلاً: "لقد تمكنت من توطيد علاقتنا بأصدقائنا في واشنطن، وتأكدت انه سيتم الاعتراف بالدولة اليهودية في اللحظة التى يعلن فيها عن إنشاءها".

ومع اقتراب الانتداب البريطاني من نهايته بدأت جهود الضغط والإغراء الصهيوني تؤتي ثمارها مرة أخرى[2]، فقد تخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن مشروع الوصاية في الوقت الذي فقدت فيه معظم الدول في الجمعية العامة حماسها لذلك المشروع، خاصةً وأن الحكومة الأمريكية لم تُبد أي استعداد للمشاركة في تنفيذه، وعلى ذلك لم يكن غريباً أن يفشل مشروع الوصاية في الحصول على أغلبية الثلثين اللازمة لإجازته عند التصويت عليه في الجمعية العامة يوم 14 مايو.

ولم تنتظر الوكالة اليهودية انتهاء الانتداب البريطاني في الساعة الثانية عشرة من مساء ذلك اليوم، فقد بادرت بعقد اجتماع للمجلس الوطني اليهودي الذي أُعلن في الساعة الرابعة من بعد ظهر 14 مايو قيام الدولة اليهودية في فلسطين باسم "إسرائيل"[3].

انظر: (اُنظر ملحق تقريري القائمقام حافظ بكري عن اجتماعات رؤساء أركان حرب الجيوش العربية (1 و10 مايو 1948))
http://www.moqatel.com/openshare/Beh...44.doc_cvt.htm


وفي الساعة الخامسة من مساء نفس اليوم (بتوقيت نيويورك والحادية عشرة بتوقيت فلسطين) – قبل ساعة واحدة من انتهاء الانتداب البريطاني على ذلك البلد – اجتمعت الجمعية العامة لمناقشة مشروع قرار أمريكي مُعدل كانت اللجنة الأولى قد أجازته على عجل في ذلك اليوم لتدارك الموقف بعد رفض مشروع الوصاية، وقد تضمَّن ذلك المشروع ما يلي:

1. اختيار الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وسيطاً يمثل الأمم المتحدة.

2. استخدام وسيط الأمم المتحدة مساعيه الحميدة مع السلطات والأطراف المختلفة في فلسطين لترتيب إدارة المرافق العامة الحيوية، وضمان حماية الأماكن المقدسة والعمل على التسوية السلمية للموقف في تلك البلاد.

3. انهاء مهمة اللجنة الخاصة بفلسطين.

4. تعاون كل من الحكومات والمنظمات على تنفيذ قرارات مجلس الأمن.

وبينما كانت الجمعية العامة تناقش مشروع القرار السابق، أعلن في الساعة السادسة مساءً (بتوقيت نيويورك و 12 مساءً بتوقيت فلسطين) نبأ نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين وبعد ذلك بدقيقةٍ واحدةٍ كان الرئيس ترومان يعلن اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالدولة اليهودية الجديدة، دون التشاور مع وزارة الخارجية الأمريكية.


وقد أثار هذا الانقلاب المفاجئ في الموقف الأمريكي لدى العرب من المرارة ضد الولايات المتحدة الأمريكية ما لم يحدث في أي وقت مضى، فقد أحس العرب أن الولايات المتحدة الأمريكية تعمدت خداع الجميع حتى ينتهي الانتداب قبل أن توافق الجمعية العامة على أي قرار مضاد للتقسيم.

وبينما كان "السير آلن كننجهام" ـ المندوب السامي البريطاني ـ يغادر ميناء حيفا طاوياً آخر عهود الانتداب البريطاني في المشرق العربي كانت الأطراف العربية واليهودية تعد نفسها لجولة جديدة من الصراع الدامي.


أما الجمعية العامة للأمم المتحدة فقد وافقت – بعد فوات الأوان – على مشروع القرار الأمريكي الذي قدمته اللجنة الأولى وكان يدعو إلى اختيار وسيط دولي. وجاءت نتيجة التصويت 31 صوتاً مقابل 7 أصوات وامتناع 16 صوتاً.


رابعاً: تطور الموقف الصهيوني في فلسطين


لتحقيق النصر على العرب وفرض الدولة اليهودية عليهم لخص بين جوريون الإجراءات الواجب عملها فيما يلي:


· التعبئة الشاملة للقوة البشرية اليهودية للعمل العسكري والاقتصادي بأفضل الطرق الممكنة مع إعطاء الأسبقية لاعتبارات الأمن.


· الإعداد لإنتاج وشراء المعدات والمهمات اللازمة للعمل العسكري في البر والبحر والجو وفقاً للتحضيرات التي تمت والتي لا تزال تجرى.


· عمل الإجراءات اللازمة لمعالجة النواحي المالية والصناعية والزراعية والصادرات والواردات، وتوزيع المواد الغذائية والمواد الخام، بحيث تعمل على دعم القوة العسكرية اليهودية دون الإضرار بالمجتمع اليهودي في فلسطين (الييشوف).


· الإعداد لوراثة حكومة الانتداب بتشكيل هيئة مركزية واحدة تمارس سلطاتها على شؤون الدفاع والصناعة والزراعة والتمويل والحكومة، على أن تتلقى هذه الهيئة الدعم الكامل من الحركة الصهيونية والشعب اليهودي في الشتات.


· التحول إلى الهجوم على طول الجبهة في الوقت المناسب، مع عدم قصر العمليات الهجومية داخل حدود الدولة اليهودية أو في فلسطين فحسب بل يجب مهاجمة العدو حيثما وُجد.
وقد مثلت الإجراءات السابقة برنامج العمل الذي سارت عليه الوكالة اليهودية والمؤسسات الصهيونية واليهودية المختلفة داخل فلسطين وخارجها لتأمين قيام الدولة اليهودية في الوقت المحدد لها.



1. التعبئة اليهودية للقوى البشرية


أ. تعبئة القوة البشرية اليهودية داخل فلسطين

على ضوء الإحصاء الذي أجرته الوكالة اليهودية في نهاية عام 1947 لوضع خطة التعبئة كان هناك 185 ألف من الذكور يمكن أن يشكلوا وعاء القوة البشرية للمجهود الحربي (97 ألف رجل تراوح أعمارهم بين 18، 35 عاماً و 78 ألف آخرين تراوح أعمارهم بين 36 و 50 عاماً، بالإضافة إلى 9500 شاب تراوح أعمارهم بين 16، 17 عاماً)، أما بالنسبة للنساء فقد كان هناك 41 ألف امرأة تراوح أعمارهم بين سن 18 و 25 عاماً بالإضافة إلى 9 آلاف فتاة.

وعلى ذلك كان وعاء التعبئة البشرية يسمح بدعم الهجناه بأعداد كافية لصد أي هجوم عربي محتمل، ومن ثم أصدر مركز الإحصاء للخدمة الشعبية في اليوم التالي لصدور قرار التقسيم أول أمر لتعبئة الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و 25 عاماً ولم يتم تأهيلهم بعد، حتى يجرى تجنيدهم وتدريبهم، ونظراً لأن المتقدمين خلال شهر ديسمبر 1847 ويناير 1948 لم يزد عددهم عن 23212 فرد، فقد أصدر مركز الإحصاء أمره الثاني في 18 فبراير 1948 يستدعي فيه الرجال غير المتزوجين والذين ليس لهم أولاد حتى سن 35 عاماً، وفي نهاية فبراير أعلنت التعبئة العامة.

وكان قد تم قبل ذلك استدعاء فئات معينة عديدة من بينها الضباط والرقباء، والذين خدموا في الجيش البريطاني وجيوش أخرى في أثناء الحرب العالمية الثانية (تقدر أعدادهم بنحو 5500 شخص)، والممرضات من جميع الأعمار (2000 ممرضة). ووصل عدد الذين تقدموا للخدمة حتى 15 مارس 1948 إلى 52000 رجل وامرأة. إلا أن إجراءات الرقابة ومناخ الحرب في ربيع عام 1948 رفعت أعداد المعبئين حتى منتصف أبريل إلى 82500 فرد، وعندما أعلن التجنيد لوحدات المعاونة النسائية في 29 أبريل ارتفعت الأعداد السابقة إلى 94500 رجل وامرأة، وفي 20 يونيه ارتفع سن التجنيد حتى سن 41 عاماً، مما أضاف أعداداً جديدة إلى الفئات السابقة.
أما في المستعمرات العمالية (الكيبوتزات) فقد جرت التعبئة وفقاً لأسلوب خاص تعود جذوره إلى الحرب العالمية الثانية، حيث حُددت نسبة 7% من العاملين في المستعمرات لأداء الخدمة بصورة كاملة، أما مستعمرات الحدود فقد أُعفيت من الخدمة الإجبارية، على اعتبار أن وجود المستوطنين في هذه المستعمرات أحد عوامل الأمن الرئيسية، كما أُعفى من الخدمة الإجبارية كل المستعمرات الزراعية التي لا يتجاوز عدد العاملين فيها 25 رجلاً ومن ضمنها كل مستعمرات النقب كما أُعفى من نفس الخدمة الأعضاء الذين يعملون في مستعمرات الموشاف. وقد جُند عملياً من المستعمرات للخدمة الكاملة 1987 فرد حتى نهاية مايو 1948.


كما أضافت عمليات الهجرة الشرعية وغير الشرعية التي تمت خلال شتاء وربيع عام 1948 دعماً جديداً للقوة البشرية اليهودية في فلسطين، وخلال تلك الفترة تراجعت الدوافع الإنسانية عند اختيار المهاجرين الذين سيتم ترحيلهم لتفسح المجال لجلب الشباب اللائقين للحرب، وكانت التعليمات التي أُعطيت لرجال مؤسسة الهجرة في تلك الفترة، هى أن يرسلوا على ظهر سفن الهجرة غير الشرعية ـ على قدر ما يستطيعون ـ شباباً مستعداً للانضمام إلى قوات الهجناه المحاربة فور نزولهم من تلك السفن، وخلال الشهور الخمسة الأولى من عام 1948 وصل إلى فلسطين أكثر من ستة آلاف فرد عن طريق الهجرة غير الشرعية ممن تنطبق عليهم المواصفات المطلوبة.


ب. التجنيد من خارج فلسطين (غاحل)
في أوائل عام 1948 تقدمت مؤسسة الهجرة إلى قيادة الهجناه في أوروبا باقتراح القيام بعمل مشترك من أجل تجنيد الشباب لحمل السلاح وبناء الاقتصاد اليهودي، وكان على الهجناه أن تجند هؤلاء الشباب وتدربهم على أن تقوم مؤسسة الهجرة بنقلهم إلى فلسطين، وفي فبراير من نفس العام دُعيت مؤسسة الهجرة والهجناه إلى مؤتمر طارئ في "براغ" شارك فيه ممثلون عن حركات الشبيبة اليهودية في أوروبا، وعلى أثر هذا المؤتمر تم إنشاء مركز جديد لتنظيم عملية التجنيد.

وفي نهاية فبراير أصدرت الوكالة اليهودية أمراً صريحاً إلى قيادة الهجناه في أوروبا بالعمل خلال الأشهر الخمسة التالية على تدريب أقصى عدد من الشباب اليهودي وتشكيلهم في فصائل مع قادتهم تمهيداً لترحيلهم إلى فلسطين، وكانت الأوامر التي تلقتها قيادة الهجناه في أوروبا صريحة "بأن يأخذوا الأشخاص الملائمين مع الجهازين الآخرين (مؤسسة الهجرة ومؤسسة الهروب) بلا رحمة، فالأمن الآن أصبح قبل كل شيء".


وبناءاً على الأمر السابق قامت قيادة الهجناه في أوروبا بتنظيم عملية التجنيد والتدريب بمساعدة القوى المحلية، وشكلت لجان تجنيد في معظم دول أوروبا وأمريكا اللاتينية وشمال أفريقيا، ولم تكن مهمة هذه اللجان تنظيم التجنيد فحسب، وإنما أيضاً الجباية المالية لتمويل العملية، وأنشأت قاعدتان لتجهيز المجندين: الأولى في منطقة مرسيليا جنوب فرنسا والثانية في إيطاليا، كما كانت فرنسا بمثابة قاعدة لتجميع وفرز المجندين القادمين من معسكرات ألمانيا وشمال أفريقيا وإنجلترا وأمريكا في ثماني معسكرات كان أكبرها في مرسيليا يستوعب ألف فرد في الدفعة الواحدة.


وعندما بدأ العمل المنتظم في منتصف مارس 1948 كانت لجان التجنيد تُولي اهتماماً خاصاً للخبراء (مثل الضباط والطيارين وأطقم الدبابات والمدفعية ورجال البحرية والكوماندوز والفنيين في مجالات اللاسلكي والطيران والبحرية والأطباء والممرضات، حيث كان يتم فرزهم عن باقي المجندين وإرسالهم إلى فلسطين بأسرع ما يمكن، أما باقي المجندين فقد كان يتم تدريبهم لمدة ثلاثة أو أربعة أسابيع ثم يحولون إلى معسكرات انتقالية لانتظار دورهم في الترحيل إلى فلسطين. وحتى 15 مايو 1948 كانت حركة التجنيد خارج فلسطين قد دعمت القوة البشرية العسكرية اليهودية بعشرين ألف مجند، كان منهم عدة آلاف من الضباط والطيارين ورجال البحرية والفنيين في المجالات العسكرية المختلفة، الذين اكتسبوا خبرات الحرب العالمية الثانية.


ج. المتطوعون من خارج فلسطين (ماحل)

على التوازي من الجهود السابقة للتجنيد الإجباري لليهود داخل فلسطين وخارجها، بُذلت جهود ماثلة لتجنيد المتطوعين من المحترفين اليهود وغير اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وجنوب أفريقيا لتغطية النقص في بعض الكوادر والتخصصات العسكرية المختلفة، فمع بداية عام 1948 أُنشئ في الولايات المتحدة الأمريكية مكتب لتجنيد المتطوعين باسم Land and labor for Palestine. وقد وصل إلى فلسطين عن طريق هذا المكتب 1500 متطوع من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وفي ربيع عام 1948 جرت عملية خاصة لتجنيد المتطوعين اللازمين للسلاح الجوي التابع للهجناه ممن خدموا في السلاح الجوي الأمريكي خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، وتمت هذه العملية بالتوازي مع عمليات شراء الأسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية.


وقد ظهر من تحقيق قامت به المخابرات العسكرية الأمريكية في مايو 1948، أن العقيد "أليوت نلز" ـ أخو "دافيد نلز" مساعد الرئيس ترومان ومن أكثر الناس نفوذاً في البيت الأبيض ـ قام ومعه شخص آخر يعمل في مكتب حفظ سجلات الضباط، بتصوير ستة وستين سجلاً من سجلات الضباط الصالحين للعمل لحساب الهجناه وأرسلاها إلى فلسطين، واعتبرت هذه السجلات مع ملفات سرية جداً أخرى، الأساس الذي اعتمدت عليه قيادة الهجناة في اختياراتها للضباط الذين تم تجنيدهم أو التعاقد معهم.


وكانت العروض المالية التي قُدمت للطيارين الذين سيذهبون إلى فلسطين أعلى مما كان الطيارون يتقاضونه في القوات الأمريكية آنذاك حتى يمكن إغراؤهم بالسفر، مع قيام المنظمات الصهيونية بالولايات المتحدة الأمريكية بتذليل أي مصاعب تعوق سفرهم إلى فلسطين حتى لو كانوا لا يزالون بالخدمة.
وتمت عمليات تجنيد مماثلة في جنوب أفريقيا للخدمة في القوات الجوية، وطبقاً لرواية سلوتسكي: "وصل المتطوعون الأوائل في أبريل 1948 وكان عددهم أحد عشر طيـاراً".
وقد غطت عمليات تجنيد المرتزقة والمتطوعين كلاً من كندا وبريطانيا وفرنسا وهولندا، والدول الإسكندنافية ودول أمريكا اللاتينية، وقد تزايد عدد المتطوعين حتى نهاية الحرب فوصل إلى ثماني مائة شخص في القوة الجوية. وقدر الأخوان كمش عدد الطيارين فيهم بمائة ستة وخمسين طياراً. وكان باقي هؤلاء المتطوعين والمرتزقة من الملاحين وعمال اللاسلكي والتسليح، والمهندسين. "وكانت خبرة هؤلاء المتطوعين أوسع كثيراً من خبرة زملائهم في أرض إسرائيل".

وبلغ جملة المتطوعين المحترفين الذين تم تجنيدهم خلال مراحل الحرب المختلفة نحو ثلاثة آلاف من الضباط والطيارين ورجال البحرية والفنيين والأخصائيين والأطباء. وقد شكل هؤلاء المتطوعون ما يقرب من 75% من طياري السلاح الجوي الإسرائيلي في ذروة أيام الحرب في خريف عام 1948، وما يقرب من 30% من رجال السلاح البحري و 20% من أطباء جهاز الخدمات الطبية.



2. تصنيع وشراء المعدات والأسلحة والذخائر


أ. تصنيع الأسلحة والذخائر

عندما اندلع القتال بين العرب واليهود في أعقاب قرار التقسيم كانت الصناعة العسكرية اليهودية تمر بمرحلة انتقال إلى وضع صناعي أكثر تقدماً ـ بعد النجاح الذي حققه بن جوريون في توفير معدات صنع الأسلحة خلال جولاته في الولايات المتحدة الأمريكية في صيف عام 1946 ـ في الوقت الذي كان عليها أن تمد قوات الهجناه بالعديد من الأسلحة والذخائر التي كانت في أمس الحاجة إليها، والتي لم يتم شراؤها اعتماداً على قدرة الصناعة العسكرية اليهودية على تصنيعها، مثل مدافع وقذائف الهاون والقنابل اليدوية وذخائر الأسلحة الصغيرة، وعلى ذلك بُذلت جهود كبيرة للتغلب على ذلك القصور بعمليات التصنيع المحلي.

ومع بداية استخدام طائرات السلاح الجوي الصغيرة التي تم الحصول عليها من المخلفات البريطانية قبل نهاية الانتداب، ظهرت الحاجة إلى قنابل طائرات صغيرة تناسب تلك الطائرات. وبُدئ بتصنيع قنابل طائرات مرتجلة تسلم السلاح الجوي أول دفعة منها في أبريل 1948، وحتى وصول طائرات القتال والقاذفات وقنابلها بعد انتهاء الانتداب كان قد تم تصنيع 700 قنبلة محلية.

إلا أن الإنتاج الغزير الذي تدفق على قوات الهجناه كان في الرشاشات الخفيفة، والتي بلغ ما تسلمته القوات اليهودية منها حتى مايو 1948 نحو 10404 رشاشاً. وقد بلغ إنتاج ذخائر هذا السلاح آنذاك نحو 400 ألف طلقة شهرياً، وخلال الفترة من أكتوبر 1947 حتى مايو 1948 كان قد تم إنتاج أكثر من مليوني طلقة. كما بلغ إنتاج القنابل اليدوية في نفس الفترة 77 ألف قنبلة، أما مدافع الهاون فقد أُنتج منها 31 مدفعاً خلال شهري أبريل ومايو بالإضافة إلى ما يزيد على 130500 قذيفة عيار 3 بوصة خلال الشهور الستة السابقة على تدخل الجيوش العربية. وقبل أن تغادر آخر القوات البريطانية أرض فلسطين في ربيـع عام 1948 كان هناك عشرة مصانع حربية حديثة تنتج الأسلحة والذخائر للقوات اليهودية.

ولم تقتصر صناعة الأسلحة وذخائرها على المصانع الحربية اليهودية فقد كُلفت بعض المصانع المدنية بصناعة بعض الأسلحة المضادة للدبابات مثل "البيات" والذي انتج منه 648 قطعة حتى نهاية مايو 1948، والألغام بكافة أنواعها والتي بلغ ما أُنتج منها خلال ربيع عام 1948 ما يقرب من 30 ألف لغم ضد الأفراد و2570 لغم ضد المركبات.


ب. شراء الأسلحة والطائرات
على ضوء التقدير المبكر لتدخل الجيوش العربية لوأد الدولة اليهودية عند إعلانها، كان على القيادة الصهيونية أن تعد لهذا الأمر عدته بتوفير السلاح على نطاق واسع على نحو ما سلف. إلا أن مشتريات الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية لم تتوقف عند الكميات والأنواع التي سبقت الإشارة إليها وخاصة بالنسبة لاحتياجات السلاح الجوي، فطبقاً لرواية "كاجان"[1]، فإنه بُذلت جهود مكثفة للحصول على الطائرات من كل أرجاء العالم، إلا أن الجهود الناجحة تركزت في النهاية في أربعة مصادر رئيسية هى، جنوب أفريقيا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ثم تشيكوسلوفاكيا.

(اُنظر مذكرة الأدميرال ر.هـ. هيلنكوتر إلى الرئيس هاري ترومان (12 أبريل 1948 في الأسفل))

ففي جنوب أفريقيا نجحت جهود الوكالة اليهودية في الحصول على ثلاث طائرت من طراز " داكوتا C-47 " من شركة " يونيفرسال للخطوط الجوية " في أواخر عام 1947، كما قدم لها المليونير الهولندي "فان لير" ثلاث طائرات أخرى، فضلاً عن طائرتين أحضرها "بوريس سينور". كما تم شراء بعض الطائرات الأخرى من مخلفات الحرب، وقد استخدمت هذه الطائرات في أعمال النقل وقذف القنابل.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، نجح مندوبو الوكالة اليهودية في شراء عشر طائرات من نوع "كوماندو C-46"[2]، وثلاث طائرات من نوع "كونستليشن L-049" خلال شهر مارس 1948، وطائرتان من نوع "سكاي ماستر C-54" في مايو 1948، استخدمت في نقل الأسلحة والطائرات المقاتلة من تشيكوسلوفاكيا، فضلاً عن قذف القنابل.

بينما نجح أحد مندوبي الوكالة اليهودية في شراء عشرين طائرة من نوع "نورسمان C-64A" للنقل الخفيف من المخلفات الأمريكية في ألمانيا في شهر أبريل، تحت ستار شركة بلجيكية وهمية وقادها طيارون مجندون في الخارج إلى هولندا حيث تم إصلاحها، ووصلت أولى ثلاث منها إلى تل أبيب في الثاني من مايو وهى محملة بالأسلحة، بينما وصلت 14 طائرة فيما بعد إلى إسرائيل.

ويضيف "روبنشتاين" و"جولدمان"، أنه تم تزويد القوة الجوية الإسرائيلية بعشرين طائرة خفيفة (للاستطلاع والمواصلات) من نوع "بيبركب Piper Cup" وصلت إلى إسرائيل مبكراً في أوائل الصيف رغم الحظر الأمريكي، ودخلت في الخدمة فور وصولها[3].

أما في بريطانيا، فقد قام أحد عملاء الوكالة اليهودية بشراء أربع طائرات من نوع "أنسن M Ansonl 652" القاذفة في أوائل عام 1948.

وكانت الطائرات المقاتلة من نصيب تشيكوسلوفاكيا، فقد أثمرت الاتصالات السياسية مع الحكومة التشيكية علاقة خاصة، باركها الاتحاد السوفيتي، وكانت نتيجتها توفير احتياجات القوة الجوية الإسرائيلية من الطائرات المقاتلة والأسلحة، حيث عُقدت عدة صفقات كان أبرزها قبل 15 مايو 1948، صفقتي طائرات من نوع "مسر شميث" المصنعة في تشيكوسلوفاكيا تحت اسم "أفيا اس 199" "Avia S 199"، الأولى في شهر أبريل وقوامها عشر طائرات، والثانية في أعقابها وقوامها خمس عشرة طائرة.

وعلى حد قول "زئيف شيف"، "لقد تمادت تشيكوسلوفاكيا في تقديم العون ووافقت على إقامة قاعدة إسرائيلية فوق أراضيها، وأقيمت القاعدة بالقرب من بلدة "جاتتش" واشتملت على مطار، وأطلق على القاعدة في البداية اسم "زيبرا" وبعد ذلك أطلق عليها اسم "عتصيون"، وعُين يهودا بريفر "قائداً لها وأديرت القاعدة طبقاً للنظم العسكرية. وقد استخدمت هذه القاعدة لتجميع الأسلحة والعتاد والطائرات، سواء المشتراة من أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية، وعمل التجهيزات الفنية لها ثم إرسالها إلى فلسطين بعد ذلك.

وباستثناء طائرات النقل التي كانت تقوم بتهريب الأسلحة من الخارج إلى داخل الأراضي الفلسطينية التي كانت تسيطر عليها القوات اليهودية، وطائرات النورسمان التي وصلت إلى فلسطين قبل 15 مايو 1948 وطائرات الأوستر العشرين التي تم شراؤها من المخلفات البريطانية في فلسطين، فقد ظلت باقي الطائرات المشتراة من الخارج في مناطق تجميعها في أوروبا، انتظاراً لساعة الصفر عند انتهاء الانتداب.






مذكرة سرية




الأدميرال ر.هـ. هيلنكوتر




إلى الرئيس هاري ترمان




(12 أبريل 1948)




وكالة المخابرات المركزية
واشنطن 25 د.س
12 أبريل 1948

مذكرة إلى: الرئيس،
وزير الخارجية،
وزير الدفاع،
الموضوع: عمليات النقل الجوي السرية في أوروبا.

تتزايد عمليات النقل السرية للذخائر بواسطة الطائرات إلى مناطق أجنبية شديدة الحساسية، مثل شمال إيطاليا وفلسطين، كما أن الطائرات التي تعود ملكيتها للولايات المتحدة والطواقم الأمريكية، تشارك بشكل مباشر في هذه النشاطات، ويبدو أنه لا تتم ممارسة أية ضوابط أمريكية فعالة خارج الولايات المتحدة لمنع هذه العمليات.

تشتمل أمثلة العمليات السرية على ما يلي:
(أ) هبطت طائرة نقل من طراز C-46 تعود ملكيتها لشركة طيران أمريكية غير ُمجَدوَلَة في جنيف يوم 11 آذار (مارس)، حيث لوحظ أن محتوياتها تشتمل على أسلحة صغيرة، ثم رحلت الطائرة في اليوم ذاته متوجهة إلى روما، إلا أنه تم الإبلاغ أنها وُجدت فارغة تماماً وقد تركها طاقمها في أحد المطارات بالقرب من "بيروجيا" في إيطاليا. وكانت وزارة الخارجية قد رخصت لتلك الطائرة بالطيران إلى إيطاليا، حيث زُعِمَ أنها حُولت لاستخدام الركاب المدنيين.

(ب) هبطت طائرة نقل أمريكية من طراز C-54 مجهزة بأربعة محركات، في مطار براغ يوم 31 شهر آذار (مارس)، وقامت الشرطة السرية على الفور بتطويق الطائرة وحملتها بعدد من الصناديق الثقيلة جداً، وأقلعت الطائرة دون حصولها على الترخيص المطلوب، وقام كبير ضباط الشرطة السرية بفرض سلطانه على مسؤولي المطار التشيكي، وأبلغهم أن رحلة الطائرة كانت عملية حكومية، وعندما عادت الطائرة إلى براغ في اليوم التالي حاول الطاقم الأمريكي تجنب التحقيق إلا أنه في النهاية اعترف بأنه نقل شحنة من المعدات والأدوات الطبية إلى إحدى القرى الصغيرة في فلسطين، وعلاوة على ذلك، فقد أكد الطاقم أن مالك الطائرة لم يكن يعلم بالعملية.
galaa.gif طلبت شركة الطيران التشيكية CSA من مكتب الحاكم العسكري الأمريكي في ألمانيا في أوائل شهر آذار (مارس) ترخيص لتشغيل رحلتين جويتين أسبوعياً لمدة ستة أسابيع كاملة إلى إيطاليا ـ عن طريق "ميونخ" و"انسبروك" ـ من أجل نقل الخشب المقطوع، وكانت الطائرة ستهبط في مطار يقع على الساحل الإيطالي بين جنوا والحدود الفرنسية. (لا يوجد في هذا المطار أي مسؤول عن الجمارك الإيطالية، كما أن الموقع يسمح نقل حمولة الطائرات إلى السفن ليتم شحنها بحراً). وعلى الرغم من أنه يبدو أن أي من تلك الرحلات الجوية لم تتم طبقاً لخطوط السير المذكورة آنفاً، فهنالك داع للاعتقاد أن عمليات عديدة قد نُفذت في شمال إيطاليا بصورة سرية. (اُنظر الملحق لمزيد من المعلومات حول الأمثلة السابقة).
ومن الواضح أن النشاطات الإضافية غير المسؤولة للطائرات التي تعود ملكيتها للقطاع الأمريكي الخاص والخطوط الجوية الأمريكية غير المجدولة (التى تقوم برحلات غير منتظمة) يمكن أن يكون لها الآثار السلبية التالية على الأمن القومي الأمريكي:
(أ) زيادة نشاط الشيوعيين الإيطاليين، وخاصة في شمال إيطاليا.
(ب) إحراج الولايات المتحدة بسبب تهريب الأسلحة لأي من الجانبين في ظل أعمال القتال الجارية في فلسطين.
galaa.gif اعتراضات الحكومات الصديقة.
(د) تعزيز أهداف الدول المعادية بنشاطات ليس للولايات المتحدة سيطرة عليها.

ر.هـ. هيلنكوتر
أسامة الكباريتي
خامساً: تطور الموقف البريطاني


1. الموقف البريطاني تجاه جهود الأمم المتحدة

عندما قررت الحكومة البريطانية عرض القضية الفلسطينية على الأمم المتحدة لم تكن تنوي حينئذ التخلي عن الانتداب، فقد كان كل ما تسعى إليه هو أن تزكي الأمم المتحدة حلاُ ما للمشكلة، وقد انقسمت الحكومة البريطانية حيال معالجة القضية الفلسطينية بشكل غير مسبوق، ففريق كان يرى البقاء في فلسطين حفاظاً على المصالح البريطانية في المنطقة، وفريق آخر يحبذ الانسحاب منها بعد أن تزايدت أعباء الحكم البريطاني فيها ومُنيت بالفشل كل الجهود التي بُذلت للتوصل إلى حل يرتضيه الطرفـان فيها، وفريق ثالث يدعو إلى التدرج في الانسحاب منها.

وفي بحث الحكومة البريطانية عن بديل حاولت إشراك الأمريكيين في إيجاد حل للمشكلة على أمل أن يستطيعوا إقناع الصهاينة بقبول الحل الوسط، إلا أنهم كانوا كمن يستجير من الرمضاء بالنار، فآثرت الانفصال عنهم حينما انحازوا بشكل كامل للتوجهات الصهيونية واتهموا بريطانيا بعدم الإنسانية لرفضها تحمل مسؤولية حل مشكلة اليهود الأوروبيين بعد الحرب، ولم يكن سعيها للتوصل إلى حل بالاتصال المباشر بين العرب واليهود أقل فشلاً. وعندما يئست الحكومة البريطانية من التوصل إلى حل للمشكلة الفلسطينية يرتضيه الطرفان قررت إحالتها إلى المنظمة الدولية دون أن تهدف إلى التخلي عن الانتداب، إلا أن تزايد الإرهاب الصهيوني أرغمها في نهاية المطاف على اتخاذ قرار الانسحاب.

وعندما اجتمعت اللجنة الخاصة التي شكلتها الجمعية العامة للأمم المتحدة لدراسة تقرير لجنة التحقيق التي انبثقت منها والتوصيات والمشروعات التي تضمنها أعلن المندوب البريطاني "كرتس جونز" يوم 26 سبتمبر 1947 أمام اللجنة أن بلاده توافق على توصيات لجنة التحقيق وتطرح المبادئ الثلاثة التالية بوجه خاص: إنهاء الانتداب على فلسطين، منحها استقلالها التام، وأن تقوم الأمم المتحدة بالإجراءات الدولية اللازمة لمعالجة مشكلة اللاجئين الأوروبيين اليهود وغير اليهود، وأضاف أن بريطانيا لا ترغب في قيام قواتها بتنفيذ أي قرار يتعلق بفلسطين لا يرتضيه العرب واليهود.

وعندما شُكلت اللجنة الخماسية بعد التصويت على قرار التقسيم الذي رآه وزير الخارجية البريطانية مجحفاً بالعرب، رفضت الحكومة البريطانية أن تقوم تلك اللجنة بأي إجراء لنقل السلطة إليها قبل انتهاء ا لانتداب، كما أفهم مندوبها في الأمم المتحدة تلك اللجنة أنه يستحيل على حكومة الانتداب أن توفر ميناء لتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين قبل خروج آخر القوات البريطانية منها، فقد كانت وزارة الخارجية البريطانية في ذلك الوقت ترى أن كل مشروعاتها في الشرق الأوسط ستنهار لو لعبت بريطانيا أي دور في قيام الدولة اليهودية التي قررتها الأمم المتحدة، ومن هنا جاء قرارها بأن يكون الانسحاب كاملاً حتى يتبين للعرب أنها لا تشارك بأية حل في تقسيم فلسطين.

وقد وافق مجلس الوزراء على هذه السياسة في 4 ديسمبر 1947 وقرر إنهاء الحكم البريطاني في 15 مايو من العام التالي، على أن تحكم بريطانيا فلسطين حكماً اسمياً خلال الشهور الخمسة التالية، مع استخدام قواتها أساساً في الدفاع عن النفس وحفظ النظام في المناطق التي لم تنسحب منها.

وعندما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف أبريل 1948 إشراك كل من بريطانيا وفرنسا معها في تبني مشروع لوضع فلسطين تحت وصاية مؤقتة من الدول الثلاث لحفظ السلام فيها حتى يتم التوصل إلى تسوية لمشكلاتها رفضت فرنسا تبني مشروع الوصاية وإن أبدت استعدادها للموافقة عليه من حيث المبدأ بعد أن تقدم به الوفد الأمريكي. أما الحكومة البريطانية فلم ترحب بالمقترحات الأمريكية ، لأنها رأت أن الأمل ضعيف في التوصل إلى هدنة فعالة، وأنه من التعسف أن تُطالب بريطانيا في هذه المرحلة المتأخرة بالعدول عن الانسحاب من فلسطيـن وأن تضطلع بالتزامات جديدة تحتم على قواتها مواجهة موقف نتج عن تدخل الآخرين.

وأوضح وزير الخارجية البريطانية للأمريكيين أن الموقف المضطرب في فلسطين نتج عن عدم اكتراث الجمعية العامة بوجهة النظر البريطانية – التي كانت ترى ضرورة التوصل إلى حل يرتضيه طرفا النزاع – وأخذها بخطة منحازة إلى أحد الطرفين المتنازعين، ومن ثم فإن الحكومة البريطانية لا توافق على فرض أي تسوية بالقوة، وأن قيام القوات البريطانية والأمريكية بأعمال حربية ضد القوات العربية أو اعتراض تحقيق الأماني العربية سيكون له أثر سيئ على علاقات الدولتين بالدول العربية مما سيفسح المجال للتغلغل الشيوعي في المنطقة.

ولما كانت الحكومة البريطانية قد قررت عدم التراجع عن الانسحاب من فلسطين، فقد حرصت على عدم التقدم بأية مقترحات جديدة حتى لا يؤدي ذلك إلى الضغط عليها من أجل إطالة أمد بقاء قواتها في هذا البلد، إلا أنها ساندت فكرة الهدنة التي قررها مجلس الأمن، وزكت إقامة حكومة مؤقتة على أساس أن مشروع الوصاية الأمريكي لا يحسم الحل النهائي وأنه دعا إلى إيجاد إطار يمكن العرب واليهود من التفاوض بعد قيام هدنة حقيقية.

وعلى ذلك باشرت الحكومة البريطانية ضغطاً شديداً على الحكومات العربية لقبول الهدنة وعدم التدخل في فلسطين قبل 15 مايو بالرغم من العمليات الهجومية اليهودية في ذلك الوقت، وكان لدى ا لحكومة البريطانية من الأسباب ما يدعوها إلى الاعتقاد أن العرب سيقبلون مناقشة مقترحات الهدنة الأمريكية في ما لو قُدمت لهم رسمياً، إلا أن الإدارة الأمريكية لم تتقدم بتلك المقترحات على الإطلاق.

[/font]

2. الموقف البريطاني من تدخل الجيوش العربية

فور صدور قرار التقسيم صمَّمت الحكومة البريطانية على الانسحاب من فلسطين كليةً، وعدم تحمل أية التزامات قِبل الأمم المتحدة، فضلاً عن الامتناع عن المشاركة في أية إجراءات من شأنها فرض التقسيم على العرب حتى لا تضر سياستها الدفاعية الجديدة في الشرق الأوسط والتى تعتمد على تعاون دول المنطقة معها. فقد كان وزير الخارجية البريطاني يفاوض الحكومتين المصرية والعراقية طيلة عام 1947 من أجل الحفاظ على التسهيلات البريطانية وحماية قناة السويس وامتيازات النِّفط، وتكوين كتلة دفاعية تشمل مصر والمشرق العربي بأسره، وعلى ذلك قرَّر مجلس الوزراء في 4 ديسمبر 1947 إنهاء الانتداب البريطاني في 15 مايو من العام التالي.

ويوضح الحوار الذي جرى بين توفيق أبو الهدى باشا رئيس الوزراء الأردني ووزير الخارجية البريطاني ـ الذي سبقت الإشارة إليه ـ أن الحكومة البريطانية حاولت متأخراً أن تتخذ موقفاً محايداً بين العرب واليهود، وإن كانت لا تمانع من تنفيذ التقسيم على ألا تتحمل مسؤوليته أمام الرأي العام العربي، وأنها اختارت الملك عبدالله ليقوم باحتلال القسم العربي من فلسطين سواء بالاتفاق مع اليهود إن أمكن أو بمساعدة الدول العربية الأخرى إذا فشل ذلك الاتفاق.

وبهذه السياسة فإن بريطانيا كانت ترضى الولايات المتحدة الأمريكية ـ التى تمارس الضغط عليها بشأن قيام الدولة اليهودية في فلسطين ـ من ناحية، وتحد من أي احتمال لسيطرة القوات اليهودية على كل أو أغلب فلسطين من ناحية أخرى، وهو ما كانت تنذر به موازين القوى بين طرفي الصراع في ذلك الوقت، الأمر الذي لو سمحت به فإنه كان سيقضى على آمال الملك عبدالله في ضم القسم العربي من فلسطين إلى مملكته ويزيد موقفها سوءً في المنطقة.

ومن ناحية أخرى كان وزير الخارجية البريطانية يرى أن اشتعال القتال بين الجيوش العربية والقوات اليهودية سيدفع العرب إلى اللجوء لبريطانيا طلباً للعون والسلاح، فضلاً عن كونه سيحرج الولايات المتحدة الأمريكية، التى تحاول إزاحتها من المنطقة، فمعاونة الأخيرة لليهود في قتالهم ضد الجيوش العربية، سيجعلها تدخل في صدام مباشر مع الدول العربية في المنطقة التى تحاول إزاحة بريطانيا منها، مما يوقف أو يحد على الأقل من التغلغل الأمريكي في المنطقة، وهو ما كان يثير فعلاً قلق وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين في ذلك الوقت.

ومن هنا جاء عدم اعتراض الحكومة البريطانية عل تدخل الجيوش العربية في فلسطين بشرط ألا تتجاوز تلك الجيوش القسم العربي فيها، وهو الأمر الذي كان يتمشى مع المصالح البريطانية في ذلك الوقت.


3. الموقف البريطاني من تطور الأحداث في فلسطين

انعكست السياسة البريطانية السابقة على الموقف الرسمي للحكومة البريطانية من أحداث الحرب غير المعلنة التى اندلعت بين العرب واليهود فور صدور قرار التقاسيم، فقد حاولت الحكومة البريطانية أن تتخذ موقفاً محايداً دون أن تتدخل إلا لحماية قواتها ومنشآتها والمرافق العامة للبلاد.

وفي تقريرها الذي قدمته إلى اللجنة التنفيذية للأمم المتحدة في 21 يناير 1948 عن مجريات الأمور في فلسطين ألقت الحكومة البريطانية بمسؤولية الاضطراب والفوضى التى نشأت في ذلك البلد على عاتق اليهود وقسوة العمليات الانتقامية التى تقوم بها المنظمات الصهيونية، وأنَّ التكوين اليهودي المحض لقوات الهجناه يحول دون الاعتراف بها كقوة دفاع شرعية، ولمَّحت إلى احتمال موافقة الوكالة اليهودية على النشاطات الإرهابية لمنظمتي "الأرجون" و"شتيرن" بينما أشادت بموقف الهيئة العربية العليا التى تتعاون مع السلطات البريطانية لكبح جماح المتطرفين في الشارع العربي.

وأشار التقرير البريطاني إلى "أن العرب يظهرون فقط عدم استعدادهم للخضوع لقرار الأمم المتحدة الخاص بالتقسيم، في الوقت الذي يحاول فيه اليهود استغلال المناقشات السياسية في الأمم المتحدة عن طريق أعمال إرهاب وابتزاز".

وحاولت حكومة الانتداب فرض حصار على سواحل فلسطين وحدودها لمنع تهريب الأسلحة وتسلُّل المهاجرين والمتطوعين إلى داخل البلاد، إلا أن استمرار انسحاب القوات البريطانية جعل جهودها في هذا الشأن قليلة الفاعلية، خاصة في الشهور الثلاثة الأخيرة للانتداب.

ومن ثمَّ أرسل وزير الخارجية البريطانية منشوراً دورياً إلى البلاد العربية يلفت فيه نظر حكوماتها إلى ضرورة عدم تسببها في أية تعقيدات داخل فلسطين في الوقت الذي لا تزال فيه السلطات البريطانية مسؤولة عن الوضع في هذا البلد ويطالبها بكبح جماح المتطوعين الذين يحاولون شق طريقهم إلى فلسطين، وكذلك بالنسبة للتنظيمات والأشخاص الذين يحاولون إثارة الاضطراب فيها من الخارج، ويعني بذلك سورية ولبنان بصفة خاصة.

وفي منشور دوري آخر أوضحت الحكومة البريطانية للدول العربية أنها لن تسمح لقواتها أو إدارتها ـ خلال الشهور المتبقية على الانسحاب ـ أن تُسخر لفرض تسوية لا يقبلها كلٌّ من العرب واليهود، وبالتالي فإن لها الحق في مقابل ذلك أن تطلب من الدول العربية ألا تقوم بما يؤدي إلى عرقلة انسحابها المنظم أو يرغمها على اتخاذ إجراءات لقمع الاضطرابات في فلسطين.

وبالنسبة لتسلل المتطوعين العرب عَبر حدود الدول العربية المجاورة إلى فلسطين فقد تأثر الموقف البريطاني بثلاثة عوامل هي:

أ. أثر التسلل على القانون والنظام خلال الشهور المتبقية للانتداب.

ب. علاقة الحكومة البريطانية بالعالم العربي وانعكاسها على سياسته الدفاعية الجديدة.

ج. الأهداف الاستراتيجية البريطانية تجاه فلسطين.

وعلى ذلك كان المندوب السامي في فلسطين يرى أنه يستحيل على حكومته أن تبقى ساكنة إزاء

أعمال التسلل العربية، وأنه قد لا يمكنه تجنب اتخاذ إجراءات أشد تشدداً تجاه ذلك التسلل، إلا أنه من

ناحية أخرى كان لا يريد اتخاذ موقف معادٍ للملك عبدالله[1]. إلا أنه مع قرب نهاية الانتداب قلَّ تشدد الحكومة البريطانية تجاه تسلل المتطوعين العرب، فقد أرسلت تلك الحكومة تعليماتها إلى قائد القوات البريطانية في فلسطين ومندوبها السامي فيها بعدم مهاجمة أي قوات تَعبُر حدود فلسطين إلا إذا هاجمت تلك القوات المواقع أو المواصلات البريطانية أو المواقع والمستوطنات اليهودية، ولفتت الحكومة البريطانية نظرهما إلى ما يمكن أن يؤديه أي إجراء يتخذانه إلى نتائج سياسية خطيرة في البلدان المجاورة.

وحاولت القوات البريطانية خلال مراحل الانسحاب المختلفة حماية نفسها ومنشآتها وخطوط مواصلاتها. وللتخفيف من مسؤوليات الأمن بدأت القوات والشرطة البريطانية إخلاء قواتها من مناطق نابلس وتل أبيب ـ بتاح تكفا إبتداءاً من 15 ديسمبر 1948، إلا أنها لم تتردَّد في ردع أعمال القتال العربية أو اليهودية في المناطق التى كانت لا تزال تسيطر عليها، وفي مرات عديدة لم يتردد البريطانيون في إطلاق النار على القوات العربية التى تهاجم المستعمرات اليهودية، وفي مقابل ذلك كانت تطلب من القوات اليهودية وقف أعمالها الانتقامية، إلا أنها كانت تسمح لأي من الطرفين بالقتال للسيطرة على المناطق المخصَّصة له في قرار التقسيم كما حدث في حيفا بالنسبة لليهود والمستعمرات اليهودية قرب القدس بالنسبة للعرب.

وقد اضطر العرب واليهود، على السواء، أن يأخذوا في اعتبارهم وجود القوات البريطانية وردود فعلها حيال أعمال قتالهم مما عقَّد خططهم وحدَّ من عملياتهم حتى آخر مارس 1948، عندما بدأت القوات اليهودية هجومها العام، كما أدى وجود هذه القوات وتحذيرات الحكومة البريطانية إلى تأخر تدخل الجيوش العربية على نحو ما سبقت الإشارة إليه.

أما موقف الشرطة البريطانية في فلسطين فقد كان مختلفاً، فإزاء تصاعد الأعمال الإرهابية لمنظمتي "الأرجون" و"شيترن" ضد البريطانيين خلال السنوات الثلاث الأخيرة للانتداب، ومقتل 77 شرطياً بريطانياً في اشتباكات كان معظمها مع هاتين المنظمتين، وكبح جماح الحكومة البريطانية لردود فعل قواتها ضد اليهود في فلسطين فقد استقال عددٌ كبيرٌ من رجال الشرطة البريطانيين القدامى في هذا البلد. وساد أوساط الشرطة البريطانية عداء صريح للمنظمات العسكرية والإرهابية على حد سواء.

وفي أجواء الفوضى التى أعقبت تآكل أجهزة حكومة الانتداب بدأ بعض رجال الشرطة والعسكريون البريطانيون يستغلون الموقف لحسابهم الخاص، والقيام بعمليات بيع للأسلحة والعتاد العسكري إلى أي طرف قادر على دفع الثمن المطلوب.


[font="Arial"]يتبع .........

أسامة الكباريتي
تطور الموقف العربي بعد قرار التقسيم



[/size]أولاً: الموقف العربي تجاه المشروع الصهيوني عشية قرار التقسيم

إزاء تطور الموقف في الأمم المتحدة في خريف عام 1947 وما بدا من اتجاه اللجنة الخاصة بفلسطين نحو التقسيم، دعا الأمين العام لجامعة الدول العربية لعقد مؤتمر لمجلس الجامعة على مستوى رؤساء الحكومات في عالية بلبنان في الفترة من 7 إلى 10 أكتوبر 1947 لبحث الموقف واتخاذ القرارات اللازمة لمواجهته.

وعندما انعقد المؤتمر حاول الحاج أمين الحسيني المشاركة في أعماله، إلا أن أعضاء مجلس الجامعة اختلفوا حول هذه الخطوة التى رفضها كلٍّ من شرق الأردن والعراق، كما اختلفوا حول أسلوب معالجة المشكلة، فبينما كانت مصر وسورية والمملكة العربية السعودية تؤيد التمثيل الفلسطيني المستقل بزعامة مفتي فلسطين، وتؤيدان طلب الأخير بتشكيل جيش فلسطيني تحت قيادته، كانت كل من العراق وشرق الأردن تعارضان فكرة التمثيل المستقل وتطالبان باستخدام القوات العربية النظامية لمواجهة المنظمات الصهيونية.

وقد انبثق عن المؤتمر لجنة عسكرية (برئاسة اللواء إسماعيل صفوت من العراق وعضوية ممثل من كل دولة عربية) كُلفت بدراسة الجوانب العسكرية للموقف وتقديم توصياتها إلى مجلس الجامعة، وفي التاسع من أكتوبر قدَّمت تلك اللجنةإلى المؤتمر تقريرها الذي أوضحت فيه أن المنظمات اليهودية في فلسطين تضم ما لا يقل عن 60 ألف فرد يمكن تعبئة ما بين 30 و50% منهم على الفور، وأن من بين هذه القوات عدداً من الضباط المجربين الذي خاضوا غمار الحرب العالمية الثانية، كما يتوفر لهذه القوات أسلحة جديدة وعتاد ومعامل للذخيرة، فضلاً عن القدرة على جلب مزيد من الأسلحة، بعكس عرب فلسطين الذين يشكون من ضآلة ما لديهم من السلاح وعدم صلاحية أكثره ونُدرة عتاده، بالإضافة إلى افتقارهم إلى المدربين.

وأوصت اللجنة العسكرية في تقريرها بالإجراءات التالية:

1. المسارعة إلى تسليح عرب فلسطين وتزويدهم بما لا يقل عن 10 آلاف بندقية مع تجنيد المتطوعين وتسليحهم فوراً.

2. وضع ما لا يقل عن مليون دينار تحت تصرف اللجنة العسكرية كدفعة أولى لتمويل احتياجات القوات الفلسطينية.

3. تشكيل قيادة عربية.

4. حشد القوات العربية النظامية على مقربة من الحدود الفلسطينية.

5. حشد عدد كبير من الطائرات العربية في المطارات القريبة من ساحل فلسطين لمراقبة المواصلات البحرية ومنع وصول الإمدادات إلى اليهود. وعند مناقشة تقرير اللجنة العسكرية حذَّر محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الوفد المصري في المؤتمر من التورط في أي مغامرة حربية، وفضل تشجيع المتطوعين وإمدادهم بالسلاح، كما أعلن أن مصر غير متحمسة لفكرة الحرب النظامية، وإن كانت توافق على حشد القوات العربية ـ كتوصية اللجنة العسكرية ـ إلا أنها غير مستعدة للمُضيِّ أكثر من ذلك[1].

ولما كان التقسيم لم يتقرر بعد فقد كان كُل ما انتهى إليه المؤتمر هو:

1. اتخاذ احتياطات عسكرية على حدود فلسطين بحشد القوات العربية قرب هذه الحدود.

2. اعتبار قرارات بلودان واجبة التنفيذ في حالة تطبيق أي حل من شأنه أن يمس عروبة واستقلال فلسطين.

3. دعم عرب فلسطين بالمساعدات المادية والمعنوية لتمكينهم من الدفاع عن كيانهم، مع رصد الأموال اللازمة لذلك.

وجاءت القرارات السابقة تعبيراً عن الرؤية العسكرية التى استقر عليها مؤتمر "عاليه" لمواجهة التهديدات اليهودية، وقد تلخصت تلك الرؤية فيما يلي:

1. إقامة لجان في كل مدينة أو قرية تتولى مسؤولية الدفاع عنها.

2. مرابطة الجيوش العربية قُرب الحدود الفلسطينية لتقديم المساعدة إلى المجاهدين الفلسطينيين.

وعلى ذلك اقتصر دور اللجنة العسكرية على تزويد المناطق الفلسطينية الأكثر مواجهة لليهود بالسلاح، وجمع أكبر عدد من المتطوعين العرب من فلسطين وخارجها والعمل على تدريبهم وتسليحهم.

وبدأت اللجنة العسكرية تباشر مهامها بعد أن اتخذت دمشق مقراً رئيسياً لها، وشرعت في إعداد الوسائل وتجهيز المناضلين والمتطوعين من مختلف البلاد العربية، واستخدمت في ذلك معسكر تدريب واسع في منطقة "قطنا" قرب دمشق قام عليه مدربون من الضباط السوريين كما يسرت الدول العربية الأخرى للمتطوعين سُبل التدريب والتجهيز.

ومن ناحيتها وافقت الهيئة العربية العليا لفلسطين على قرارات مؤتمر "عاليه" لأنها كانت تتمشى مع وجهة نظرها ولأنها تزودها بالدعم المادي والعسكري دون أن تفقدها السيطرة على توجيه الصراع في فلسطين، ولذلك بدأت تعمل على إعداد المنظمات العسكرية وشراء الأسلحة وتزويد قواتها بها، ولم تلبث أن عينت عبدالقادر الحسيني ـ قائد أحد الأفواج التى جهزتها اللجنة العسكرية ـ قائداً عاماً لقوات الجهاد المقدس التى أنشأتها.

وبالرغم من كل الاستعدادات والمؤتمرات العربية السابقة فلم تصدق الحكومات العربية أن بريطانيا ستنسحب حقاً من فلسطين إلى أن صدر قرار التقسيم وأعلنت بريطانيا إصرارها على الانسحاب، وهو ما يؤكد أنَّ أياً من تلك الحكومات لم تقدر جيداً تطورات الموقف في فلسطين لعلمها بأهمية هذا البلد للسياسة الدفاعية البريطانية في الشرق الأوسط، كما يشير إلى أن هذه الحكومات لم تر بشكل واضح المتغيرات التى طرأت على موازين القوى العالمية وعلاقاتها خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وهو ما تنبهت إليه القيادة الصهيونية مبكراً، ممَّا دعاها إلى تبديل الجياد في مؤتمر "بليتمور" على نحو ما سلف، وهو ما يؤكده الدكتور محمد حسين هيكل في مذكراته عند تعليله للتراخي العربي في مواجهة التطورات الخطيرة للمشروع الصهيوني في فلسطين بقوله:

"لعل هذه الدول لم تقدر مدى ما يجول بخاطر الصهيونيين من مطامع، أو أنها على الأقل لم تكن تقدر أن هذه المطامع ستلقى صدىً قوياً في المجامع الدولية، لهذا كانت تبحث الأمر على هون، مقتنعة دائماً بأن إنجلترا لن تدع اليهود يصبحون أصحاب الكلمة في فلسطين اقتناعاً منهم بأن إنجلترا تحرص على أن تكون فلسطين نقطة ارتكازها الأساسية في الشرق الأوسط كله".

ثانياً: تطور الموقف العربي تجاه المشروع الصهيوني بعد قرار التقسيم

كانت موافقة الأمم المتحدة على قرار التقسيم بمثابة صدمة لكل البلدان العربية التى توحدت ردود فعلها الشعبية وتباينت مواقفها الرسمية، فعلى الصعيد الشعبي اشتعل الشارع العربي واجتاحت المدن العربية المظاهرات التى تطالب بالتطوع والتزود بالسلاح لإنقاذ فلسطين وقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول التى أيدت مشروع التقسيم والانسحاب من الأمم المتحدة وتوحيد سياسة الدول العربية تجاه القضية الفلسطينية، فقد استفز قرار التقسيم المشاعر القومية والدينية للشعوب العربية، كما حرك فيها الإحساس بالخطر مما يُستهدف بفلسطين وشعبها العربي الذي يُطرد بالسلاح من أرضه، ووجدت تلك الشعوب في رفضها لقرار التقسيم والدعوة للكفاح المسلح ضد قيام الدولة اليهودية خطوة على طريق مجابهتها للاستعمار العالمي ودافعاً للحركة العربية ضده.

أما على الصعيد العربي الرسمي فقد كان الخلاف واضحاً منذ البداية، نتيجة لأطماع بعض الحكام العرب من ناحية واختلاف السياسة العربية الإقليمية للبعض الآخر من ناحية أخرى. فقد رأى الملك عبدالله ـ الذي كان يسعى منذ سنين لمد نفوذه ومملكته غربي نهر الأردن ـ في قرار التقسيم فرصة لتحقيق طموحاته بمساعدة بريطانيا، فاقترح على دول الجامعة العربية في اليوم التالي لصدور ذلك القرار أن تمول عملية استيلاء جيشه على فلسطين، خاصة وأن مملكته لم تكن عضواً في الأمم المتحدة وبالتالي كان بإمكانها أن تتحدى قرار التقسيم، إلا أن هذا الاقتراح رُفِض لأسباب تتعلق باختلافات السياسة العربية الإقليمية. حيث كان الملك عبدالله يهدف إلى ضم القسم العربي في فلسطين كخطوة أولى على طريق مشروع سورية الكبرى تحت زعامته، في الوقت الذي كان فيه العراق ـ الذي يحكمه الهاشميون أيضاً ـ يسعى إلى تحقيق مشروع الهلال الخصيب، وإن كان لا يعترض كثيراً على مخططات الملك عبدالله، بينما كانت مصر والمملكة العربية السعودية وسورية تتصدى للمخططات الهاشمية الرامية إلى ابتلاع كل من سورية وفلسطين مما احبط هذه المخططات.

ومن ناحية أخرى أدى إصرار الحكومة البريطانية على الانسحاب من فلسطين قبل يوم 15 مايو 1948 إلى وضع الأنظمة العربية الحاكمة في موقف دقيق نتيجة لعدم استعدادها لمثل هذا اليوم بالرغم من كل تصريحاتها التى كانت تنذر اليهود بالويل والثبور وعظائم الأمور، وفي ظل هذا العجز العربي والمخاطر التى تهدد الفلسطينيين وأملاكهم، دعا عبدالرحمن عزام باشا الأمين العام للجامعة العربية إلى اجتماع مجلس الجامعة في القاهرة لبحث المشكلة.

وعندما اجتمع ذلك المجلس يوم 5 ديسمبر 1947 شرح الأمين العام المخاطر التى ستهدد عرب فلسطين نتيجة انسحاب القوات البريطانية على تلك الصورة قبل أن تتخذ الدول العربية التدابير اللازمة لحماية السكان العرب، وبعد مناقشة الموضوع أصدر مجلس الجامعة قراراً سرياً بتفويض الأمين العام أن يطلب من الحكومة البريطانية باسم الجامعة العربية أن تمد انتدابها على فلسطين عاماً آخر، إلا أن الحكومة البريطانية اعتذرت بأن قرار انسحابها من فلسطين لا رجعة فيه.

وعلى ذلك عقد مجلس الجامعة العربية اجتماعاً في القاهرة على مستوى رؤساء الحكومات خلال الفترة من 12 إلى 18 ديسمبر لبحث الموقف والتطورات المنتظرة، إلا أنه نتيجة للأطماع والشكوك المتبادلة فقد عجز المؤتمرون عن اتخاذ قرارات فعالة لمواجهة المشروع الصهيوني وتهديداته التى أصبحت على الأبواب.

فبينما أصرَّ العراق على ضرورة حشد الجيوش العربية حول فلسطين مع تسليح الفلسطينيين والتدخل بالمتطوعين تنفيذاً لقرارات مؤتمر "عاليه"، رأى رئيس الوزراء الأردني ضرورة التدخل بالجيوش العربية النظامية، في الوقت الذي عارضت فيه كلٍّ من مصر والمملكة العربية السعودية والهيئة العربية العليا لفلسطين الزج بالجيوش العربية إكتفاءاً بالمجاهدين والمتطوعين، خوفاً من أطماع الملك عبدالله في فلسطين، بالإضافة إلى الأسباب الخاصة بمصر، التى رأى رئيس وزرائها عدم الزج بجيشها في حرب بينما تقف القوات البريطانية خلف ظهره في منطقة القناة.

وبعد نقاش طويل استقر رأي رؤساء الحكومات العربية على "ضرورة العمل الحثيث لإحباط مشروع تقسيم فلسطين"، أما كيف سيتم ذلك؟ فقد رأوا الإجابة عليه في مقررات مؤتمر "عاليه"، ومن ثم تراجع التدخل بالجيوش العربية مؤقتاً على مضض من المطالبين به، أما المعارضون له فيبدو أنهم عدوه حلا أخيراً إذا فشلت الحلول الأخرى، ففي الخامس من يناير1948، نشرت جريدة الأساس المصرية– لسان حال الحزب الحاكم – تصريحاً لأسعد داغر (من مكتب الصحافة بجامعة الدول العربية) جاء فيه: "إن الدول العربية أعلنت في مجلس الجامعة أن قواتها ستدخل فلسطين عقب جلاء القوات البريطانية وأن الاحتلال سيشمل فلسطين كلها".

ومع بداية عام 1948 تبلورت الأفكار العربية تجاه معالجة القضية الفلسطينية في ثلاثة اتجاهات واضحة هي:

1. حل القضية الفلسطينية باستخدام الكفاح المسلح غير الرسمي بالمجاهدين الفلسطينيين أساساً مع دعمهم بالمتطوعين العرب، وكان من أنصار هذا الاتجاه كل من مصر والمملكة العربية السعودية واليمن.

2. إقامة الدولة الفلسطينية بالقوة المسلحة، وكان من أنصار هذا الاتجاه كل من سورية ولبنان والأمين العام لجامعة الدول العربية، إلا أن بعض أنصار هذا الاتجاه كانوا يرون استخدام الجيوش العربية النظامية لفرض الدولة الفلسطينية مثل سورية ولبنان، والبعض الآخر يرى أن تقتصر القوة العسكرية على المجاهدين الفلسطينيين أساساً وبعض العناصر العربية النظامية حتى تبقى المسألة قضية داخلية لا تعطى الغير حق التدخل فيها.

3. قبول التقسيم وضم القسم العربي من فلسطين إلى شرق الأردن بالاحتلال العسكري، وكان من أنصار هذا لرأي كل من الأردن والعراق، إلا أن أصحاب هذا الرأي لم يجاهروا به[2].

ويبدو أن نجاح كتائب المجاهدين الفلسطينيين والمتطوعين العرب خلال الشهور الثلاثة الأولى من عام 1948 شجع الحكام العرب على عدم بحث تدخل الجيوش العربية في ذلك الوقت نظراً للمعارضة الشديدة لهذا الاتجاه من كل من مصر والمملكة العربية السعودية والهيئة العربية العليا لفلسطين صاحبة الشأن، إلا أنه مع تحول القوات اليهودية إلى الهجوم العام بعد تلقيها شحنات الأسلحة التى كانت تنتظرها، والهزائم التي بدأت تواجهها كتائب المجاهدين الفلسطينيين والمتطوعين العرب، واقتراب موعد نهاية الانتداب، عقد مجلس الجامعة العربية سلسلةً من الاجتماعات في القاهرة ابتداءاً من 10 أبريل ولمدة اثنتي عشر يوماً، عرض خلالها اللواء إسماعيل صفوت الموقف العسكري والهز
أسامة الكباريتي
هنا نجد لزاما أن نتوقف قليلا امام الدور المباشر والمؤثر للعمل المقاوم للمجاهدين الفلسطينيين والذي تلاحم بشكل فوري مع تدفقات المجاهدين من المتطوعين العرب الذين هبوا من مختلف البلدان بأعداد متفاوتة ..

وقد ذكر لي والدي رحمه الله أنه كان يلازمه مجاهد حجازي طوال العام 1947 وحتى مغادرة معظم سكان يافا قبيل انسحاب الانكليز منها أوائل أيار/مايو 1948 ..

وأن قواته التي كانت ترابط في منطقة تل الريش المتاخمة لحدود مستوطنة يهودية تلقت بعضا من الدعم في العتاد من جيش الإنقاذ العربي، وإن كانت الأسلحة المستلمة قديمة وكثير منها قد علاه الصدأ .. وأن كثير من الذخائر المستلمة لم تكن مناسبة لتلك الأسلحة والبعض منها كان تالفا ..

وخير مثال لإيجابية الدعم العسكري المباشر للمتطوعين العرب هو ما أورده الدكتور حسان حتحوت رحمه الله في مذكراته عن الفترة التي أمضاها متطوعا في الهلال الأحمر المصري الذي كان له دور بارز ومؤثر في تقديم الخدمات الطبية الميدانية في مختلف مواقع القتال بين المجاهدين الفلسطينيين وعصابات اليهود التي كانت تهاجم كافة المدن والقرى بشكل منتظم ..

وقد أمضى د. حتحوت فترة عصيبة في مدينة اللد القريبة من يافا حيث تعرضت لعشرات الهجمات العنيفة من قوات الهاجاناة والأرجون تسفاي ليؤمي ..

وقد سرد د.حتحوت وصفا مؤثرا للخدمات التي كان يقدمها المشفى الذي كان يديره -رغم حداثة تخرجه-

وذكر في مذكراته الدور المباشر للنجدات التي كان يهِبّث خلالها فرسان بلدة الكرك الأردنية على خيولها لتقديم العون العسكري المباشر للمقاومين المدافعين عن المدينة وتأثير تلك النجدات على دحر قوات العصابات الصهيونية وكسر هجومها وتراجعها عن المدينة ..

وهنا يحضرني تدفق رجال كنانة العرب الأشاوس على جنوب ووسط فلسطين وسيطرتهم المطلقة على مساحات شاسعة من المناطق التي اجتاحوها بالتنسيق مع المجاهدين الفلسطينيين أولا ومع قوات الجيشين المصري والأردني بعد دخولهما إلى فلسطين بعد 15 أيار/مايو 1948 ..

وكان للضباط المصريين الذين قادوا عمليات المتطوعين البواسل الدور المبرز في تقديم نمطا غير طبيعي لما يمكن للشعوب أن تفعل عندما يجد الجد ..

الشهيد البطل أحمد عبد العزيز وقبره في بيت لحم القريبة من القدس ومافعله الجيش الصهيوني بشاهده يوم دخولهم بيت لحم خير مثال على القدرات الحقيقية للمجاهدين العرب .. وما يمكن لهم أن يصنعوه عندما تتاح لهم الظروف المناسبة ..






وقد عرضت قناة الجزيرة مؤخرا فيلما تسجيليا عن البطل أحمد عبد العزيز قائد الفدائيين في حرب فلسطين 48 ، تحت عنوان "الطريق إلى القدس"

الفيلم موجود على يوتيوب في 13 جزء

وهذا رابط الجزء الأول

http://www.youtube.com/watch?v=g3c_Pbq_wKU


أحمد عبد العزيز



قائد فرقة الكوماندوس المصري في حرب 1948

الرابط : فضاءات عربية

من اعداد : حسين حسنين - مصر


قبل الهدنة الأولى، وخلال أسابيع معدودة، كتائب الفدائيين (المتطوعين) المصريين، والقوات النظامية اللجيش المصري كانت :

- تطهر قضاء غزة من العصابات الصهيونية

- تسيطر على بئر السبع ومحيطها فتقطع خطوت اتصال شمال فلسطين بجنوبها.

- بعد معركة استمرت 13 يوما تمكنوا من السيطرة على القدس القديمة بالكامل.

- تحاصر القدس الغربية.

- صباح الخميس 4 يونيو 1948 وصلت القوات النظامية المصرية الى" بيت لحم " قادمة من " بيت جبرين " بعد انتصار ساحق على القوات اليهودية.

- القوات النظامية تصل إلى المجدل واسدود.

- عند تنفيذالهدنة كانت القوات المصرية تشطر فلسطين الى شطرين من جنوب القدس مباشرة الى الساحل بشمال أشدود.


· أين ذهبت كل هذه الانتصارات المذهلة ؟

· المذهل أن ما كان يحرره الفدائيون ويسلمونه للجيش الأردني، يقوم بإعادته ثانية لليهود !!

· بامر عسكري مباشر على جهاز اللاسلكي وبشهادة (حسن التهامي) .. قام الجيش الأردني بتسليم مدينتي اللد والرملة (قرب يافا) لليهود.


· هنا ياتي تطبيق اتفاقية (فيصل – وايزمن)..


· من الذي كان وراء اغتيال أحمد عبد العزيز.


ولد أحمد محمد عبد العزيز فى 29 يوليو عام 1907 بمدينة الخرطوم حيث كان والده الأميرالاى (عميد) محمد عبد العزيز قائد الكتيبة الثامنة مشاه فى مهمة عسكرية مصرية بالسودان.

قضى أحمد عبد العزيز مراحل تعليمه الأولى بالسودان وعاد مع أسرته الى القاهرة فى عام 1919 وهو فى المرحلة الثانوية . يذكر أنه شارك فى مظاهرات ثورة 1919 وعمره لم يتعد بعد الثانية عشره .

فى عام 1923 دخل أحمد عبد العزيز السجن بتهمة قتل أحد الضباط الإنجليز وأفرج عنه وتم إبعاده من القاهرة الى المنصورة . وعندما حصل على شهادة البكالوريا التحق بالمدرسة الحربية ، وتخرج منها ضابطا بسلاح الفرسان ، ثم التحق بسلاح الطيران .

بعد ذلك طلب إحالته إلى الاستيداع ليقوم بتشكيل فرقة من المتطوعين الفدائيين لإنقاذ فلسطين من أيدى اليهود . ومع فرقته من الفدائيين اقتحم العريش ومنها الى خان يونس التى وقع بها قتال ضار مع اليهود ، وفى هذه الواقعة رفض المسئولون المصريون إمداده بالأسلحة المتطورة ، ثم جاءت أحداث الأسلحة الفاسدة التى أثرت كثيرا على فرقته من الفدائيين .

عندما قررت الحكومة المصرية دخول حرب 1948 عارض أحمد عبد العزيزذلك القرار بشدة ، وشرح موقفه للقيادة المصرية بأن الحرب مع اليهود لا تتطلب سوى كتائب خاصة لأنها تقوم على أساس حرب عصابات ومن ثم فهى لا تتطلب جيشا نظاميا لأن الغلبة سوف تكون فى أيدي من ينفذ حرب العصابات على الأرض . وعلى الرغم من رفضه دخول الجيش المصرى النظامى الى ساحة حرب العصابات، قام أحمد عبد العزيز وفرقته من الفدائيين بعمليات تطهير لمدخل غزة لتأمين دخول القوات المصرية النظامية ، وقداستعان فى عمليات التطهير تلك بسلاح المدفعية الذى ساعده فى السيطرة على قطاع غزة والمسالك المؤدية إليها.

وقد واصل أحمد عبد العزيز زحفه وسيطرته على الأرض حتى مستعمرة " بيرون اسحاق " التى استولى عليها فى 15 مايو 1948. فى الوقت نفسه كانت الطائرات المصرية تقوم بضرب مواقع العصابات الصهيونية فى ( بيت حانون ) ، فى الوقت الذى كانت تتقدم فيه المشاه المصرية .

فى ليلة 18 مايو 1948 ذهب أحمد عبد العزيزالى قيادة القوات المصرية التى كانت ترابط فى غزة وطلب منهم الحصول على مدفعين فقط كى يقوم بالاستيلاء على بئر السبع الذى يعد موقعا إستراتيجيا هاما وعقدة المواصلات فى فلسطين والمفتاح الى النقب ، لكن القيادة المصرية رفضت تزويده بالمدافع بسبب نقص فى العتاد وربما لأسباب أخرى . ومع ذلك ذهب احمد عبد العزيز ورفاقه من الفدائيين الى بئر السبع معتمدا على عنصر المفاجأة، ولما وصل إلى بئر السبع أستقبله الأهالي هناك بحفاوة بالغة .

وفى هذا الخصوص يقول الصاغ صلاح سالم فى مجلة التحرير: كان القتال بيننا وبين الاعداء شديدا ، وكثيرا ما كانت قوافل اليهود تقع فى كمائن القوات المصرية. ( يذكر أن صلاح سالم أصبح فيما بعد من أعضاء مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952) .

فى نفس السياق قال اليوزباشى حسن التهامى (أصبح فيما بعد عضو قيادة ثورة 1952) : بعد أن عقد القائد أحمد عبد العزيز اجتماعا لوضع خطة السيطرة على بئر السبع واتفق على أن يتم البدء بالسيطرة على مستعمرة ( بيت ايشل ) وهى أقرب المستعمرات الى بئر السبع. وبالفعل تمت الإغارة على المستعمرة، وإستشهد فى تلك الإغارة أنور الصبحى . وبعد صراع دام ثلاثة أيام تمت السيطرة على المستعمرة ، لكن حدث ما لم يكن متوقعا ، فقد كان من المفترض أن يتم التنسيق بين أحمد عبد العزيز والقائد الأردنى "حكمت مهيار" ، لكن بعد معركة المستعمرة اتجه القائد حكمت مهيار وجنوده الى السلب والنهب وانتزاع الغنائم دون الاهتمام بتعقب العدو وتطهير أرض المعركة من ذيول وأثار العدو ، فى الوقت نفسه صدرت أوامرالقيادة الأردنية العليا لأحمد عبد العزيز بترك المستعمرة تحت تصرف حكمت مهيار (يذكرأن قيادة الأردن كانت مسئولة عن ذلك القطاع وكان أحمد عبد العزيز يخضع لأوامرها)، وتقدم أحمد عبد العزيز وجنوده للإقامة فى معسكر بمدرسة " صور باهر " . لكن فى مساء نفس اليوم صدرت أوامر القيادة العامة الأردنية إلى حكمت مهيار بالانسحاب من المستعمرة ، وهو ما أثار العديد من التساؤلات خاصة وأن ذلك أدى الى عودة اليهود الى المستعمرة ثانية وأحكموا قبضتهم عليها؟!!!!!!!! .

أما أحمد عبد العزيز فقد تقدم الى منطقة الخليل ومنها الى الأراضى المقدسة . وفى 29 مايو 1948 صرح أحمد عبد العزيز للصحفى محمد حسنين هيكل الذى كان يعمل لجريدة لإيجبسيان جازيت الإنجليزية بالقاهرة ، فقال : إننا الآن على أبواب القدس ، والجيش المصرى يدك حصون مستعمرتي " راماتن راحيل " و " تل بيوت " وسوف نقتحم الطريق الجنوبى الى القدس .

فى هذا الخصوص يقول حسن التهامى: " لقد نفذنا بقيادة أحمد عبد العزيز هجمات عنيفة على العصابات اليهودية و&#
أسامة الكباريتي


رصاصة صهيونية أصابت شاهد القبر بعد احتلال الضفة في العام 1967



المحتلون يحاصرون البطل أحمد عبد العزيز بعد 58 عاما من انتهاء الحرب


بيت لحم ـ مؤسسة فلسطين للثقافة
أدت أعمال استيطانية متواصلة في ضريح قبة راحيل الإسلامي، شمال بيت لحم، الذي حولته سلطات الاحتلال الإسرائيلية إلى كنيس يهودي، إلى محاصرة نصب تذكاري في المقبرة الإسلامية التابعة للضريح، يعود لقائد المتطوعين المصريين في حرب فلسطين عام 1948.
واحيط النصب الذي يخلد ذكرى الضابط الشهير أحمد عبد العزيز، بأسلاك شائكة بينما ارتفعت بجانبه الأسوار العالية وفتحات المراقبة التي يشهر منها الجنود أسلحتهم، حيث يشكل الكنيس اليهودي جيب استيطاني وسط محيط عربي.




الجدران والاسلاك الشائكة تحيط بنصب احمدعبدالعزيز

وتعمل الجرافات بداب لتوسيع الكنيس الذي لم تتوقف أعمال التوسع فيه منذ حزيران (يونيو) 1967، وتسعى سلطات الاحتلال إلى ضم المنطقة إلى حدود بلدية القدس الإسرائيلية ونزعها من حدود بلدية بيت لحم.
وحسب حارس المقبرة فان للإسرائيليين "ثأر قديم مع البطل أحمد عبد العزيز" يعود إلى تلك الحرب التي انهزمت فيها الجيوش العربية، وكان من نتائجها إقامة دولة إسرائيل وتشريد الشعب الفلسطيني.
أسامة الكباريتي
نكبة فلسطين الكبرى
1948




د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة


1. مجريات حرب فلسطين 1948

عند إعلان قرار تقسيم فلسطين عن الجمعية العامة للأمم المتحدة اندلعت نيران الثورة في فلسطين بصورة عفوية دون إعداد عربي مسبق لها ، بينما كان الجانب اليهودي يعد العدة لذلك في شتى مجالات التسليح والتدريب والخطط العسكرية والتهيئة النفسية والحربية الشاملة .
ثم أنشأت الهيئة العربية العليا قيادة عامة للعمليات فقسمت فلسطين سبع مناطق يتولى كل منها قائد عسكري : القدس ، بيت لحم ، رام الله ، المنطقة الغربية ( يافا والرملة واللد ووادي الصرار والمجدل ) ، والجنوب ، ومنطقة طولكرم وجنين ، والمنطقة الشمالية [1] .

وقد زودت الهيئة العربية العليا عرب فلسطين ببعض التجهيزات والعتاد العسكري التالي : 5396 بندقية ، و499 مدفعا رشاشا ، و364 بندقية تومي ، و309 مسدسات ، و124 مدفعا مضادا للمصفحات ، و66 مدفعا مضادا للدبابات ، و23 مدفعهاون ، و1609 صندوق متفجرات ، و46،740 قنبلة ، و3867 لغما جاهزا ، وبعض كميات الذخيرة والتجهيزات الأخرى ، بينما قدمت اللجنة العسكرية العربية للفلسطينيين 1600بندقية فقط . [2]

وكانت الحركة الصهيونية أعدت العدة لاحتلال كامل أجزاء فلسطين بعد جلاء قوات الاحتلال البريطاني عنها . تمثلت بوضع خطط استراتيجية منذ عام 1942 وهوعام إنشاء الجيش اليهودي في مؤتمر بلتيمور في نيويورك . وكذلك بناء المستعمرات اليهودية ورفدها بالمهاجرين اليهود الجدد ، والعمل على التواصل الجغرافي بين هذه المستعمرات . وفي السياق ذاته ، وضعت خطة عسكرية يهودية للإستيلاء على فلسطين ( خطة د ) خطط لها وأعدتها الهاغاناة اليهودية بهدف السيطرة على السلطة على جميع البلاد ، وفي البداية السيطرة على السلطة ضمن حدود قرار التقسيم وحماية المستعمرات اليهودية وتدمير القرى العربية قرب المستعمرات اليهودية وتهجير السكان الأصليين ، وحصارالمدن العربية لتفريغها من أهلها العرب [3] .

وقدرت القوات العربية التي جاءت لإنقاذ فلسطين بنحو 20 ألف جندي : منهم 10 آلاف جندي مصري من ضمنهم سرايا من الجيشين السوداني والسعودي ومتطوعين ليبيين وتونسيين وجزائريين ، و4500 جندي أردني، و3000 جندي عراقي ، و3000 جندي سوري ، و1000 جندي لبناني .
في حين كان عدد قوات المنظمات اليهودية - الصهيونية الإرهابية حسبما تبين من دار الوكالة اليهودية : 20ألف جندي مدربين ومزودين بالسلاح كاملا ، و10 آلاف جندي مدربين كاملا لم يتم تزويدهم بالسلاح كاملا ، و30 ألف جندي دربوا جزئيا ولم يزودوا بالسلاح ، و60 ألف جندي ينتمون لمنظمة الهاغاناة ، و6000 آلاف جندي ينتمون لمنظمة الارغون وكان بعضهم مسلحا ، و1000 جندي ينتمون لمنظمة شتيرن وكان بعضهم مسلحا[4].
وهنا مصادر تاريخية تقول ، إن الهاغاناة تكونت فعليا من الأقسام التالية : 40 ألف قوة ثابتة ، و16 ألف قوة ميدانية ، و6 آلاف قوة دائمة التعبئة ، إضافة إلى 5 آلاف قوات الأرغون و3 آلف قوات شتيرن أي نحو سبعين ألف جندي[5]مدرب ومنظم جيدا بعتاد جديد وكميات أسلحة متنوعة وهائلة.

ودخلت وحدات الجيوش العربية فلسطين صباح يوم 15أيار 1948 ، وكانت معظم أراضي فلسطين تحت سيطرة المنظمات الصهيونية فاندفعت القوات العربية مسيطرة على مساحة كبيرة من فلسطين خلال أيام قليلة وحتى الأشهر الأربعة الأولى كان الموقف العسكري حليفا للعرب فسيطرت الجيوش العربية السبعة إضافة إلى قوات الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني وقوات فوزي القاوقجي من المتطوعين على مناطق واسعة من فلسطين وحاصرت قوات المنظمات اليهودية – الصهيونية .

واستخدم العرب طريقة تفجير السيارات المليئة بالمتفجرات في الأحياء اليهودية مما أدى إلى إلحاق عشرات القتلى في صفوف اليهود .
كما عزلت المستعمرات اليهودية عن بعضها البعض وكان عدد المستعمرات اليهودية في فلسطين آنذاك نحو 300 مستعمرة ، مما أدى إلى خنق الإمدادات والتموين .
ودمرت قوافل يهودية أثناء تنقلها بين المستعمرات ، وألقيت الصخور في طرق القوافل اليهودية .

فطلب اليهود عبر دافيد بن غوريون وقف إطلاق النارلإنقاذ القدس المحاصرة فاتصل بن غوريون بالوسيط الدولي ( الكونت برنادوت ) داعيا لتنفيذ الهدنة بينما رفض الهدنة الحاج أمين الحسيني تحسبا لفقدان حماسة الجنود العرب والانقسام العربي الرسمي .

فجمعت الهاغاناة قواها وشنت هجوما معاكسا على قوات الجيوش العربية فأوقف الزحف المصري تجاه تل أبيب وقد لوحظ أن كميات من بنادق الجنود العرب كانت تتوقف عن إطلاق النيران فجأة ، وأحيانا انفجرت القنابل اليدوية في أيديهم ، كما كانت القوات العربية تعاني من نقص الذخائر والأسلحة الثقيلة وشبه انعدام للأدوية والأطعمة والمياه والوقود بينما وصلت شحنات أسلحة من أوروبا لليهود .

وقد عانت القوات العربية من ضعف التنظيم وقلة الإمداد والتموين وغياب الخطة العسكرية الموحدة . وفي الهدنة الثانية من الحرب أعطى الوسيط الدولي النقب للعرب ،وقد قتل يهود الكونت برنادوت الوسيط الدولي في 17 أيلول 1948 ، لأنه كان يخطط لمنح القدس إلى العرب .

ثم تجددت المرحلة الثانية من الحرب بعد زيادة عدد جيش الهاغاناة اليهودية واستقدام شحن أسلحة تشيكوسلوفاكية . وقد أعلن عن تشكيل الجيش اليهودي (جيش الدفاع الإسرائيلي – تساهل ) فخصص له زي موحد برتب عسكرية فاستوعب الجيش جميع أفراد المنظمات العسكرية اليهودية – الصهيونية ، وزود الجيش الإسرائيلي بالطائرات الحربية .

وعلى الجانب العربي برزت الخلافات والانقسامات بين قيادات الجيوش العربية والأنظمة الحاكمة . وفي المرحلة الرابعة والأخيرة في الحرب العربية – الصهيونية عام 1948 تحول الموقف العسكري لصالح الجيش الإسرائيلي في الفترة ما بين 18 حزيران - 19تموز 1948 حيث استولت قوات الجيش الإسرائيلي على معظم أرجاء فلسطين .
وفيما بعد وقعت إتفاقات الهدنة فكانت مصر أول من وقع الهدنة في رودس في 24 شباط/فبراير 1949 ، ثملبنان في 23 آذار/مارس 1949 ، فالأردن في نيسان/ابريل 1949 ، تبعتها سوريا في 20 تموز/يوليو1949 بينما لم يوقع العراق على أي إتفاق للهدنة مع الكيان الصهيوني .

وانسحبت قوات الجيشالعراقي وأخذ مكانها الجيش الأردني [6].
فكانت الهدن السابقة تتم بين كل دولة عربية على حدة مع الكيان الصهيوني الجديد ، وقد وضعت هذه الهدن المتعددة نهاية لحرب فلسطين دون أن تحدد حدودا سياسية للكيان اليهودي باستثناء نص الاتفاقيات الأربع للهدنة على الحفاظ على خطوط الهدنة التي لا تمس الحق في التسوية النهائية لقضية فلسطين .


المراجع:
[1] محمدالشاعر ، الحرب الفدائية في فلسطين ، ط. 3 ( بيروت : 1969 ) ، ص 245 – 260 .
[2]ناجيعلوش ، المقاومة العربية في فلسطين 1917 – 1948 ( عكا : مكتبة الأسوار ن 1979 ) ، ص 162 .

[3] هنري كتن ، قضية فلسطين ، ترجمة : د. رشدي الأشهب ( رام الله : وزارة الثقافة الفلسطينية ، 1999 ) .
[4] عبد الستار قاسم ، وغازي ربابعة ، الحروب العربية – الإسرائيلية ، في جواد الحمد وآخرون ، المدخل للقضية الفلسطينية ( عمان : مركز دراسات الشرق الأوسط ، 1998 ) ، ص 261 .
[5] وليد الخالدي ، " بناء الدولة اليهودية 1897 – 1948 – الأداة العسكرية " مجلة الدراسات الفلسطينية ، بيروت ، العدد 39 ، صيف 1999 ص 87
[6] عبد الستار قاسم ، وغازي ربابعة ، مرجع السابق ، ص 262 – 274 .




يتبع ...
أسامة الكباريتي
2.مجازر صهيونية ضد شعب فلسطين

من أبرز مظاهر الحرب اليهودية – الصهيونية ضد أبناء شعب فلسطين ، هي عملية ارتكاب المنظمات والعصابات الصهيونية نحو خمس وثلاثين مجزرة جماعية ضد أبناء الشعب العربي الفلسطيني فوق أرض وطنهم وخاصة في الجليل والمثلث والنقب والساحل ، لم ولن تنسى من الذاكرة الجماعية الوطنية للشعب الفلسطيني ، عبر الأجيال السابقة ، ويبدو أنها لن تنسى أيضا على مدى الأجيال القادمة كذلك . فقد تعددت المذابح الجماعية التي ارتكبتها عصابات الهاجاناة والبالماخ اليهودية ، وعصابات الارغون وشتيرن ، أو جنود الاحتلال الإسرائيلي فيما بعد ، في أوقات الحرب وفي غير أوقات الحرب .

وكانت تلك المجازر أو المذابح الجماعية المنظمة رسميا من قبل عصابات المنظمات اليهودية - الصهيونية تهدف إلى زعزعة الأمن الفلسطيني وتهجير وترحيل المواطنين الفلسطينيين من أراضيهم وفقا لسياسة التفريغ والملئ الصهيونية القاضية بطرد أهل البلاد الأصليين لإحلال المستوطنين المستعمرين بدلا منهم في هذه البلاد . وقد تعددت أشكال وصور هذه المذابح أو المجازر الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في مختلف المدن والقرى الفلسطينية التي أبدى سكانها دفاعا مشروعا عن أنفسهم ، أو حتى الذين لم يقاتلوا بتاتا ، فكانت عملية التقتيل والذبح للمواطنين العرب الفلسطينيين تتم بالجملة ، بتخطيط من قادة عصابات المنظمات اليهودية الصهيونية وتنفيذ فعلي على أرض الواقع .

وقد صاحب هذه المجازر البشعة عملية دعاية مغرضة هدفت إلى انتزاع الفلسطيني من أرضه بشتى الطرق والوسائل الصهيونية المتاحة من الترويج بصورة فظة أن جنود الاحتلال يغتصبون النساء ويقتلون الرجال بغض النظر عن مشاركتهم في عمليات الجهاد والكفاح ضد المحتلين أم لا، وبهذا فان سياسة بث الرعب في نفوس الفلسطينيين نجحت إلى حد ما من الجانبين العربي الرسمي والاحتلالي الصهيوني . فكان الفلسطينيون عرضة للنهب والسلب والاعتداء الجسدي والمالي الذي تمارسه قوات الاحتلال الصهيوني على تعدد عصاباته العسكرية والسياسية . يؤكد فايز صايغ أن الدولة اليهودية لجأت إلى تفريغ الأرض من أصحابها بارتكاب المجازر ضد العرب الفلسطينيين ، أهل البلاد الأصليين ، بقوله :

" فقد لجأت دولة المستوطنين الصهيونيين منذ لحظة ولادتها عام 1948 إلى اعتماد العنف كأداتها المختارة لإرهاب العرب وإجلائهم ، ولم تكن المجازر التي ارتكبها الصهاينة في دير ياسين وعين الزيتون وصلاح الدين ( في نيسان/ابريل 1948 ) سوى إجراءات مدروسة ، ومقررة كجزء من برنامج رسمي لإجلاء العرب عن طريق إرهابهم " [7].

وعلى كل الأحوال ، فإن المذابح الجماعية التي ارتكبتها العصابات الصهيونية عام 1948 ، بصورة خاصة ، أدت إلى هجرة عربية فلسطينية مكثفة إلى خارج البلاد على شكل جماعات وأفواج متتابعة، شملت نحو مليون مهجر فلسطيني تركوا أموالهم وممتلكاتهم ، وفروا من جحيم الاعتداءات الصهيونية الوحشية .

فمثلا ، نزح نحو 430 ألف فلسطيني إلى الضفة الغربية، ونحو مئة ألف لاجئ إلى الأردن ، والى لبنان لجأ نحو مئة وعشرة آلاف لاجئ ، والى سوريا حوالي مئة ألف لاجئ ، والى غزة ما يقارب مائتين وعشرة آلاف نازح ، والى مصر حوالي خمسة آلاف لاجئ ، والى العراق نحو خمسة آلاف لاجئ ، وعشرات الآلاف لجأت إلى دول أخرى وبقي نحو مئة وستين ألف فلسطيني في وطنهم بالمدن والقرى رغم الأوضاع الصعبة [8].

وقد نتج هذا التدفق الترحيلي الهائل من المهجرين من مواطني فلسطين لعدة أسباب منها : ضعف الإمكانات العربية الفلسطينية العسكرية في الدفاع عن البلاد ، والفقر المنتشر بين السكان في تلك الفترة ، والحرب النفسية التي شنتها عصابات الهاجاناة ضد المواطنين العرب والتي صورت لهم أن من يبقى سيقتل أو يمس شرفه وعرضه . ومن بين سياسة التخويف المخططة أن : " بعض نماذج الحرب النفسية التي استخدمها الإسرائيليون ، عندما أشاع الإسرائيليون أن من يبقى من الفلسطينيين سيقتل وستغتصب زوجته وبناته ، لقد اقترف الجنود الإسرائيليون وحشيات كثيرة تضمنت المجازر الجماعية والقتل والاغتصاب والتخريب " [9].

وفيما يلي بعض النماذج على المجازر الجماعية التي ارتكبها الصهاينة ضد أبناء الشعب العربي الفلسطيني سواء قبل إعلان قيام الدولة ( دولة إسرائيل ) بأيام أو شهور قليلة أوبعدها ، والتي خلفت الدماء الحمراء الكثيرة التي غسلت بعض شوارع البلاد ، والدموع الساخنة الغزيرة التي سالت على وجنات الأمهات والنساء المترملات الثكالى ، والأطفال الصغار على السواء ، منذ حقبة طويلة وما زالت جراحها تدمي ولم تندمل ، لأن جذورها ما زالت باقية في مسرح الحياة اليومية .

وكانت ابرز هذه المجازر وأكثرها شهرة تلك التي ارتكبها المحتلون الصهيونيون في دير ياسين قرب القدس الشريف ، ومجزرة الطنطورة قرب مدينة حيفا ، ومجزرة ناصر الدين قرب طبرية والمجزرة البشعة في قرية كفر قاسم في المثلث ، ومجزرة يوم الأرض في الجليل فيما بعد وغيرها من المجازر الجماعية .

وعدا عن هذه المجازر الجماعية اليهودية ضد الفلسطينيين في أرضهم ، هناك العديد من المجازر الجماعية التي ارتكبتها الأيدي اليهودية العنصرية المتطرفة ، وقد وصل عددها على مدار العقود الستة الماضية ما يزيد عن خمس ثلاثين مذبحة جماعية ضد الفلسطينيين المرابطين في أرض الإسراء والمعراج ، في الأرض المقدسة ، ولكننا ذكرنا بعض هذه المجازر كنماذج على الغطرسة اليهودية – الصهيونية ضد المواطنين العرب الفلسطينيين ، مسلمين ومسيحيين ، أهل البلاد الأصليين .


3.حكومة عموم فلسطين

[/size]قرر مجلس الجامعة العربية إنشاء إدارة مدنية في فلسطين ولكن الحكومة الأردنية عارضت هذا الإعلان ساعية لدمج الأراضي الفلسطينية المتبقية لها . وفي 1 تشرين الأول 1948 عقد مؤتمر وطني فلسطيني في مدينة غزة اقر دستورا جديدا لفلسطين حدد فيه النظام السياسي الفلسطيني الناشئ على النحو التالي [10]:

1.المجلس الوطني : يضم ممثلي فلسطين . ترأسه الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا . وأعلن قرارا باستقلال فلسطين جميعها بحدودها الطبيعية ( استقلالا تاما ، وإقامة دولة حرة ديموقراطية ذات سيادة ، يتمتع فيها المواطنون بحرياتهم وحقوقهم ، وتسير هي وشقيقاتها الدول العربية متآخية في بناء المجد العربي ، وخدمة الحضارة الإنسانية مستلهمين في ذلك روح الأمة ، وتاريخها المجيد ، ومصممين على صيانة استقلالنا والذود عنه " [11].

2.المجلس الأعلى : يتألف من رئيس المجلس الوطني ورئيس المحكمة العليا ورئيس الحكومة ،يتولى رئاسته رئيس المجلس الوطني . يقوم هذا المجلس بمهام رئيس الجمهورية ويدعولعقد المجلس الوطني ، ويختار رئيس الدولة ، كما يصادق على تأليف الوزارة .

3.الحكومة : تتكون من رئيس الحكومة والوزراء . ترأسها أحمد حلمي عبد الباقي، وضمت عدة وزراء من بينهم : جمال الحسيني وزير الخارجية ، ورجائي الحسيني وزيرالدفاع ، وعوني عبد الهادي وزير الشؤون الاجتماعية ، ود. حسين الخالدي وزير الصحة ، وعلي حسنا وزير العدل ، وأنور نسيبة سكرتير الحكومة .

4.مجلس الدفاع : يتألف من رئيس المجلس الوطني رئيسا وعضوية رئيس الحكومة ووزيرالدفاع.

وبعد إعلان هذا التشكيل القيادي الفلسطيني الجديد ، أعلم رئيس الحكومة الفلسطينية الحكومات العربية ومجلس جامعة الدول العربية بهذا الأمر ، فاعترفت بها جميع دول الجامعة العربية ما عدا الأردن ، إلا أن حكومة عموم فلسطين لم تستطع الحياة لفترة طويلة . فالدول العربية المجاورة لم تدعمها ، فقد عقد مؤتمر في عمان ( في 1 / 10 / 1948 ) في ذات يوم مؤتمر غزة برئاسة سليمان التاجي الفاروقي ومشاركة عجاج نويهض وغيرهم استنكروا فيه مؤتمر غزة وبايعوا الملك عبد الله ملكا على ما بقي من فلسطين ، بعد ضمها لشرق الأردن . وتبع ذلك (مؤتمر عمان) المنادي بوحدة الأردن وفلسطين ( الضفتين الشرقية والغربية ) في 1 كانون الأول 1948، و( مؤتمر أريحا ) في 1 كانون الأول 1948 برئاسة الشيخ محمد علي الجعبري تمت فيه مبايعة الملك عبد الله ملكا على الأردن وما تبقى من ارض فلسطين لم يسيطر عليها اليهود الصهاينة .

كما عقد ( مؤتمر رام الله ) في 31 كانون الأول 1948 بايع المشاركون فيه الملك عبد الله ملكا على فلسطين كلها وطالبوا بالوحدة الفلسطينيةالأردنية .

[/font]

[font=Arial]من جهة أخرى ، استدعت الحكومة المصرية الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الأعلى إلى القاهرة في 6 تشرين الأول 1948 لبعثرة نشاط الحكومة الفلسطينية .


وفي بداية عام 1950 أعلن رئيس الوزراء الأردني رفع الحواجز بين الضفتين الغربية والشرقية باعتبارهما وحدة واحدة تلاه مصادقة مجلس النواب الأردني في 24 نيسان 1950 على قرار الوحدة الأردنية – الفلسطينية فنال سكان الضفة الغربية إثر ذلك الجنسية الأردنية ، بينما وضع قطاع غزة تحت إشراف الإدارة المصرية فلم يعد هناك كيان فلسطيني مستقل .



.
تابع المراجع:


[7] فايز صايغ ، الاستعمار الصهيوني في فلسطين ، ترجمة : عبد الوهاب كيالي ( بيروت : مركز الأبحاث – منظمة التحرير الفلسطينية ، 1965 ) ، ص 41 .

[8] أكرم زعيتر ، القضية الفلسطينية ( القاهرة: دار المعارف بمصر ، 1955 ) ، ص 255 .

[9] يوسي مليمان ، الإسرائيليون الجدد – مشهد تفصيلي لمجتمع متغير ، ترجمة : مالك فاضل البديري ( عمان : الأهلية للنشر والتوزيع ، 1993 ) ، ص 77

[10] ناجي علوش ، المرجع السابق ، ص 165 .




أسامة الكباريتي
فشة خُلق:
ممكن ألاقي تفسير .. تعليل .. تبرير .. لما حصل منذ أن دخلت جيوش عربية تمثل 7 دول وبالزغاريد لاقيناهم ..

واجتاحوا أجزاء واسعة من فلسطين .. وخلال أيام معدودات بعثروا جهود الصهاينة تماما ..

ثم فجأة .. انكفأت الجيوش العربية .. في حالات كثيرة بدون قتال .. وتركت لليهود 77.7% من فلسطين !!!!!!
وبعدين
دولة الكيان الصهيوني أعلنت ونالت الاعتراف الدولي في دقائق بموجب قرار التقسيم ..
وقتل العرب (الأردن ومصر) الدولة الفلسطينية المعلنة في المهد ..
ماذا جرى ياعرب ؟

مين اللي باع؟
مين اللي أقام دولته على حسابنا ؟
مين اللي ............
ألا لا برأتكم من دمائنا فلسطين
ستبقى لعنة تطال من ضيعوا فلسطين ..

ثم يخرج علينا بعض المأفونين ليعلقوا خزيهم وخيانات أسيادهم التي هي بوضوح الشمس على الحائط المائل "الفلسطيني المغبون"
أسامة الكباريتي
[/color]

4.نتائج حرب 1948






نجم عن الحرب العربية – اليهودية عام 1948 عدة نتائج عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية مخلفة آثارا خطيرة على الوضع الفلسطيني العام من أهمها :
1 - إعلان الكيان الصهيوني ( دولة إسرائيل ) وتدعيمه بالأسلحة البرية والبحرية والجوية .

2- هزيمة نكراء للعرب والفلسطينيين واستيلاء اليهود على 4 ر77 % منمساحة فلسطين التاريخية بواقع 770 ر20 كم2 ، بزيادة كبيرة عما خصصه لها قرار تقسيمفلسطين الذي حدد للدولة اليهودية 47 ر 56 % تقريبا من مساحة فلسطين الكبرى . وقد نجم عن الحرب العربية – الصهيونية عام 1948 تدمير نحو 45 % من قرى ومدن فلسطين بواقع 374 قرية فلسطينية تم تدميرها كليا فاختفت عن الخارطة الجغرافية والسياسية للبلاد ، فسلمت حكومة الاحتلال أراضي هذه القرى الفلسطينية للمستعمرين اليهود .

3 - عددالشهداء في فلسطين ( فلسطينيين وعرب ) :
استشهاد 050 ،13 فلسطيني ،
و161 ، 1 مصري ( منهم 971 ضابط وجندي والباقي متطوعون ) ،
و562 أردني ( منهم 362 ضابط وجندي والباقيمتطوعون ) ،
و511 سوريا ، و399 عراقي ،
و161 لبناني ،
و173 سعودي ،
وبلغ عدد الشهداء من جيش الإنقاذ 512 مجاهدا عربيا ،
إضافة إلى 21 يمنيا و15 ليبيا و12تونسيا وجزائريا ومغربيا [color="black"][12]

. وإصابة الآلاف بجراح .

4- تهجير حوالي مليون فلسطيني على شكل حركات نزوح داخل البلاد ، من الجليل والساحل والمثلث والنقب ، إلى مناطق عرفت فيما بعد بالضفة الغربية وقطاع غزة وترك المدن والقرى إلى مناطق أخرى ، وعلى شكل هجرة لاجئين إلى خارج فلسطين للأردن ولبنان وسوريا ومصر والعراق والكويت وغيرها . وقد سكن معظم هؤلاء المهجرين في مخيمات لاجئين في خيم . وقد تمثلت أسباب هجرة الفلسطينيين كنازحين داخل أرض فلسطين الكبرى ، ولاجئين خارج أرض فلسطين بعدة أسباب هي :
أولا : ملاحقة المنظمات الصهيونية الإرهابية لهم عبر المجازر والاعتداء الاجتماعي على النساء .
ثانيا : إنهيار الأمن العام بعد خروج قوات الاحتلال البريطاني من فلسطين ، فأصبح المواطن الفلسطيني غير آمن في البيت والشارع والمسجد ومكان العمل .
ثالثا : إنتهاء الحكم السياسي وفقدان القانون والنظام والاستقرار في البلاد .

5 - اعتراف الدول الكبرى كالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بالكيان الصهيوني كدولة .

6 - مقتل نحو ستة آلاف يهودي في فلسطين أثناء حرب عام 1948 .

7- تقسيم فلسطين بين ثلاثة أنظمة سياسية هي : النظام الإسرائيلي على الجليل والمثلث والنقب والساحل الفلسطيني ، ومساحتها20،770 كم2بما يعادل 77.4%من مساحة فلسطين احتلها اليهود ، وإلحاق الضفة الغربية بالأردن ( مساحتها5،878 كم2 بما يعادل 20.3% من مساحة فلسطين ) ، وإلحاق قطاع غزة بمصر ( مساحته 363 كم2 أو ما يعادل
2.3 % من مساحة فلسطين ).

8- عدم الاعتراف الدولي بحكومة عموم فلسطين التي أنشأت في غزة 1948 . وملاحقتها عربيا ودوليا .



5.أسباب هزيمة العرب في الحرب

اشتركت سبعة جيوش عربية رمزيا إضافة لقوات الجهاد المقدس وقوات المتطوعين العرب الأخرى ، في الدفاع عن فلسطين ، ومحاولة إنقاذها من سيطرة المنظمات اليهودية – الصهيونية إلا أنها فشلت في حماية فلسطين من الاحتلال الصهيوني لعدة أسباب من أهمها :

1 - القيادة السياسية : كانت الهيئة العربية العليا غير متجذرة جماهيريا بين أبناء شعب فلسطين ، وأرسلت أفواجها العسكرية قليلة العدد وضعيفة التدريب في وقت متأخر .

2- غياب القيادة العسكرية العربية الرسمية الموحدة وبالتالي فقدان الخطة العسكرية الواحدة . وفي المقابل كانت هناك خطة يهودية دعيت باسم خطة د ( دالت ) تقضي بشن هجوم صهيوني كبير على المدن والقرى العربية وتدميرها وتهجير أكبر عدد ممكن من العرب من أراضيهم ، وارتكاب مجازر متعددة ضد العرب ، والاستيلاء على معظم أرض فلسطين .



3-عدم وجود منظمات فلسطينية مسلحة تعمل على تعبئة الشباب الفلسطيني وتدريبهم ، كما هو الحال لدى اليهود . وتكونت قوات العرب في فلسطين من القوى المنظمة ضمت نحو 10 آلاف شخص قدمت لهم الهيئة العتاد والسلاح . وقوى تضم 15 ألف شخص سلحوا أنفسهم بأنفسهم .

4- الحصار البريطاني على فلسطين منذ عام 1917حتى 14 أيار 1948 . فلم يتمكن شعب فلسطين من إدخال السلاح أو التدرب عليه أو إدخال جيوش أو متطوعين عرب إلا بعد انسحاب الاحتلال البريطاني .

5- الإعداد الصهيوني الجيد من العدد والعدة والدعاية الشاملة . فقد بلغ عدد جنود الهاغاناة أكثر من 70 ألف مقاتل مدربين تدريبا جيدا ومزودين بأحدث أنواع الأسلحة ، فقد ورثوا كميات كبيرة من الأسلحة من قوات الاحتلال البريطاني قبل انسحابها من فلسطين . كما أستخدمت الصهيونية دعاية مؤثرة بعد مجزرة دير ياسين وغيرها أدت إلى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من مواطنهم الأصلية.

6- سيطرة المنظمات اليهودية على أجزاء كبيرة من فلسطين قبل انتهاء الانتداب البريطاني تنفيذا لخطة ( د ) التي بدأ تطبيقها في 1 نيسان 1948 القاضية باحتلال المدن والقرى العربية وترحيل سكانها عنها باستخدام أي طريقة لذلك . فقد أحتلت مدن عديدة قبل نهاية الانتداب مثل احتلال طبريا في 19 نيسان/ابريل وحيفا في 22 نيسان/ابريل ويافا في 28 نيسان/ابريل والأحياء العربية في القدس الجديدة في 30 نيسان/ابريل ، وبيسان في 8 أيار/مايو وصفد في 10 أيار/مايو وعكا في 14 أيار/مايو 1948 . بمعنى أن شمال فلسطين بأكمله كان تحت سيطرة اليهود فعليا .

7- دخول عدد قليل من أفراد الجيوش العربية لإنقاذ فلسطين ، والتفرد الرسمي العربي بخوض الحرب غير المتكافئة مع المنظمات اليهودية - الصهيونية . وكذلك فإن أسلحة الجنود العرب كانت قديمة عفا عليها الزمن ، والإمدادات بين القواطع العسكرية العربية كانت مبتورة . إضافة لتصاعد الخلافات في صفوف القيادة السياسية العربية حول من يقود المعركة العسكرية .

8 - انسحاب قوات عربية من عدة مدن ومناطق فلسطينية واسعة قبل وصول قوات الهاغاناة إليها لأسباب سياسية وعسكرية .

9 - تقاعس معظم عرب فلسطين في الدفاع عن أرضهم بصورة فعلية . فالقسم الأعظم من الفلسطينيين لم يشترك في الحرب ولجأ إلى الهجرة القسرية بسبب ملاحقة المنظمات اليهودية الإرهابية لهم . فالدعوات لخوض الجهاد في سبيل الله للدفاع عن حياض الوطن لم تلق أذانا صاغية لدى أهل فلسطين لأسباب نفسية وسياسية واقتصادية واجتماعية . من أهمها حالة اليأس والإحباط من التصرفات التي مارستها الأحزاب والقيادات الفلسطينية السابقة من خلاف وتناحر على الكراسي وفرض الأوامر القبلية والعشائرية وغيرها .

10- قصر أمد الحرب ، والموافقة على الهدن بين العرب واليهود مما ساعد اليهود على التقاط أنفاسهم واستيلائهم على مناطق جديدة أثناء فترات الهدن وجلب السلاح بكميات هائلة وخاصة الأسلحة التشيكية ( بدعم من روسيا ). فقوات الهاغاناة لم تكن تقوى على خوض حرب استنزاف طويلة الأمد .

11- التدخل الأجنبي ودعمه غير المحدود لقوات الهاغاناة اليهودية وقد وقع العرب في أحابيل الحيل والمؤامرات الأجنبية الأوروبية والأمريكية والسوفيتية .

ويمكن إجمال أسباب هزيمة العرب والفلسطينيين في حرب عام 1948 وانتصار اليهود وإنشاء دولة يهودية خاصة بهم بعدة عوامل دولية وإقليمية ومحلية . فعلى الصعيد الدولي كان هناك صراع نفوذ بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ، فسعت الولايات المتحدة للسيطرة على الوطن العربي لتحل محل الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية فانتصر التحالف الاستعماري الأميركي – الصهيوني في هذه المعركة المصيرية . وعلى الصعيد الإقليمي تمثل في وقوع البلاد العربية تحت الهيمنة الأجنبية مباشرة أو بشكل غير مباشر وبالتالي عدم تمكنها من الدفاع بصورة حقيقية عن فلسطين . وعلى الصعيد الفلسطيني سادت حالة الانقسام والتمزق بين قيادة الهيئة العربية العليا ، والأحزاب السياسية الفلسطينية وعدم تجذرها في أوساط الشعب الفلسطيني كونها عبارة عن قيادات وزعامات ووجاهات قبلية عشائرية متصارعة ، كما برزت الخلافات بين الهيئة العربية العليا والحكام العرب [13] .

[/size]
لقد طبق قرار تقسيم فلسطين من جانب قوات الهاجاناة الصهيونية وتم إنشاء الدولة اليهودية ( دولة إسرائيل ) على مساحة أكثر مما خصصه لها قرار التقسيم الظالم ، فأصبح ظلما مزدوجا لشعب فلسطين ، ظلم استعماري دولي وظلم يهودي – صهيوني ، حيث استولت المنظمات الإرهابية اليهودية على مساحة نحو 20،770 كم2 من ارض فلسطين الإجمالية أي ما يعادل 4 ر77 % من مساحة فلسطين التاريخية بزيادة أكثر من المساحة المحددة بنحو 5 ر21 % عما كان محددا ( بالتبرع ) لها أصلا في قرار التقسيم البالغ 5ر56 % أو ما يعادل14.5 ألف كم2.

ورغم مرور الذكرى الحادية والستون على نكبة فلسطين الكبرى ( 15 أيار 1948-2009) فلا زالت عيون النكبة دامعة وحزينة بكل معنى الكلمة من إكتئاب سياسي ومصيري على مستقبل فلسطين وشعبها ، فالحكومة الصهيونية منذ دافيد بن غوريون الذي أعلن عن قيام الكيان الصهيوني أواسط أيار/مايو 1948 حتى الحكومة الصهيونية الحالية أواسط أيار/مايو 2009 بزعامة اليهودي الليكودي المتطرف بنيامين نتانياهو الذي لا يرفض فكرة تقسيم فلسطين وحسب بل يرفض الاعتراف بوجود دولتين في فلسطين ( فلسطينية وإسرائيلية ) . ويبقى العرب يجترون ويبلعون ريقهم من هول النكبة الحزينة التي شرد فيها قرابة مليون فلسطيني أصبح عددهم الآن أكثر من خمسة ملايين في المنافي والشتات، والجزء الأصلي من الشعب الفلسطيني الذي يعيش في وطنه لا زال ملاحقا ومحروما من تقرير مصيره وإقامة دولة فلسطين المستقلة أسوة ببقية شعوب العالم ، بالاحتلال الإمبريالي الصهيوني بدعم العم سام الأمريكي لا زال يتحكم بمصير البلاد والشعب في الأرض المقدسة . فصبر جميل والله المستعان . إنا لله وإنا إليه راجعون .



[size="4"]المراجع:



[11] محمد عزة دروزة ، القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها ، الجزء الثاني ، ط . 2 ، 1960 ، ص 190 – 194 ، ص 210 – 213 .
[12] محمد بويصر ، جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن ( القدس – رام الله ، منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية ) ، ص 438 – 439 .


[13] ناجي علوش ، ص 169 – 174 .



خرائط النكبة (اضغط على الخارطة لتكبيرها):












أسامة الكباريتي
اتفاقية فيصل – وايزمن







إن صاحب السمو الملكي الأمير فيصل ممثل المملكة العربية الحجازية والقائم بالعمل نيابة عنها والدكتور حاييم وايزمن ممثل المنطقة الصهيونية والقائم بالعمل نيابة عنها يدركان القرابة الجنسية والصلات القديمة القائمة بين العرب والشعب اليهودي ويتحققان أن اضمن الوسائل لبلوغ غاية أهدافهما الوطنية هو في اتخاذ أقصى ما يمكن من التعاون في سبيل تقدم الدولة العربية وفلسطين ولكونهما يرغبان في زيادة توطيد حسن التفاهم الذي يقوم بينهما فقد اتفقا على المواد التالية:

1- يجب أن يسود جميع علاقات والتزامات الدولة العربية وفلسطين أقصى النوايا الحسنة والتفاهم المخلص وللوصول إلى هذه الغاية تؤسس ويحتفظ بوكالات عربية ويهودية معتمدة حسب الأصول في بلد كل منهما.

2- تحدد بعد إتمام مشاورات مؤتمر السلام مباشرة الحدود النهائية بين الدولة العربية وفلسطين من قبل لجنة يتفق على تعيينها من قبل الطرفين المتعاقدين.

3- عند إنشاء دستور إدارة فلسطين تتخذ جميع الإجراءات التي من شأنها تقديم أوفى الضمانات لتنفيذ وعد الحكومة البريطانية المؤرخ في اليوم الثاني من شهر نوفمبر سنة 1917.

4- يجب أن تتخذ جميع الإجراءات لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين على مدى واسع والحث عليها وبأقصى ما يمكن من السرعة لاستقرار المهاجرين في الأرض عن طريق الإسكان الواسع والزراعة الكثيفة. ولدى اتخاذ مثل هذه الإجراءات يجب أن تحفظ حقوق الفلاحين والمزارعين المستأجرين العرب ويجب أن يساعدوا في سيرهم نحو التقدم الإقتصادي.

5- يجب أن لا يسن نظام أو قانون يمنع أو يتدخل بأي طريقة ما في ممارسة الحرية الدينية ويجب أن يسمح على الدوام أيضا بحرية ممارسة العقيدة الدينية والقيام بالعبادات دون تمييز أو تفصيل ويجب أن لا يطالب قط بشروط دينية لممارسة الحقوق المدنية أو السياسية.

6- إن الأماكن الإسلامية المقدسة يجب أن توضع تحت رقابة المسلمين.

7- تقترح المنظمة الصهيونية أن ترسل إلى فلسطين لجنة من الخبراء لتقوم بدراسة الإمكانيات الإقتصادية في البلاد وأن تقدم تقريراً عن أحسن الوسائل للنهوض بها وستضع المنظمة الصهيونية اللجنة المذكورة تحت تصرف الدولة العربية بقصد دراسة الإمكانيات الإقتصادية في الدولة العربية وأن تقدم تقريراً عن أحسن الوسائل للنهوض بها وستستخدم المنظمة الصهيونية أقصى جهودها لمساعدة الدولة العربية بتزويدها بالوسائل لاستثمار الموارد الطبيعية والإمكانيات الإقتصادية في البلاد.

8- يوافق الفريقان الم الإنكليزية:عملا بالاتفاق والتفاهم التامين في جميع الأمور التي شملتها هذه الإتفاقية لدى مؤتمر الصلح.

9- كل نزاع قد يثار بين الفريقين المتنازعين يجب أن يحال إلى الحكومة البريطانية للتحكيم.



وقع في لندن، انجلترا في اليوم الثالث من شهر يناير سنة 1919.

[/size]



[size="5"]ترجمة تحفظات فيصل عن الإنكليزية :


يجب على أن أوافق على المواد المذكورة أعلاه. بشرط أن يحصل العرب على استقلالهم كما طلبت بمذكرتي المؤرخة في الرابع من شهر يناير سنة 1919 المرسلة إلى وزارة خارجية حكومة بريطانيا العظمى.

ولكن إذا وقع أقل تعديل أو تحويل (يقصد بما يتعلق بالمطالب الواردة بالمذكرة) فيجب أن لا أكون عندها مقيداً بأي كلمة وردت في هذه الإتفاقية التي يجب اعتبارها ملغاة لا شأن ولا قيمة قانونية لها ويجب أن لا أكون مسئولا بأية طريقة مهما كانت.

أسامة الكباريتي