دردشة رمضانية:
الحمير و الكلاب..... و الكفتة و الكباب.
منذ عام, دعانى صديق لى أنا و زوجتى لمصاحبته هو و زوجته لتناول طعام العشاء فى مطعم فيتنامى, كان أول ما ورد على خاطرى هو حب بعض الفيتناميين للحم الكلاب, و كيف جعلهم هذا الحب شعبا مكروها فى مجتمعات الدول الغربية. فلقد حكمت إحدى المحاكم الإنجليزية على فيتنامى بالحبس ستة شهور لأنه دأب على إختطاف الكلاب الأليفة من أمام منازل أصحابها, ثم تناول لحمها المشوى على طريقة الباربيكيو ( كفتة و كباب ), هو و عائلته و أصدقاؤه.
و قال القاضى فى منطوق الحكم أنه عاقبه بالحبس 3 شهور لجريمة سرقة الكلاب, و شهور 3 أخرى لجريمة القسوة ضد الكلاب( أى ذبحها) فضلا عن أن الذبح تم مخالفا للقانون.
لذلك, كان ردى الفورى على صديقى: " كلا يا صديقى.... لن آكل لحم الكلاب ".
و لكنه ابتسم و قال: " إن آكلى لحم الكلاب فى فيتنام هم أقلية فقيرة تعيش فى الجبال و الأحراش, إعتادت على هذا النوع من الطعام نظرا لظروفهم الإقتصادية, و عاداتهم المحلية.
و أخير, و بعد إلحاح, وافقت.
ذهبنا الى مطعم فيتنامى صغير يبعد عن محل إقامتى بحوالى 7 أميال, و دخلنا المطعم, و وجدناه مكانا بسيطا, و لكن فى نفس الوقت, أنيقا.
كان المطعم يكفى لإجلاس حوالى 40 شخصا, و وجدنا أربع موائد شاغرة, و وقفنا فى إنتظار الميتروديل, و جيش من السفرجية, يهجمون علينا كما تعودنا فى مصر و بعض دول حوض البحر الأبيض, و لكنى لم أرى جيوش تهجم, بل أتت فتاة فيتنامية لا يزيد سنها عن 18 عاما, ترتدى ملابسها القومية, و ترتسم على وحهها إبتسامة جميلة, تقدمت الينا و أحنت هامتها, ثم قالت بأدب متناهى: هل تريدون مائدة لأربعة أشخاص؟ و أومأنا بالإيجاب, فقادتنا الى الموائد الشاغرة, ثم قالت,: أرجوا أن تختاروا المائدة التى تفضلونها. ثم ذهبت.
و عادت بعد 3 دقائق, و معها قائمة الطعام ( التى لم تتضمن لحم الكلاب) و سألت إذا كنا نريد أية مشروبات, فطلب البعض مشروبات غازية, و عصير طماطم, و طلبت زوجتى ماءا قراحا, ( مجانا, تصوروا !!!)
و بعد قراءة القائمة, قررنا أن أن نطلب عدة أنواع من الصحون المفضلة, ثم نقوم باقتسامها على طريقة البانكويت.
و عندما عادت الينا, شرحنا لها ما نريد, فردت ببساطة: لا مشكلة فى هذا, ثم سألت: هل ستستعملون العصى, أم الشوك و السكاكين؟ فوافق الجميع على العصى, إلا العبد لله.
و حضر الطعام, صنف,
يتلوه صنف,
يتلوه صنف,
يتلوه صنف.
و أستغرق تناول العشاء حوالى ساعة.
لاحظت أثناء تناول الطعام أن المطعم قد إمتلأ بالكامل, و أن الحميع يتناولون الطعام و هم يتجاذبون أطراف الحديث, على صوت موسيقى شرقية(آسياوية) خافتة, و السعادة تشع من عيونهم.
كان الطعام لذيذا, كما كان أيضا رخيصا جدا. فقد امتلأت بطوننا, و كلف هذا كل منا ما يعادل 50 جنيه مصرى, و لو كانت هذه الوجبة قد أستهلكت فى مصر, لما كلفت أقل من مائة جنيه على الأقل للفرد الواحد.
خرجنا من المطعم, مصممون على العودة مرة أخرى فى المستقبل القريب, و عندما رجعت الى منزلنا, حاولت أن أفهم: لماذا الطعام يكون إفى إنجلترا و هى أغلى دول العالم, أرخص من مصر أحيانا؟
ثم فجأة, تنبهت الى السبب:
كان المطعم الذى تناولنا فيه العشاء اللذيذ تديره عائلة مهاجرة من فيتنام, حيث يعمل الأب و الأم فى المطبخ, و يذهب الإبن الى المدرسة فى الصباح, و يساعد والديه فى المطبخ, فى المساء.
أما الإستقبال, و الخدمة, و أخذ الطلبات, و إخلاء المائدة من الصحون بعد الأكل, و تقديم الفاتورة, و تحصيل الحساب, و شكر الزوار, و توديعهم الى الباب الأمامى, كل هذا تقوم به فتاة صغيرة الحجم, رقيقة الملامح, فى ربيع العمر, تقوم بخدمة ما يزيد على مائة شخص يوميا.
لم تتأخر فى أى من هذه المهام, و خرج الجميع و على وجوههم إبتسامة قناعة و شبع, ووعد بالعودة مرة أخرى.
حينئذ قلت لنفسى: كان الله فى عون المستهلك المصرى الذى يغامر بدخول مطعما سياحيا, حيث يقابله جيش فى الإستقبال, و جيش فى إيجاد مائدة شاغرة, و جيش فى إحضار الطعام, و جيش فى رفع الصحون بعد الإنتهاء, و جيش للتوديع, و عشرات الجيوش مادة أيديها لطلب الإكراميات, فى الوقت الذى يتمنى فيه الزبون قتلهم لرداءة الطعام.
عندئذ, عرفت لماذا يكون الطعام أحيانا أرخص فى إنجلترا عن مصر.
و بمناسبة الكلاب و الكباب, تذكرت قصة جزارى الأسكندرية, الذين كانوا يبيعون لحم الحمير المسروقة, للجمهور على أنها لحم كندوز.
الغريب أن بعض من تناولوا لحم الحمير أكدوا بعد ذلك أن لحمها كان ألذ كثيرا من اللحم البقرى و الجملى, فضلا عن أنه أرخص. بل أن بعض الكتاب دخلوا فى متاهة تحليل أو تحريم أكل لحم الحمار, فضلا عن قانونيته.
الى هؤلاء أقول: لا تحضروا الى إنجلترا... فرغم أن بها كثير من الخنازير, فهى خالية من الحمير.
تقبلوا تحياتى.