IPB

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )





3 الصفحات V  < 1 2 3  
Reply to this topicStart new topic
> في ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا.., شارون ينعق على منصة الأمم المتحدة
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 24 2006, 07:14 PM
مشاركة #21


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



الجمعة ١٧ أيلول ١٩٨٢
اقتحام مستشفى عكا
الحلقة الثانية والأخيرة



بيان نويهض الحوت

الاثنين ١١ آب (أغسطس) ٢٠٠٣

نرويجية في مستشفى عكا
في الساعة الحادية عشرة كان الاقتحام.


كان المقتحمون متوترين وينظرون يمنة ويسرة بحثاً عن "مخربين". أما في اثناء وجودهم في المستشفى في ذلك النهار، فقد كان لديهم الوقت الكافي ليتعاملوا مع كل من الموجودين في المستشفى، أطباء وعاملين ومرضى، معاملة متفاوتة وفقاً للجنسية أحياناً، ووفقاً للمزاج أحياناً أخرى: وهي معاملة تراوحت بين المعاملة بالحسنى وبين التعذيب والاغتصاب والقتل الوحشي.

كانت الممرضة الفرنسية إريكا أول من لاحظ قدومهم. فجاءت مسرعة تنادي الطبيب سامي. أسرع الطبيب ومن حوله ليشاهدوا مسلحاً يتقدم مجموعة عبرت المدخل الرئيسي، وهو يزعق بصوت عصبي وعنيف جداً، وكأنه يتوقع معارضة مسلحة. حاولت آن أن تسأل إن كان ممكناً لها أن تأتي بجواز سفرها لم يسمح لها بذلك. فسألته حينذاك بالعربية المحدودة التي تعرفها: "إنتو مين؟" فجاءها الجواب بالانكليزية أنهم “ Phalangists”. وعادت تسأل الرجلين المسلحين اللذين كانا واقفين أمامها عما يبحثان وجاء الجواب أنهما يبحثان عن جنود، عن مقاتلين، عن مخربون! هي لا تستطيع أن تؤكد أية لفظة استعملت، لكنها تذكر جوابها بأنه لا يوجد جندي مسلح واحد في المبنى، فالكل مدنيون. كذلك لا يوجد فيه أي سلاح على الإطلاق. استوعب المسلح الثاني كلامها وسمح لها بأن تذهب وتأتي بجواز سفرها.

مسلحون آخرون كانوا يجمعون الممرضات وكل العاملين في المستشفى من غرفهم. كانت الممرضة النرويجية أستريد باركفيد ما زالت نائمة في غرفتها مرهقة بعد سهر نوبة الليل الطويل، وما إن فتحت عينيها حتى رأتهم فوق رأسها، وقالوا لها أنهم "فالانج"، لكنها لم تلاحظ أية شارات على لباسهم. وسرعان ما سمعت أصوات هؤلاء الجنود وهم يصرخون من غرفة الى أخرى بحثاً عن جنود فلسطينيين. بقيت الممرضة أستريد النرويجية للعناية بالأطفال. بينما بقيت ماري الاسترالية وجين مع الأطفال المعاقين، وغادرت آن باب المستشفى في حراسة مسلح لقّن بندقيته على أتم استعداد لاستعمالها إن لزم الأمر غير أن المسلحين كانوا في واقع الأمر مضطرين ولا يصدقون أن المستشفى خال من المقاتلين، فتضاربت أوامرهم. قال لها مسلح في الخارج بصيغة الأمر "تعالي الى هنا"، بينما في اللحظة نفسها جاء مسلح آخر ليقول لها: "قفي مكانك". ولما كانت آن قوية الشخصية وهادئة بطبيعتها، فقد تمالكت نفسها وقالت لهم بالانكليزية: "من أطيع منكم؟ الواحد يقول كلاماً مناقضاً للآخر فإذا فعلت ما يقوله أي منكم، وقعت في مشكلة". وحلت المشكلة بأن طلبوا منها أن تخرج فخرجت. ومشت الى جانبها العاملة المصرية التي قادت سيارة الرينو قبل قليل لحمل جثمان عرابي الى المستشفى. ومشى آخرون وسرعان ما لاحظ الجميع أن الأجانب يسيرون في طابور، بينما يسير الفلسطينيون في طابور آخر.

نظرت آن الى الامام عبر الشارع فرأت المسلحين يجلسون أمام بيوت حرش ثابت حتى مدخل شاتيلا الرئيسي، وتعتقد أنهم كانوا نحو خمسة عشر مسلحاً. كذلك كان عند المستديرة خمسة أو ستة آخرون. وكان يوجد عند تقاطع الطرق بين الشارع الرئيسي (شارع السفارة الكويتية) ومدخل شاتيلا مجموعة أخرى من المسلحين يبلغ عدد أفرادها ما بين العشرة والخمسة عشر مسلحاً، وما بين هذه النقاط المسلحة أعطت آن جواز السفر، فتأكدوا من كونها أجنبية وقالوا إن لا مشكلة هناك.

وصل السكرتير الأول في السفارة النرويجية كي يعود بالنرويجيين من أعضاء الجسم الطبي في المستشفى، ووافق المسلحون على طلبه هل ترضى آن بذلك قبل أن تطمئن الى مصير زملائها الآخرين؟ كانت في تلك اللحظات الحرجة حزينة وغاضبة على مصرع عرابي، وكيف تنسى أنه ما زال جثة ممددة في الطوارئ، وأن غيره مهدد بالمصير نفسه، بينما السكرتير الأول جاء ليحمي أبناء بلده، ولعله كان على حق. تصف آن تلك اللحظات الحرجة بقولها:

كان قراراً من أصعب القرارات في حياتي، وعليّ أن أتخذه في جزء من الثانية: هل أركب السيارة معه؟ هل أترك أصدقائي وأغادر المكان، أم أبقى؟

لم أكن أعلم ماذا يمكن أن يجري، ذلك بأن مجموعة الجنود (الميليشيا) كانت مهذبة ولم نكن نعلم في تلك اللحظات ما حدث في المخيمات فعلاً. ولم أجد نفسي إلا وأنا في السيارة بدافع غريزي لا إرادي.

لما سمحوا لنا بالعودة ثانية الى المستشفى، سمحوا لنا بأن نأخذ أستريد معنا، وسمحوا لي بأن آتي بحقيبتي التي كان أهم ما فيها أفلام عن الأيام السابقة، سألتهم إن كنا نستطيع أن نأخذ معنا الأطفال، فوافقوا. وأخذنا أربعة أطفال وكان هناك طفل خامس في تلك الغرفة لم نجرؤ على حمله معنا لصعوبة حالته. فهو بحاجة الى سيارة إسعاف.

من التناقضات بين المسلحين أنفسهم، أن أحدهم سأل بالفرنسية إن كان لدى السكرتير الأول في السفارة النرويجية سيارة كبيرة تتسع بقية الأطفال، وكان الجواب أنه لا توجد سيارة كبيرة. وانتهى الجواب بسؤال مماثل من النرويجي: "هل لديكم أنتم سيارة لنقل بقية الأطفال؟" ورد المسلح بقوله إنه ليس لديهم. وتم الاتفاق على إمكان العودة لأخذ بقية الاطفال. لكن لن يكون هناك أطفال لأخذهم فيما بعد !!

لاحظت آن سوندي في طريق العودة اختفاء الأصدقاء والزملاء الذين كانوا أوقفوهم بالقرب من مدخل شاتيلا، ولاحظت وجود شاحنة كبيرةمقدمها مواجه لمستديرة المطار كان نصفها مملوءاً بالشباب والرجال، ودققت في وجوه هؤلاء لكنها لم تجد بينهم من تعرف.

وصلت السيارة الدبلوماسية أخيراً الى مستشفى الجامعة الأميركية. ورفضت الإدارة في بادئ الأمر استقبال هؤلاء الأطفال المرضى لصعوبة حالاتهم، وما كان في استطاعة آن أن تكشف عن هوية الأطفال وأنهم من مستشفى عكا لأنها – كما قالت – لم تكن تعلم من تكلم، ووجدت الطريقة المثلى في إقناعهم ببقاء ممرضة معهم للاعتناء بهم. وهكذا بقيت الممرضة آستريد.

تتوقف تجربة آن سوندي في مستشفى عكا، لتبدأ في اليوم نفسه تجربتها في مستشفى غزة: فهي "النرويجية" التي تمكنت من الوصول الى مستشفى غزة وإبلاغهم ما جرى في مستشفى عكا.

فلسطينية في مستشفى عكا
تختلف تجربةنزهة، الممرضة الفلسطينية، عن تجربة آن النرويجية اختلافاً بيناً. التجربة في بداية النهار كانت متشابهة، فكل منهما كانت انتهت من "حمام" الصباح وهي تستمع الى النداءات عبر مكبرات الصوت بالتسليم، لكن الاختلاف البين في التجربة ابتدأ منذ تلك اللحظات.

كانت نزهة ما زالت ترتدي ثيابها وهي تستمع وتستوعب لأول مرة أن ما يجري شيء خطر وهي تقول:

مقر الهلال الأحمر كان في بناية مجاورة في الطابق الرابع. تطلعت هيك وإلا بيصرخوا بالميكروفون. الميكروفون كإني شايفته هلق. الباب تبعه أبيض والمسكة من ورا حمرا، صاروا يعيطوا ويقولوا سلموا بتسلموا. وإذا كان في مخربين وإذا كان في أي شي وما مسترجي يعطينا السلاح بيرمي السلاح بالشارع وبيهرب. بيرمي السلاح إذا كان فزعان وبيهرب.

أكملت نزهة إرتداء ثيابها وغادرت المنزل الى المستشفى حيث رأت الطبيب سامي، وقالت له: "منشان الله يا دكتور سامي خلينا نهرب". فرد عليها بقوله: "يا نزهة إسرائيل فاتت على الجنوب وأهلك هلق ساكنين بالجنوب، حكت معهم؟ يعني حكت مع النسوان والأطفال؟ ما حكت معهم". أدركت نزهة أن الطبيب يرفض تصديق أن هؤلاء كتائب وليسوا إسرائيليين. وهي تصف يأسها في تلك اللحظات:

أنا صرت أبكي وأعبطه للدكتور وأبوس إيديه حتى يخلينا نهرب، ما كان يخلينا أبداً. قال: "معقولة نترك ونهرب؟" وهيك بقينا، لحتى وصلوا لعنا.

كان الدكتور سامي عم يكفن عرابي، وقميصه غارق دم قلي: "اطلعي يا نزهة جيبيلي قميص نضيف لألبسه". قلتلو: "ما مسترجية يا حكيم". وصرت أبيك. قلي، وهو فكره عم يشجعني: "والله إن ما طلعت لأرميك من الشباك. كل ها القد جبانة؟ ورديت عليه: "أنا مش جبانة يا حكيم، بس أنا خايفة، لأنو هاي كتايب . . ".

وأنا بس حسيت إنهم دخلوا من مدخل الطوارئ، ما لقيت حالي إلا وأنا بهرب من المدخل التاني للطوارئ وكان معي تلات بنات رفقاتي. كنا كلنا هربانين مع بعض، وكان معنا طفل صغير كما هربناه معنا.

على الطريق شفنا دبابة اسرائيلية قلنالهم شو صار معنا في المستشفى وعن الحالات اللي وصلت لعنا؛ عن قتل الناس بالرصاص والدبح، صاروا الاسرائيلية يضحكوا علينا ويقولولنا: "روخ . . روخ . . خبيبي ما تخاف"

وصلت نزهة مع رفيقاتها الى ميخم برج البراجنة، نمن ليلتهن هناك. وعادت في اليوم التالي الى المستشفى لتأخذ هويتها وحقيبتها وما تركته من راتبها الشهري، إذ كانت لا تملك من المال ما يوصلها الى صور، حيث أهلها لكنها لم تجد أحداً تعرفه في المستشفى. لا أحد هناك وجدت شباباً من الصليب الأحمر اللبناني فسألوها: لم تبكين؟ وما إن عرفوا أنها ممرضة حتى صعد معها بعضهم الى الطبقة الرابعة في مبنى مسكن الممرضات هناك وجدت نزهة حقيبة يدها، لكنها فارغة من الهوية ومن بقية الراتب.

لم تقف نزهة حائرة بل شعرت بواجبها كممرضة منذ تلك اللحظة، وما عادت تفكر في الهروب الى صور، وإنما قررت البقاء، وراحت تدقق فيما جرى في المستشفى.

لبنانية في مستشفى عكا
تختلف تجربة شابة لبنانية عن التجربتين السابقتين لنرويجية وفلسطينية في مستشفى عكا. بداية ونهاية. إنها تجربة رندة التي أنقذت أباها الجريح في الرواية السادسة عشرة. والتي نامت في مستشفى عكا مع والدها بعد أن أكملوا له العملية الجراحية يوم الخميس ليلاً في ضوء الشموع.

شاهدت رندة تصرفات المسلحين منذ دخولهم مستشفى عكا، وشهدت أنهم لم يكونوا مهذبين معها كما كانوا مع الأجانب، لكنهم ما كانوا شرسين كما كانوا مع الفلسطينيين.

كانت رندة واقفة بالقرب من الباب، فلم تشعر إلا وهم عند الباب وفي المدخل. وتقول: "فاجأونا وأخذوا يدفشوا فينا وينزلونا لتحت" وكان عددهم كثيراً جداً، وخصوصاً مع الواقفين في الخارج بين محطة الوقود والمستشفى. وحمدت رندة الله على أن السكان المحتمين بملجأ المستشفى كانوا غادروه، وإلا كانت الكارثة أعظم، تقول:

أنا لما دخلوا جوا ركضت لعند بيي، وقلتلوا "إجو الاسرائيلية يا بيي" لكن همّي كانوا وراي قالولي: لأ. إحنا سعد حداد وكتائب". وإجا واحد قعد حدي على سرير بيي، وقلي: "ما تفزعي. نحنا لبنانية مثلك". قلتلو "بس إنتوا قتلتونا، ليه قتلتونا؟ هاي بيي وخيي متصاوبين، وفي إلي خيّ اتقتل. وأنا متأكدة إنو جثته بعدها بالأرض، وإمي وخياتي بعد ما منعرف شو صار فيهم". قلي: "لكن إحنا ما فتنا على منطقة الحرش أبداً".

طبعاً عرفت عم يكذب. وإذا كان صادق إنو هو ما فات، في غيره من رفقاته فاتوا، لكن شو بدي إحكي. مضى الوقت وهمّي ساعة يقولولنا بدنا قهوة. وساعة بدنا شاي. أو قوموا هاتولنا مي بدنا نشرب. ما خوّفونا بالأول، وصحيح صاروا يمزحوا ويضحكوا معنا، لكن عاملونا برضه زي الخدم.

في واحد منهم جرّب يحكي على جهاز اللاسلكي وما عرف، أو كان يمكن عم يجربني. إجا قلي: "تعي إنت فوتي إحكي". قلتلو: "أنا صرلي بس من امبارح هون وما بعرف استعمل اللاسلكي. بعدين أنا لبنانية مش فلسطينية". قال: "نحنا عارفين إنك لبنانية. ليش قاعدة معاهم؟" قلتلوا: "طيب فينا إحنا نستأجر بيت بألفين أو بألف ليرة. إحنا الله يساعدنا كلنا بنات وكلنا منشتغل ومنقدم لبيي".

لم تشهد رندة مقتل أحد أمامها، لكنها سمعت الرصاص حين قتلوا الممرضة انتصار. وقد تحدثت عن ممرضة أخرى تمكنت من النجاة بنفسها حين قالت لهم أنها ستعود حالاً بعد أن تأتي بالماء، فغافلتهم ورمت نفسها من غرفة أخرى الى الخارج، وقد ساعدها ناس فأوقفوا لها سيارة أوصلتها الى حارة حريك.

لم تحتمل رندة البقاء أكثر من الساعة الثالثة. ادعت أنها جائعة، فقالوا لها: "نحنا منجيبلك أكل. وبعدين أنت قلتِ إنك باقية للساعة خمسة". أجابتهم بأنها ستذهب الى الشياح حيث يقطن عمها وعائلته وهم في انتظارها. أما السبب في قرارها الخروج وترك أبيها وأخيها فكان الخوف الذي اعتراها من سوء أدبهم والكلام الفاحش الذي أسمعوها إياه. وقد تمادى بعضهم في قلة الأدب، فخافت من مصير كمصير اللواتي سمعت عما جرى لهن. وقالت في نفسها إن الله سبحانه وتعالى يحمي أباها وأخاها، لكنها لا تستطيع ذلك بمفردها. وتمكنت رندة من إنقاذ فتاة فلسطينية معها وهي خارجة. فادعت أنها تعرفها وأنها لبنانية من بلدتها في الجنوب. وكانت الفتاة قد مزقت بطاقتها الشخصية ثم أحرقتها.

تنفست الاثنتان الصعداء في الخارج، واسترعى انتباه كل منهما أن الاسرائيليين كانوا غادروا مكانهم تحت جسر المطار.

مصير الممرضات
روت ممرضة لبنانية في مستشفى عكا لمراسلة صحيفة "ليبراسيون" مايا ثابت:

في الساعة الحادية عشرة اقتحم المستشفى رجال . . يتكلمون العربية والانكليزية . . كانوا في غاية الاضطراب، وبلهجة عسكرية طلبوا من جميع العاملين الأجانب بالمستشفى وعددهم يتجاوز أحد عشر طبيباً وممرضاً أن يخرجوا من المستشفى رافعين أيديهم في الهواء. . وبقيت ممرضتان تعتنيان بثمانية جرحى وخمسة أطفال معوقين، كما بقي أطفال رضّع آخرون.

على مدخل شاتيلا طلب منا ضابط إسرائيلي العودة الى المستشفى وإغلاقه في وجه الجرحى والقتلى، لكنهم احتفظوا بطبيب فلسطيني كان معنا. وما عدنا رأيناه منذ ذلك الوقت [تقصد الطبيب سامي الخطيب].

عدنا الى المستشفى واكتشفنا أن أربعة جرحى اختطفوا، ولكن الممرضتين ما تزالان هناك. وبعد الظهر جاء وفد الصليب الأحمر للاطمئنان علينا، وأخذ أسماءنا، عندئذ اكتشفنا أن الممرضتين اختفتا. وقال لنا الطبيب أنه رأى المسلحين يخنقون الممرضتين خلف البناية.

إحدى الممرضات الفلسطينيات كانت معنا، ذهبت للبحث عن أختها التي التجأت في بيت قريب من المستشفى فوجدتها عارية ملطخة بالدم ومقتولة خنقاً.

يروي طوني، وهو مواطن لبناني يسكن في مبنى مجاور لمستشفى عكا، كيف عاد الى منزله لتفقده بعد طول غياب خلال الحصار الاسرائيلي لبيروت وكان سبب غيابه القسري عن بيته أنه مسيحي؛ فمنطق الحروب الأهلية الطائفية يفرض العزل السكاني لكل طائفة، ولأي طائفة كانت، في كل مكان، وهكذا كان في لبنان.

يروي طوني كيف اضطر الى الاحتماء بمنزله من الرصاص، فقد كان في الخارج عدد من المسلحين يصوبون بنادقهم الرشاشة نحو المستشفى. وقد شاهدهم من إحدى النوافذ، كما تمكن من مشاهدة ما جرى لممرضتين من المستشفى . الممرضة الأولى شاهدها عندما فتح باب بيته ليرى ما يجري في الخارج، كانت تجلس القرفصاء في ركن من الدرج خائفة مذعورة. دعاها الى الاحتماء بمنزله، لكنها أشارت الى الجهة الأخرى التي كانت أصوات الرصاص تأتي منها. ومرت ساعة كاملة تشجع بعدها وفتح نافذة جانبية. وهناك شاهد عدداً من الجنود يغتصب ممرضة أخرى. وقد كانت تستنجد بصوت مخنوق، وكانت تبكي . ثم رأى نهاية الجريمة: قتلوها بالرصاص.

مضت ساعتان بعد هذه الجريمة كانوا خلالهما قد عادوا الى الممرضة المذعورة، فقيدوها بالحبال، واغتصبوها، ورحلوا. .

عاد طوني يفتح بابه ليرعف ما حل بالممرضة المذعورة، فوجدها مكانها، لكنها تحولت الى ضحية مشلوحة في الممر، وما كاد يهم بالصلاة من أجلها كما صلى لراحة نفس زميلتها، حتى انهمر رصاص قريب، فأصيب في ساقه اليمنى. التفت الى مصدر النار فأدرك أن من أطلق النار عليه كان أحد أقربائه، أمر المسؤول عن المجموعة ذلك المسلح بالإجهاز عليه، لكن المسلح كان بدوره قد أدرك أنه أطلق النار على قريبه، فرفض الأمر بالإجهاز عليه. ولولا تلك المصادفة، لما عاش طوني.

ربما كانت الممرضة الثانية هي نفسها الممرضة التي وجدت في ملجأ المبنى المجاور. أي المبنى الذي يسكن فيه الراوي طوني لكن لم يكن سهلاً التعرف على جثتها. إذ تم التعرف عليها من شعرها و "صندلها"، وقد ظهر أنها اغتصبت حتى الموت.

أما الممرضة انتصار فقد تكون إحدى الممرضتين اللتين شاهد طوني ما حل بهما. ويروي ما جرى لانتصار موظف الأشعة نقلاً عن زملائه وزميلاته في المستشفى؛ هؤلاء يروون كيف اقتادها المسلحون الى الملجأ، بالقوة، شدوا شعرها وأنزلوها وهي تصيح أن يقتلوها وهم فعلاً قتلوها، لكن بعد أن اغتصبوها عدة مرات وبعد أن انتهوا من عملهم جروها الى محطة الوقود، فأمسكت بخزان الوقود تحتمي به، أو كما يروي أحد زملائها "وتعبطت محل ما بعبوا بنزين، تعبطت فيها وبلشوا يتناشنوا عليها، خردقوها تخردق".

تروي الممرضة نزهة، التي كانت تمكنت من الهروب ثم العودة، أنه طلب منها أن تذهب الى مستشفى الجامعة الأميركية للتعرف على جثة زميلتها الممرضة انتصار، إذ لا أحد من أهلها في بيروت، فهم من سكان طرابلس، وذهبت، وتعرفت عليها.

الممرضة اللي قتلوها انتصار رفيقتي كنت أنام أنا وإياها في غرفة واحدة، قلتلها تهرب معاي. لكن ما كانت تهرب، لأنو في معنا واحدة لبنانية كانت تداوم اسمها سناء كانت بدها تضل معها وهي تقول إذا فاتوا لعنا ما بيحكوا معي، بدي أقولهم أنا لبنانية من بعلبك.

لكن ما فاتوا عرفوها فلسطينية، عرفوها من لهجتها حالاً, اعتدوا عليها وقتلوها وهي ما وفرتهم. شتمتهم وقاومت قد ما تقدر في ناس سمعوا وحكولي.

ويا ريتني ما رحت حتى أتعرف على الجثة ما في أصعب من شوفة أغلى الناس مشوهين على ها الصورة. لن ما ممكن ما أتعرف على صديقتي؟ ممكن تموت وما حدا يشوفها ويؤكد إنو هاي انتصار؟

إرحمها يا رب.

مصير الأطباء والعاملين
لم يكن مصير الأطباء أقل وحشية من مصير الممرضات، اثنان منهم عذبا وقتلا، وهما الطبيب علي عثمان والطبيب سامي الخطيب. وكلاهما فلسطيني.

الطبيب علي عثمان متزوج بامرأة سوفياتية ولهما ابن. كان مع مجموعة الأطباء والعاملين في المستشفى الذين نادوهم منذ اللحظات الأولى كي يخرجوا. ولما صاحوا عليه ليقترب، قال لهم أن يمهلوه كي يدخل المستشفى ويعود بزوجته. من الواضح أنهم ظنوها فلسطينية، وبالتالي، غنماً جديداً، فسمحوا له بذلك. لكنه ما إن دخل المبنى حتى قفز من النافذة الى الحديقة التي تطل عليها بناية يعقوبيان، ولم يتحمل الطبيب القفزة، إذ وقع على رجله المكسورة سابقاً، ولم يتمكن من الهروب بسرعة. أخذ يمشي ببطء خطوة خطوة، الى أن دخل بناية يعقوبيان، ورأى صاحب البناية عند المدخل، وكان كل منهما يعرف الآخر، فقال له أنه يريد الاختباء عنده، واختبأ فعلاً في الطبقة الرابعة.

قال يعقوبيان لموظفين في مستشفى عكا، فيما بعد، إن المسلحين جاؤوا إليه وسألوه إن كان أحد اختبأ عنده، فأجابهم: "ما بعرف" وكان معه ثلاثمئة ألف ليرة فاستولوا على ما معه من مال، وفتشوا المبنى.

أما الطبيب علي عثمان فقد وجدوه في الطبقة الرابعة، ويروي موظف الأشعة: طلعوا جابوا الدكتور عثمان. عذبوه عذاب مش معقول. يعني في بنت شاهدة وموجودة شافتهم بعيونها حكيت معي وقالت إنها شاهدت أسنانه مكسّرة ومرمية لبرّا. وشافتهم عم يشحطوه شحط على الأرض. وهو عم يصرخ ويقول "دخيلكم". ولحد هلق مش معروف شي عن الدكتور علي عثمان بقولوا إنهم قتلوه والطبيعي يكونوا قتلوه لكن الجثة ما بيّنت!! وكمان ما التقت جثة الدكتور سامي الخطيب. أبداً ما التقت.

وجد دليل واحد على مقتل الطبيب علي عثمان، وهو قطعة المعدن التلي كانت داخل رجله الاصطناعية، فلما شوهدت الرجل الاصطناعية على الطريق عرفوا أنه قتل كان علي عثمان طبيباً متخصصاً بالأمراض الداخلية، وكان أنهى تخصصه في الاتحاد السوفياتي، وعاد الى بيروت مع زوجته وابنهما الوحيد في نهاية سنة 1981. كان في منتصف الثلاثينات من العمر، وطبيباً مخلصاً في عمله ومحبوباً.

أما الطبيب سامي الخطيبفكان أحد الذين اقتيدوا الى خارج المستشفى بأوامر من القوات اللبنانية وليس بعيداً عن مكان تجميع العاملين في المستشفى، وقف السكرتير الأول في السفارة النرويجية يفاوض المسلحين بشأن أخذ الرعايا النرويجيين.

قالت آن سوندي أنها في أثناء الحوار لاحظت أن الطبيب سامي الخطيب فُصل عن المجموعة وقاتيد الى مدخل شاتيلا الرئيسي، فتوجهت حالاً نحوه. هناك كان يقف إزاء الحائط، ومعه عشرة أو خمسة عشر آخرين. ولما اقتربت منه سمعته يطلب من المسلحين السماح له بالعودة الى المستشفى كونه طبيب الأطفال الوحيد، والمستشفى بحاجة إليه بسبب وجود الكثير من الأطفال المرضى. وسمعتهم يسألون بعضهم البعض بالعربية عنها: "مين هاي؟" فأجابتهم بأنها نرويجية. هنا قال لها أحد المسلحين بالإنكليزية "إذهبي حالاً حيث تقف مجموعتك". وقال لها الطبيب سامي، بالإنكليزية أيضاً: "لا تقلقي، إرجعي أرجوك".

عادت آن الى حيث يقف الأجانب، مميزين من الفلسطينيين، على الرغم منها. وكما علمنا أعلاه فقد سمح للسكرتير الأول في السفارة النرويجية وللنرويجيين بأن يعودوا الى المستشفى لإنقاذ بعض الأطفال. وفعلاً عادوا وتمكنوا من إنقاذ أربعة أطفال معاقين. لكن ما كادت السيارة الدبلوماسية تتحرك من المستشفى في اتجاه الأوزاعي حتى تلفتت آن حيث يقف زملاؤها من الجسم الطبي، فلم تجد أحداً. اختفى الطبيب سامي الخطيب واختفى الآخرون. اختفى الفلسطينييون. وهي تقول نقلاً عن آخرين أنهم شاهدوا الطبيب سامي فيما بعد في المدينة الرياضية، وهناك شخص قال أنه رآه وقد عذب كثيراً قبل أن يقتل.

هل كانت جثة الطبيب سامي أو جثة الطبيب علي بين الجثث المرمية في مسبح المدينة الرياضية؟

شهود العيان من بعيد حكموا بذلك لأنهم شاهدوا جثثاً لأربعة رجال يرتدون "الروب" الأبيض تعوم على سطح المسبح القليل المياه.

لكن لموظفين في الهلال الأحمر رأياً آخر، ذلك بأن المسعفين كانوا يرتدون "الروب" الأبيض أيضاً. وقد قتل ثلاثة من هؤلاء وهم في سيارة إسعاف، ومن الممكن ان تكون جثة أحدهم أو جثة ثلاثتهم قد قذف بها في المسبح. ويقدر أن يتحدث أحد من الهلال الأحمر من دون أن يذكر أسماء الشهداء الثلاثة معاً، زياد معروف ونزار الصادق وجهاد الحاج. كانوا ثلاثة أصدقاء في الحياة وثلاثة رفاق في الممات. وعندما تسأل الممرضة نزهة عمن فقدت في المجزرة من أهل، تجيب بأنها فقدت الكثير، ثم يكتشف السامع أنها لم تفقد أحداً من الأقرباء لكن من الزملاء . تقول: كان أقربهم لي ثلاثة. أنا فقدت نزار، وفقدت جهاد، وفقدت زياد. كلهم اتقتلوا بالمجزرة. كان نزار ضابط إسعاف، وكانوا الثلاثة مسعفين . كانوا رايحين يوصلوا جريح اسمه حاتم على مستشفى غزة. وصلوا على غزة ووصلوا الجريح وهمّي راجعين قتلوهم بنص الطريق. والسيارة اللي كانت معهم كانت سيارة آخدينها من الصليب الأحمر، وعليها إشارة الصليب الأحمر ولكن نحنا ما عرفنا إنهم ماتوا إلا في اليوم الثاني، وما كان في اتصال بينا وبين مستشفى غزة كانت انقطعت الاتصالات لنسأل عنهم.

من ضحايا الجسم الطبي والعاملين في مستشفى عكا طبيبان وممرضتان وثلاثة مسعفين وطباخ وحارس، وباقي الضحايا من المرضى، وخصوصاً الأطفال.

أما الأجانب، فقد عاد من عاد منهم في اليوم نفسه، ومن الذين عادوا ماريا عرابي الفنلندية، التي قتلوا زوجها المصري عرابي. كانت واحدة من المجموعة التي اقتادوها للتحقيق ساعة دخولهم المستشفى. وبعد التحقيق معهم بالقرب من مدخل شاتيلا خص المسلحون الأجانب باحترام خاص. فوضعوا لهم بطانية على الأرض ليجلسوا، وقدموا لهم السجائر والعلكة. وأعربوا عن اهتمامهم بإمكان أن يتعرضوا للأذى جرّاء الشمس الحارقة. ولما سألهم الأجانب كم سيمكثون هكذا جالسين على البطانية، لم يتلقوا رداً. ثم تم القرار بأن يذهبوا خشية أن يظن الاسرائيليون أنهم معتقلون لديهم. ولما سألوهم الى أين يذهبون، هز المسلح كتفيه من دون جواب. فقال لهم الأجانب أنهم سيعودون الى المستشفى، وطلبوا أن يعود معهم الطبيب سامي الخطيب لحاجة المستشفى إليه، وكان الجواب الرفض. وشاهدت ماريا جميع الموقوفين وهم يمشون صفوفاً رافعين الأيدي فوق الرؤوس.

أما المسلحون الذين احتلوا المستشفى وبقوا فيه، فغضبون حين شاهدوهم قد عادوا للاعتناء بالمرضى والأطفال. وهاجموهم واصفين إياهم بالقذرين والسيئين لأنهم يعملون مع الفلسطينيين. وسألوهم إن كانوا شيوعيين أو من جماعة بادر – مايتهوف، ومن الذي أرسلهم. فأجابوهم بأنهم مسيحيون، وأنهم جاؤوا من قبل عدد من المنظمات الإنسانية.

سمح المسلحون للفريق الطبي الأجنبي بأن يبقى فقط في الطبقة السفلية، حيث كان لا يزال خمسة معاقين من الأطفال وطفل من مستشفى الأطفال. وكان باقي المرضى في الطبقة الأولى، وعددهم ثمانية، ومعهم ممرضتان واحدة فلسطينية والأخرى لبنانية، وبقي مع المرضى الطبيب راشا، لكن الى حين.

أما في شأن تصرفات هؤلاء المسلحين، حتى مع الأجانب، فكانت متناقضة جداً. تقول ماريا: "إنهم كانوا يبدون في لحظة معينة في منتهى العنف، وفي اللحظة التالية يظهرون استعدادهم للقيام بأي شيء لمساعدتنا".

هناك طبيب أجنبي استثناه المسلحون وأرادوا إيذاءه، وأبقوه بمفرده في الطبقة السادسة تمهيداً لذلك، وهو الطبيب السريلانكي راشا. وقد اتضح أن أحد المسلحين كان يحتفظ بالطبيب رهينة، مهدداً بقتله إذا لم تعد ممرضة كان وعد نفسه بها، قبل السابعة مساءً. وهي الممرضة نفسها التي رجت آن سوندي أن يأخذوها، فلم يتمكن الفريق النرويجي من ذلك، إلا أنها عادت فتمكنت من الهرب. لكن العناية الإلهية أنقذب الطبيب عن طريق إسرائيلي كان عالجه في الجنوب يوم كان الطبيب يعمل هناك، فقال الجندي الاسرائيلي للميليشيوي: "أتركه يذهب". وقال للطبيب راشا: "إذهب الى (بيروت الشرقية) وغادر البلد حالاً". وهناك قصة ثانية إنهم هددوا الطبيب بالقتل إن لم يعطهم مبلغاً من المال. وأخيراً أنقذ الطبيب كما أنقذ غيره لما جاء الصليب الأحمر.

من الواضح أن أفراد الميليشيات غادروا المستشفى، وربما موقتاً، في نحو الساعة الثالثة، ذلك بأن عناصر الصليب الأحمر الدولي لم يروهم هناك حين وصلوا بعد الظهر لكن الحريق الذي شب في المستشفى فيما بعد يدل على عودة من أحرق المستشفى.

جاء موفدون من الصليب الأحمر الدولي مرتين لإنقاذ من تبقى في المستشفى. كانت أول مرة في نحو الساعة الثانية ظهراً، وقالوا أنهم حاولوا المجيء صباحاً فلم يتمكنوا، ووعدوا بالعودة بعد الظهر أيضاً، ووفوا بوعدهم في الساعة الرابعة والدقيقة الثلاثين بعد الظهر. تقول ماريا إنه كان هناك أربعة مرضى فقط في الطبقة الأولى، ولم تعرف مصير الأربعة الباقين، فنقل الصليب الأحمر المرضى الى مستشفى نجار، والأطفال مع الممرضة الى مركز أمل. ويقول حمزة أنه كان هو وأبوه بين الجرحى المحظوظين الذين أنقذوا، ويتذكر أن الساعة كانت الثالثة والدقيقة الثلاثين بعد الظهر لما وصلوا الى مستشفى نجار.

كان طوني أحد المسعفين في فرقة الصليب الأحمر اللبناني التي رافقت الصليب الأحمر الدولي الى مستشفى عكا بعد ظهر الجمعة. قال إنه جرى اتصال بهم فحواه أن ثلاثة ماتوا في مستشفى عكا، وأن عليهم الذهاب للمجيء بهم. ولما كانت طريق صبرا مقفلة فقد اضطروا الى الذهاب عن طريق الأوزاعي. هناك صادفوا حواجز لكن "مشي الحال" على الرغم من أنهم توقفوا في محلات خطرة وخلال القصف، فكان مسؤول الصليب الأحمر الدولي يترجل ويتكلم مع المسؤولين الاسرائيليين هناك. وعند حاجز مستديرة الطيونة اضطر المسعفون الى الترجل وهم يلفون أنفسهم بأعلام الصليب الأحمر كي يتأكد الجنود أنهم حقاً مسعفون. عند وصول المسعفين الى مستشفى عكا سمعوا صوت إطلاق رصاص قوياً وسقوط قذائف، واستغربوا هذه الأصوات، إذ كانوا يعلمون أن الشباب سلموا سلاحهم، لماذا الرصاص إذاً؟ من يحارب من؟ يقول طوني:

لما فتنا على مستشفى عكا ساعتها اكتشفنا إنو الناس اللي كانوا ميتين واللي رايحين نجيبهم ما كانوا ميتين من قصف أو شي، كانوا ميتين من ضرب رصاص عن قريب. كانوا ميتين متل اللي شفناهم بعدين كيف ماتوا بالمجزرة. وفي الوقت التي كانت عم تقوم فيه المجزرة إحنا كنا بمستشفى عكا، وما عرفانين إنو المجزرة عم تصير.

بعدين عرفنا إنو الجماعة [يقصد الميليشيات المسلحة] كانوا طلعوا من عكا وفاتوا لجوّا وصاروا بصبرا بعدني بتذكر منيح إنو إحنا شلنا من جماعة عكا يومتها امرأتين وحكيم وعامل كان يشتغل بمحطة بنزين جنسيته مصرية. شلناهم، كانوا كتير مشنّعين فيهم للممرضات والحكيم كمان هيداك المصري [يقصد الطباخ المصري الذي كان يلبس الرداء الأبيض] كان مقتول. أخدناهم. وشلنا معنا كمان من المرضى بذكر ستة أو سبعة كان معظمهم ختيارية.

مصير الأطفال
أنقذ السكرتير الأول في السفارة النرويجية والفريق النرويجي أربعة أطفال معاقين، وأنقذ الصليب الأحمر الدولي أطفالاً آخرين، لكن أين ذهب بقية هؤلاء الأطفال؟ المعاقون منهم، والمرضى، والرضّع ؟ هل قتلوا؟ وكيف؟ وأين الجثث؟

يقول موظف الأشعة أن الأطفال كانوا في أسرّتهم في الملجأ لحمايتهم، وهناك قتلوهم. وأخذهم عناصر الصليب الأحمر الى مستشفى غزة.

عبر فيلم فيديو التقط يوم الجمعة في مستشفى غزة يظهر الطبيب البريطاني بول موريس حاملاً جثث أطفال رضّع من المشرحة، ويعرضها على المصورون، لمن كانت تلك الجثث؟

تقول الممرضة نزهة أنها عندما عادت يوم السبت الى مستشفى عكا سألت عناصر الصليب الأحمر عما جرى في قسم الأطفال في المستشفى، لكنهم لم يكونوا على علم بوجود قسم للأطفال أصلاً. قادتهم هي إليه، لكنه كان خالياً. لم يكن فيه أحد وهي تجزم أن أفراد الميليشيات قتلوا الأطفال.

إحنا تاني يوم لقينا طفل مزتوت برّا بالجنينة، ورجعنا على صبرا لقينا أطفال كنا نعالجهم. يعني بنعرفهم. شفناهم.

كان في أطفال عمرهم شي سنة، وفي 3 سنين، وفي ولد مشلول ما بيتحرك قاتلينه بالبلطة. ويمكن قاتلينهم وراميينهم في صبرا حتى ما ينقال إنهم قتلوا الأطفال المرضى في مستشفى.

تقول عزيزة الخالدي، مديرة مستشفى غزة، استناداً الى شهادة الصليب الأحمر الدولي، إنه لما وصل المسعفون الى مستشفى عكا يوم الجمعة، رأوا طفلاً صغيراً ميتاً حرقاً.

تقول أم أكرم، وهي أولى الباحثات عن الضحايا، "لما دخلت الكتايب على عكا صباح الجمعة، راحوا شالوا كل اللي بالمراطبين، يعني الأطفال اللي لساتهم مش كاملين، مش كامل نموهم، وقتلوهم".

أما الحاج الذي نجا من الموت في الرواية التاسعة والثلاثين، فقد شكر ربه على نجاته، وراح يساعد رجال الصليب الأحمر والدفاع المدني لأيام متتالية بحثاً عن الضحايا، وهو يقول أنه شاهد عند مدخل ملجأ مقفل في حي عرسال، حالما تمكنوا من فتح الباب، جثثاً مكدسة فوق بعضها، وبينها جثث لأطفال رضّع في الأشهر الأولى ولأطفال لم يكتمل نموهم بعد، وعددها ما بين العشر والاثنتي عشر جثة.

* * *

أما في شأن مصير مستشفى عكا، فقالت الممرضة نزهة عندما عادت يوم السبت أنها وجدته محروقاً؛ البرادي كلها محترقة؛ البراد محطماً على الأرض؛ التموين على الأرض مدعوساً بالأقدام؛ الزجاج محطماً؛ صورة الطبيب فتحي عرفات مهشمة على الأرض وعليها آثار الدعس والأقدام؛ ثلاث ضحايا في قلب المستشفى لم تدفن بعد؛ "الكافيتريا" محطمة مع كل الدلائل على أنهم أكلوا وشربوا طوال الليل؛ الفراش المسحوب والملقى في الخارج حيث نام من نام منهم في تلك الليلة.





--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 24 2006, 07:25 PM
مشاركة #22


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



أظنني قد أطلت عليكم ..
ربما أكون قد أرهقت ضمائركم بما نقلت من شهادات من عاش بعد المذبحة ..

هدفي هنا هو أن أودع هذه الأمانة في قلوبكم
قبل إيداعها هذا الموقع الكريم

فمثل هذه الأعمال لا يجب أن تخزن في إرشيف موقع فحسب
بل إن علينا أن ننقل كل هذا لعوائلنا
نستودعه أرواح الأجيال القادمة
فنحن لا ندري إن كانت الأيام ستبقي على الذاكرة
أم أنها ستمحى بقوة غاشمة
لا تريد لنا أن نتذكر

علينا ألا ننسى
ليس صبرا ولا شاتيلا فحسب
بل كل ما حاق بأمتنا من جور وظلم
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ..

أعتذر لكم عن الإطالة
وأتمنى أن تتفهموا موقفى




--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
حلم إنتهى
المشاركة Sep 24 2006, 07:27 PM
مشاركة #23


عضو نشيط
***

المجموعة: Members
المشاركات: 188
التسجيل: 9-December 05
البلد: كل ما يسبح بإسم الله موطني
رقم العضوية: 2,264




أولا كلمة شكرا مش كفاية على مجهوداتك العظيمة دي ,, جزاك الله خيرا , وجعل كل حرف في الموضوع في ميزان حسناتك .

ثانيا : تسمحلي أنشر الموضوع ... مع التاكيد على ذكر مصدرة وكاتبه smile.gif

أخيرا : اللهم أخسف باليهود الأرض


--------------------
لا تقل يا رب إن همي كبير, بل قل يا هم إن ربي كبير

Go to the top of the page
 
+Quote Post
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 15 2007, 02:23 PM
مشاركة #24


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



3297 رجلا وطفلا وامرأة
قتلوا في أربعين ساعة
بين 17-18 أيلول سبتمبر 1982


لنتذكر يا أهلي وخلاني
كم من مجزرة مرت بخواطركم

اذكروا شعب اريد له ان ينمحي

اذكروا امة الطناش
فلسوف ياتي يوم تؤلمكم فيه الذكرة والتذكير




--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
El-Masri
المشاركة Sep 16 2007, 01:48 PM
مشاركة #25


عضو مميز
****

المجموعة: مناظرات
المشاركات: 3,062
التسجيل: 17-December 04
رقم العضوية: 1,253



سبحان الله، بدلا من أن يتذكرو المذابح والمآسى التى تعانى منها الأمة ويستغلوا فرصة رمضان بالتقرب إلى الله والدعاء لفك الغمة فإذا بهم يقومون بالدعاية لمواضيع تثير الخلافات والفرقة، وكأن هذا هو هدفهم.

صدق الله العظيم حين قال
"إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها"


اللهم فك الحصار عن أهلنا فى غزة وثبتهم فى هذا الشهر الكريم، فمن لهم غيرك يا الله وقد تخلى عنهم الجميع، ويالها من مصيبة أن مصر تشارك فى هذا الحصار، عار علينا والله.

تم تحرير المشاركة بواسطة El-Masri: Sep 16 2007, 01:52 PM


--------------------
user posted image
Go to the top of the page
 
+Quote Post
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 14 2008, 07:15 PM
مشاركة #26


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



مسيرة دولية في مخيم شاتيلا في الذكرى الـ 26 لمجزرة صبرا وشاتيلا


فلسطين اليوم-وكالات


نظمت اليوم مسيرة شبابية وجماهيرية دولية في مخيم شاتيلا إحياء للذكرى الـ 26 لمجزرة صبرا وشاتيلا.

وشارك في المسيرة وفود شبابية من البرتغال، اليونان، قبرص، تركيا، سيريلانكا، البحرين، سوريا، مصر، الاردن، لبنان وفلسطين بالاضافة الى مشاركة ممثلين للفصائل الفلسطينية والمؤسسات الاهلية والاجتماعية وحشد من ابناء مخيمي شاتيلا وصبرا.

ورفع المشاركون الاعلام الفلسطينية ولافتات نددت بالمجازر الصهيونية التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني، وبالصمت الدولي حيال استمرار العدو بارتكاب المجازر وحصاره للمناطق الفلسطينية.

واخترقت المسيرة شوارع وأزقة المخيم شاتيلا وصولا الى مقبرة شهداء مجزرة صبرا وشاتيلا حيث وضع المشاركون اكليلا من الورود على أضرحة شهداء المجزرة، واعتصموا في مكان المجزرة استنكارا لتجاهل المجتمع الدولي لهذه المجزرة وعدم تقديم مرتكبيها للمحاكمة.

والقى رئيس اتحاد الشباب الفلسطيني يوسف احمد كلمة أكد فيها "ان مجزرة صبرا وشاتيلا، تستحق من العالم بمؤسساته وهيئاته الدولية الحقوقية والانسانية، ان يقف امامها موقفا حازما ويحاكم مرتكبيها باعتبارهم مجرمي حرب".

ثم انتقلت الوفود الاجنبية المشاركة الى مخيم مار الياس في بيروت وجالت من أرجائه واطلعت على معاناة ابناء المخيم والظروف الصعبة التي يعيشونها.


--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 14 2009, 11:19 PM
مشاركة #27


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



صبرا وشاتيلا
أبشع من مجرد ذاكرة وذكرى


كثير من رواد هذا الموقع المحترم هم من جيل ما بعد "صبرا وشاتيلا" .. وكثير منا أيضا ممن عاشوا الحدث عبر إذاعات مقتضبة ونشرات أخبار متلفزة حرص خلالها المخرجون على عدم تعريض المشاهدين لصدمات نفسية صاعقة ..

قليل منا حاول أن يعرف الحقيقة .. والحقيقة هي من المرارة بحيث أن النوم قد فارق عيوننا .. لم يجرؤ البعض منا أن يغمض عيناه لأن استرجاع الصور -على ندرتها .. وعموميات بعضها- من الذاكرة التي أثقلت بفضاعة المشهد كان مرعبا .. بل شئ يتضاءل بجواره الرعب ..

غدا هو الذكرى المخيفة ..
16 أيلول / سبتمبر 1982

ولأنها لا يجب أن تنسى .. فإن علينا تدارس تفاصيلها مرارا وتكرارا ..
سبق لي في سنوات ماضية أن قمت بمتابعة تفاصيلها وشهادات من كتب عليهم المضي في الحياة يتجرعون مرارتها ويجترون تفاصيل حياتهم وممات ذويهم وأترابهم ومعارفهم
في هذا الزقاق هتك عرض أمه وشقيقته قبل تقطيعهما بالفؤوس ..
في هذا البيت مازالت أبصار أطفال -كبروا اليوم- تشخص صوب مصارع أمهاتهم وآبائهم وإخوانهم وأخواتهم ..

ماذا تعرفون عن صبرا وشاتيلا الأولى؟
وهلا سمعتم عن صبرا شاتيلا برج البراجنة الثانية؟


--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 15 2009, 12:17 PM
مشاركة #28


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



صبرا وشاتيلا: الضحايا الأحياء.. والأحياء الضحايا


بيان نويهض الحوت


في يوم من أيام سنة ،١٩٨٢ وبيروت يحاصرها الجيش الإسرائيلي، قال شاعر العرب، محمود درويش:
»يا فجرَ بيروتَ الطويلا
عجّل قليلا
عجّل لأعرف جيداً:
إن كنتُ حياً أم قتيلا...«


هذه الصورة الرائعة تنقلنا الى جريح ما بين الحياة والموت، ملقى في شارع او زقاق من أزقة بيروت، هكذا أتخيله، وهذا الجريح... لديه أمل بأن يساعده نور الفجر على رؤية جراحه، ورؤية المسافة ما بينه وبين الموت.
غير ان هذه الصورة الشاعرية... ما هي إلا الصورة الواقعية لما جرى على أرض صبرا وشاتيلا خلال الأيام الثلاثة الدامية من أيلول سنة ،١٩٨٢ ولكل ما جرى من بعدها من عذابات حتى أيامنا هذه. هناك ما زالت المسافة بين الموت والحياة غير مرئية. هناك ما زال تحت التراب كثير من »الضحايا« الذين لم يثبت موتهم بعد، وهم الذين يقال لهم »مفقودون«! ونحن نراهم كما نرى الآخرين الذين ثبت موتهم، في صور على الحيطان، ونعرف عنهم من أحاديث أهاليهم. هؤلاء وهؤلاء هم »الضحايا الأحياء«.
وما زال على أرض صبرا وشاتيلا، التي تدعوها إلن سيغل بـ »الأرض المقدسة«، ما زال أهالي الضحايا يتسقطون أخباراً عن مخطوفيهم ومفقوديهم، ولا ييأسون من رحمة الله. وبين الحين والحين يجدّون لمعرفة المزيد من أخبار ضحاياهم، فمن قال إن ضحايا المجازر كغيرهم من الضحايا؟ كضحايا الزلازل او البراكين او الأعاصير؟ فضحايا كوارث الطبيعة لا تنكرهم دولهم، ولا المؤسسات الدولية، ولا ينكرهم أحد... أما ضحايا المجازر، فهم الذين يُطالَب (بفتح اللام) أهاليهم بتقديم هوياتهم، وتقديم إثباتات موتهم، وإلا... فأسماؤهم لا تسجل في لوائح الضحايا. هؤلاء الأهالي المعذبون هم »الضحايا الأحياء«.
لم أقرأ عن مجزرة في عالمنا المعاصر تعرضت للإنكار والتعتيم والشطب، من قبل الحكام المسؤولين، كما تعرضت مجزرة صبرا وشاتيلا، غير أن أصحاب الضمائر الحية، عبر العالم كله، هم الذين تكلموا، هم الذين صوّروا، هم الذين كتبوا، هم الذين عقدوا المؤتمرات الدولية للاستماع الى الشهادات، هم الذين أنتجوا الأفلام، وهم الذين يعودون بين عام وآخر لإنتاج المزيد، وهم الذين انضمت الى قافلتهم لجنة »كي لا ننسى صبرا وشاتيلا«. غير ان هذه اللجنة تفوقت على سواها في كونها هي التي جاءت الى صبرا وشاتيلا، وهي التي ما زالت تأتي كل عام، منذ زيارتها الأولى، سنة .٢٠٠٠
ولو سألنا أطفال شاتيلا عن ستيفانو كياريني، المناضل الايطالي اليساري التقدمي، مؤسس اللجنة ورائدها الذي غاب عنا وجهه منذ عامين، وغابت عنا ابتسامته الواثقة الحنون والمفعمة بالأمل، لعرفنا من أجوبتهم كم كان لعمله العظيم من أثر في نفوسهم وفي حياتهم.
كثيرون اعتقدوا ان هذه اللجنة لن تعمر طويلاً، كمثيلاتها من اللجان، وخصوصا بعد ان رحل ستيفانو عن الدنيا فجأة من غير وداع، لكنه رحل بعد ان كتب في أيامه الأخيرة مقاله الأخير عن العراق الحزين الصامد... وأما اللجنة فلم تتوقف أعمالها مع رحيل مؤسسها، اذ استمرت رفيقات ستيفانو ورفاقه على دربه، وهم من ايطاليا ومن العديد من البلدان، من فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة، وغيرها... وكلهم مؤتمنون على سر اللجنة، وما »سرها« إلا في كونها ليست لجنة إنسانية في إطار تقديم المساعدات، وهي ليست في أي حال من الأحوال »أونروا« ثانية، سرها في تأسيسها على قيم التعارف والمحبة والأخذ والعطاء، وبإيجاز: الصداقة المتبادلة. فأعضاؤها لا تنقطع صلاتهم مع الأهالي، وهم عندما يأتون، يتجولون في شاتيلا كما يتجولون في مدنهم وأحيائهم.
أنا لا يمكنني ان أنسى ذلك اليوم الذي فوجئت فيه بخبر في الصحف عن مجيء وفد إيطالي لإحياء ذكرى »صبرا وشاتيلا«. ولعلنا نذكر جميعاً انه حتى مطلع القرن الحادي والعشرين، أي بعد ثمانية عشر عاما من الحدث المأساوي، كانت »صبرا وشاتيلا« ما تزال خارج الزمن، وخارج الأرشيف، وخارج التأريخ، مع بعض الاستثناءات المحدودة من مقال هنا او هناك. هذه المرة، هؤلاء الأجانب هم الذين زاروا أهالي المخيم، كما زاروا الرؤساء، وأعني بهم الرؤساء الثلاثة، هم الذين راحوا يتحدثون عن مجزرة عرفت بـ »صبرا وشاتيلا«، وعن ضرورة إحياء ذكراها.
وكيف يمكنني ان أنسى أنني كنت في تلك الأيام غارقة في كتابي عن »صبرا وشاتيلا«، وكانت »صبرا وشاتيلا« نفسها ما زالت غارقة في بحر من النسيان، فعلى الرغم من »الطائف« وما بعد »الطائف«، وعلى الرغم من رحيل حكومات ومجيء حكومات، وعلى الرغم من شعار »عفا الله عما مضى«، فـ »صبرا وشاتيلا« بقيت »نسيجاً وحدها«. لا اعتراف بالجريمة أصلاً حتى تسجل في سطر واحد على لائحة »عفا الله عما مضى«. كانت مشكلتي، يومذاك، في ان أجد ناشراً عربياً يرضى بأن ينشر لي ما أكتب. لكن ها هم رفاق من إيطاليا، البلد الذي فاز بكأس العالم في كرة القدم، لسنة ،١٩٨٢ والذي راح يقدمه لشباب فلسطين الثوار، ها هم هؤلاء لا يعترفون بالموانع التي فرضتها السلطات اللبنانية، ومنها ان كلمة »المجزرة« أضحت من المحرمات بمجرد انتهاء عمليات البحث عن الضحايا ورحيل المراسلين الأجانب. ها هم يتحدثون مع مطلع القرن الحادي والعشرين عن »إحياء« لذكرى صبرا وشاتيلا! بكل صلابة وإيمان! فيا له من حلم!
تحقق الحلم! وستيفانو لم يكن وحده، كانت هناك مونيكا ماوري، وستيفانيا ليميتي، وموريتسيو مسولينو، وغيرهم... وانضمت اليهم أنطونيتا كياريني، شقيقة ستيفانو. ومع الأعوام، فرضت هذه اللجنة كلمتي »صبرا وشاتيلا« مادة إعلامية ـ على الأقل ـ مرة في كل ايلول من كل سنة، والأهم، إن مجيء اللجنة بحد ذاته أضحى منبعا للأمل في نفوس »الأحياء الضحايا«.
ولأبدأ بالتعريف: صبرا وشاتيلا التي أتحدث عنها ليست مجرد مكان، ولا مجرد مجزرة على لائحة المجازر الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، او الشعب اللبناني، او أي شعب عربي مقاوم. صبرا وشاتيلا مجموعات من البشر كان من حقهم ان يستمروا في حياتهم، حتى لو كانت حياة فقر وتشرد، وما كان من حق احد ان يسلبهم حياتهم، او أمنهم، او كرامتهم، او لقمة عيشهم، في اية صورة من الصور، فما بالنا حين تكون تلك الصور على أشد ما يكون عليه العدوان همجية.
ومن التعريف الى بعض التفاصيل: ما كان هؤلاء كلهم فلسطينيين مقاتلين كما ادّعى شارون، كانوا في غالبيتهم الساحقة سكانا مدنيين، وكانوا ينتمون الى اثنتي عشرة جنسية: نصفهم، أي نحو ٥٠٪ منهم فلسطينيون، و٣٥٪ لبنانيون، و٥٪ سوريون، و٤٪ مصريون، والباقون الذين تراوحت نسبهم ما دون ٢٪ أو ١٪ جاؤوا من بنغلادش، والأردن، وتركيا، والسودان، وباكستان، والجزائر، وإيران، وتونس. كانت صبرا وشاتيلا في أعقاب الاجتياح الاسرائيلي بقعة مثالية للعمال العرب والأجانب الباحثين عن غرفة او بيت او مأوى، وكذلك كانت مقصدا للعائلات اللبنانية التي دمرت الطائرات الاسرائيلية بيوتها في الجنوب.
هؤلاء قُتلوا. غير أن الموت في المجازر لا يحدث مرة واحدة. الموت الأول هو الموت. والموت الثاني هو في إنكار حدوث ذلك الموت، هو العذاب في البحث عن ضحايا ضائعين، وفي البحث عن حق ذويهم في الحصول على إثباتات. والموت الثالث هو اليأس من نتائج البحث، في بلد كان الجلادون فيه هم الحكام، غير أنه حتى بعد ان انتهى دور الجلادين، وحتى بعد ان جاء حكام آخرون، فالخوف من كشف الحقائق بقي الشبح المهيمن، وكأن الخوف هو الأصل، وما عداه هو الشواذ. وما كان هذا الخوف ليطال مأساة شاتيلا وحدها، بل مآسي الحروب الاهلية المتلاحقة كلها، حتى ما عاد ممكنا تجاهل السؤال:
هل شعار »عفا الله عما مضى« معناه طمس التاريخ والحقائق والحقوق؟ ليس من حق أحد ان يقف حائلا دون الكشف عن الجرائم ضد الانسانية، ودون البحث عن ضحايا تلك الجرائم الذين هم بشر، ومن حق هؤلاء الضحايا علينا ان نبحث عنهم، وأن نجل ذكراهم. وأما عن مجزرة صبرا وشاتيلا تحديداً، فإنه على الرغم من كل ما كُتب وما نشر وما أذيع، فما زال البحث عن المزيد من الحقائق وأسماء الضحايا ممكناً، بل واجباً.
وفي هذه الذكرى السادسة والعشرين، أجد ان افضل ما بإمكاني ان أساهم فيه لإحياء ذكرى صبرا وشاتيلا، هو ان أتقدم بمشروعين: الأول من أجل »الضحايا الأحياء«، والثاني من أجل »الأحياء الضحايا«. وكلا المشروعين يستمدان شرعيتهما واحتمال نجاحهما من »أصحاب الضمائر الحية«، وفي طليعة هؤلاء أعضاء لجنة »كي لا ننسى صبرا وشاتيلا«.
المشروع الأول: استكمال العمل على لوائح الضحايا والمخطوفين والمفقودين، إجلالاً لأرواح ضحايا صبرا وشاتيلا.
هناك عدة دراسات وتحقيقات تناولت أرقام الضحايا، والبعض منها تناول الأسماء، غير أنه ما عاد ممكنا تجاهل ذاك القول المهين، وهو ان عدد الضحايا »يتراوح ما بين الثلاثمئة والثلاثة آلاف ضحية«. إن اللجوء الى مثل هذه الأرقام المتباعدة جدا إرضاء لجميع الفرقاء، لا يمت إلى المنهج العلمي بصلة. وإنني لأعتقد ان هناك ايضاً وراء هذا التفاوت المذهل سببين:
ـ أولهما، عدم وجود أية مرجعية واحدة لضحايا صبرا وشاتيلا، لا على الصعيد اللبناني، ولا الفلسطيني، وهذا ما يترك جهود الباحثين تنحصر ما بين غلافي كتاب ما، او مجلة ما، لا أكثر. حتى تقرير كيركبرايد الشهير انتهى الى كتاب على الرف.
ـ ثانيهما، وصول الأبحاث التي يقوم بها باحثون أفراد الى الحائط المسدود في نقطة ما، او في محطة ما، بحيث يصبح من الضرورة ـ وخصوصا مع الغياب الكلي للمؤسسات الرسمية المسؤولة، من لبنانية، او فلسطينية، او دولية ـ ان تتقدم مؤسسات علمية رائدة لتكمل مشوار البحث عن الضحايا.
صحيح إنني كنت في عداد القلة من الباحثين المنفردين، فطوال الأعوام الثلاثة الأولى التي تلت المجزرة، قمت بمشروع تاريخ شفهي متكامل، وبمشروع دراسة ميدانية للضحايا والمخطوفين، غير أنني أعترف بأن عملية البحث عن الأسماء والأعداد كانت العملية الأكثر صعوبة، اذ اصطدمت في أكثر من مرحلة بجدار مسدود، لكنه لما كانت الأمور يُحكم عليها بنهاياتها، فيمكن القول إن عملية البحث نجحت أخيرا، إذ توصلت الى سبعة عشر مصدراً، كان أولها لوائح الأسماء التي جمعت على أرض المجزرة قبل نهاية شهر ايلول الدامي، وآخرها لائحة أسماء الدعوى التي تقدم بها المحامون الثلاثة: شبلي الملاط ولوك والين وميشيل فيرهيغي أمام المحاكم البلجيكية، وكان هذا سنة .٢٠٠١
وكان ممكنا لي أن أكتفي بنتائج تلك الدراسة التي نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية منذ خمسة أعوام في كتاب: »صبرا وشاتيلا: أيلول ١٩٨٢«، فيما لو كان الهدف ينحصر في الرد على تقرير كاهان المليء بالمغالطات والأرقام المضللة، وكذلك الرد على التقرير اللبناني الرسمي المعروف بتقرير جرمانوس، والذي لا يستحق الإشارة اليه لكونه أكثر إمعاناً في التضليل والمغالطات، ذلك أنه في ملاحق الكتاب لوائح أسماء موثقة بالمصادر لكل اسم بمفرده، وهي تضم أسماء لـ٩٠٦ ضحايا، و١٠٠ مخطوف، و٣٨٤ مفقوداً، ومجموعهم ١٣٩٠ ضحية ومخطوفاً ومفقوداً. غير ان الهدف أبعد من مجرد الرد على تقرير كاهان الذي وصلت ذروة رقمه التقديري استنادا إلى الجيش الاسرائيلي »المراقب ليل نهار« الى رقم يتراوح ما بين ٧٠٠ و٨٠٠ ضحية، او الرد على الرقم الشائع الذكر، أي رقم ٣٢٨ »جثة«، وهو رقم الصليب الأحمر اللبناني كما ورد في تقرير كاهان، حتى بات رقم ،٣٢٨ هو السقف الأعلى لكل لائحة تعود الى مرحلة ما بعد المجزرة، إذ لم تتجاوز أية لائحة منها هذا الرقم!!
أما لو طرحنا السؤال: هل هناك مصادر لم يُعثر عليها بعد؟ فالجواب: بالتأكيد نعم. خلال الأعوام الستة الأخيرة، كثيرا ما قرأت حكاية ما، او حديثا ما مع أحد الناجين من المجزرة، وفي الحديث أسماء ضحايا لم أكن قد عرفت عنها. كذلك، جاءني كثيرون من الأهالي ـ بعد صدور الكتاب ـ ليحدثوني عن ضحاياهم.
وهناك سبب آخر يستند الى المعلومات الأكيدة لدي، بوجود لوائح لعدد من هيئات الدفاع المدني الأهلية، وكذلك لمؤسسة دولية كبرى، وقد تحدث عاملون في هذه الهيئات والمؤسسات عن الأرقام النهائية التي توفرت لديهم، ووعدوا بتقديم لوائح مؤسساتهم، لكنهم لم يتمكنوا من الوفاء بوعودهم، فالمسؤولون في المؤسسات او الهيئات التي يعملون فيها رضخوا لسياسة التعتيم، ورفضوا. وقياسا على تحليل اللوائح المماثلة التي كانت قد توفرت لدينا، فالمتوقع في حال الحصول على اللوائح المخبأة في الأدراج حتى الآن، ان يضاف الى لائحة الضحايا والمفقودين أسماء تفوق الألف، ولعلها الأسماء التي يُقال إنها »ضاعت«!!
في حال نجح هذا المشروع، نكون قد قمنا بالواجب المبدئي والأول تجاه الضحايا وذويهم، ولو بعد عشرات السنين. وسوف نكتشف أخيرا التقارب بين الأسماء الموثقة بالمصادر، وبين الأعداد التقديرية كما وردت لدى تقرير ماك برايد، او كتاب أمنون كابليوك، او كتاب صبرا وشاتيلا: أيلول .١٩٨٢
المشروع الثاني: تشجيع أهالي صبرا وشاتيلا على كتابة مذكراتهم، وتشجيع الباحثين العرب على البحث والكتابة ليس عن مجزرة صبرا وشاتيلا، فحسب، بل عن المجازر الصهيونية، والأساليب الصهيونية المتنوعة ضد الشعب الفلسطيني خاصة، والأمة العربية عامة.
واسمحوا لي في هذا المجال بأن أتوقف إزاء ما أرجو ان يبعث فينا روح النضال، لا اليأس والاستسلام، اسمحوا لي بأن أذكر بأن الحركة الصهيونية ما زالت تنتج كل عام، بل كل شهر، كتبا جديدة، وأفلاما جديدة، وروايات جديدة، عن الهولوكوست، وهذا بالإضافة الى تشييد المتاحف، وإقامة أجنحة خاصة بأرشيف الهولوكست في الجامعات الكبرى. وكل هذا، والصهيونية ما زالت تعتبر نفسها في موقع الضحية، متجاهلة أحيانا، ومتباهية في أحيان أخرى، بأنها أصبحت هي الجلاد! ومن مهازل العصر ادعاء هذا الجلاد بأنه لا يفعل شيئاً سوى الدفاع عن نفسه!!
ويبقى السؤال الأخير: ونحن، متى ندافع ـ كما يجب ان ندافع ـ عن ضحايانا؟ متى ندافع عن وجودنا؟ ومتى ندافع عن مستقبلنا، وأعني به مستقبل الأمة، لا فلسطين وحدها، ولا لبنان وحده.

([) كلمتان القيتا في مسرح المدينة بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لمجزرة صبرا وشاتيلا (بيروت: ١٦/٩/٢٠٠٨)


--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post

3 الصفحات V  < 1 2 3
Reply to this topicStart new topic
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



RSS نسخة خفيفة الوقت الآن: 26th October 2014 - 12:50 AM