
أصبحت الكوميديا اليوم بلا أب” هكذا علق أغلب الفنانين من مختلف الأجيال على رحيل الفنان القدير عبد المنعم مدبولي، الذي وافته المنية عن عمر يناهز 85 عاما، بعد ظهر أمس، بعد رحلة طويلة مع المرض، وتدهور حالته الصحية بشكل ملحوظ في الأسابيع الأخيرة من حياته. وكان الرئيس مبارك قد اتصل بالفنان القدير هاتفيا ليطمئن على صحته، قبل دخوله في غيبوبة، ثم أمر بعلاجه على نفقة الدولة، بعدها أعلن الأطباء المعالجون له أن حالته يمكن وصفها بأنها مستقرة، بعدها تدهورت بشكل ملحوظ بسبب الشيخوخة والجفاف وفقدان الشهية، ثم معاناته من الالتهاب الرئوي الحاد الذي أصيب به مؤخرا، ما أدى إلى إصابته بحالة من الاكتئاب التي سيطرت عليه بشكل كبير، وأكدتها أسرته التي التفّت حوله، خاصة ابنته أمل، فمنع عنه الأطباء الزيارة حتى لا تزداد صحته تدهورا، وتم نقله إلى العناية المركزة، بعدها دخل في غيبوبة دائمة، حتى وافته المنية.
وكان الفنان الكبير قد عاد مؤخرا من باريس بعد أن أجرى بعض الفحوص والتحاليل الطبية، ونصحه الأطباء باستكمال علاجه مع طبيبه الخاص، قبل أن تتدهور حالته بشكل ملحوظ ويدخل في دوامة المرض الأخيرة، ما منعه عن مواصلة كتابة قصة حياته التي بدأ كتابتها قبل عدة أشهر تمهيدا لإصدارها في كتاب، على غرار ما فعله الفنان القدير الراحل يوسف وهبي في كتابه “عشت ألف عام”، حيث كان يوسف وهبي أقرب الفنانين إلى قلب وعقل الفنان الراحل، خاصة تنقله بين التراجيديا والكوميديا بكل يسر وسهولة، وهو ما كان يستهوي الفنان الراحل ويميل إلى تقديمه من خلال أعماله الفنية.
ولد الفنان الراحل في 28 ديسمبر/كانون الأول عام 1923 في حي باب الشعرية، وبدأ مشواره الفني منذ سن الطفولة، حيث أصبح يتيماً وعمره ستة أشهر برحيل والده تاركا ثلاثة أطفال كان هو أصغرهم، ورغم صغر سن والدته إلا أنها تحملت المسؤولية واجتهدت في تربيتهم دون أن تشكو رغم مرارة الأيام، فقد عاشت وعاشوا معها في طفولتهم أياما عصيبة ظلت محفورة في ذاكرته حتى رحيله.
اكتشف الطفل عبد المنعم مدبولي في هذه السن المبكرة أن الضحك علاج مهم جدا للنفس، وأن فن التشخيص أو التمثيل هو السبيل الوحيد لذلك، فقد كان في طفولته حينما يحزن ليتمه وضيق حال أسرته، يذهب لأحد السرادقات التي كانت تقدم عروضاً مسرحية بحي باب الشعرية، وكان هناك عدة فرق شهيرة في الحي منها (فرقة الفار) و(فرقة سليم)، وكان المسرح عبارة عن ساحة من دون أي ديكورات، وعلى المشاهد أن يتخيل ما يريد تخيله، ومن خلال هذه الفرق عشق المسرح وفن التمثيل رغم صغر سنه، حتى بدأ في ممارسة التمثيل أثناء دراسته بالمرحلة الابتدائية، وبدأ بتكوين فريق من التلاميذ الصغار مثله للتمثيل في فناء المدرسة أو في أحد الشوارع بعد انتهاء اليوم الدراسي وكان هذا أول فريق تمثيل يكونه في حياته، وكان عمره آنذاك 8 سنوات، وفي إحدى الحفلات طلب من ناظر المدرسة أن يتيح له الفرصة ليقود زملاءه ويقدم عرضاً مسرحياً مدته 20 دقيقة فقط، ولم يعارض الناظر، وراح مدبولي يمرن التلاميذ ليل نهار على العرض الذي قام بتأليفه وإخراجه، وحصل في هذا العرض على أول تصفيق في حياته سواء من داخل المدرسة أم شرفات ونوافذ المنازل المحيطة، فانتزع منهم ضحكاتهم ووقف ابن الثامنة يحييهم بثقة الفنان الكبير، وكان أول أجر هو قلم رصاص من ناظر المدرسة، أما المكافأة الحقيقية فكانت إعفاءه من دفع المصروفات مقابل تكوين فريق للتمثيل في المدرسة تنافس به فرق المدارس الأخرى.
ويحسب لمدبولي أنه قدم العديد من الوجوه الجديدة التي صارت فيما بعد من ألمع النجوم بداية بالفنانة شويكار التي قال عنها: “مازلت أتذكر حتى اليوم أول مرة جاءت لي في المسرح وأخذتني بعيداً لكي أتعامل معها برفق في البروفات ولا أحرجها ثم وجدتها من أول بروفة جريئة وجيدة وكانت مفاجأة للجميع، مثلها مثل عادل إمام الذي لمست فيه الذكاء من أول يوم، فقد حضر لي وهو يريد أن يتعلم، فكان يستجيب لكل ما أقوله له وينفذ التعليمات بسرعة”.
قدم الفنان الراحل العديد من المسلسلات التلفزيونية الناجحة، لعل أشهرها “أبنائي الأعزاء شكرا”.
وقدم مدبولي خلال رحلته الفنية ما يقرب من 300 عمل فني بين المسرح والسينما والتلفزيون، غير العديد من ساعات البث والأعمال الإذاعية.
تزوج مدبولي مرة واحدة من شريكة حياته التي ظلت تسانده من بداية الرحلة، منذ ما يزيد على نصف قرن، حتى صار نجما لامعا في سماء الفن العربي، وصاحب مدرسة فنية متفردة، وأنجب ثلاثة أبناء، وأصبح له العديد من الأحفاد.
وكان الفنان الراحل يتحين الفرصة ليؤكد عظمة هذه الزوجة وحبه الشديد لها.
الله يرحمه ويغفر له
