IPB

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )





> حسان بن ثابت - شاعر الرسول, وزير الإعلام الأول في الإسلام
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 23 2008, 11:01 PM
مشاركة #1


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



بسم الله الرحمن الرحيم



حسان بن ثابت
شاعر الرسول
وزير الإعلام الأول في الإسلام

حسان بن ثابت بن المنذر من بني مالك بن النجار الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد عام 60 قبل الهجرة وتوفي عام 54هـ.

وهو شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، واللسان المبين للدعوة الإسلامية، الذي خلّد مواقفها في غرر شعره، وأبلى بلاءً حميداً في المنافحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهجاء أعدائه، حتى كانوا يستجيرون بالرسول عليه الصلاة والسلام من وقع هجائه ومضاء لسانه، وكان حسان أيضاً شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر أهل اليمن في الإسلام.

وقد انبرى حسان منذ هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة للدفاع عن الإسلام وهجاء أعدائه، خاصة أولئك الشعراء من قريش الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما اشتد هجاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" مايمنع القوم الذين نصروا رسول الله بأسيافهم أن ينصروه بألسنتهم ؟" فقال حسان: أنا لها، وأخذ بطرف لسانه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كيف تهجوهم وأنا منهم ؟" فقال حسان: يارسول الله لأسلنك منهم كما تُسلّ الشعرة من العجين، فسُرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم به، وأكرمه ودعا له: أن يؤيده الله بروح القدس، ووعده الجنة جزاء منافحته عنه، ونصب له منبراً في المسجد الشريف ليلقي من فوقه شعره .

وقد سجلت كتب الأدب والتاريخ الكثير من الأشعار التي ألقاها حسان في مسجد سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهي في هجاء الكفار ومعارضتهم، أو في مدح المسلمين ورثاء شهدائهم وأمواتهم.

فمن الأشعــار التي يهجو بها شعراء المشركين قوله من قصيدة ينافح بها عن النبي صــلى الله عليه وسلم ويهجو أبا سفيان المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم القرشي احد إبطال الشعراء في الجاهلية والإسلام وهو اخو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة هجا الرسول صلى الله عليه وسلم وهجاء أصحابه ثم اسلم وحسن إسلامه فرضي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات بالمدينة في عهد عمر رضي الله عنهم

عفت ذات الأصابع فالجواء .... إلى عذراء منزلها خلاء
ديار من بني الحسحاس قفر .... تعفيها الروامس والمساء
وكانت لايزال بها أنيس .... خلال مروجها نعم وماء
فدع هذا ولكن من لطيف .... يؤرقني إذا ذهب العشاء
لشعثاء التي قد تيمته .... فليس لقلبه منها شفاء
كأن سبيئة من بيت راس .... يكون مزاجها عسل وماء
على أنيابها أو طعم غض .... من التفاح هصّره الجناء
إذا مالاشربات ذُكرن يوما .... فهن لطيب الراح الفداء
نوليها الملامة إن المنا.... إذا ماكان مغث أو لحاء
ونشربها فتتركنا ملوكا.... وأسدا ماينهنهنا اللقاء
عدمنا خيلنا إن لم تروها .... تثير النقع موعدها كداء
يبارين الأعنة مصعدات .... على أكتافها الأسد الظماء
تظل جيادنا متمطرات .... تلطمهن بالخمر النساء
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا.... وكان الفتح وانكشف الغطاء
والا فاصبروا لجلاد يوم.... يعز الله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا .... وروح القدس ليس له كفاء
وقال الله قد أرسلت عبدا.... يقول الحق إن نفع البلاء
شهدت به فقوموا صدقوه .... فقلتم لانقول ولانشاء
وقال الله قد يسرت جندا .... هم الأنصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد .... سباب أو قتال أو هجاء
فنحكم بالقوافي من هجانا.... ونضرب حين تختلط الدماء
ألا ابلغ أبا سفيان عني .... فأنت مجوف نخب هواء
بأن سيوفنا تركتك عبدا.... وعبد الدار سادتها الإماء
هجوت محمدا فأجبت عنه.... وعند الله في ذاك الجزاء
اتهجوه ولست له بكفء.... فشركما لخيركما الفداء
هجوت مباركا برا حنيفا .... أمين الله شيمته الوفاء
فمن يهجوا رسول الله منكم.... ويمدحه وينصره سواء
فإن أبي ووالده وعرضي .... لعرض محمد منكم وقاء
فإما تثقفن بنو لؤي .... جذيمة ان قتلهم شفاء
أولئك معشر نصروا علينا.... ففي أظفارنا منهم دماء
وحلف الحارث بن أبي ضرار .... وحلف قريظة منا براء
لساني صارم لاعيب فيه .... وبحري لاتكدره الدلاء
وأحسن منك لم تر قط عيني .... وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأ من كل عيب .... كأنك قد خلقت كما تشاء

وكانت وفود القبائل تَقْدَم على الرسول صلى الله عليه وسلم للمفاخرة فكان الرسول عليه الصلاة والسلام يستعين بشاعره حسان للرد عليهم ومفاخرتهم، وكانت الروح الإيمانية والبراعة الشعرية عند حسان مدعاة لاعتناق بعض القبائل الإسلام، فقد اعتلى حسان المنبر في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يوم انتصاره الأدبي العظيم على شعراء بني تميم في وفودهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وفدوا عليه بعد فتح مكة ليفاخروه، وفيهم ساداتهم البارزون، ونخبة من خطبائهم وشعرائهم، أمثال الأقرع بن حابس، والزَّبْرِقان بن بدر، وعُطارد بن حاجب، وقيس بن عاصم، فألقوا خطبهم وقصائدهم، فانتدب النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت للرد على شاعرهم الزِّبْرقان بن بدر، فنقض قصيدته بالقصيدة العينية التي يقول فيها:

ذكر سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم وذلك في المحرم من هذه السنة بعثه إليهم في سرية ليغزوهم في خمسين فارسا ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري فكان يسير الليل ويكمن النهار فهجم عليهم في صحراء وقد سرحوا مواشيهم فلما رأوا الجمع ولوا فأخذ منهم أحد عشر رجلا وإحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيا فساقهم إلى المدينة فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث فقدم فيهم عدة من رؤسائهم عطارد بن حاجب والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم والأقرع بن حابس وقيس بن الحارث ونعيم بن سعد وعمرو بن الأهتم ورباح بن الحارث فلما رأوا نساءهم وذراريهم بكوا إليهم فعجلوا فجاءوا إلى باب النبي صلى الله عليه وسلم فنادوا : يا محمد اخرج إلينا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بلال الصلاة وتعلقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه فوقف معهم ثم مضى فصلى الظهر ثم جلس في صحن المسجد فقدموا عطارد بن حاجب فتكلم وخطب فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس فأجابهم وأنزل الله فيهم إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم [ الحجرات 45 ] فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسرى والسبي فقام الزبرقان شاعر بني تميم فأنشد مفاخرا :
نحن الكرام فلا حي يعادلنا *** منا الملوك وفينا تنصب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم *** عند النهاب وفضل العز يتبع
ونحن يطعم عند القحط مطعمنا *** من الشواء إذا لم يؤنس القزع
من كل أرض هويا ثم نصطنع *** بما ترى الناس تأتينا سراتهم
فننحر الكوم عبطا في أرومتنا *** للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
فلا ترانا إلى حي نفاخرهم *** إلا استفادوا فكانوا الرأس يقتطع
فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه *** فيرجع القوم والأخبار تستمع
إنا أبينا ولا يأبى لنا أحد *** إنا كذلك عند الفخر نرتفع

فقام شاعر الإسلام حسان بن ثابت فأجابه على البديهة
إن الذوائب من فهر وإخوتهم *** قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته *** تقوى الإله وكل الخير مصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم *** أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك فيهم غير محدثة *** إن الخلائق فاعلم شرها البدع
إن كانوا في الناس سباقون بعدهم *** فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم *** عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم *** أو وزنوا أهل مجد بالندى متعوا
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم *** لا يطبعون ولا يرديهم الطمع
لا يبخلون على جار بفضلهم *** ولا يمسهم من مطمع طبع
إذا نصبنا لحي لم ندب لهم *** كما يدب إلى الوحشية الذرع
نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها *** إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
وإن أصيبوا فلا جور ولا هلع *** لا يفخرون إذا نالوا عدوهم
كأنهم في الوغى والموت مكتنع *** أسد بحلية في أرساغها فدع
خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا *** ولا يكن همك الأمر الذي منعوا
فإن في حربهم فاترك عداوتهم *** شرا يخاض عليه السم والسلع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم *** إذا تفاوتت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحتي قلب يوازره *** فيما أحب لسان حائك صنع
فإنهم أفضل الأحياء كلهم *** إن جد بالناس جد القول أو شمعوا
فلما فرغ حسان قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا ولأصواتهم أعلى من أصواتنا
ثم أسلموا فأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم .




يتبع ...


--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
 
Start new topic
الردود (1 - 1)
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 23 2008, 11:03 PM
مشاركة #2


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



نسبه:
حسان بن ثابت بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار وهو تيم الله وهو العتر بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مذيقيا بن عامر بن ماء السماء (وإنما سمي بالعنقاء لطول عنقه) ابن حارثة الغطريف بن امرؤ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الأسد وهو دراء بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

وأم حسان هي الفريعة بنت خنيس بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج.


المديح عند حسان:

كان حسان ينظر في مديحه للرسول صلى الله عليه وسلم، ولأصحابه رضي الله عنهم، من الزاوية الدينية، لا من الزاوية القبلية، لذلك جاءت مدائحه صادقة، ونابعة من قلبه وعقله، وهذه أبيات يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أغر عليه للنبوة خاتـم *** من الله مشهود يلوح ويشهد

وضم الإله اسم النبي إلي اسمه *** إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

وشق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا محمد

نبي أتانا بعد يأس وفترة *** علي الرسل والأوثان في الأرض تعبد

فأمسي سراجا مستنيرا وهاديا *** يلوح كما لاح الصقيل المهند

وأنذرنا نارا وبشر جنة *** وعلمنا الاسلام فالله نحمد

وأنت إله الخلق ربي وخالقي *** بذلك ماعـمّرت في الناس أشهد



ومن قوله يمدحه عليه الصلاة والسلام:

وأحسن منك لم تر قط عيني *** وأجمل منك لم تلد النساء

خُلِقْتَ مبرءاً من كل عيب *** كأنك قد خُلِقْتَ كما تشاء


الرثاء عند حسان:

وقف حسان جانباً كبيراً من شعره على الرثاء، يبكي به من سقط شهيداً من المسلمين في الميادين، ومن تخترمه المنية من رجالهم البارزين، موظفاً قصائده المعاني الدينية، والقيم الإسلامية، ويعدد فيها مناقب المرثي في نصرة الدين والذود عن الإسلام.

قال يرثي حمزة بن عبدالمطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد الشهداء الذي استشهد في معركة أحد سنة ثلاث للهجرة.

دع عنك داراً عفا رسمـها وابك على حمزة ذي النائل

أبيض في الذروة مـن هاشم لم يَمْرِ دون الحق بالباطـل

أظلمتِ الأرضُ لفقــدانه واسودّ نور القمر الناصـل

صلى عليك الله في جــنة عالية مكـــرمة الداخل


وقال أيضاً يرثي أصحاب بئر معونة في السنة الرابعة للهجرة، الذين غدر بهم عامر بن الطفيل، وجماعة من بني سليم، وقتلوهم جميعاً، وكانوا زهاء سبعين رجلاً من خيار الصحابة قال:

على قتلى معــونة فاستهلي بدمـع العين سحاً غير نزر

على خيل الرسول غداة لاقوا مناياهــم ولاقتهم بقدر

أصـــابهم الفناء بحبل قوم تخـوّن عقد حبلهم بغدر


كما قال يرثي زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة رضي الله عنهم الذين سقطوا شهداء في معركة مؤتة من أرض البلقاء في الشام، في السنة التاسعة للهجرة:

تأوبني ليل بيثرب أعـــسرٌ وهَـمٌّ إذا مانوّم الناس مسهر

لذكرى حبيب هيجت ثم عبرة سفوحاً وأسباب البكاء التذكر

بلى إنّ فقدان الحــبيب بليةُ وكـم من كريم يبتلى ثم يصبر

فلا يبعــدن الله قتلى تتابعوا بمـؤتة منهم ذو الجناحين جعفر

وزيدٌ وعبــدالله حين تتابعوا جميعاً وأسبـــاب المنية تخطر

غـداة غدوا بالمؤمنين يقودهم إلى المـوت ميمون النقيبة أزهر


وتجلى رثاء حسان عندما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى في السنة الحادية عشرة للهجرة فقال يرثيه:


في رثاء سيد ولد آدم ـ عليه الصلاة والسلام
حسان بن ثابت

بطيبةَ رَسْمٌ للرّسُول وَمَعْهَدُ *** مُنِيرٌ، وَقَد تَعْفُو الرُّسُومُ وتَهْمــَدُ
ولا تَنْمَحي الآياتُ مِن دَارِ حُرْمَةٍ *** بها مِنْبَرُ الهادي الذي كانَ يَصْعـَدُ
ووَاضِح ُ آياتٍ ، وَبَاقي مَعَالِمٍ ، *** وَرَبْعٌ لَهُ فيهِ مُصَلَّى وَمَســـْجِدُ
بِها حُجُرَاتٌ كانَ يَنْزِلُ وَسْطَها *** مِنَ الله نورٌ يُسْتَضَاءُ، وَيُوقـــَدُ
مَعالِمُ لمْ تُطْمَسْ على العَهْدِ آيُها أتَاهَا *** البِلَى، فالآيُ منها تَجــَدَّدُ
عرَفْتُ بِهَا رَسْمَ الرّسُولِ وعَهْدَهُ، *** وَقَبْرَاً بِهِ وَارَاهُ في التُّرْبِ مُلــْحِدُ
ظَلِلْتُ بها أبكي الرّسولَ، فأسْعَدَتْ *** عُيون، وَمِثْلاها مِنَ الجَفْنِ تُسـعدُ
تَذَكَّرُ آلاءَ الرّسولِ، وَمَـا أرَى *** لهَا مُحصِياً نَفْسي، فنَفسي تبـلَّدُ
مُفجَّعَةٌ قَدْ شَفّهَا فَقْدُ أحْـمَدٍ، *** فَظَلّتْ لآلاءِ الرّسُولِ تُعـــَدِّدُ
وَمَا بَلَغَتْ منْ كلّ أمْرٍ عَشـِيرَهُ، *** وَلكِنّ نَفسي بَعْضَ ما فيهِ تـحمَد
أطالتْ وُقوفاً تَذْرِفُ العَينُ جُهْدَها *** عَلى طَلَلِ القَبْرِ الّذي فِيهِ أحْـمَدُ
فَبُورِكتَ، يا قبرَ الرّسولِ، وبورِكتْ *** بِلاَدٌ ثَوَى فيهَا الرّشِيدُ المُســَدَّدُ
وَبُورِكَ لَحْد ٌ منكَ ضُمّنَ طَيّباً، *** عَليهِ بناءُ من صفيحٍ، مُنَـــضَّدُ
تَهِيلُ عَلَيْهِ التَرْبَ أيْدٍ وأعْيُنٌ *** عليهِ، وقدْ غارَتْ بذلِكَ أسْــعُدُ
لقد غَيّبوا حِلْماً وعِلْماً وَرَحمةً، *** عَشِيّةَ عَلّوْهُ الثّرَى، لا يُوَسَّـــدُ
وَرَاحُوا بحُزْنٍ ليس فيهِمْ نَبيُّهُمْ، *** وَقَدْ وَهَنَتْ منهُمْ ظهورٌ، وأعضـُدُ
يُبكّون مَنْ تَبكي السَّماوات يَوْمَهُ، *** وَمَنْ قدْ بَكَتْهُ الأرْضُ فالناس أكمَدُ
وَهَلْ عَدَلَتْ يَوْماً رَزِيّةُ هَالِكٍ *** رَزِيّةَ يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ مُحَــــمّدُ
تَقَطَّعَ فيهِ منزِلُ الوَحْيِ عَنهُمُ، *** وَقَد كان ذا نورٍ، يَغورُ ويُنــْجِدُ
يَدُلُّ على الرّحمنِ مَنْ يقتَدي بِهِ، *** وَيُنْقِذُ مِنْ هَوْلِ الخَزَايَا ويُرْشِــدُ
إمامٌ لَهُمْ يَهْدِيهِمُ الحقَّ جَاهِداً، *** مُعلِّمُ صدْقٍ، إنْ يُطِيعوهُ يَسـعَدوا
عَفُوٌّ عن الزّلاّتِ، يَقبلُ عُذْرَهمْ، *** وإنْ يُحسِنُوا، فالله بالخَيرِ أجــْوَد
وإنْ نَابَ أمْرٌ لم يَقوموا بحَمْدِهِ، *** فَمِنْ عِنْدِهِ تَيْسِيرُ مَا يَتَشــَدّدُ
فَبَيْنَا هُمُ في نِعْمَةِ الله بيْنَهُمْ *** دليلٌ به نَهْجُ الطّريقَةِ يُقْصَـــدُ
عزيزٌ عليْهِ أنْ يَحِيدُوا عن الهُدَى، *** حَريصٌ على أن يَستقِيموا ويَهْتَدوا
عَطُوفٌ عَليهِمْ، لا يُثَنّي جَناحَهُ *** إلى كَنَفٍ يَحْنو عليهم وَيَمْهــِدُ
فَبَيْنَا هُمُ في ذلكَ النّورِ، إذْ غَدَا *** إلى نُورِهِمْ سَهْمٌ من المَوْتِ مُقصـِدُ
فأصْبَحَ محمُوداً إلى الله رَاجِعاً، *** يُبَكّيهِ جَفْنُ المُرسَلاتِ وَيَحمــَدُ
وأمستْ بِلادُ الحَرْم وَحشاً بقاعُها، *** لِغَيْبَةِ ما كانَتْ منَ الوَحْيِ تعهـدُ
قِفاراً سِوَى مَعْمورَةِ اللَّحْدِ ضَافَها *** فَقِيدٌ، يُبَكّيهِ بَلاطٌ وغَرْقـدُ
وَمَسْجِدُهُ، فالموحِشاتُ لِفَقْدِهِ، *** خلاءٌ لَه ُ فِيهِ مَقامٌ وَمَقْــعَدُ
وبِالجَمْرَةِ الكُبْرَى لهُ ثَمّ أوْحشتْ *** دِيارٌ، وعَرْصَاتٌ، وَرَبْعٌ، وَمــوْلِدُ
فَبَكّي رَسولَ الله يا عَينُ عَبْرَةً *** ولا أعرِفَنْكِ الدّهْرَ دمعَكِ يَجْمَدُ
وَمَا لكِ لا تَبْكِينَ ذا النّعْمَةِ الّتي *** على النّاسِ مِنْها سابغٌ يَتَغَـــمَّدُ
فَجُودي عَلَيْهِ بالدّموعِ وأعْوِلي *** لِفَقْدِ الذي لا مِثْلُهُ الدّهرَ يُوجَــدُ
وَمَا فَقَدَ الماضُونَ مِثْلَ مُحَمّدٍ، *** ولا مِثْلُهُ، حتّى القِيَامَةِ، يُفْقـــَدُ
أعَفَّ وأوْفَى ذِمّةً بَعْدَ ذِمّةٍ، *** وأقْرَبَ مِنْهُ نائِلاً، لا يُنــــَكَّدُ
وأبْذَلَ مِنهُ للطّريفِ وَتَالـِدٍ، *** إذا ضَنّ معطاءٌ بما كانَ يُتـــْلِدُ
وأكرَمَ حَيَّاً في البُيُوتِ، إذا انتمى، *** وأكْرَمَ جَدَّاً أبْطَحِيَّاً يُســــَوَّد
وأمْنَعَ ذِرْوَات، وأثْبَتَ في العـُلى *** دَعَائِمَ عِزٍّ شاهِقات ٍ تُشــــيَّدُ
وأثْبَتَ فَرْعاً في الفُرُوعِ وَمَنْبِـتاً، *** وَعُوداً غَداةَ المُزْنِ، فالعُودُ أغـيَدُ
رباه وليدا فاستتم تمامه *** على أكرم الخيرات رب ممجدُ
تناهت وصاة المسلمين بكفهِ *** فلا العلمُ محبوسٌ ولا الرأيُ يفندُ
أقول ولا يلقى لقولي عائب *** من الناس إلا عازب العقل مبعد
وليس هواي نازعا عن ثنائه *** لعلي به في جنةِ الخُلدِ أخلدُ
مع المصطفى أرجو بذاك جوارَه *** وفي نيلِ ذاك اليومِ أسْعى وأجْهدُ

ورثاه أيضاً بقصائد متعددة كلها تترجم حزنه الشديد وأسفه البالغ.

مَا بَالُ عَيني لاَ تَنـامُ كَأَنَّمَـا *** كُحِلَتْ مَآقَيُّها بِكُحلِ الأَرمَـدِ
جَزَعاً عَلَى الْمَهدِيِّ أَصبَحَ ثَاوِياً *** يَا خَيرَ مَنْ وَطِئَ الحَصى لاَ تَبعُدِ
جَنَبِي يَقيَّكَ التُرَّبَ لَهَفِي لَيتَنِي *** غُيِّبتُ قَبلَكَ فِي بَقيِّعِ الغَرقَـدِ
أَأُقيمُ بَعـدَكَ بِالمَدينَـةِ بَينَهُـم *** يَا لَهَفَ نَفسِّي لَيتَنِي لَمْ أولَـدِ
بِأَبِي وَأُمِّي مَنْ شَهِدَّتُ وَفَاتَـهُ *** فِي يَوْمِ الاِثنَينِ النَّبِيُّ الْمُهتَـدِّي
فَظَلِلتُ بَعْـدَ وَفاتِـهِ مُتَلَـدِّداً *** يَا لَيتَني أُسقِيتُ سَـمَّ الأَسـوَدِ
أَوْ حَلَّ أَمرُ اللهِ فِينَـا عَاجِـلاً *** مِن يَومِنا فِي رَوحَةٍ أَوْ فِي غَـدِ
فَتَقوْمُ سَاعَتُنـا فَنَلقَّـى طَيِّبـاً *** مَخصاً ضَرائِبُهُ كَريمَ الْمَحتِـدِ
يَا بِكرَ آمِنَةَ الْمُبـارَكَ ذِكـرُهُ *** وَلَدَتكَ مُحصَنَةٌ بِسَعدِ الأَسعَدِ
نُوْراً أَضَاءَ عَلَى البَرِيَّـةِ كُلِّهَـ *** مَنْ يُهدَ لِلنورِ المُبـارَكِ يَهتَـدِ
يَا رَبِّ فَاِجمَعَنَـا مَعـاً وَنَبِيَّنـا *** فِي جَنَّةٍ تُنبِّي عُيـوْنَ الْحُسَّـدِ
فِي جَنَّةِ الفِردَوسِ وَاِكتُبها لَنَـا *** يَا ذَا الْجَلاَلِ وَذَا العُلاَ وَالسُّؤدُدِ
وَاللهِ أَسمَعُ مَا حَيِيَّـتُ بِهَالِـكٍ *** لاَ بَكَيتُ عَلَى النَّبِـيِّ مُحَمَّـدِ
يَا وَيحَ أَنْصَارِ النَّبِـيِّ وَرَهطِـهِ *** بَعدَ المُغَيَّبِ فِي سَـواءِ المُلحَـدِ
ضَاقَت بِالأَنْصَارِ الْبِلادُ فَأَصبَحُوْا *** سوْداً وُجُوهُهُمُ كَلَونِ الإِثمِـدِ
وَلَقَـدْ وَلَدْنَـاهُ وَفينَّـا قَبـرُهُ و*** َفُضولَ نِعمَتِهِ بِنا لَمْ نَجْحَـدِ
وَاللهُ أَكرَمَنا بِـهِ وَهَـدى بِـهِ *** أَنْصَارَهُ فِي كُلِّ سَاعَةِ مَشهَـدِ
صَلَّى الإِلَهُ وَمَن يَحُفُّ بِعَرشِـهِ *** وَالطَيِّبونَ عَلى المُبـارَكِ أَحمَـدِ
فَرِحَتْ نَصَارَى يَثرِبٍ وَيَهودُهِا *** لَمَّا تَوارَى فِي الضَّريِحِ الْمُلحَدِ


وقال حسان بن ثابت يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم

نب المساكين أن الخبر فارقهم *** مع النبي تولي عنهم سحرا
من ذا الذي عنده رحلي وراحلتي *** ورزق أهلي إذا لم يؤنسوا المطرا
أم من نعاتب لا نخشى جنادعه *** إذ اللسان عتا في القول أو عثرا
كان الضياء وكان النور نتبعه *** بعد الإله وكان السمع والبصرا
فليتنا يوم واروه بملحده *** وغيبوه وألقوا فوقه المدرا
لم يترك الله منا بعده أحدا *** ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا
ذلت رقاب بني النجار كلهم *** وكان أمرا من أمر الله قد قدرا
واقتسم الفيء دون الناس كلهم *** وبددوه جهارا بينهم هدرا

وقال حسان بن ثابت يبكي رسول الله صلى الله عليه سلم أيضا

آليت ما في جميع الناس مجتهدا *** مني إليه بر غير إفناد
تالله ما حملت أنثى ولا وضعت *** مثل الرسول نبي الأمة الهادي
ولا برا الله خلقا من بريته *** أوفى بذمة جار أو بميعاد
من الذي كان فينا يستضاء به *** مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد
أمسى نساؤك عطلن البيوت فما *** يضربن فوق قفا ستر بأوتاد
مثل الرواهب يلبسن المباذل قد *** أيقن بالبؤس بعد النعمة البادي
يا أفضل الناس إني كنت في نهر *** أصبحت منه كمثل المفرد الصادي

وظل حسان بن ثابت رضي الله عنه ينشد الشعر في المسجد النبوي بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم، روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن عمر بن الخطاب مرّ بحسان وهو ينشد الشعر فلحظ إليه _ أي نظر إليه شزراً_ فأجابه حسان: كنت أنشد الشعر وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أجب عني، اللهم أيده بروح القدس" قال: اللهم نعم .








---------------------------------

للتوسع:

حسان بن ثابت، حياته وشعره:ـ د. إحسان النص طبعة 1965.

ديوان حسان بن ثابت دار الكتب العلمية بيروت 1406هـ

الرسول والشعر ـ د. نايف الدعيس، طبعة 1412-1992م.

للاستزادة من شعر حسان:
http://www.adab.com/modules.php?name...id=245&start=0


ديوان حسان بن ثابت:
http://www.archive.org/stream/diwano...ntha00hassuoft


--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post

Reply to this topicStart new topic
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



RSS نسخة خفيفة الوقت الآن: 25th November 2014 - 10:39 PM