هل لدى تشيني علاقة باغتيال الحريري؟
[/size]
[size="5"]مالك التريكي

في سياق الطرائف والنكات التي جرت العادة أن يوشّي بها الرئيس الأمريكي خطابه في حفل العشاء السنوي الذي تقيمه على شرفه جمعية مراسلي البيت الأبيض قال باراك أوباما الأسبوع الماضي، مازحا، إن نائب الرئيس السابق ديك تشيني لم يتمكن من حضور الحفل لأنه منكب على تأليف كتاب من المحتمل أن يكون عنوانه 'كيفية إطلاق الرصاص على الأصدقاء واستجواب المعتقلين'. وقد فهم الجميع طبعا أن الإشارة الأولى هي إلى رحلة الصيد التي أصاب فيها تشيني صديقه، مما استدعى نقله إلى المستشفى أوائل عام 2006. أما الإشارة الثانية فتتعلق بما اشتهر عن تشيني من تحمس لممارسات التعذيب التي شوهت سمعة أمريكا والتي تسمى في اللغة البيروقراطية بأساليب 'الاستجواب المعزز'. والواقع أنه ما كان لأوباما أن يتوخى كامل الدقة هنا وما ينبغي له، لأنه لو فعل لصار عنوان الكتاب 'كيفية إصابة الأصدقاء واستجواب المعتقلين واغتيال الزعماء!'
ذلك أن المحقق الصحافي الأمريكي وين مادسن قد أدلى أوائل هذا الشهر لقناة 'روسيا اليوم' التلفزيونية بتصريحات أكد فيها صحة المعلومات التي كان قد أوردها الصحافي الأمريكي الشهير سيمور هيرش عن وجود وحدة سرية من وحدات 'سي آي ايه' معروفة باسم 'جناح الاغتيالات' كانت تتحرك من عام 2001 إلى عام 2008 تحت إمرة تشيني شخصيا. وأعرب مادسن، بعد تحققه من صحة المعلومات التي كشفها سيمور هيرش، عن يقينه بأن تشيني هو الذي أصدر الأمر باغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في شباط (فبراير) 2005.

وقال مادسن، المعروف بصلاته الواسعة داخل دوائر الاستخبارات الأمريكية، 'لقد سمعتُ هذه المعلومات منذ خمسة أعوام من مصادر في 'سي آي ايه'. وكتبتُ عام 2004 وعام 2005 أن وحدة 'سي آي ايه' المرتبطة بالبيت الأبيض كانت مسؤولة عن تنسيق عملية اغتيال مسؤول جهاز الأمن في ميليشيا 'القوات اللبنانية' إيلي حبيقة في كانون الثاني (يناير) 2002 وعملية اغتيال رفيق الحريري. وقد تم هذا عبر تنسيق وثيق مع وحدة إسرائيلية مماثلة كان يديرها مكتب رئيس الوزراء أرييل شارون'.

ومن المعروف أن إسرائيل كانت المستفيد الأول من اغتيال حبيقة، نظرا إلى أنه كان يستعد، قبيل اغتياله، للتوجه إلى بلجيكا للإدلاء بإفادة بشأن دور شارون في مذابح صبرا وشاتيلا، وذلك في إطار القضية التي رفعت هناك ضد شارون بموجب قانون بلجيكي كان يتيح (قبل إلغائه) مقاضاة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. أما اغتيال الحريري فإن مادسن يقول إن الغاية منه كانت توفير المناخ الملائم لزعزعة لبنان، والانقضاض على سورية، وإقامة قاعدة عسكرية أمريكية في شمال لبنان والتخلص من حركات المقاومة التي تؤرق شارون، وعلى رأسها 'حزب الله'.

وكان الصحافي الشهير بوب وودورد هو أول من كشف في 'واشنطن بوست' منذ كانون الثاني (يناير) 2002 وجود خطط أمريكية لاغتيال زعماء في مختلف أنحاء العالم، ثم تمكن مادسن بعد ذلك من تحديد أسماء أول الضحايا الذين اغتيلوا بين تشرين الثاني (نوفمبر) 2001 وكانون الثاني (يناير) 2002. واللافت أن مادسن كشف منذ 11 آذار (مارس) 2005 (أي بعد أقل من شهر من اغتيال الحريري) أن اغتيال الحريري نفذ بـ'تفويض أمريكي'، مما حمل وزارة الخارجية الأمريكية على أن تنفي بشدة يوم 13 أيار (مايو) 2005 'المزاعم الكاذبة' عن تورط أمريكي في اغتيال الحريري. فردّ مادسن في اليوم التالي بأنه واثق كل الثقة من صحة معلوماته التي تلقاها من مصادره الأمريكية، إضافة إلى مصادر فرنسية وبلجيكية ولبنانية.

الجديد في المسألة هو أن المعلومات التي كشفها سيمور هيرش في آذار (مارس) الماضي عن مسؤولية تشيني عن 'جناح الاغتيالات' وتأكيد مادسن أخيرا على تحققه من صحتها، كل ذلك أدى إلى ارتفاع أصوات أمريكية تنادي بوجوب محاكمة تشيني... إن هذه، ولا شك، معلومات خطيرة ومثيرة، ولو أنه ليس من المستغرب أن تكذبها الأوساط المناوئة للنظام السوري وتستخف بها. لكن هل يمكن للمحكمة الدولية المكلفة بالتحقيق في اغتيال الحريري أن تتجاهلها؟ هل يمكن للمحكمة أن تصل إلى الحقيقة فعلا دون أن تستمع لإفادات صحافيين أمريكيين مثل بوب وودورد، وسيمور هيرش ووين مادسن، وباحثين مثل الألماني يورغن كاين كولبل صاحب كتاب 'اغتيال الحريري: أدلة مخفية'، والفرنسي تييري ميسان صاحب كتاب 'الخديعة الفظيعة'؟