IPB

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )





> من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
أسامة الكباريتي
المشاركة Oct 24 2007, 05:39 AM
مشاركة #1


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
رجال صدقوا

كوكبة من المهاجرين والأنصار، أعز بهم الله الإسلام، وعضد بهم رسوله.


حذيفة بن اليمان
صاحب سر رسول الله



خرج أهل المدائن أفواجا يستقبلون واليهم الجديد الذي اختاره لهم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه..
خرجوا تسبقهم أشواقهم الى هذا الصحابي الجليل الذي سمعوا الكثير عو ورعه وتقاه.. وسمعوا أكثر عن بلائه العظيم في فتوحات العراق..
واذ هم ينتظرون الموكب الوافد، أبصروا أمامهم رجلا مضيئا، يركب حمارا على ظهره اكاف قديم، وقد أسدل الرجل ساقيه، وأمسك بكلتا يديه رغيفا وملحا، وهو يأكل ويمضغ طعامه..!
حتى إذا توسط جمعهم، وعرفوا أنه حذيفة بن اليمان الوالي الذي ينتظرون، كاد صوابهم يطير..!!

ولكن فيم العجب..؟!

وماذا كانوا يتوقعون أن يجيء في اختيار عمر..؟!
الحق أنهم معذورون، فما عهدت بلادهم أيام فارس، ولا قبل فارس ولاة من هذا الطراز الجليل.!!
سار حذيفة، والناس محتشدون حوله، وحافون به..
وحين رآهم يحدّقون فيه كأنهم ينتظرون منه حديثا، ألقى على وجوههم نظرة فاحصة ثم قال:
" اياكم ومواقف الفتن"..!!
قالوا: وما مواقف الفتن يا أبا عبدالله..!!

قال: " أبواب الأمراء.. يدخل أحدكم على الوالي أو الأمير، فيصدّقه بالكذب، ويمتدحه بما ليس فيه"..!

وكان استهلالا بارعا، بقدر ما هو عجيب..!!

واستعاد الانس موفورهم ما سمعوه عن واليهم الجديد، من أنه لا يمقت في الدنيا كلها ولا يحتقر من نقائصها شيئا أكثر مما يمقت النفاق ويحتقره.

وكان هذا الاستهلال أصدق تعبير عن شخصية الحاكم الجديد، وعن منهجه في الحكم والولاية..

**

فـحذيفة بن اليمان رجل جاء الحياة مزودا بطبيعة فريدة تتسم ببغض النفاق، وبالقدرة الخارقة على رؤيته في مكامنه البعيدة.

ومنذ جاء هو أخوه صفوان في صحبة أبيهما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنق ثلاثتهم الاسلام، والاسلام يزيد موهبته هذه مضاء وصقلا.. فلقد عانق دينا قويا، نظيفا، شجاعا قويما.. يحتقر الجبن والنفاق، والكذب...

كان يكنَّى أبا عبد الله، دخل هو وأبوه اليمان وأخوه صفوان في دين الإسلام، من نجباء أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- . وهو صاحب السر .
راسم اليمان : حِسْل -ويقال : حُسَيْل- ابن جابر العبسي اليماني ، أبو عبد الله . حليف الأنصار ، من أعيان المهاجرين .
حدث عنه : أبو وائل ; وزر بن حبيش ، وزيد بن وهب ، وربعي بن حراش ، وصلة بن زفر ، وثعلبة بن زهدم ، وأبو العالية الرياحي ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، ومسلم بن نذير ، وأبو إدريس الخولاني ، وقيس بن عباد ، وأبو البختري الطائي ، ونعيم بن أبي هند ، وهمام بن الحارث ; وخلق سواهم .
له في "الصحيحين" اثنا عشر حديثا ، وفي "البخاري" ثمانية ، وفي مسلم سبعة عشر حديثا .
وكان والده "حسل" قد أصاب دما في قومه ، فهرب إلى المدينة ، وحالف بني عبد الأشهل ، فسماه قومه "اليمان" لحلفه لليمانية ، وهم الأنصار .

وحاَلفَ أبوه بني عبد الأشهل من الأنصار، وعندما توجها إلى المدينة أخذهما كفار قريش، وقالوا لهما: إنكما تريدان محمدًا، فقالا: ما نريد إلا المدينة، فأخذ المشركون عليهما عهدًا أن ينصرفا إلى المدينة، ولا يقاتلا مع النبي (، فلما جاءت غزوة بدر أخبرا النبي ( بعهدهما مع المشركين، فقال لهما النبي : (انصرفا نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم) [مسلم].

تأدّب على يدي رسول الله واضح كفلق الصبح، لا تخفى عليهم من حياته، ولا من أعماق نفسه خافية.. صادق وأمين.. يحب الأقوياء في الحق، ويمقت الملتوين والمرائين والمخادعين..!!

فلم يكن ثمة مجال تترعرع فيه موهبة حذيفة وتزدهر مثل هذا المجال، في رحاب هذا الدين، وبين يدي هذا الرسول، ووسط هذا الرّعيل العظيم من الأصحاب..!!
ولقد نمت موهبته فعلا أعظم نماء.. وتخصص في قراءة الوجوه والسرائر.. يقرأ الوجوه في نظرة.. ويبلو كنه الأعماق المستترة، والدخائل المخبوءة. في غير عناء..

ولقد بلغ من ذلك ما يريد، حتى كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وهو الملهم الفطن الأريب، يستدل برأي حذيفة، وببصيرته في اختيار الرجال ومعرفتهم.
ولقد أوتي حذيفة من الحصافة ما جعله يدرك أن الخير في هذه الحياة واضح لمن يريده.. وانما الشر هو الذي يتنكر ويتخفى، ومن ثم يجب على الأريب أن يعنى بدراسة الشر في مآتيه، ومظانه..

وهكذا عكف حذيفة رضي الله عنه على دراسة الشر والأشرار، والنفاق والمؤمنين..

يقول: " كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني..
قلت: يا رسول الله فهل بعد هذا الخير من شر؟
قال: نعم..
قلت: فهل بعد هذا الشر من خير؟
قال: نعم، وفيه دخن..
قلت: وما طخنه..؟
قال: قوم يستنون بغير سنتي.. ويهتدون يغير هديي، وتعرف منهم وتنكر..
قلت: وهل بعد ذلك الخير من شر..؟
قال: نعم! دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم اليها قذفوه فيها..
قلت: يا رسول الله، فما تأمرني ان أدركني ذلك..؟
قال: تلزم جماعة المسلمين وامامهم..
قلت: فان لم يكن لهم جماعة ولا امام..؟؟
قال: تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك"..!!

أرأيتم قوله:" كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني"..؟؟

لقد عاش حذيفة بن اليمان مفتوح البصر والبصيرة على مآتي الفتن، مسالك الشرور ليتقها، وليحذر الناس منها. ولقد أفاء عليه هذا بصرا بالدنيا، وخبرة بالانس، ومعرفة بالزمن.. وكلن يدير المسائل في فكره وعقله بأسلوب فيلسوف، وحصانة حكيم...

ويقول رضي الله عنه: " ان الله تعالى بعث محدا صلى الله عليه وسلم، فدعا الانس من الضلالة الى الهدى، ومن الكفر الى الايمان، فاستجاب له من استجاب، فحيي بالحق من كان ميتا...
ومات بالباطل من كان حيا..
ثم ذهبت النبوة وجاءت الخلافة على مناهجها..
ثم يكون ملكا عضوضا..!!
فمن الانس من ينكر بقلبه، ويده ولسانه.. أولئك استجابوا لحق..
ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه، كافا يده، فهذا ترك شعبة من الحق..
ومنهم من ينكر بقلبه، كافا يده ولسانه، فهذا ترك شعبتين من الحق..
ومنهم من لا ينكر بقلبه ولا بيده ولا بلسانه، فذلك ميّت الأحياء"...!

ويتحدّث عن القلوب وعن حياة الهدى والضلال فيها فيقول:

" القلوب أربعة:
قلب أغلف، فذلك قلب الكافر..
وقلب مصفح، فذلك قلب المنافق..
وقلب أجرد، فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن..
وقلب فيه نفاق وايمان، فمثل الايمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب.. ومثل النفاق كقرحة يمدّها قيح ودم: فأيهما غلب، غلب"...!!


وخبرة حذيفة بالشر، واصراره على مقاومته وتحدّيه، أكسبا لسانه وكلماته شيئا من الحدّة، وينبأ هو بهذا في شجاعة نبيلة:

فيقول: " جئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ان لي لسانا ذربا على أهلي، وأخشى أن يدخلني النار..
فقال لي النبي عليه الصلاة والسلام: فأين أنت من الاستغفار..؟؟ اني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة"...

**

هذا هو حذيفة عدو النفاق، صديق الوضوح..
ورجل من هذا الطراز، لا يكون ايمانه الا وثيقا.. ولا يكون ولاؤه الا عميقا.. وكذلكم كان حذيفة في ايمانه وولائه..
لقد رأى أباه المسلم يصرع يوم أحد..وبأيد مسلمة، قتلته خطأ وهي تحسبه واحدا من المشريكن..!!
وكان حذيفة يتلفت مصادفة، فرأى السيوف تنوشه، فصاح في ضاربيه: أبي... أبي.. انه أبي..!!
لكن القضاء كان قد حم.. وحين عرف المسلمون، تولاهم الحزن والوجوم.. لكنه نظر اليهم نظرة اشفاق ومغفرة، وقال: " يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين"..
ثم انطلق بسيفه صوب المعركة المشبوبة يبلي فيها بلاءه، ويؤدي واجبه..
وتنتهي المعركة، ويبلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بالدية عن والد حذيفة "حسيل بن جابر" رضي الله عنه، ويتصدّق بها على المسلمين، فيزداد الرسول حبا له وتقديرا...

**

وايمان حذيفة وولاؤه، لا يعترفانبالعجز، ولا بالضعف.. بل ولا بالمستحيل....

في غزوة الحندق..وبعد أن دبّ الفشل في صفوف كفار قريش وحلفائهم من اليهود، أراد رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يقف على آخر تطوّرات الموقف هناك في معسكر أعدائه.

كان الليل مظلما ورهيبا.. وكانت العواصف تزأر وتصطخب، كأنما تريد أن تقتلع جبال الصحراء الراسيات من مكانها.. وكان الموقف كله بما فيه من حصار وعناد واصرار يبعث على الخوف والجزع، وكان الجوع المضني قد بلغ مبلغا وعرا بين اصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.. فمن يملك آنئذ القوة، وأي قوة ليذهب وسط مخاطر حالكة الى معسكر الأعداء ويقتحمه، أو يتسلل داخله ثم يبلوا أمرهم ويعرف أخبارهم..؟؟
ان الرسول هو الذي سيختار من أصحابه من يقوم بهذه المهمة البالغة العسر..
ترى من يكون البطل..؟
انه هو..حذيفة بن اليمان..!

دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فلبى، ومن صدقه العظيم يخبرنا وهو يروي النبأ أنه لم يكن يملك الا أن يلبي.. مشيرا بهذا الى أنه كان يرهب المهمة الموكولة اليه، ويخشى عواقبها، والقيام بها تحت وطأة الجوع، والصقيع، والاعياء الجديد الذي خلفهم فيه حصار المشركين شهرا أو يزيد..!
وكان أمر حذيفة تلك الليلة عجيبا... فقد قطع المسافة بين المعسكرين، واخترق الحصار.. وتسلل الى معسكر قريش، وكانت الريح العاتية قد أطفأت نيران المعسكر، فخيّم عليه الظلام، واتخذ حذيفة رضي الله عنه مكانه وسط صفوف المحاربين...
وخشي أبوسفيان قائد قريش، أن يفاجئهم الظلام بمتسللين من المسلمين، فقام يحذر جيشه،
سمعه حذيفة يقول بصوته المرتفع: " يا معشر قريش، لينظر كل منكم جليسه، وليأخذ بيده، وليعرف اسمه".

يقول حذيفة: " فسارعت الى يد الرجل الذي بجواري، وقلت له من أنت..؟ قال: فلان بن فلان؟"...
وهكذا أمّن وجوده بين الجيش في سلام..!

واستأنف أبو سفيان نداءه الى الجيش قائلا:" يا معشر قريش.. انكم والله ما أصبحتم بدار مقام.. لقد هلكت الكراع _ أي الخيل، والخف_ أي الابل، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدّة الريح، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فاني مرتحل"..
ثم نهض فوق جمله، وبدأ المسير فتبعه المحاربون..
يقول حذيفة: " لولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليّ ألا تحدث شيئا حتى تأتيني، لقتلته بسهم"..

وعاد حذيفة الى الرسول عليه الصلاة والسلام فأخبره الخبر، وزف البشرى اليه...

**

شهد هو وابنه حذيفة أحدا ، فاستشهد يومئذ . قتله بعض الصحابة غلطا ، ولم يعرفه ; لأن الجيش يختفون في لأمة الحرب ، ويسترون وجوههم ; فإن لم يكن لهم علامة بينة ، وإلا ربما قتل الأخ أخاه ، ولا يشعر .
ولما شدوا على اليمان يومئذ بقي حذيفة يصيح : أبي ! أبي ! يا قوم ! فراح خطأ . فتصدق حذيفة عليهم بديته .
قال الواقدي : آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين حذيفة وعمار . وكذا قال ابن إسحاق .
إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن رجل ، عن حذيفة : أنه أقبل هو وأبوه ، فلقيهم أبو جهل ، قال : إلى أين ؟ قالا : حاجة لنا . قال : ما جئتم إلا لتمدوا محمدا . فأخذوا عليهما موثقا ألا يكثرا عليهم . فأتيا رسول الله ، فأخبراه .
ابن جريج : أخبرني أبو حرب بن أبي الأسود ، عن أبي الأسود ; قال : وعن رجل ، عن زاذان : أن عليا سئل عن حذيفة ، فقال : عَلِمَ المنافقين ، وسأل عن المعضلات ; فإن تسألوه تجدوه بها عالما .
أبو عوانة ، عن سليمان ، عن ثابت أبي المقدام ، عن أبي يحيى ، قال : سأل رجل حذيفة ، وأنا عنده ، فقال : ما النفاق ؟ قال : أن تتكلم بالإسلام ولا تعمل به .
سلام بن مسكين ، عن ابن سيرين : أن عمر كتب في عهد حذيفة على المدائن : اسمعوا له وأطيعوا ، وأعطوه ما سألكم . فخرج من عند عمر على حمار موكف ، تحته زاده . فلما قدم استقبله الدهاقين وبيده رغيف ، وعرق من لحم .
ولي حذيفة إمرة المدائن لعمر ، فبقي عليها إلى بعد مقتل عثمان ، وتوفي بعد عثمان بأربعين ليلة .
قال حذيفة : ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي ، فأخذنا كفار قريش ، فقالوا : إنكم تريدون محمدا؟ فقلنا : ما نريد إلا المدينة ; فأخذوا العهد علينا . : لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه . فأخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- . فقال : نفي بعهدهم ، ونستعين الله عليهم .
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أسَرّ إلى حذيفة أسماء المنافقين ، وضبط عنه الفتن الكائنة في الأمة .
وقد ناشده عمر : أأنا من المنافقين ؟ فقال : لا ، ولا أزكـي أحدا بعدك .
وحذيفة هو الـذي ندبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة الأحزاب ليجس له خبر العدو . وعلى يده فُتِح الدِّينُور عنوة . ومناقبه تطول -رضي الله عنه .
أبو إسحاق ، عن مسلم بن نذير ، عن حذيفة ، قال : أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- بعضلة ساقي فقال : الائتزار هاهنا ، فإن أبيت فأسفل ، فإن أبيت ، فلا حقَّ للإزار فيما أسفل من الكعبين .
وفي لفظ : فلا حقَّ للإزار في الكعبين .
عقيل ، ويونس ، عن الزهري : أخبرني أبو إدريس : سمع حذيفة يقول : والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة .
قال حذيفة : كان الناس يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر ، مخافة أن يدركني .
الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ، قال : قام فينا رسول الله مقاما ، فحدثنا بما هو كائن إلى قيام الساعة ، فحفظه من حفظـه ، ونسيه من نسيه .
قلت : قد كان -صلى الله عليه وسلم- يرتل كلامه ويفسره ; فلعله قال في مجلسه ذلك ما يكتب في جزء ; فذكر أكبر الكوائن ، ولو ذكر أكثر ما هو كائن في الوجود ، لما تهيأ أن يقوله في سنة ، بل ولا في أعوام ، ففكِّر في هذا .
مات حذيفة بالمدائن سنة ست وثلاثين، وقد شاخ .
قال ابن سيرين : بعث عمر حذيفة على المدائن ، فقرأ عهده عليهم ، فقالوا : سل ما شئت. قال : طعاما آكله ، وعلف حماري هذا -ما دمت فيكم- من تبن .
فأقام فيهم ، ما شاء الله ; ثم كتب إليه عمر : اقدم .
فلما بلغ عمر قدومه ، كمن له على الطريق ; فلما رآه على الحال التي خرج عليها ، أتاه فالتزمه ، وقال : أنت أخي ، وأنا أخوك .
مالك بن مغول ، عن طلحة : قدم حذيفة المدائن على حمار سادلا رجليه ، وبيده عرق ورغيف .
سعيد بن مسروق الثوري ، عن عكرمة : هو ركوب الأنبياء ، يسدل رجليه من جانب .
أبو بكر بن عياش : سمعت أبا إسحاق يقول : كان حذيفة يجيء كل جمعة من المدائن إلى الكوفة . قال أبو بكر : فقلت له : يمكن هذا ؟ قال : كانت له بغلة فارهة .
ابن سعد : أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي : حدثنا عبد الجبار بن العباس ، عن أبي عاصم الغطفاني ، قال : كان حذيفة لا يزال يحدث الحديث يستفظعونه . فقيل له : يوشك أن تحدثنا : أنه يكون فينا مسخ ! قال : نعم ! ليكونن فيكم مسخ : قردة وخنازير .
أبو وائل ، عن حذيفة ، قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس . فكتبنا له ألفا وخمس مائة .
سفيان ، عن الأعمش ، عن موسى بن عبد الله بن يزيد ، عن أمه : قالت : كان في خاتم حذيفة : كركيان ، بينهما : الحمد لله .
عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، عن موسى ، عن أمه ، قالت : كان خاتم حذيفة من ذهب فيه فص ياقوت أسمانجونه ; فيه : كركيان متقابلان ; بينهما : الحمد لله .
حماد بن سلمة : أخبرنا علي بن زيد ، عن الحسن ، عن جندب : أن حذيفة قال : ما كلام أتكلم به ، يرد عني عشرين سوطا ، إلا كنت متكلما به .
خالد ، عن أبي قلابة ، عن حذيفة ، قال : إني لأشتري ديني بعضه ببعض ، مخافة أن يذهب كله .
أبو نعيم : حدثنا سعد بن أوس ، عن بلال بن يحيى ، قال : بلغني أن حذيفة كان يقول : ما أدرك هذا الأمر أحد من الصحابة إلا قد اشترى بعض دينه ببعض . قالوا : وأنت ؟ قال : وأنا والله ، إني لأدخل على أحدهم -وليس أحد إلا فيه محاسن ومساوئ- فأذكر من محاسنه ، وأعرض عما سوى ذلك ، وربما دعاني أحدهم إلى الغداء ، فأقول : إني صائم ، ولست بصائم .

**
ومع هذا فان حذيفة يخلف في هذا المجال كل الظنون.. ورجل الصومعة العابد، المتأمل لا يكاد يحمل سيفه ويقابل جيوش الوثنية والضلال حتى يكشف لنا عن عبقرية تبهر الأبصار..
وحسبنا أن نعلم، أنه كان ثالث ثلاثة، أو خامس خمسة كانوا أصحاب السبق العظيم في فتوح العراق جميعها..!

في همدان والري والدينور تم الفتح على يديه..
وفي معركة نهاوند العظمى، حيث احتشد الفرس في مائة ألف مقاتل وخمسين الفا.. اختار عمر لقيادة الجيوش المسلمة النعمان بن مقرّن ثم كتب الى حذيفة أن يسير اليه على رأس جيش من الكوفة..

وأرسل عمر الى المقاتلين كتابه يقول: " اذا اجتمع المسلمون فليكن على كل جيش أمير ه.. وليكن أمير الجيوش جميعها النعمان بن مقرّن..
فاذا استشهد النعمان، فليأخذ الراية حذيفة،
فاذا استشهد فجرير بن عدالله..
وهكذا مضى أمير المؤمنين يختار قوّاد المعركة حتى سمّى منهم سبع...

والتقى الجيشان..
الفرس في مائة ألف وخمسين ألفا..
والمسلمون في ثلاثين ألفا لاغير...
وينشب قتال يفوق كل تصور ونظير ودارت معركة من أشد معارك التاريخ فدائية وعنفا..

وسقط قائد المسلمين شهيدا، سقط النعمان بن مقرّن، وقبل أن تهوي الراية المسلمة الى الأرض كان القائد الجديد قد تسلمها بيمينه، وساق بها رياح النصر في عنفوان لجب واستبسال عظيم... ولم يكن هذا القائد سوى حذيفة بن اليمان...

حمل الراية من فوره، وأوصى بألا نذع نبأ موت النعمان حتى تنجلي المعركة.. ودعا نعيم بن مقرن فجعله مكان أخيه النعمان تكريما له..
أنجزت المهمة في لحظات والقتال يدور، ببديهيته المشرقة..
ثم انثنى كالاعصار المدمدم على صفوف الفرس صائحا:
" الله أكبر صدق وعده!! .. الله أكبر نصر جنده!!"

ثم لوى زمام فرسه صوب المقاتلين في جيوشه ونادى: يا أتباع محمد.. هاهي ذي جنان الله تتهيأ لاستقبالكم فلا تطيلوا عليها الانتظار..
هيا يا رجال بدر.. تقدموا يا ابطال الخندق وأحد وتبوك..
لقد احتفظ حذيفة بكل حماسة المعركة وأشواقها، ان لم يكن قد زاد منها وفيها..
وانتهى القتال بهزيمة ساحقة للفرس.. هزيمة لا نكاد نجد لها نظيرا..!!

**

هذا العبقري في صمته، حين تضمّه صومعته.. والعبقري في فدائيته، حين يقف فوق أرض القتال..
هو كذلك العبقري في كل مهمة توكل اليه، ومشورة تطلب منه.. فحين انتقل سعد بن أبي وقاص والمسلمون معه من المدائن الى الكوفة واستوطنوها..
وذلك بعد أن أنزل مناخ المدائن بالعرب المسلمين أذى بليغا.
مما جعل عمر يكتب الى سعد كي يغادرها فورا بعد أن يبحث عن أكثر البقاع ملاءمة، فينتقل بالمسلمين اليها..
يومئذ من الذي وكل اليه أمر اختيار البقعة والمكان..؟
انه حذيفة بن اليمان.. ذهب ومعه سلمان بن زياد، يرتادان لمسلمين المكان الملائم..
فلما بلغا أرض الكوفة، وكانت حصباء جرداء مرملة. شمّ حذيفة عليها أنسام العافية، فقال لصاحبه: هنا المنزل ان شاء الله..

وهكذا خططت الكوفة وأحالتها يد التعمير الى مدينة عامرة...
وما كاد المسلمون ينتقلون اليها، حتى شفي سقيمهم. وقوي ضعيفهم. ونبضت بالعافية عروقهم..!!
لقد كان حذيفة واسع الذكاء، متنوع الخبرة، وكان يقول للمسلمين دائما:
" ليس خياركم الذين يتركون الدنيا للآخرة.. ولا الذين يتركون الآخرة للدنيا.. ولكن الذين يأخذون من هذه ومن هذه"...

**

ذات يوم من أيام العام الهجري السادس والثلاثين.. دعي للقاء الله.. واذ هو يتهيأ للرحلة الأخيرة دخل عليه بعض أصحابه، فسألهم:أجئتم معكم بأكفان..؟؟
قالوا: نعم..
قال: أرونيها..
فلما رآها، وجدها جديدة فارهة..
فارتسمت على شفتيه آخر بسماته الساخرة، وقال لهم:" ما هذا لي بكفن.. انما يكفيني لفافتان بيضاوان ليس معهما قميص.. فاني لن أترك في القبر الا قليلا، حتى أبدّل خيرا منهما... أو شرّ منهما"..!!
وتمتم بكلمات، ألقى الجالسون أسماعهم فسمعوها: " مرحبا بالموت.. حبيب جاء على شوق.. لا أفلح من ندم"..

جماعة ، عن الحسن ، قال : لما حضر حذيفة الموت ، قال : حبيبٌ جاء على فاقة ; لا أفلح من ندم! أليس بعدي ما أعلم! الحمد لله الذي سبق بي الفتنة! قادتها وعلوجها .

شعبة : أخبرنا عبد الملك بن ميسرة ، عن النزال بن سبرة ، قال : قلت لأبي مسعود الأنصاري : ماذا قال حذيفة عند موته ؟ قال : لما كان عند السحر ، قال : أعوذ بالله من صباح إلى النار . ثلاثا . ثم قال : اشتروا لي ثوبين أبيضين ; فإنهما لن يتركا علي إلا قليلا حتى أبدل بهما خيرا منهما ، أو أسلبهما سلبا قبيحا .

شعبة -أيضا- ، عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة ، قال : ابتاعوا لي كفنا . فجاءوا بحلة ثمنها ثلاث مائة ، فقال : لا ، اشتروا لي ثوبين أبيضين .

وعن جزي بن بكير ، قال : لما قتل عثمان ، فزعنا إلى حذيفة ، فدخلنا عليه .

قال ابن سعد : مات حذيفة بالمدائن بعد عثمان وله عقب ، وقد شهد أخوه صفوان بن اليمان أُحدًا .

رحم الله حذيفة ورضي عنه وأرضاه
أسأل العلي القدير أن يجمعنا به يوم البعث .. فهو الموعود بالصحبة ..


--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post

المشاركات داخل هذا الموضوع
- أسامة الكباريتي   من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم   Oct 24 2007, 05:39 AM
- - أسامة الكباريتي   أحبابي في الله الموضوع مفتوح للجميع فمن يجد لديه م...   Oct 24 2007, 06:44 AM
- - أم حبيبة.   RE: من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم   Oct 24 2007, 05:04 PM
- - أسامة الكباريتي   المنافقون كان حذيفة -رضي الله عنه- يعلم أسماء ال...   Oct 24 2007, 07:23 PM
- - أسامة الكباريتي   في الغد بإذن الله وعونه سوف نعيش مع صحابي تسابق رس...   Oct 24 2007, 11:22 PM
- - El-Masri   عندما نقرأ كيف كان هؤلاء العظماء لا نتعجب كيف هزمو...   Oct 25 2007, 12:37 AM
- - أسامة الكباريتي   سعد بن معاذ إنه الصحابي الجليل سعد بن معاذ -رضي ...   Oct 25 2007, 05:46 AM
- - أسامة الكباريتي   عبر من سيرة سعد بن معاذ عناصر الموضوع : 1. سبب ا...   Oct 25 2007, 07:20 AM
- - أسامة الكباريتي   روايات مختلفة حول السيرة العطرة لسعد بن معاذ رضي ...   Oct 25 2007, 02:07 PM
- - أسامة الكباريتي   سؤال وجواب في الفتاوى العنوان: اهتزاز عرش الرحمن...   Oct 25 2007, 02:12 PM
- - أسامة الكباريتي   قبر سعد بن معاذ كتاب تاريخ المدينة المنَّورة (أخب...   Oct 25 2007, 02:16 PM
- - finetouch   دعا الرسول عليه الصلاة و السلام لسيدنا سعد قائلا :...   Oct 25 2007, 08:39 PM
- - أسامة الكباريتي   اقتباس دعا الرسول عليه الصلاة و السلام لسيدنا سعد ...   Oct 26 2007, 04:46 AM
- - أسامة الكباريتي   حبيب آخر متفرد في عبقريته به تعلق قلبي فقد كان من ...   Oct 26 2007, 05:35 AM
- - أسامة الكباريتي   يوم أن كانوا مسلمين الإيمان في ركابهم الحوار ...   Oct 26 2007, 10:05 AM
- - أسامة الكباريتي   سعد بن أبي وقاص واسم أبي وقاص مالك بن أهيب الأمي...   Oct 26 2007, 01:40 PM
- - El-Masri   موضوع رائع يا أخى. لى سؤال فيما كتبه عمر إلى سعد ...   Oct 26 2007, 11:33 PM
- - أسامة الكباريتي   نعم با اخي أصبت .. وكم من خطأ في الكتابة قمت بتصوي...   Oct 27 2007, 04:53 AM
- - أسامة الكباريتي   سلمان منا أهل البيت حبيبي الباحث عن الحقيقة أحبا...   Oct 27 2007, 07:03 AM
- - أسامة الكباريتي   من غريب القول ما قرأت: بسم الله الرحمن الرحيم ف...   Oct 27 2007, 07:39 AM
- - أسامة الكباريتي   سلمان الفارسي كما يراه عمرو خالد http://www.al-sah...   Oct 27 2007, 09:37 AM
- - أسامة الكباريتي   قصة سلمان الفارسي قصة سلمان الفارسي (ع ) قال الح...   Oct 27 2007, 10:11 AM
- - اللهو الخفي   ما شاء الله جهد مشكور لموضوع متميز جعله الله ...   Oct 27 2007, 01:02 PM
- - finetouch   جزاكم الله خيرا أخى اسامه .   Oct 28 2007, 11:07 AM
- - أسامة الكباريتي   أبو عامر عبيدة بن الجرّاح أمين هذه الأمة أجمل ...   Oct 28 2007, 04:58 PM
- - أسامة الكباريتي   أبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة هو عامر بن عب...   Oct 28 2007, 05:11 PM
- - أسامة الكباريتي   أبو عبيدة بن الجراح أبو عبيدة بن الجرّاح أبو عبي...   Oct 28 2007, 05:24 PM
- - أسامة الكباريتي   ابو عبيدة بن الجراح هو "عامر بن عبد الله بن ...   Oct 28 2007, 08:20 PM
- - أسامة الكباريتي   أبوعبيدة عامر بن عبدالله بن الجراح الفهري...يلتقي ...   Oct 28 2007, 08:29 PM
- - أسامة الكباريتي   الله الله أحبابي في الله كلما تناولت حواري من أحبا...   Oct 28 2007, 08:41 PM
- - أسامة الكباريتي   كعب بن مالك ابن أبي كعب ، عمرو بن القين بن كعب بن...   Oct 28 2007, 09:02 PM
- - أسامة الكباريتي   ولأنه شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم فلا بأس في أن...   Oct 28 2007, 09:14 PM
- - أسامة الكباريتي   أجتزئ لكم من السيرة النبوية ما يتعلق ب كعب بن مالك...   Oct 28 2007, 09:25 PM
- - أسامة الكباريتي   قال كعب : وكان الصوت الذي سمعت على سلع أسرع من الف...   Oct 28 2007, 09:47 PM
- - أسامة الكباريتي   المجاهد أبو أيوب الأنصاري إنه أبو أيوب الأنصاري خ...   Oct 29 2007, 09:16 PM
- - أسامة الكباريتي   أبو أيوب الأنصاري الخزرجي النجاري البدري. من بني...   Oct 29 2007, 09:29 PM
- - أسامة الكباريتي   أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه (اذهبوا بجثماني ب...   Oct 29 2007, 09:41 PM
- - أسامة الكباريتي   أبو أيوب الأنصاري الخزرجي النجاري البدري السيد ا...   Oct 29 2007, 09:50 PM
- - أسامة الكباريتي   أبو أيوب الأنصاري الخزرجي النجاري البدري السيد ...   Oct 29 2007, 09:55 PM
- - أسامة الكباريتي   سلسلة حياة الصحابة - أبو أيوب الأنصارى محمود المصر...   Oct 29 2007, 09:57 PM
- - أسامة الكباريتي   شبيه إبراهيم معاذ بن جبل إنه أبو عبد الرحمن معاذ...   Nov 5 2007, 01:10 PM
- - أسامة الكباريتي   إمام العلماء هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، يكن...   Nov 5 2007, 02:11 PM
- - أسامة الكباريتي   أعلمهم بالحلال والحرام عندما كان الرسول عليه الص...   Nov 5 2007, 02:35 PM
- - أسامة الكباريتي   معاذ بن جبل من سلسلة : أئمة الهدى ومصابيح الدجى م...   Nov 5 2007, 02:41 PM
- - أسامة الكباريتي   معاذ بن جبل ابن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي ب...   Nov 5 2007, 04:37 PM


Reply to this topicStart new topic
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



RSS نسخة خفيفة الوقت الآن: 31st July 2014 - 07:22 AM