IPB

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )





3 الصفحات V  < 1 2 3 >  
Reply to this topicStart new topic
> في ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا.., شارون ينعق على منصة الأمم المتحدة
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 17 2006, 04:52 AM
مشاركة #11


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5




مجزرة صبرا وشاتيلا أيلول ١٩٨٢ ـ الحلقة ٢

السبت ٢٣ آب (أغسطس) ٢٠٠٣
بقلم بيان نويهض الحوت

ثانياً – الميليشيات المسلحة على أبواب شاتيلا

روت لي سيدة يقع بيتها على طريق الجبل في ضواحي بلدة عرمون، أنها شاهدت بعد ظهر الخميس أرتالاً من السيارات والآليات آتية من كفرشيما، من مفرق التينول، في اتجاه المطار، وبينها دبابات ومجنزرات، وبعد كل خمس آليات تقريباً كانت ترى آلية إسرائيلية.
وقد أخبرها شقيقها مساء اليوم نفسه أن تلك الآليات توقفت فعلاً عند المطار ومستديرة المطار، ثم غادرت قبل المغيب. ولما كان بيت السيدة واقعاً على سفح الجبل، فقد كانت الأنوار الكاشفة التي ملأت سماء بيروت مصدر تساؤل طوال الليل: ماذا يجري؟ ولم كل هذه الأنوار؟ كما كان ثمة تساؤل آخر: ما مهمة هؤلاء المسلحين الذين قدرت عددهم هي وزوجها بما بين ألف وألف وخمسمائة مسلح؟

السيدة الشاهدة أعلاه شاعرة لبنانية مثقفة لا تعرف المبالغات، وقد كان حديثها معي مصادفة بعد الحدث بنحو أربعة أشهر. لكن لما كان فيما تقوله معلومات غريبة بالنسبة إلي، فلم أكد أصدقها.

أيعقل أن يكون ما جرى على هذ المستوى من التنسيق والتحضير ولا شيء ينشر أو يذاع في بيروت؟ حتى ذلك الحين لم يكن سهلاً التوصل الى الصحافة الأجنبية، لكنني حين تمكنت من الاطلاع على ما نشرته تلك الصحافة بشأن المجزرة، اكتشفت أن ما قالته لي صديقتي الشاعرة، ساكنة عرمون، قد نشر ما يماثله في الكثير من الصحف الصادرة خارج لبنان.

تحدث سكان بلدة الشويفات مع لورين جنكينز، مراسل جريدة "واشنطن بوست"، فقالوا له أنهم في الساعة الثالثة من بعد الخميس شاهدوا قافلة شاحنات وجيبات عليها شارات ميليشيا سعد حداد تمر بالشويفات، ثم تسلك طريقاً يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي، ويؤدي الى الطرف الجنوبي من مدرج مطار بيروت الغربي، الموازي للخط الساحلي، حيث توجد مواقع عسكرية إسرائيلية؛ كذلك كانت قافلة أخرى من ناقلات الجند تصل، في الوقت نفسه، من "بيروت الشرقية" ثم تتحول الى الطريق نفسه المؤدي الى المطار. وعلى طول الطريق كانت تشاهَد شارة القوات اللبنانية (وهي مثلث في وسطه دائرة مع الحرفين M.P.) ، كما كان يشاهَد الى جانب الشارة سهم يوضح اتجاه السير المطلوب.

بعد مرور ساعتين على مشاهدة القافلتين في الجهة الجنوبية من المطار، تحرك مئات من المسلحين الذين يرتدون زي الميليشيا اللبنانية المسيحية من المطار في اتجاه بئر حسن، بالقرب من مستديرة السفارة الكويتية، ومن ثم في اتجاه البحر حيث اتخذوا من مبنى كلية الإدارة والأعمال، الواقع بالقرب من المستديرة نفسها، مقراً لهم.

توافقت رواية توماس فريدمان، مراسل جريدة "نيويورك تايمز"، مع رواية لورين جنكينز أعلاه، بشأن وصول الميليشيات الى المطار. وكانت مصادر الكاتبين واحدة، وهي شهادات سكان بلدة الشويفات. لكن الثاني اختلف عن الأول في العدد الذي توجه من المطار نحو مخيم شاتيلا، فبينما قال الأول إنهم كانوا نحو ألف ومئتي عنصر بزي القوات اللبنانية، وقد توجهوا كلهم نحو المنطقة المطلوبة، قال الثاني إنهم حتماً لم يذهبوا كلهم، كما أضاف أن مصادر في الجيش اللبناني أيدت أقوال السكان.

الرقم الأكثر تداولاً في المصادر المتعددة كان نحو ستمئة عنصر؛ فهذا هو العدد التقريبي للذين دخلوا شاتيلا مع غروب شمس نهار الخميس.

أما سكان بئر حسن، وهي المنطقة التي تقع قبالة شاتيلا، فقد قالوا للكاتب أمنون كابليوك أنهم شاهدوا في الساعة الرابعة بعد الظهر خمس وعشرين آلية عسكرية (جيب عسكري) مملوءة بالمسلحين متجهة صوب السفارة الكويتية. وهذا يعني أنها كانت ذاهبة في اتجاه مقر قيادة القوات، للتجمع، ثم للاقتحام، لأن دخول المخيمات لم يبدأ في الساعة الرابعة.

أما الصحافي روبرت فيسك، فقد اعتمد على شهادة اثنين من الضباط اللبنانيين تحدثا معه في غرفة عمليات للجيش اللبناني قريبة من المكان، وهما يحملان الخرائط، وقد طلبا ألا يذكر اسم أي منهما أو رتبته، لأنه يجب ألا يتحدثا معه بصورة رسمية، لكنهما رغبا في التحدث اليه لأنه، كما قال له أحدهما، "
يجدر بك أن تعرف ماذا جرى هنا".

أشار الضابط الثاني من خلال النافذة في اتجاه المطار، وقال: "رأيت مئات الرجال والشاحنات تأتي من هناك يوم الخميس في الأسبوع الماضي. كان ذلك تماماً قبل أن تدخل الميليشيات المخيم".

وأكد الأول كلام الثاني قائلاً أن عدداً كبيراً منهم كان يتجمع بالقرب من مقر القيادة الإسرائيلية. وأضاف الثاني أنهم كانوا يقفون هناك مع أسلحتهم، وكانت شارات القوات اللبنانية ظاهرة على آلياتهم، ثم استدرك قائلاً أنه يمكن لأي كان أن يدهن الشارة على جيب. ثم ختم كلامه بأنه شاهد سيارتي جيب تابعتين للجيش الإسرائيلي تقودان عناصر الميليشيا لدخول المخيم.

لم يكن مقر الميليشيات اللبنانية المسلحة بعيداً عن مقر القيادة الاسرائيلية التي كان سبق أن تمركزت بالقرب من مستديرة السفارة الكويتية من الجهة الغربية، حيث احتلت مجمعاً من ثلاثة مبان متجاورة متشابهة، هي أساساً مساكن لضباط لبنانيين أرغمتهم ظروف الحرب على مغادرتها مع عائلاتهم. وتقع هذه المباني الثلاثة قبالة المدينة الرياضية، وعلى وجه الدقة أكثر، قبالة نادي الفروسية سابقاً (المعروف بنادي التورف / Turf club )، أما الطريق الفاصل بينهما فكان يعرف ببولفار كميل شمعون، أو بولفار المدينة الرياضية.

كان موقع مبنى المقر الإسرائيلي في أقرب نقطة مرتفعة يمكن منها مراقبة ما يجري في منطقة المخيم، وخصوصاً أن الأرض – كما ذكرنا سابقاً – تأخذ في الانحدار بالتدريج من على التلة الواقعة خلف المدينة الرياضية حتى يصل الانحدار الى مداه داخل مخيم شاتيلا وحرش ثابت. وفضلاً عن هذا، فمبنى المقر نفسه يتألف من ست طبقات، الأمر الذي يجعل الواقف على السطح يشاهد منطقة المخيم كما يشاهد لوحة "بانوراما"، فكيف يكون الحال مع النواظير الحديثة، ومع آلات التصوير؟

في الساعة السادسة والدقيقة الثلاثين تقريباً، بدأت الناس تشاهد أرتالاً من الجنود من دون أن تتمكن من أن تحدد هويتها بادئ الأمر. وما كاد الظلام يحل حتى بدأت القنابل المضيئة تنهمر فوق المنطقة. وعلا الصراخ خوفاً وهلعاً. كانت المجزرة قد ابتدأت.

لم تدخل عناصر القوات المسلحة "شاتيلا الكبرى" مع غروب شمس ذلك الخميس من مدخل واحد، بل من مداخل وزواريب متعددة، هي التالية:

جهة الغرب من المدينة الرياضية، حيث نزل افراد الميليشيات عن التلة التي تقع خلف المدينة، والمقابلة للمخيم، فهبطوا على حي عرسال والحي الغربي.

جهة الجنوب الغربي، أي جهة السفارة الكويتية، حيث دخلوا بالقرب من مدرسة الإنعاش، ومن التلة أيضاً، وهبطوا على حي عرسال.

جهة الجنوب، أي جهة منطقة بئر حسن، حيث توقفت مجموعات منهم في بئر حسن بينما راحت مجموعات أخرى تجتاز شارع السفارة (الشارع بين مستديرة المطار والسفارة الكويتية) فتدخل المنطقة المطلوبة من عدة مداخل، وقد كان أولها حرش ثابت وحي المقداد.

أما جهة الشرق، فلم يتمكنوا من الدخول منها حتى لو كانوا خططوا لذلك، وربما كان السبب وقوع انفجار كبير في مستودع للسلاح بالقرب من أرض جلول.

يبقى هناك جهة أخيرة للمنطقة هي جهة الشمال من شارع صبرا الرئيسي، لكنهم لم يحاولوا قط الدخول منها، للصعوبة الفائقة في ذلك بسبب الواقع الجغرافي والديموغرافي. فالداخل منها لا يأتي مباشرة من طريق عام كبولفار المطار أو بولفار كميل شمعون، وإنما عليه أن يجتاز عمق الأحياء البيروتية الكثيفة السكان، كالطريق الجديدة وحي الفاكهاني.

مع ذلك، من الممكن أن تكون هذه الجهة مدرجة في خريطة الاقتحام. فالدبابات الإسرائيلية كانت طوال يوم الخميس تحاول التقدم من بولفار المدينة الرياضية في اتجاه حي الفاكهاني، وقد تصدى لها الشباب بالسلاح الفردي والآر. بي. جي.، وكانت النقطة الأخيرة لتقدمها تقع بالقرب من مكتبة الرازي، كما مر معنا في الفصل الثاني. لكن لما كان التوغل في عمق الأحياء السكنية في غير مصلحة القوات الإسرائيلية المحتلة، فقد اكتفت بتحقيق هدف إحكام الطوق حول المنطقة كلها، أي صبرا وشاتيلا والفاكهاني، غير أن من الواضح أنه حتى هذا الهدف لم يتحقق تماماً، إذ بقي هناك ثغرة طوال الأيام الدامية قائمة من جهة الطريق الجديدة الملاصقة لصبرا؛ وهكذا بقيت جهة الشمال من صبرا باباً لهروب الناس.

ثالثاً – شهادات عن اقتحام المداخل الجنوبية والغربية

كيف دخلوا؟

أو . . . كيف اقتحموا؟


كان دخولهم منطقة ما دخول الحذِر. فكانوا لا يعرفون تماماً أين هم، وخصوصاً وهم لا يزالون خارج منطقة شاتيلا، إذ سوف يرد في بعض الشهادات أنهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن منطقة بئر حسن المواجهة لشاتيلا الكبرى. كما أنه لم تكن لديهم أوامر واضحة في شأن ما عليهم تماماً أن يفعلوا؛ وهذا بينما نجد أنهم في مناطق أخرى كانوا يعرفون تماماً ما عليهم فعله. فقد ابتدأوا بقتل العائلات من دون أي تمييز بين كبير أو صغير، بين لبناني أو فلسطيني.

الروايات الست أدناه تخبنرا عن كيفية دخول أو اقتحام منطقة بئر حسن، وشارع ثكنة هنري شهاب، وكلاهما خارج "شاتيلا الكبرى"، كذلك مناطق الحي الغربي وحي عرسال وراء المدينة الرياضية، وحي المقداد وحي فرحات من منطقة الحرش المواجهة لبئر حسن؛ وهذه كلها تقع داخل "شاتيلا الكبرى".

أما الزمان فيبدأ مع الساعة الأولى من الدخول أو الاقتحام.

الرواية الأولى
شهود على دخولهم منطقة بئر حسن

كانت أم أيمن في منطقة بئر حسن "تحمم" طفلها البالغ من العمر أربعة أعوام، وتنادي على طفلها الصغير ابن العامين ليبقى قريباً منها. وبينما هي "تحمم" طفلها قرعت عمته الباب لتدعوهم الى بيتها في البناء المجاور، وهو بناية بعجور التي تقع خلف مستشفى عكا، فقبلت أم أيمن على الفور. لكن ما إن مضت لحظات حتى سمعت صوت العمة وهي تصرخ من الخارج: "إجوا، إجوا، إجوا اليهود علينا". كان الطفل لا يزال مبللاً بالماء والصابون، فقفز من يدي أمه، لكنها تمالكت أعصابها، وراحت تناديه للعودة الى الداخل، ثم سارعت الى إحضاء عدة الطوارئ المهيأة دوماً في حقيبة خاصة، وأهم ما فيها تذاكر الهوية ومصباح البطارية في حال انقطاع التيار الكهربائي.

تقول أم أيمن أنها مع خروجها من الباب شاهدتهم مقبلين من جهة مدرسة المروج. كانوا لا أقل من مئتي عنصر. كم كان عددهم كبيراً!

رأت معهم خمسة مقنعين يسير بعضهم خلف بعض، وحولهم حماية من المسلحين. كان المقنعون باللباس العسكري أيضاً، وكان القناع أسود. لم تسمع صوتاً للمقنعين، وإنما تابعتهم وهم يمشون في اتجاه المخيم عبر الشارع الآخر، قرب مدرسة الصمود، حيث دخلوا من هناك وتابعوا سيرهم. لم تتمالك أم أيمن نفسها من الصراخ: "شو في؟" فقالوا: "ولا شي. الكل يخرج الى الشارع. الكل يطلع". قالت لهم: "ما في حدا هون غيري". فكرر المسلح كلامه: "الكل يطلع".

لم تستطع أم أيمن تحديد هويتهم، فهم لم يتكلموا بداية إلا القليل. غير أنها لاحظت ارتباكاً فيما بينهم. وقد انقسموا قسمين: قسماً توجه صوب مخيم شاتيلا ودخل حرش ثابت، وقسماً التف حول الأبنية في بئر حسن.

بلغ عدد الذين خرجوا من بيوتهم في بئر حسن نحو خمسة وسبعين شخصاً، وليس بين هؤلاء من فلسطينيين غير أفراد عائلتين فقط، والباقون كلهم لبنانيون وسوريون وأكراد. وأم أيمن نفسها سورية متزوجة بفلسطيني.

صفّوهم عند الحائط بالقرب من بناية بعجور، وقالوا: "النسوان يوقفوا في الخلف، والرجال والشيوخ في الأمام، والأطفال أمام الجميع". وقالت النساء بهلع: "الله يخليكم شو بدكم تعملوا فينا. . . " فقال واحد منهم: "جيبوا معكم تيابكم لناخدكم لمستشفى عكا". هنا رد عليه عنصر مسلح آخر: "ليش التياب؟ بلا التياب". فقال الأول: "يلاّ تعالوا بدون التياب". لكن ما إن وقف الناس للذهاب الى مستشفى عكا، حتى كان عنصر جديد قد انضم الى رفاقه في تلك اللحظات، فعادوا وقالوا لهم: "خلّيكم. اقعدوا محلكم. قولولنا وين في مخربين عندكم هون؟"

حافظت أم أيمن على هدوء أعصابها، وراحت تراقبهم وهم يختلفون، بل يتناقضون في الرأي.

أم وسيم، جارة أم أيمن وقريبتها وصديقتها، أم لثلاثة أولاد أكبرهم في الثانية عشرة، عاشت تجربة الساعات نفسها في المكان نفسه. هي متزوجة بالأخ الأكبر لزوج أم أيمن. والشهادتان كانتا في مقابلتين منفصلتين، لكن الذكريات لحدث واحد.

وأم وسيم فلسطينية من الخالصة، التي أطلق عليها الإسرائيليون كريات شمونة، زوجها كان جريحاً في مستشفى غزة، لكنها لم تتمكن يوم الخميس من الوصول اليه بسبب القصف والقنص. اكتفت بالمرور ببيت أخيها وأمها بالقرب من حي المقداد لتوصيهما بأخذ الحذر، وكأنها لا تعلم أن الحذر لا يمنع القدر. كانت تلك آخر مرة ترى فيها أمها وأخاها وأسرته. وهي تقول:

هنّي لما دخلوا المنطقة كان واضح إنهم ما بيعرفوها حتى لما أجوا كانوا أكتر من مية عنصر أجوا من ناحية مدسة المروج. إحنا عارفين إنهم بدهم ييجوا بأي لحظة، بس مش عارفين وين بدنا نروح. في ناس قالوا هنّي أجوا من المطار علينا، أنا شفتهم كمان جايين من منطقة السفارة الكويتية، نزلت مجموعة منهم لجهة حرش تابت، ومجموعة أجت لبير حسن من جوّا. هنّي ذاتهم اللي كانوا عم يطوقوا المنطقة.

لما دخلوا بلّشوا بالقواص (الطخ) على الناس اللي بالمدرسة، مدرسة المروج. شافوا الناس عم تهرب صاروا يقوصوا بالهوا . . . وبعد ما صفّونا على الحيط، راحت بنتي جيهان الصغيرة تقول للمسلح اللي رافع سلاحه بوجوهنا: "الله يخليك، الله يوفقك، ما تقتلناش". وقلّو واحد من الجيران: "أنا يا خيّي لبناني". قلّو: "شو؟ لبناني؟ هلّق صرت لبناني؟ بالأول ما كنت لبناني. صُفّوا هون بدّي أعمل. . . وبدّي ساوي فيكم. . . هلّق كلكم رح تشوفوا . . . " ولما صرخت بعض النسوان وبكيوا الأولاد، صاح فيهم واحد: "اخرسوا، اللي بصرخ بدّي اقتله".

وصار همنا نحنا نحاول نسكّتهم.

بينما كانت أم وسيم تتكلم، كانت عينا جيها، ابنة الحادية عشرة، لا تفارقانها. وتكلمت الفتاة:

"أنا قلتلّو ما يقتلني. كانت دقنه طويلة، وكان صوته عالي".

راح الجد يراقب حفيدته باعتزاز. هو رجل في السبعين من عمره يتحدث ساخراً من الحدث كله. وهو يعمل حارساً في بناية بعجور، وهو الذي اشتهرت قصته بأنه تحدى المسلحين. قال الجد:

الساعة شي سبعة أو سبعة ونص، هيك شي، ما شفتهم إلا فايتين علينا بالعدة الكاملة. قال: "اقعدوا". الناس قعدت. قلّي: "ليه ما بتقعد إنت؟" قلتلّو: "ما بديش أقعد. بدك تطخ طخ". قلّي: "شو إنت؟" قلتلّو: "فلسطيني من 48. أنا من نص فلسطين". نط واحد قال: "رشهم. رشهم وخلّصنا منهم". راح واحد مبيّن مسؤول فيهم، لكن كان داير وجهه، أنا ما شفته، لكن سمعت صوته، راح قايل: "ما فيش معي أوامر أرشهم لسّا".

وراح هادا المسؤول طلع برّه وغاب نتفة صغيرة ورجع يقول: "ارتكوهم. يلاّ اتركوهم". وهيك صار.

الساعة كانت صارت شي تسعة أو عشرة بالليل. قمنا طلعنا كلنا، واحتمينا بالبناية جوّا. وقام رجع مرة تاينة الرجّال اللي قلهم ما فيش معي أوامر أرشهم، رجع هو نفسه يتأكد إذا في مخربين بالبناية. كان يحكي معي وأنا مش قادر أشوف وجهه من العتمة، راح قلّي: "يا عم بتعمل معروف ما تخلّي حدا يضهر". وضلّوا مراقبينا طول الليل. وعند الفجر حسّينا عليهم راحوا للبناية التانية.

أم أيمن عادت تتذكر كيف كانوا في حالة غير طبيعية، فقالت إنهم لما جمعوا أهل بئر حسن في الشارع، قالت لهم امرأة: "الله يخلّيكم، بدّي أسقي إبني مي"، فأجابها أحدهم بحدة: "بلا مي، ما تسقيه مي. نحنا بقالنا تلات ايام بلا مي. خلّي إبنك بلا مي".

وتروي أم أيمن ما جرى في بناية مجاورة لهم ليس فيها فلسطيني واحد، فكل السكان لبنانيون. قالت إن المسلحين سألوهم بالتفصيل عن البيوت في نهاية الشارع، وهي التي كانت تسمى "المعسكر" لأنها كانت مقراً للفدائيين. وأكد السكان لهم أن الفدائيين خرجوا. وقام المسؤول عن المسلحين يسأل جارهم: "خبّرني وين نحنا هلّق؟" فأجابه: "إنتوا هلّق موجودين في بير حسن". رجع يسأل: "يعني. . قدّيه نحنا منبعد عن صبرا؟" قال له: "صبرا أصبحت في منطقة تانية". وعاد المسلح المسؤول يسأل عن قصر صبري حمادة وأين يقع؛ عن مخيم شاتيلا وأين يقع؛ عن مستديرة المطار وأين تقع. ثم عاد يتأكد إن كانوا فعلاً في بئر حسن، وإن تكن بئر حسن فعلاً ليست مخيماً للفلسطينيين. ولما أكد له السكان المحتجزون جميعاً أن بئر حسن ليس مخيماً، خاطب المسلح المسؤول رؤساءه باللاسلكي: "سيدي، نحنا موجودين الآن في منطقة بير حسن. سيدي، شو نعمل؟"

بدا واضحاً خلال لحظات أن أوامر سيده كانت أن ينقسموا قسمين: قسماً يتابع نحو "الداخل"، نحو المنطقة المطلوبة، وقسماً يبقى في منطقة بئر حسن. وهذا ما جرى.

داخل بناية بعجور التي احتمى بها الجد، حارس البناية، مع أحفاده وكنتيه أم أيمن وأم وسيم، كان هناك وقت كاف أمام الكبار، بعد أن نام الصغار من الخوف والتعب، كي يتساءلوا:

لماذا لم يقتلوهم فعلاً؟

هل لأن بئر حسن – فعلاً – ليست مخيماً؟

لكنهم فلسطينيون. لماذا لم يقتلوهم؟ هل من سبب ما؟

في الأيام اللاحقة عرف الجد وأسرته أن غيرهم في منطقتهم، بئر حسن، قد قُتل. فلماذا لم يقتلوهم، كسواهم؟ هل تكشف الأيام سر بقائهم أحياء؟



مازالت الجعبة تطفح بالدماء الزكية الطاهرة
خليكوا معانا






--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 17 2006, 08:27 PM
مشاركة #12


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



مجزرة صبرا وشاتيلا أيلول ١٩٨٢ ـ الحلقة ٣
السبت ٢٣ آب (أغسطس) ٢٠٠٣


بقلم بيان نويهض الحوت
الرواية الثانية ـ شاهدتان على دخولهم شارع الثكنة


كان ناطور بناية على مقربة من ثكنة هنري شهاب. قتلوه في الساعة الأولى.

ليس هناك على موته شاهد من أهله، بل شاهدتان من الجيران.


الشاهدة الأولى حربه، من مهجري تل الزعتر الذين اقتادوهم الى الدامور، ثم قادتها الحرب الى بئر حسن قبالة ثكنة هنري شهاب ونادي الغولف. أما الاجتياح الإسرائيلي الأخير فقادها الى سينما كونكورد في شارع فردان، حيث التجأت جماعات المهجرين الى الأبنية الكبيرة الحصينة. ومع خروج المقاتلين عادت الى شقتها الصغيرة لتجد الزجاج محطماً والأبواب مخلعة. أخواها مسافران، وليس لها في بيروت سوى أخت أرملة. وهما تعيشان معاً.

شاهدت حربه انتشار الإسرائيليين في الأيام الأخيرة، لكنها لم تشاهد مبالغة منهم في طمأنة الناس كما روى البعض، وإنما على العكس من ذلك، قالت إنهم كانوا يدققون مع كل السكان، ويأمرون كل من يشتبهون فيه أو يقف على شرفة: "إنزل!!" وينزل المنادى عليه للتحقيق معه. وشعرت كأنهم في كل مكان، وكانوا داخل الثكنة، حتى عاد اليها الجيش اللبناني فاستردها. وكان الجيش العائد بالعشرات هو من أوحى الى السكان بالطمأنينة.

تجزم حربه أن المسلحين المهاجمين كانوا من القوات اللبنانية وقوات سعد حداد، وذلك نتيجة رؤيتها القمصان البيض التي ارتداها الكثيرون منهم تحت اللباس العسكري الأخضر، والتي كان مكتوباً عليها القوات اللبنانية أو سعد حداد، وكذلك رؤيتها الشاحنات الكثيرة العدد التي كتب على بعضها القوات اللبنانية، أو قوات سعد حداد. وقد ترجل ركاب هذه الشاحنات أمام الثكنة. دخلوا ثكنة الجيش قائلين أنهم يريدون ماء للشرب، وكان الجواب أن لا ماء في الثكنة وأنهم لا يريدون إعطاء ماء لأحد. فدخلوا كل الأبنية المجاورة، وأخذوا ينزلون الناس الى الملاجئ، ويرعبونهم بالبلطات والسكاكاين والمسدسات، وكأنهم يوزعوا المهمات بهدف إلقاء الذعر. وهي تقول:

هنّي دخلوا علينا بالعشرات، صارت ناس منهم تضرب، وصارت ناس تقتل، وناس تفتش على بنات حلوين.

في جارنا ناطور بناية إسمه خير هو فلسطيني من لوبيا، أنا بعرفه، بس ما بعرف إسم أبوه وعيلته. وخير مَرْتُه حلوة، فلما دخلوا عليهم، كانوا ست مسلحين، إجوا يزفْروا الكلام مع مَرْتُه وطلبوا منها تطلع معهم على الطابق التالت. كانت قبضاية. شلحت الصرماية وضربتهم فيها وقلتلهم: "يا واطيين، يا عيب الشوم عليكن ما بتستحوا على حالكم". ما ضربوها ولا غصبوها قاموا قلولها: "خلّيكي هون ونحنا مناخد جوزك على الطابق التالت ومنتفاهم معه".

وكان واقف إبن عمتو لخير، راحوا ربطوه، ربطوا إيديه ورجليه على الحيط وقلولو إنو إذا بيتحرك أو بيطلّع صوت بيرجعوا بالبلطة بحطوا راسه لحال وجسمه لحال. وطلعوا لفوق مع جوزها وهنّي ينادوا بعض: "يا محمد، يا أحمد، يلاّ يا عبدالله. . . " وصلوا للطابق الثاني ووقفوا. وقاموا رجع نزل منهم ناس حتى يقولولها كمان مرة: "إذا ما بدّك تيجي معنا، إحنا رح نرجع نتفاهم نحنا وجوزك في الطابق التالت". رجعت هيّ صرخت عليهم وبزقت عليهم: "يا عيب الشوم عليكم". قلولها: "طيب رح نخلّيك تنبسطي كتير إنت وجوزك. الله يخلّيلك يّاه هالشمعة".

بقيت المَرَه ناطرة، وهيّ بتفتكر إنهم عم بحققوا مع جوزها. وضلّت مدة طويلة ناطرة. ونحنا كمان كلنا بالشارع ما منسترجي نتحرك أو نروح لمحل. كنا ناطرين حدا يحقق معنا أو نقدر نفركها ونهرب. وكانوا المسلحين بعدهم بالعشرات عم ينغلوا نغل، ومحاوطين كل المحلات، وداخل البيوت. ونحنا كنا عم نسمعهم بنادوا على واحد بعلبكي من الحي حتى يوقف، وفجأة سمعنا مَرَه عم تصرخ بأعلى صوتها: "يا جماعة انقذونا. يا جماعة، خير لقيناه مقتول بالطابق التالت".

نحنا ما استرجينا نطلع لفوق. لكن الله بعت ناس طيبين. أجا اتنين رجال لبنانية طلعوا لفوق وسحبوه ومددوا جتته قدّام البناية. كاينين ضاربينه بالبلطة على راسه وطارقينه بكاتم صوت جوّا مناخيره، وداعسين على رقبته. وبعدين كاينين ساحبين حالهم ومش طالعين من نفس المدخل اللي فاتوا منه، يعني من مدخل الملجأ.

مَرْتُه كانت حالتها بالويل. أنا مَرْتُه بعرفها. وهي مَرْتُه لبنانية وعندها بنت عمره تلات سنين. أجت قلتلي: "بدّي أطلع عند الاسرائيلية. دخيلك. دخيلك. بتيجي معي يا حربه؟" قلتلها: "بروح معك. هيّ كلها موتة".

وصلنا عن أول نقطة للإسرائيلية في نزلة شارعنا، يعني شارع الثكنة أو شارع الغولف. وما لحقنا دخلنا لاقت مَرْتُه واحد من المسلحين اللي دخلوا عليها قاعد مع الإسرائيلية، ومن اللي كانوا بلبل بالحكي معها، راحت شرحتلهم القصة، ولما أشّرت على المسلح وقالت إنّو هادا مش واحد منهم، وبس، قالت إنّو هادا حكى معها هيك وهيك. لكن قام هوّ نكر.

رحت أنا قلت للضابط الاسرائيلي: "طيب ليش بعدك واقف. طيب هوّ اللي قتل الزلمة".

وأنا أول يوم دخلوا الإسرائيلية شفتو لهادا الضابط ما غيره، ورحت أسأله: "مندخل على صبرا؟" قام قلّي: "ما تروحي على صبرا وشاتيلا، إذا بدّك تروحي على صبرا وشاتيلا بدّك تموتي بصبرا وشاتيلا". لكن هاي المرّة في الغرفة المليانة جنود ومن القوات أكيد، قام جاوبني هادا الإسرائيلي: "نحنا ما خصناش". وكانوا عم يضبضبوا أغراضهم ليتركوا هاديك النقطة في بير حسن.

رحنا رجعنا للجيش على الثكنة، والله يجزيهم خير قاموا الجنود من الثكنة ساعدونا على رفعه. لكن قلولنا: "إحنا ما معنا أوامر نشتبك معهم. وما بصير نحط على كل بناية جيش. ضبّوا حالكم وتعالوا عنا على الثكنة".

وهيك صار. جينا والتجأنا لثكنة الجيش وقعدنا. وكان عدد كبير كتير فلسطينية معنا بالثكنة.

الشاهدة الثانية آمال، جارة أخرى راحت تنتقد انصراف زوجة خير في الأيام العادية الى "غندرتها وزواقها"، لكن ذلك لم يمنع آمال كشاهدة من رواية ما جرى بأمانة، ولم تختلف روايتها عن رواية حربه، بل أكثر من ذلك، راحت آمال تؤكد بانبهار شديد جرأة الجارة زوجة خير، فقالت: "أجت مَرْتُه مسكت هالشحاطة بعيد عنكم ونزلت فيهم ضرب. . . "

لكن آمال لم تتمكن وأسرتها من اللجوء الى ثكنة هنري شهاب كما فعلت حربه وسواها، فكان لآمال وأسرتها مصير مختلف تماماً عن كل من جارتيها، كم سيظهر لاحقاً.

وانتشر الليل في هذه البقعة من بئر حسن، نزلة الثكنة ونادي الغولف، تماماً كما انتشر في باقي الأماكن من بئر حسن. لكن مصير السكان في كل بقعة من المنطقة نفسها كان مختلفاً؛ فهناك بالقرب من مستشفى عكا قتل البعض، بينما اطمأن البعض الآخر في بناية بعجور القريبة من المستشفى نفسه، حتى الصباح.

في كل شارع صغير مصير مختلف. . .

ولكل جماعة من تلك الميليشيات "اهتمامات" مختلفة عن اهتمامات غيرها. .

وما أكثر الاختلاف وأشده بين مزاج قاتل وقاتل.

الرواية الثالثة شاهدة على دخولهم الحي الغربي

هند، لبنانية جنوبية تتمتع بذكاء وشخصية قوية. تزوجت وهي في الرابعة عشرة من عمرها جنوبياً لا يمت اليها بقربى، لكنها اكتسبت الخبرة من الحياة ومن الإقامة في الخارج بحكم عمل زوجها. وقد أنجبت تسعة أولاد خلال الأعوام العشرين من زواجها. وتعرضت وأسرتها لأكثر من محنة، فاستشهدت ابنتها الصبية خلال الاجتياح الاسرائيلي للجنوب سنة 1978، ودمّر بيتها في الاجتياح الاسرائيلي سنة 1982.

قبيل خروج المقاتلين من بيروت جاءت هند تبحث عن بيت صغير، ولو من غرفتين. اتفقت مع زوجها على أن يبحث كل منهما في محيط منطقة صبرا وشاتيلا، وقادتها قدماها الى المنطقة الواقعة خلف المدينة الرياضية. كانت المنطقة يومذاك شبه مهجورة، وقد فوجئت برجل جالس بمفرده، فتقدمت وسألته عن منزل:

"أنا من الجنوب الله يخليك في شي أوضة نقعد فيها، أنا دايرة على بيت، وجوزي داير على بيت، وِلِّي الله بوفقه قبل التاني بنكون قعدنا". قلّي: "تكرمي بدل الأوضة في أربعة تعي اطلعي وهادا بيت أهلا وسهلا فيك". قلتلّو: "إنت من وين؟" قال: "والله من بلاد الله الواسعة. . . " قلتلّو: "طيب يعني كلامك بدل على إنك إبن المنطقة". قلّي: "صحيح، أنا إبن المنطقة. أنا إبن البلاد العربية. أنا فلسطيني. جيبي أولادك وجوزك يا أختي وتعالوا على هالبيت".

قولوا المهم بعطيني حرامات وبعطيني صوفا للمنامة، وفي تختين كانوا تخوتة عسكرية بعدهم جوّا يعني، قلّي: "خدي هدول إلك، وأنا رايح جيبلك تموين لاولادك".

والله صديق معي. فعلاً بروح بجيبلي أكل لاولادي وبقولّي ما تحمل هم. أول يوم تاني يوم ما منشعر إلا طلعت المقاومة من البلد، ولما طلعت المقاومة قعدنا إحنا. ما عدت شفتو، وما عرفت إسمو. بس بعتلي أكتر من مرة كل الأغراض اللي وعدني فيها مع شباب من مستودعاتهم. بعرف إنّو ما اشتراهم، بس أخلاق منّو يتذكرنا في الظروف الصعبة اللي كانوا فيها.

البيت اللّي قعدنا فيه كاينين الشباب محصنينو. واضح كان فيه فدائية. المهم قعدنا. وانتخبوا رئيس الجمهورية. وقلنا إن شاءالله رح يصير في أمن. .. لكن بعد ما انقتل بشير الجميل صعب نقول إنّو فْضِلْنا حاسين بالأمن.

عندما حاصرت القوات الإسرائيلية المنطقة وقامت بقصفها بعنف يوم الخميس تهيئة لما هو آت، كان زوج هند قد ذهب في ذلك اليوم الى الجنوب لزيارة والدته المريضة، وللعودة بالخبز المفقود وبما تيسر من طعام.

اشتد القصف ظهراً وبعد الظهر، وراحت هند تهدئ من روع أولادها، وتؤكد لهم كجنوبية أن إسرائيل لم تفعل شيئاً للنساء والأطفال عندما احتلت الجنوب. ولما أرادت أن تؤكد للإسرائيليين المحاصرين أن ليس في هذا البيت مقاتلون أو رجال، خرجت وهي تحمل المكنسة، فما من أحد يشك في مظهر امرأة وهي تكنس أمام بيتها.

كان بيت هند يقع في أعلى الحي الغربي، في الشارع الفاصل بين المدينة الرياضية والحي، وهو شارع ترابي مواز لبولفار كميل شمعون. فكانت هند تطل من سطح بيتها على الملعب الشهير وعلى بركة السباحة.

في تلك الليلة الأولى، كانت هند من موقع بيتها "الاستراتيجي" هي الشاهدة على دخول المسلحين بالعشرات آتين من ذلك الشارع الترابي الى الحي الغربي وحي عرسال الملاصق له جنوباً. وهي تقول:

ضهرت من البيت والمكنسة بإيدي، إلا شي خمسين ستين شاب مارين من المدينة الرياضية، قريب من المسبح، وسمعتهم بيحكوا لبناني. بيقولوا تعا يا جورج وتعا يا الياس. . يعني بيحكوا كلّو عربي. . كانوا ماشين على الأرض والجرافات وراهم عم تجرف. كانت عم تجرف بدها تفتح الطريق. ساعتهاخفت أنا قلت شو بدّو يصير؟

كان الوقت المغرب. يمكن شي الساعة ستة ونص عشية. بس بتقولي متل قلب النهار وزهرة الشمس القوية. صرت طلّع أنا وقلت أنا بركي إسّى إذا شافوني يعني جنوبية ما بيحكوا، والجنوبية بتنعرف من بعيد!! صرت لِمْ أجلَكم اوراق من الأرض وحط بالعربية.

قاموا اولادي بدهم يطلعوا من البيت وما بدهم يطلعوا، قلتلهم اطلعوا خلّيهم يشوفوا إنّو في أطفال صغار يعني هون، الله وكيلك ما شفت إلا صوت بيصرخ في اولادي: "تعوا لهون". ولما توجهوا صوبنا بدهم ياخدوا اولادي مني صرخت أنا، قمت صرخت وهرّبت الاولاد ونزّلتهم من الشبّاك من تاني ناحية. قاموا قوّصوا عليّ أنا. صابوني بإجري. تصاوبت وتضايقت مظبوط يعني، لكن الحمدلله ما مت بحسنة الاولاد، وبعده أتر الرصاصة برجلي.

لما بلّش الدم يشرّ من إجري، تضايقت أكتر. وما في شي ليوقف النزيف، قمت شلت إيشاري [إيشاربي] عن راسي، يعني قولي ربك الحميد اللي نحنا بنحط الإيشار. منيح اللي عنا هالإيشار بيلزم. شلت إيشاري عن راسي وربطت إجري فيه، ما ربطت محل الرصاصة بالذات كمان أعلى شوي حتى يوقف النزيف. وصرت شوي شوي أحل الربطة حتى ما يصير نزيف داخلي يعني، ولفيت على البيت وجيت من محل تاني، من الدرج.

ذات يوم كانت هند تعمل في حقل التمريض، وقد اكتسبت هذه المهنة بالتمرين والخبرة، لكنها هذه المرة كانت هي الممرضة والمصابة. فبعد أن وصلت الى البيت زحفاً تناولت إبرة لوقف النزيف، وشكتها بنفسها لنفسها، وهذا بينما كانت تهدئ من روع أولادها، فتضع المنديل على فم ابنتها كلما سعلت، خوفاً من سماعهم الصوت وقدومهم الى البيت.

لم تجرؤ على إضاءة شمعة. كانت واثقة بأنهم لا يعلمون أن أحداً في المنزل؛ ذلك بأنها جعلتهم يتصورون أنها هربت مع أولادها بين الزواريب في اتجاه الشمال، حيث كان واضحاً أنه لم يكن هناك مسلحون منهم قد وصلوا بعد. وهناك حيث لم يصلوا قط، حتى فيما بعد.

طوال الليل كان الصراخ يأتي من الحي الغربي، من "سفح التلة" خلف المدينة الرياضية. وكانت هند تسمع أصوات الاستغاثة، وهي تقول:

كنت أسمعهم يقولوا: "منشان الله أنا شو ذنبي؟" وأسمعهم قولولهم: "إنتو هيك وهيك. . إنتو ما بتعرفوا الله".ويقوموا يدبحوهم. واحدة قلتلو: "أنا لبنانية، أنا من الجنوب". قام زفّرلها الكلام، وشو بدّي إحكي شي ما بينحكى. لما يدبحوا الواحد يصرخ متل تور البقر. يكمشوه يدبحوه. ويدبحوا كل جماعة مع بعض، ويرجعوا يحطوهم بالجرافة وترفسهم الجرافة وتقلب عليهم التراب وترجع تمشي عليهم. كانوا يتركوهم ما يدملوهم، ويمشوا يجيبوا غيرهم. وكانت ليلة شبتْ منها. كانوا يقتلوا نسوان، بنات صغيرة، كبار، صغار . . .

كانت هند تتكلم في بيتها، وكنت أستمع اليها مع مصور تلفزيوني صديق، كان من أول من عرف قصتها بعد انتهاء المجزرة، وهو من أخذني للتعرف اليها. أرادت هند أن تكمل حديثها من على سطح منزلها حيث تمكنت من التسلل ليلاً بمفردها في تلك الليلة الأولى الرهيبة. وصعدنا نحن الثلاثة الى السطح. هناك قالت لي إنه كان يوجد في السابق حرامات منشورة على جوانب السطح، وهو ما لم يترك مجالاً لهم لرؤيتها. ثم عادت لتكمل حديثها وهي تشير الى البيوت والأماكن في المنحدر وراء المدينة الرياضية، والمعروف بالحي الغربي:

بطلّ هيك بلاقيهم عم يدبحوا شي بإيده البلطة لما يصفّلو راسه للزلمي يطير لتاني ناحية ييجي التاني يحطلّو بالكلاشن يقوصو. صدقوني يا جماعة، شي ما بيتصدق. كانوا يدبحوهم ويرجعوا يرشوهم، وكان يطلع صوت قواص.

كنت شايفة كل شي، يعني لو في إبرة بشوفها مع القنابل المضيئة. بعدين أنا أعلى منهم. أنا كنت شايفتهم، هني مش شايفيني.

كان لدى هند وقت كاف للتأكد من أن عدد الجرافات التي رأتها تلك الليلة أربع جرافات، وقالت أنها شاهدت أقرب الجرافات اليها مكتوب عليها باللغة العبرية، كما شاهدت الجرافات الأربع كلها تعمل، الكبيرة منها والصغيرة. لكن ليس في استطاعتها أن تعد المرات التي عملت فيها هذه الجرافات. كانت في الوقت نفسه خائفة على أولادها وتخشى إن هم اهتدوا اليها والى أولادها أن يقتلوهم جميعاً.

شهدت هذه الأم الممرضة على اغتصاب فتيات صغيرات، وعلى إخراج الجنين من بطن أمه، وأكثر من قصة شاهدتها وروتها لم تكن تعلم من هم أصحابها. نحن عرفنا فيم بعد أصحاب تلك العذابات وأسماءهم بالمقارنة بين الأوصاف التي قدمتها وبين الشهادات التي تقدم بها ذوو الضحايا هؤلاء والمتطوعون العاملون في المؤسسات الإنسانية.

كانت هند حقاً الشاهدة الوحيدة على دخولهم من خلف المدينة الرياضية.

لم تنم هند تلك الليلة.

كانت كلما تذكرت زوجها دعت الله أن يحميه في عودته. هل استجاب الله لها؟

الرواية الرابعة شهادة مؤجلة من حي عرسال

انتصار، أم لثلاثة أطفال، ولد وبنتين صغراهما في نهاية العام الأول من عمرها. يقع بيتها في قلب حي عرسال المجاول للحي الغربي على سفح التلة، خلف المدينة الرياضية. ومن الممكن الوصول الى بيتها من أكتر من زاروب. لكن انتصار نفسها لم تشاهدهم وهم يقتحمون، كما شاهدتهم هند، ذلك بأنها كانت تمكنت من الهروب قبل الخامسة مساء.

خافت انتصار من القصف الشديد بعد الظهر، خافت على أطفالها الذين ما عاد في إمكانهم احتمال أصوات القذائف الاسرائيلية، وخافت أكثر لما قتل جار لهم بشظية إسرائيلية، فراحت ترجو زوجها أن يأخذهم الى منزل خالتها. وكان زوجها يملك سيارة بحكم عمله، وتمكن بصعوبة من إخراجها من الزاروب الضيق بسبب تكدس أكثر من سيارة لم يتكمن أصحابها من الذهاب الى أعمالهم يوم الخميس. عندما سمعت انتصار صوت محرك السيارة يقترب ظنته أروع موسيقى. وهي تتذكر حوارها مع زوجها لما دخل مستعجلاً:

قمت سألتو: "أجيب شي معي؟"، قلّي: "بس التياب اللي محضرتيهم للاولاد". كنت محضرتلهم على طول شنطة صغيرة. أخدنا على شارع الحوري بالطريق الجديدة. هناك ساكنة خالتي. لما وصلنا لحد التعاونية، تقوم تيجي قذيفة هناك. لما وقعت القذيفة قلّي: "شو، ترجعي؟" قلتلّو: "لأ، يا ربي شو أرجع، دخيلك ما صدقت على الله إيمتى وصلت. دخيلك هون في ملاجئ".

وصلنا لبيت خالتي، وهيّ إلها عادة بتصيِّف بعاليه، وهيّ كانت وقتها مصيْفة بعاليه، على علمي. قلّي: "روحي انزلي شوفيها إذا هيّ بالبيت واللاّ لأ". رحت نزلت سألت ولقيتها بالبيت. قلّي: "روحي بالاولاد وانزلي، لأجيب الحليب والقناني".

أنا كنت عارفة هو عامل القنانل والحليب حجة. نحنا كان في معنا جيران بالبيت، قلولنا خدونا معكم. قلتلهم إنّو بيت خالتي صغير كلّو غرفتين وهنّي عيلتين بحساب إبنها بكون عندها، ويمكن ما لقيهاش بالبيت. لكن راح جوزي أبو نبيل قلهم: "خلّيكم هون هياني برجع باخدكم".

أنا كان قلبي حاسسني، ياما مرات كان يتركني وقت الحرب مع الصغار في الملاجئ ما أخاف، هاي المرة خفت كتير، رحت أترجاه يبقى معنا، ما كان يرد عليّ، قال لازم يوفي بوعدو للجيران، ووعدني إنّو بيرجع قوام.

مضت اللية الأولى ولم يرجع أبو نبيل.

لم يكن أحد يعلم أنه كان هناك مجزرة.

أم نبيل، زوجته انتصار، لن تعلم عنه شيئاً قبل انتهاء كل شيء.

هي هربت من القصف. وهو عاد اليه غير مبال كي يفي بوعده للجيران، وكي يخلصهم كما خلص زوجته وأولاده. فهل تمكن من تخليص الجيران؟

هل تمكن من تخليص نفسه؟

هل يمكنه أن يشهد أمامنا، فيما بعد، على ما جرى؟

الرواية الخامسة الجيران الشهود في أول شاتيلا

كان أحمد شاباً على مقاعد الدراسة سنة 1982. هو من الخالصة في شمال فلسطين أصلاً، ومن النبطية في الجنوب اللبنانية ولادة. عمّر أبوه بيتاً في النبطية لكنهم غادروه في أعقاب اجتياح الجنوب سنة 1978 وانتقلوا الى شاتيلا. سكنوا في أول شاتيلا من جهة شارع السفارة الكويتية. أسرته كثيرة العدد، تضم عشرة من الإخوة والأخوات، لكن اثنين كانا ناقصين في ذلك اليوم؛ فالأخ الأكبر كان يعمل خارج لبنان، والأخت الصبية الكبرى كانت اختطفت ذات يوم على حاجز كتائبي.

يقع بيت أحمد بالقرب من الطريق العام، شارع شاتيلا، الى يمين المقبل من شارع السفارة. ويسكن في هذا البيت الصغير الملاصق لبيوت آل المقداد الأبوان والجدة والثمانية الباقون من الإخوة والأخوات. أما مهنة الوالد فكانت من المهن الرائجة جداً بين السكان، والمعروفة بلغة أهل المخيم: "بياع خضرة وبياع دخان".

يقول أحمد إن القصف الإسرائيلي اشتد في الساعة الرابعة من بعد ظهر الخميس بشكل لا يوصف، وسقطت قنابل كثيرة على المخيم، لكن معظمها كان يقع في أحياء لا سكان فيها، أو أن معظم السكان لم يكن عاد اليها بعد.

لم يكن أحمد في بيته تلك الساعة؛ كان مع بعض أصدقائه يتلهون بتعداد القذائف، ويتناقشون، وفجأة سقطت بالقرب منهم إحدى الشظايا وأصابت أحدهم، "وليد"، فقام أحمد والآخرون يحملونه الى مستشفى غزة. وكان هذا بينما القصف ما زال عنيفاً بين الساعة الخامسة والساعة السادسة. وفي المستشفى شاهد المئات من الملتجئين اليه، وخصوصاً من سكان صبرا. وبينما كان ينتظر انتهاء العملية الجراحية التي خضع لها صديقه، دخل المستشفى ناس من شاتيلا وهم يصرخون: "دخلوا المخيم. دخلت إسرائيل على المخيم".

استغرب أحمد لماذا تدخل إسرائيل لتقتل الناس. وهو من الذين طمأنهم الجنود الإسرائيليون المحاصرون للمخيم. ولم يطل تفكيره حتى دخل المستشفى صديق له تعلو وجهه صفرة الهارب من الموت، وأسرّ اليه بصوت متقطع:

ما تصدق يا أحمد. مش الإسرائيلية اللي داخلين، هنّي اللي داخلين الكتايب. أنا ما لحقوا دخلوا البيت حتى طبقت الباب عليهم وهربت، نطيت من الحيط. وقدر أخوي يهرب معي، شوف هيّو أخوي واقف على الباب. الله نجانا من الموت يا أحمد. لو بتشوف قديش رشوا علينا أنا وأخوي، لكن كنا صرنا على الجنب التاي من الحيط وما قدروا يصيبونا. لكن ما بعرف شو ممكن يصير لأهلي. شو بتقول يا أحمد؟

لم يعرف أي من الصديقين النوم إلا لماماً في تلك الليلة، ولم يعرف أي منهما مصير عائلته. ولم يكن مصير العائلتين واحداً، فقد كان الفارق هائلاً بين المصيرين، كالفارق بين الموت والحياة.

كان أحمد أحد الرفاق السبعة الذين قال لهم الضابط الاسرائيلي يوم الأربعاء: "عودوا الى بيوتكم. اليوم ما يترك حدا. عودوا الى بيوتكم. بس نهار الجمعة خدوا اخواتكم وأهلكم".

عن أي يوم جمعة كان الإسرائيلي يتكلم؟

بعض الجيران الشهود قال أنه رأى المسلحين يقتلون أسرة أحمد كلها على العتبة أمام بيتها في الساعة الأولى من المجزرة. وهذا يعني أنه حتى لو تمكن أحمد يوم الجمعة المنشود من الوصول الى بيته – وهو لن يتمكن – فهو ما كان ليد حتى جثث أبويه وإخوته وأخواته ليأخذها كما قال له الإسرائيلي. حتى الجثث اختفت نهائياً. جثة واحدة بقيت شاهدة عند عتبة البيت هي جثة الجدة. أما التسع الباقية لأبية وأمه ولسبعة من إخوته وأخواته فقد اختفت.




--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 18 2006, 05:55 AM
مشاركة #13


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5




مجزرة صبرا وشاتيلا أيلول ١٩٨٢ ـ الحلقة ٤

السبت ٢٣ آب (أغسطس) ٢٠٠٣


بقلم بيان نويهض الحوت

الرواية السادسة شاهد من حي المقداد

لا تُذكَر مجزرة صبرا وشاتيلا إلا وتذكر معها مأساة عائلة المقداد قبل أية عائلة أخرى. هي عائلة لبنانية من مجدل زون التجأ الكثير من أسرها الى حرش ثابت. وقد سمي الحي الذي سكنوه بحي المقداد، وهو الى اليمين من بداية شارع شاتيلا الرئيسي من جهة شارع السفارة؛ أي أن حي المقداد كان في طليعة الأحياء التي دخلوها مساء الخميس، وقد دخلوها وهم لا شعار لهم إلا القتل.
هناك ناجون قليلون من آل المقداد في حي المقداد. من هؤلاء حسين المقداد الذي نجا من موت محقق بسبب إلحاح زوجته عليه في الهرب. وهو يقول في أعقاب المجزرة مباشرة أمام مجموعة من الصحافيين:

كنت ذاهباً الى السوق لشراء حليب لطفلتي الصغيرة، وبعض المواد الغذائية لعائلتي عندما اشتد القصف وعلت أصوات الرصاص. . حاولت اتقاء القصف بالاختباء في ملجأ قديم تهدم معظمه نتيجة القصف السابق لطيران العدو. لم أتحمل رائحته الكريهة فخرجت لأجد المحلات التجارية أغلقت، وخلت الشوارع من المارة..

هدأ القصف حوالي ربع ساعة. شاهدت الناس يتراكضون بفزع في كل الاتجاهات وهم يتصايحون لكني لم أفهم شيئاً.

أصحاب المحلات أغلقوا محلاتهم على عجل، بعضهم هرب دون أن يغلقوا دكاكينهم. وقفت دقائق وسط الشارع، لا أدري أين أتوجه، لكني أفقت على صراخ إحدى النسوة وهي تشدني بقوة من قميصي: "أهرب . . . إنهم يذبحون الجميع . . . لماذا تقف كالأبله". قالت هذه الكلمات بسرعة.. . حاولت أن ألتفت لأستوضح الأمر، لكنها غابت ما بين مجموعات الناس، فقررت أن أعود الى بيتي.

سألتني زوجتي عما يجري فقتل لها: "لا أعرف. إنهم يذبحون الجميع. هكذا قالو لي". وردت عليّ: "يذبحونهم؟ لماذا؟ هل هم نعاج؟" فقلت: " لا أعرف. إنهم يذبحونهم فقط!" وصرخت بي: "لماذا تقف كالأبله؟ علينا أن نغادر.." وقلت لها: "أنا لن أغادر. إذهبي أنت وأبناؤك الى حيث تريدين، هذا بيتي، بنيته بعرقي، ودمي. . . " وقاطعني صراخ إحدى النسوة أن يرحموا طفلها. ودفعتني زوجتي وقالت: "يجب أن تهرب فوراً. إنهم يقتلون. ألا تسمع؟"

حاولت أن أحمل معي أحد أبنائي، لكنها ألحت عليّ بالخروج فوراً. وقلت لها: "أنا أحمل معي ولدي علي، وأنت تحملين خديجة وآمال". "سأحملهم كلهم. . . أهرب أنت. أرجوك".

نزلت عند طلبها ودموعها. .. وكنت أخطو ببطء، لم أبتعد كثيراً عن البيت. . . فجأة سمعت من يصرخ بصوت عال: "قف، وإلا قتلناك".

حاولت الالتفات. سمعت طلقات نارية. شاهدت عسكرياً، وبدأت أركض. سمعته يقول: "قف مكانك". . لكن عبثاً. بقيت أركض وأركض الى أن بدأت أشعر بثقل في ساقي اليسرى وبسائل ساخن ينساب عليها. ولحقت بالنسوة والأطفال والشيوخ الهاربين، وبدأوا ينظرون اليه، وسألني أحدهم: "هل انت مصاب؟ إنك تنزف. يجب أن تذهب الى المستشفى".

بقي حسين المقداد في المستشفى ثلاثة أيام، علم بعدها أنهم طعنوا أطفاله بالحراب، كما أجهزوا على زوجته بالسكاكين. غير أن ابن عمه الذي نقل له الخبر، طمأنه الى أنهم تمكنوا من دفن عائلته.

كانت مسألة العثور على الضحايا ودفنها نعمة لم تتوفر لكل الضحايا.

عدد الضحايا من عائلة المقداد فاق عدد ضحايا أية عائلة أخرى، إذ بلغ أكثر من ثلاثين ضحية.

ليس بعيداً عن مساكن آل المقداد ومسكن أحمد في الرواية الخامسة أعلاه، كان هناك شجرة كاوتشوك ضخمة من ذات الأوراق العريضة الشديدة الخضرة. هذه الشجرة حمت شيخاً متوسط العمر، وكان لقبه "الشيخ" لكونه رجل دين لا لكونه في عمر الشيوخ. فاجأت هجمة المسلحين هذا الشيخ وهو يمر بالشارع، فسارع الى تسلق الشجرة، واختبأ بين أغصانها. بقي مختبئاً طوال الليل وسحابة اليوم التالي الى أن تأكد في حظة من اللحظات أن المكان خلا من المراقبين والقتلة. ولم يشهد هذا الشيخ مقتل أسرة أحمد فحسب، بل أيضاً مقتل كل العائلات المجاورة لها، وأولها وأكثرها عدداً عائلة المقداد.

كان شعار الساعات الأولى من تلك الليلة الأولى في ذلك المدخل الرئيسي لشاتيلا، وفي مداخل الحرش كافةً، وما سبقها من مداخل، هو قتلْ الجميع: الكبير والصغير، الرجل والمرأة، الفلسطيني واللبناني، وكل من تيسر من أهل الحي.

رابعاً – شهادات من الملاجئ
العنوان الأبرز الذي يجسد عمليات الاقتحام في الليلة الأولى هو "الملاجئ"؛ ذلك بأن وصول المسلحين المهاجمين مباشرة الى مواقع الملاجئ كان الدليل على وجود الجواسيس المقنعين الذين ورد الحديث عنهم في الرواية الأولى أعلاه، "شهود على دخولهم منطقة بئر حسن"، وهم الذين سيرد عنهم لاحقاً في الكثير من الشهادات؛ كذلك هو البرهان على أهمية تلك السيارات الغريبة عن المنطقة، التي راحت تجول في شاتيلا تحت حماية الحصار الإسرائيلي، بينما أصحابها يسألون عن أماكن الملاجئ بالتحديد.

الملاجئ تغص عادة بالنساء والصغار والمسنين. وهي قد تغص أيضاً بالرجال، لكنها تبقى آخر الأماكن التي يرتادها المقاتل المسؤول. فكيف يداهم مسلحون مهاجمون آتون للبحث عن مسلحين "آخرين" الملاجئ أولاً؟ ذاك هو السؤال الذي عليه الانتظار حتى استكمال الصورة كلها.

انتقيت من الشهادات عن الملاجئ ست روايات أدناه. لكن هذا لا يعني أن هذه الروايات الست هي كل ما له علاقة مباشرة باقتحام الملاجئ، فسيرد في روايات لاحقة ما يؤكد الهمجية التي تعرض لها مدنيون في ملاجئ أخرى متعددة، إلا إن روايات هؤلاء صنفت وفقاً لموضوع رئيسي آخر تحتويه أحداث الرواية.

وهذا فضلاً عن أنه توجد روايات أخرى عن الجانب الآخر، وأعني به جانب إقدام بعض المواطنين أصحاب النخوة والمسؤولية على تخليص الناس من الملاجئ كي لا يداهمهم المهاجمون، فيلاقون هول المصير. وسوف نتحدث عن توفير سبل الخلاص لأكثر من ملجأ في البند السادس أدناه.

الرواية السابعة من الملجأ الى سيارة الشحن
تروي ثنيا، وهي لبنانية متزوجة بفلسطيني، كيف اختطفوها هي وغيرها من النساء منذ الليلة الأولى، من داخل الملجأ المجاور لبيتها الذي يقع في منتصف شارع شاتيلا الرئيسي. تقول:

كان صار المغرب، كان بادي الظلام. إحنا افتكرناهم جايين على الملجأ ليتخبّوا متلنا، همّي راحوا وقفوا برّا، وإحنا كنا جوّا الملجأ عم نتعشى، عم ناكل لقمة لأنو طول النهار بلا أكل. كان مقطوع الخبز. نحنا عند الضهر ما كان في شي. قال جوزي بدنا نتغدى قلتلّو يا عمّي ما عناش خبز، وقَعَدْت صرت أخبز. وما لحقت خلِّص الخبز حتى بلّشَت القذايف، إلا إجت قذيفة حد مننا ونزلت علينا شظايا. قمنا نزلنا على الملجأ الساعة وحدة ونص. ومن الساعة وحدة ونص لحدّ الساعة بين الستة والسبعة إلا وهمّي نازلين علينا. شو فكرناهم؟ زي ما قلتلكم، فكرناهم ناس تاهوا وبدهم ييجوا يتخبّوا بالملجأ.

أكيد، باب الملجأ مفتوح. سمعنا واحد منهم بيصرخ على شاب من عنا: "إنت هون، إنتو هون، يا عكاريت، قتلتوا بشير الجميل يا عكاريت وعاملين دهاليز وقاعدين هون يلاّ اطعلوا لهون لشوف. .. يلاّ. .. الرجال تصف على جنب والنسوان على جنب. يلاّ امشوا طابور من هون وطابور من هون، والنسوان بالنص". وطلّعونا لفوق جنب السفارة الكويتية. وقاموا دوّروا هالشاحنة وطلّعونا إحنا بالشاحنة. قالوا لجوزي: "شو إنت لبناني واللاّ فلسطيني؟" قلّو: "أنا فلسطيني". قلّو: "قديه عمرك؟" قلّو: "52 سنة". قلّو: "ليه قعدت، عم قلّك وقاف محلّك، وهات البنت". وقام ناولني البنت وحطنا كلنا بالشاحنة، كنا حمولة شي أربعين مَرَه. وراحوا مدورينها. أما جوزي فتركوه على الشارع وما عرفت شو صار.

تتابع ثنيا فتقول إنهم قادوهن الى المنطقة الشرقية، الى أبعد من سن الفيل، ثم أعادوهم وتركوهن في منطقة الأوزاعي. لكن القرار بالعودة لم يكن سهلاً، فهي تقول:

في أربعة بيناتنا فلسطينية. أنا بعدني ما خبّرتك، أنا جوزي فلسطيني لكن أنا لبنانية. وكنا نقول لكل واحدة من الفلسطينية الأربعة المخطوفين معنا: "ما تفتحي تمّك وتحكي كلمة واحدة. نحنا منحكي عنك". طول الطريق هيدي راسها واجعها كتير، وهيدي مريضة كتير. وكانوا يسألوهُنْ للفلسطينية كل الوقت: "قولوا كم مقاتل بعد عندكم في شاتيلا؟ وين فيه فدائية؟ وين فيه أسلحة؟" رحنا قلنالو: "يا خيّي هيدي خرسا. لو ضلّيت طول الليل تحكي معها ما بتاخد منها كلمة". راح قال: "هلّق عملتو حالكم خرسان وطرشان وكلكم لبنانية؟ كلكم من مرجعيون ومن الجنوب ومن بعلبك؟"

لكن لمّا وصلّونا على مكتب قيادة عندهم، سمعنا المسؤول عنهم بقولْهم: "شو جايبينلنا نسوان؟ نحنا ما بدن نسوان. . ليه جايبينهم".

منشان هيك رجعونا على الأوزاعي ورمونا هناك. لكن لقينا حدا يجبلنا مي وأكل وبطانيات، والله والحقيقة قام قَلْنا حتى ناكل. لكن مين فينا فيها تاكل ونحنا خايفين على رجالنا.

سعيدة، التي شاركت في مسيرة النساء، كانت أيضاً إحدى اللواتي أجبروهن على ركوب الشاحنة. وهي تذكرت أنهم جاؤوا بنساء أخريات لم يكنّ معهن في المسيرة، ووضعوهن في الشاحنة. وكان العدد هو أربعين امرأة. وكان مع بعضهن أطفال، كما كان هناك رجلان، أحدهما لبناني والآخر فلسطيني، هو شقيقها. وهي تروي عن الاختطاف ما يؤكد أقوال ثنيا:

أخدونا حطونا فوق بعضنا البعض بالسيارة، سيارة شحن كبيرة، هلّق إذا شفتها بعرفها. . وما لحقنا ركبنا قام واحد لبناني قلهم للمسلحين اللي معنا حراسة: "أنا بعرف سعد حداد وعايش معه". راح المسؤول عن الشاحنة يصرخ فيه ويسب سعد حداد. وبعد شوي تلفّت لواحدة وقلها: "أنا شفتك متصورة مع أبو عمار بالجريدة. شفتك ما تكذبي". وراحت المسكينة تحلف وتبكي وتقلّو: "والله أنا لبنانية".

ضلّينا شي ساعة بالسيارة. . بعدين وصلّونا لبناية عالية كتير عليها صور بشير الجميل وفاتت الشاحنة لجوّا، يعني كل البناية إلهم، كان شي واضح. وقّفونا وسمعنا واحد عم يسأل: "معكم شباب؟" وكنا بعدنا بالشاحنة لما سمعناهم عم يْهَنّوا بعضهم البعض ويبوْسوا بعضهم البعض: "عال عال جبتلنا فلسطينية. عال هلّق بنشرب من دمهم".

وطلع واحد منهم على الشاحنة وتلفّت وقال: "وين الرجال؟ ما في رجال؟" أنا كنت ناصحة ومخبية أخوي ما مبيّن أبداً، والشاب التاني اللبناني كان نحيف وكإنّو خنفس راح يا حرام وحلفلوا يمين إنّو لبناني لكنّو نسي هويته بالبيت. ما شفناه إلا قلّو: "انزال ولاه". وشفناهم عم يلبطوا فيه ويخبطوه وما عرفنا بعدين شو صار معو. وبعدين تلفّت واحد مسؤول فيهم، مبيّن يعني مسوؤل، وقال لِلّي جابونا بالشاحنة: "شو هيدا؟ جايبين نسوان واولاد؟ يلاّ خدوهم مطرح ما جبتوهم. وجيبولنا شباب لنشرب من دمهم". وتْطلّع واحد تاني: "استنوا شوي ما في واحدة حلوة تعطونا اياها؟ وين الحلوين؟"

وما صدّقنا على الله يرجعونا. ما سقونا نقطة مي. طلبنا مي وكنا عطشانين. ما قبلوا أبداً. شتمونا كتير.

رجّعونا من طريق تانية. هاي أول مرة بشوف هالطريق. وكانت طريق طالعة نازلة. يا عمّي يمكن أخدونا على الأشرفية ما بعرف. لكن بعرف إنو تغيروا الشباب اللي معنا على الطريق. يعني هنّي تبدّلوا وأجا غيرهم. ولما وصلنا على الأوزاعي رجعوا سألونا قبل ما ينزلونا الحراس الجداد: "مين فيكم فلسطينية؟" وراحت واحدة لبنانية تقولنا: "يلعن أبوكم يا فلسطينية. كلّو منكم".

آخرتنا نزّلونا في الأوزاعي وكانت الساعة صارت شي تسعة بالليل ويمكن عشرة. وشفنا القنابل المضيئة من هناك بعدها بتطلع. لكن ما سمعنا ضرب. وضلّينا للساعة تنتين بنص الليل والاولاد عم ترجف من البرد والجوع. وما حدا في المنطقة فتح بابه إلنا.

بقيت النساء والصغار حتى الصباح.

ولولا رحمة من بعضهم، من بعض "الكتايب" كما تقول سعيدة، لما وجدوا بطانية ولا شيئاً من الأمان. فالبعض كان مختلفاً جداً عن الكل.

وكان عليهن في الصباح العودة للبحث عن ذويهم.

الرواية الثامنة المئة والخمسون في ملجأ أبو ياسر
يقع ملجأ أبو ياسر الى اليسار من زاروب في قلب الحرش، متفرع من الجهة اليمنى لشارع شاتيلا الرئيسي، بالنسبة الى المقبل من جهة الجنوب.

هذا الملجأ شهير باسم صاحبه أبو ياسر، السوري الأصل، والذي بناه ليكون ملجأ عائلياً لأسرته، وللجيران الأقربين بالتأكيد. وكان هذا الملجأ الذي أوجده صاحبه من دون أي تخطيط مسبق، يعتبر ملجأً صغيراً ولم يكن يحسب له الحساب في المنطقة. أي أنه لم يكن من الملاجئ المنشأة كي تستوعب فعلاً أكبر من عدد من السكان.

يوم الخميس آنذاك، امتلأ ملجأ أبو ياسر بالجيران وجيران الجيران، هرباً من القصف الإسرائيلي. وكان أبو ياسر كريم النفس ومحباً للجميع، فلم يشأ أن يطلب من أحد التفتيش عن ملجأ آخر، وكما يقول المثل: "بيت الضيق بيوسع ألف صديق".

وعندما دخلوا، أو عندما اقتحموا، كان ملجأ أبو ياسر من أول الأمكنة التي وصلوا اليها.

كيف وصلوا؟

ومنهم هؤلاء الذين تمكنوا من الوصول الى ملجأ صغير يقع في زاروب داخل الحرش، منذ الدقائق الأولى لدخولهم شاتيلا، وخصوصاً أن المهمة الرئيسية لهؤلاء كانت البحث عن الفلسطينيين المقاتلين والمسلحين والمتخلفين عن السفر الى المنافي الجديدة!!

من في استطاعته ذلك غير هؤلاء الذين يمشي أمامهم جواسيس مقنعون كما ذكرت أم أيمن في شهادتها عن دخولهم منطقة بئر حسن، وكما شهد الكثيرون غيرها.

أم علي كانت من الهاربين الى ملجأ أبو ياسر، ولم يكن بيتها يبعد أكثر من عشرين متراً عن هذا الملجأ؛ فهي من الجيران، لا من جيران الجيران.

كان الزمان يوم الخميس. وكانت الساعة نحو السادسة بعد الظهر لما دخلت إحدى بناتها لتقول للجميع: "اسمعوني، الاسرائيلية والكتايب فاتوا وعم يقتلوا الزلم [الرجال]".

وصار هرج ومرج، وقفزت أم فادي ابنة أم علي الكبرى المتزوجة بابن عمها، والتي كانت هربت الى الملجأ مع زوجها وصغارها وأمها، قفزت توبخ أختها الأصغر منها أمام الجميع قائلة: "اسكتي وْلي بلا إشاعات. إسرائيل ما بتعملش هيك، ولا الكتيب بيعملوا. تعمليش إشاعات وتفزعي العالم. اسمعوا يا ناس، ما حدا يخاف منكم".

حارت أم علي بين ابنتيها.

كانت واثقة بذكاء ابنتها الصغرى وشجاعتها، كما كانت متأكدة من خوف ابنتها الكبرى "أم الصغار" التي صاحت تنفي "الشائعات". فهذه لا يمكن أن تغادر الملجأ، وهذه هي عادتها في كل جولات القصف والرعب. ونظرت أم علي حولها فقدرت نحو مئة وخمسين طفلاً مع أمهاتهم، وقالت في أعماقها بإيمان: فليفعل الله ما يشاء، وما يجري على هؤلاء الصغار يجري على أحفادي. وخرجت أم علي من الملجأ رافعة رأسها.

قالت أم علي إن إسرائيل كانت تطلق قنابل مضيئة، فمشت وكأن الدنيا نهار لا ليل، وراحت تتساءل في سرها: ماذا سيجري؟

لحقت بها ابنتها أم فادي، "أم الصغار"، على الطريق وراحت تشد بثوبها وترجوها أن ترجع معها الى الملجأ لتبقى معها ومع أولادها. لكن الأم كانت حازمة. يجب العودة الى البيت. البيت ملآن بسكانه وبالضيوف.

وراح صاحب البيت، أبو علي، يقول عن خبرة بالحياة: "ناموا يا جماعة واستهدوا بالله. إسرائيل ما بتعمل شي. ولما تفوت الناس بتسلّم وكل واحد بضل ببيته".

لكن أبو علي لم يبق في بيته في اليوم التالي، كما توهم. كانت تلك هي ليلته الأخيرة في بيته.

جاءهم في الصباح صهر له يقع بيته جنب ملجأ أبو ياسر تماماً، وأخبرهم بما سمعه من صراخ النساء والصغار في الليلة السابقة؛ كن يصرخن: "دخيلكم سلْمونا للصليب الأحمر"، وهو سمع صوت أم فادي تصرخ: "يا أبو فادي الحقنا. يا جماعة سلْمونا للصليب الأحمر. دخيلكم نحنا لبنانية. ما تقوصوا علينا".

وكان الصهر يعرف صوت أم فادي جيداً.

وكان على أم علي أن تشكر ربها لأن هناك من أخبرها شيئاً عن الدقائق الأخيرة من حياة ابنتها على الأقل، بينما الكثيرون من ضحايا ملجأ أبو ياسر لم يعرف عنهم ماذا قالوا، ولا كيف قتلوا، ومنهم من وجدت جثثهم، ومنهم من لم توجد.

ساعة وصل القتلة الى باب الملجأ الصغير صرخوا بمن فيه أن يخرجوا حالاً، ولم يستمعوا الى استغاثة أم فادي "دخيلكم نحنا لبنانية. ما تقوصوا علينا"، ولا الى استغاثة غيرها.

يا الله، كم كان مصير هؤلاء الخارجين من ملجأ أبو ياسر مختلفاً، فالموت في المجازر ليس واحداً، ولس صحيحاً أبداً أنه "تعددت الأسباب والموت واحد".

ثلاثة مصائر جماعية خطّط لها القتلة على عجل لرواد ملجأ أبو ياسر.

أول المصائر كان من قضى برصاص المهاجمين النزقين حالاً، ومن أمروه أو اقتادوه حياً أو ميتاً الى كاراج أبو جمال القريب في شارع شاتيلا الرئيسي.

ثاني المصائر كان مخصصاً للرجال الذين أمروهم بالوقوف الى جانب الجدار المقابل للملجأ، في انتظار ما سيحدث لهم.

ثالث المصائر كان مخصصاً للنساء والأولاد الذين أمروهم بالسير نحو الطريق العام، ومن هناك جنوباً في تجاه شارع السفارة، لأنهم، كما قالوا لهم، يريدون أن يأخذوهم الى مستشفى عكا.

الى مستشفى عكا! لماذا؟ النساء والأولاد والصغار صدقوا ذلك. ما كان في وسعهم إلا أن يصدقوا.

لكنهم – أي القتلة – لم يأخذوهم قط الى مستشفى عكا.

منهم من قتلوهم أمام كاراج أبو جمال، أو أخذوهم الى هناك بعد أن قتلوهم. لا أحد يعلم تماماً. ومنهم من أوقفوهم حيث تقع المقبرة الجماعية اليوم، في بقعة خالية من البناء. ومنهم من أخذوهم الى محطة وقود مجاورة، غير أنهم أطلقوا عليهم جميعاً الرصاص، على النساء والأولاد، وهذا بينما كانت المهمة المعلنة هي البحث عن الفلسطينيين المقاتلين والمسلحين والمتخلفين عن السفر الى المنافي الجديدة !!

وبقيت الجثث في العراء. .

أما مصير الرجال عند ذاك الجدار، فكان الموت بالرصاص، بعد أن ابتعدت النساء والأولاد قليلاً.

ليس صحيحاً أن المجازر لا تخلو من الرحمة. فالنساء حقاً لم يشاهدن منظر قتل الرجال، لكنهن سمعن أصوات الرصاص، وكان رصاصاً غزيراً جداً؛ ذلك بأن الذين سقطوا عند ذلك الجدار لم يكونوا رواد ملجأ أبو ياسر وحدهم، وإنما كان معهم الكثيرون من سكان حرش ثابت الذين أمرهم القتلة بالمجيء من بيوتهم، وبالوقوف الى جانب ذلك الجدار.

هناك وقف الجميع. هناك أمطروهم بالرصاص.

ليس صحيحاً أبداً أن المجازر لا تخلو من الرحمة، فما أرحم الموت بالرصاص من الموت بغيره.

شاءت القدة الإلهية أن ينجو عدد من هؤلاء وهؤلاء، من الرجال والشباب عند الجدار في قلب الحرش، ومن النساء والأولاد على أرض المقبرة الجماعية؛ عدد قد لا يتجاوز أصابع اليد، وسنعود الى حكاياته فيما بعد، هو الذي أنبأنا بما جرى في ملجأ أبو ياسر وفي الحرش. لكن هناك عائلات بأسرها لم يبق منها أحد، كي يخبر بما جرى.

كانت العائلة التي سقط منها الضحايا الأكثر هي عائلة المحمد، إحدى العائلات التي التجأت الى ملجأ أبو ياسر.

عائلة المحمد من قرية سحماتا في قضاء عكا من شمال فلسطين. وقد سكنت هذه العائلة في شاتيلا الكبرى، ليس بعيداً عن ملجأ أبو ياسر. وكما اشتهرت عائلة المقداد بأن ضحاياها كانوا الأكثر عدداً من ضحايا سائر العائلات، اشتهرت عائلة المحمد بأنها كانت أكثر الضحايا عدداً في الأسرة الواحدة.

فالأفراد من أسرة خالد يوسف المحمد الذين كانوا داخل المنزل، وهم الأبوان وتسعة من الأبناء والبنات، قتلوا كلهم، كلهم.

لم ينج من الأسرة غير الابنة المتزوجة مها، والابن الأكبر زهير، ذلك بأن كلاً منهما كان خارج البيت.

أما من كان في البيت والتجأ الى ملجأ أبو ياسر، بدءاً بالأب خالد والأم فاطمة، وانتهاء بالطفل سامر ابن العامين، فكلهم قتلوا؛ إحدى عشرة ضحية من أسرة واحدة.

ويبقى سؤال : لماذا قتلوا بينما المهمة المعلنة للداخلين هي البحث عن الفلسطينيين المقاتلين والمسلحين والمتخلفين عن السفر الى المنافي الجديدة!!

ويبقى سؤال: لماذا قتل الرجل الكهل صاحب الملجأ، أبو ياسر نفسه، وهو لم يرتكب جريمة كونه فلسطينياً، أو جريمة كونه لبنانياً سكن بالقرب من الفلسطيني؟ لماذا؟




--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 18 2006, 09:45 PM
مشاركة #14


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



مجزرة صبرا وشاتيلا ـ الحلقة الخامسة

السبت ٢٣ آب (أغسطس) ٢٠٠٣

بقلم بيان نويهض الحوت

الرواية التاسعة ـ أم وأطفالها

كم كان ملجأ أبو ياسر صغيراً، وكم كان عدد ضحاياه كبيراً. لكل من الذين كانوا في هذا الملجأ حكاية.

عائلة أحمد محمد حمود التجأت الى هذا الملجأ كسروها من الجيران.


لكن. . . قبل أن تنزل العائلة الى الملجأ دار نقاش بين الأم والأب؛ فالأم راحت تقنع زوجها، أبا الأولاد، بأن يهرب الى مستشفى غزة بسرعة، وذلك بأن الإسرائيليين يقتلون الرجال كما سمعت، أما هي والصغار، فلا خوف عليهم في الملجأ. واقتنع زوجها أخيراً بكلامها، وتمكن من الهرب الى مستشفى غزة، ووصلت هي والصغار الثلاثة بأمان الى ملجأ أبو ياسر.

كانت السماء تعج بالقنابل المضيئة.

وكانت هذه العائلة آخر من وصل الى الملجأ، حتى لم تكد تجد لنفسها مساحة صغيرة تركن اليها.

كانت الساعة ما بين السادسة والدقيقة الثلاثين والسابعة ليلاً. هكذا قال الراوي.

دخل الملجأ سبعة مسلحين. لم يتوقفوا لحظة إزاء استغاثات الرحمة ولا الصراخ ولا بكاء الصغار. قاموا فور دخلوا بإطلاق الرصاص في كل الجهات حتى سقط الكثيرون على الأرض قتلى.

ثم كان ما كان من فرز الرجال الى "جدار الموت" وجر النساء الى شارع شاتيلا الرئيسي.

وكانت نهاية عائلة أحمد حمود في كاراج أبو جمال الذي يقع في شارع شاتيلا الرئيسي. هناك كم تفننوا في قتل النساء والأطفال بطرق متعددة.

أما السؤال كيف؟ فلا بد للإجابة عنه من الانتظار حتى مرحلة البحث عن الضحايا؛ ففي تلك المرحلة وجد من وجد، وضاع من ضاع، وراح أمثال أحمد حمود يبحث عن أشلاء زوجته وصغاره، كما راحت أم علي تبحث عن أشلاء ابنتها وأحفادها.

ويروي شاهد من شاتيلا ما رآه أمام الكاراج يوم السبت:

كانت الجثث قدّام الكاراج حد بعضها البعض وكل واحدة مقتولة شكل. شي مش معقول. بحياتي كلها ما شفت هيك. في نسوان كانت مدبوحين بالسكين. في نسوان مخنوقين. في نسوان محروقين. في نسوان مضروبين رصاص.

الرواية العاشرة شاهدة على اقتحامهم أحد الملاجئ
هذه الفتاة وحدها نجت من كل أسرتها.

شاهدت ما جرى، وكانت من أول من تحدث مباشرة بعد المجزرة، يوم كان رجال الدفاع المدني لا يزالون يعملون على رفع الأنقاض. تحدثت الفتاة مع مراسل وكالة "اليونايتد برس"، جال ريدن، لكنه لم يذكر اسمها حفاظاً على سلامتها، كما ورد في مقدمة المقابلة، في خيمة أقيمت على أرض المجزرة، وبحضور مسؤول في الدفاع المدني اللبناني.

أما الملجأ الذي نتحدث عنه، والذي لم يذكر اسمه، فهو أحد الملاجئ في حي عرسال. قالت الفتاة:

كنا أسرة مكونة من خمسة أفراد وقد قتلوا جميعهم. لن أنسى ذلك الوقت من بعد ظهر الخميس حيث كنت مع صديقتي داخل مخبأ وبسبب صعوبة التنفس بداخله قررنا الخروج، وما إن وقع بصرنا على المنطقة حتى وجدنا أطراف المخيم تتحول الى جحيم حيث كان البعض يقفز من فوق أسطح المنازل. وعدت مسرعة مع صديقتي الى المخبأ وأخبرت الجيران وأسرتي أننا رأينا جنوداً من الكتائب.

وقام كل من كان في الملجأ بالخروج منه، واتجهوا صوب الجنود وهم يحملون الرايات البيضاء، لكن الجنود لم يأبهوا لهم وأطلقوا النار على الرجال والنساء بينما ارتفع صراخ الأطفال، وعندما شاهدت ذلك هربت واختبأت في حمام البيت فقد كان كل الأطفال والنساء قتلوا برصاص الجنود.

ورأيت هؤلاء الجنود يذهبون بعد ذلك الى الداخل ويطلقون النار بدون تمييز ثم اقتادوا النساء والأطفال بالرق من بيتنا بعد أن قتلوا أزواجهن وأبناءهن وحاولت أن أرفع رأسي لأرى أين ذهبوا لكن جندياً رآني من الشباك وأنا أنظر الى الخارج، وأطلق النار علي وطلب من سيدة أن تدخل وتحضرني، وعندما دخلت السيدة طلبت مني الخروج وعدم الخوف، وأطعتها بعد أن مكثت في حمام البيت أكثر من خمس ساعات كدت خلالها أختنق من الروائح الكريهة المنبعثة منه.

واقترب بعض الجنود مني وسلطوا الضوء عليّ للتأكد من شخصيتي وطلب أحدهم مني الجلوس وسألني: "هل أنت فلسطينية؟" وأجبته: "نعم". وكان ابن عمي وهو طفل لم يتجاوز شهره التاسع يصرخ بجانبي. وصرخ الجندي في وجهي: "لماذا يبكي؟" ولم ينتظر رداً مني، وصوب سلاحه تجاه الطفل وأطلق عليه النار وأصابه في كتفه . . . وبدأت أبكي وأخبرته أن هذا الطفل هو الوحيد الذي بقي من عائلتي، ووجدت الجندي يمسك الطفل من قدميه ومزقه نصفين.

أما الكاتب أمنون كابليوك فيضيف الى رواية هذه الفتاة نفسها كيف أنه لما وصل عمها فيصل، وكان ضعيف العقل قليلاً، أرادوا أن يقتلوه، فاسترحمتهم وتضرعت اليهم أن يتركوه. وفعلاً، تركوه حياً تلك الليلة، لكن لماذا؟ هل استجابة لتضرعاتها، أم لسبب آخر؟

وفي اليوم التالي، هل سيترك القتلة عمها حياً، أم سيقتلونه؟ وماذا عنها؟ وماذا عن مصير رواد الملاجئ المجاورة؟

الرواية الحادية عشرة قتلوه قبل أن يولد
أمل، فتاة فلسطينية من سكان شاتيلا حرمتها الحياة نعمة النطق، لكنها لم تحرمها نعمة حب الحياة، ولا نعمة الطموح الدائم.

تزوجت أمل في مطلع سنة 1982 شاباً فلسطينياً عرف قدرها، وعاش أحاسيسها، وفرحت صديقاتها بزواجها، وكانت بينهن صديقة أجنبية تعمل في الحقل الاجتماعي.

القاء الأول بينهما، بين "ماري" وأمل، تم خلال الاجتياح. كانت أمل يومذاك تعيش حياة التهجير في أحد ملاجئ منطقة الحمراء بعيداً عن شاتيلا، وكانت العاملة الاجتماعية، "ماري"، تقوم بزيارات متواصلة لأماكن المهجرين. التقت أمل، وتمكنت من التخاطب معها بلغة الأيدي والمشاعر، وكانت أمل بارعة في الطباعة، كما كانت تعرف جيداً اللغة الإنكليزية، لغة صديقتها الجديدة.

كانت أمل حاملاً يوم التقتا. وقد فهمت منها "ماري" أنها ترغب جداً في أن يكون الجنين أنثى؛ فأغلى أمنية لديها أن تصبح أماً لطفلة تدللها كما كانت تفعل معها أمها وهي طفلة.

وعدتها "ماري" بزيارتها في شاتيلا كلما جاءت لبنان بحكم عملها.

وكانت أول زيارة لـ "ماري" في أعقاب الاجتياح الاسرائيلي. وصادف مجيئها قبيل الذكرى الأربعين لشهداء صبرا وشاتيلا، فلم يكن لديها وقت للسؤال عن أمل قبل ذلك اليوم، وقد اتخذت قرارها بأن تبحث عنها بعد الذكرى، إذ رغبت "ماري" في حضور تلك المناسبة الأليمة، وهي التي باتت تعرف العادات والتقاليد العربية.

هناك، أمام المقبرة الجماعية، التقت الصديقة الأجنبية "ماري" والدة أمل، وكانت تعفها من قبل جيداً. تحدثت أم أمل، واستمعت اليها الصديقة التي جاءت للقاء أمل فلم تجد إلا حكاية.

كتبت العاملة والباحثة الأجنبية التي رفضت أن يذكر اسمه احكاية أمل (أما اسم ماري فهو اسم مستعار اتفقنا عليه كلتانا). ثم كتبت غيرها وغيرها. كانت تستمع الى الحكايات باللغة العربية التي كانت تعرفها، ثم تكتب الحكايات بلغتها الانكليزية. وتحمل حكاية أمل الرقم السابع من مجموعة ثلاث عشرة شهادة قامت "ماري" بجمعها وكتابتها، وقد سلمتني نسخة مصورة عنها، بخط يدها.

أنا شفت إم أمل لابسة أسود، كله أسود. وكان وجهها لونه أصفر. ولما سألتها شو صار، خبرتني حكاية أمل وهي دموعها على وجها كل الوقت. كتير ناس حكيوا معي كانت دمعتهم نشفت. لكن إمها لأمل ما كانت دمعتها ممكن تنشف. وقالتلي إمها:

"كانت أمل وجوزها متخبيين من القصف في الملجأ لما دخلوا القوات عليهم. راحوا قتلوا جوزها قدّامها بالبلطة، وهميّ شايفينها حامل، لأنو كانت أمل رح تصير بشهرها الأخير، لكن ما كان في قلوبهم أي رحمة. راحوا قطعوا إيد جوزها ورموها قدامها. وبعدين إجا دور أمل. راحوا جايبين سكينة كبيرة فوّتوها ببطنها وطلّعوا منّو الجنين وهمّي عم يضحكوا. ما عاد فيها أمل تتحمل. وقعت على الأرض على آخر نفس. راحوا رموا الجنين جنبها بعد ما تأكدوا إنو مات. ويمكن مات من غرزة السكين الأولى. وما اهتموا يقيموا جتة أمل زي ما قاموا جتت كتيرة ودفنوها مع البولدوزرات. كان كتير مهم عندهم يتركوا أتار حتى تشوف الناس أعمالهم".

روى كثيرون من أهل شاتيلا حكاية أمل . . . ولم تكن مأساة أمل هي الوحيدة من نوعها. . . كان من المألوف في هذه المجزرة قتل الصغار والأجنة. . .

الرواية الثانية عشرة شهادة فتى في الثانية عشرة

منير فتى فلسطيني تمكن من النجاة من ملجأ أبو ياسر. حاولوا أن يقتلوه ثلاث مرات. لكنه نجا من الموت؛ وتلك إرادة الله.

يوم حطت قوى الطغيان على ذلك الملجأ الصغير، كان منير في الثانية عشرة من عمره، وكان تلميذاً في مدرسة الجليل.

من عادة الفلسطينيين أن يطلقوا أسماء مدنهم وقراهم ومناطقهم التي احتلت، وحتى تلك التي لم تحتل، على المدارس والمستشفيات والمؤسسات، كي لا تناسها أجيال المستقبل. في بيروت مستشفيات حيفا وعكا وغزة والناصرة، وفي مخيم شاتيلا مدرستا أريحا والجليل، وفي صبرا مدارس يافا والبقعا ويعبد ورام الله والعفولة وحيفا والحمة. وهذا هو منير، الذي يدرس في مدرسة الجليل في شاتيلا، قد تمكن من إقناعنا بأنه يعرف جيداً عن الجليل في شمال فلسطين، على الرغم من أنه لم يتكلم كثيراً طوال المقابلة. لكنه تكلم قليلاً عن الجليل.

الجار، الذي رافق منير الى المقابلة، كان يتكلم معظم الوقت. وكان عليّ أن أتأكد مما يقوله الجار من عيني منير. حتى هزة رأسه بالموافقة كانت لا تحدث إلا بطلب مني.

هل تزعجه أسئلتي الى هذا الحد؟

تذكرت أننا نتحدث معاً بعد ثمانية أشهر من المأساة. يا لظلمي لهذا الفتى الجميل الصامت المتألم. لو فكرت لحظة بعدد المقابلات الصحافية التي تكلم فيها منير، أو التي لم يتكلم فيها، كهذه، لما طلبت الحديث معه. لكنني ما فكرت في ذلك.

قال الجار الراوي، الذي يعمل في مأوى العجزة:

كان منير في البيت، في شاتيلا، قريب من حرش ثابت، مع أمه وإخوته وأخوانه ، فلما اشتد القصف يوم الخميس الضهر انقسمت عيلة منير زي كل العائلات الفلسطينية، الرجال راحوا على أقرب مستشفى للحماية، والنسوان والصغار راحوا على أقرب ملجأ. وهيك صار. أجا عنا على مأوى العجزة أخوه الكبير لمنير وخاله وصهره، وأما باقي العيلة فهربت على ملجأ أبو ياسر. وكان الملجأ مليان نسوان وصغار. وكان منير مع أمه . . . شو؟ بكمّل أنا؟ ما بدّك تحكي يا منير؟

انا رح كمّل. وأنا بعرف الحادثة كأني كنت معهم. الساعة سبعة كان الليل صار نهار مع القذايف المنوّرة، صرخوا المسلحين على باب الملجأ إنو كل الناس تطلع لبرّا. قاموا وقّفوا الرجال على الحيط، وقالوا للنسوان والصغار: "إمشوا من هون". المسلحين اللي فِضْلوا مع الرجال ضربوهم وبعدين قتلوهم. وتلفّت منير وشافهم عم يسقطوا على الأرض. مش هيك صار يا منير؟

وصلت النسوان والأولاد الى محطة بنزين قريبة. ونطّروهم شي ساعة. في ناس بتقول راحوا يتعشوا. وفي ناس بتقول راحوا يقتلوا جماعات تانية. لكن هلّق رجعوا يرشوهم كلهم رش. ما خلّوا مَرَه ولا ولد. ولما سقطوا كلهم على الأرض، صاح فيهم واحد: "اللي انجرحت فيكم مستعدين ناخدها على المستشفى. قوموا تنشوف". وما في واحدة جربت تقوم إلا قاموا رشوها رش. ولما ما عدا فيها أي وحدة تتحرك، راحوا يسلطوا عليهم ضو اللوكس القوي، آه، كان في تنوير قوي. لكن كانوا حابين يتأكدوا أكتر. ويمكن في محلات فيها خيال ما فيها ضو كافي.

لكن. . أنا فتكم بالحكي، أمه لمنير جرّبت تقوم لما سمعتهم بقولوا إنهم رح ياخدوهم على المستشفى، لكن منير الله يرضى عليه قلّها: "ما تقومي يما لأنهم كذابين".

تاركني أحكي لحالي يا منير؟

كان على الفتى منير أن يتظاهر بالموت كي يعيش. طوال الليل بقي الى جانب أمه وأخواته وهو لا يعلم يقيناً أنهن رحلن عنه الى الأبد. كما لا يعلم إن كان سيتمكن من الهروب في اليوم التالي.

يوم ذهبت الى مقابلة منير كنت أفكر في هذه المقابلة أكثر من أية مقابلة أخرى. تلك هي أول مرة أتحدث فيها مع فتى في عمره عاش المجزرة. فكرت في هدية أقدمها له، لكن . . أية هدية؟ كتاب؟ ألوان ودفاتر رسم؟ لعبة؟ لا أدري لماذا عندما خطر ببالي "ترانزستور" صغير لم أتردد قط. كانت بيروت كلها ما زالت في عهد "الترانزستور" بسبب انقطاع التيار الكهربائي معظم الوقت. لما أعطيته "الترانزستور" في آخر المقابلة كان علي أن أقول له ماذا يوجد داخل العلبة المغطاة بورق الهدايا الملون، لكن لم يبد عليه أي ردة فعل. هل أحب الهدية، أم أنه استمر على صمته بحكم العادة؟ لا أدري.

قبل أن أودعهما عند باب المصعد، برفقة صديقتي وصاحبة المنزل التي استضافتنا لإجراء المقابلة، تذكرت السؤال الأهم الذي أردت أن أطرحه على منير، ولم أكن أتوقع منه رداً، لكنني مع ذلك سألته:

بكرا رح تكبر يا منير وبتصير تقدر تحمل سلاح. إنت بتفكر بأي انتقام؟ بتفكر تقتل زي ما قتلوك؟ واللاّ بتسامحهم؟ شو بتفتكر يمكن تعمل؟

وكانت المرة الوحيدة التي ارتفع فيها صوت منير واضحاً جريئاً وينم عن شخصية قوية:

لأ. لأ. أنا ما ممكن أنتقم بقتل الأطفال زي ما قتلونا. شو ذنبهم الأطفال؟

مر أكثر من سبعة عشر عاماً.

جاء منير الى بيروت من واشنطن شاباً قوي العضلات، خلوقاً كما كان وهو فتى، لكنه يتكلم أكثر قليلاً. وكنت رأيته أكثر من مرة في الولايات المتحدة خلال تلك الأعوام.

طلبت منه في أثناء زيارته تلك، في نهاية صيف 2000، أن يذهب معي الى شاتيلا، فنمشي معاً على الطريق نفسه، لعل هناك شيئاً جديداً يحب أن يقوله. واستجاب للفكرة بحدود. وذهبنا معاً برفقة صديق ثالث يعرف المكان جيداً.

وقف منير واجماً أمام باب ملجأ أبو ياسر. لم يتكلم. كانت أمارات الألم على وجهه. وبعد لحظات طويلة، قال: "أنا مش عارف. يمكن يكون هادا هو الباب. معقول؟ معقول يكون صغير لهادا الحد؟"

تلفتُّ الى الصديق مستجيرة، لكنه لم يكن يعرف أيضاً، كان أعلم بالطرقات العامة، لكن ليس بأماكن الملاجئ، فالاعتماد في مثل هذا كان على منير.

كان لا بد من العودة مرة ثانية بعد أيام، برفقة رابع هو زوج شقيقة منير الذي يعرف المكان جيداً.

دخلنا شارع شاتيلا الرئيسي من شارع السفارة مشياً على الأقدام، دخلنا أحد الزواريب يميناً، وبعد قليل مشينا بلا تفكير وراء زوج شقيقته وهو يقف أمام باب صغير على الجهة اليسرى، قائلاً: "نسيت يا منير؟"

كان هو الباب نفسه الذي وقف أمامه منير منذ أيام، ثم تردد، ولعله ما استطاع أن يتصور كيف خرج من هذا الباب الصغير العشرات الى ساحات الموت.

لم يتكلم منير.

لكن الذي تكلم كان قريبه وهو يشير بإصبعه الى الحائط المقابل: "على هادا الحيط قتلوهم. كان بعده الدم كله على الحيطان لما رجعنا. . . "

وعدنا نحن أدراجنا نمشي في شارع شاتيلا الرئيسي نحو مستشفى عكا.

لم يكن لدي أي سؤال.

عندما وصلنا بالقرب من ساحة المقبرة الجماعية، مقبرة شهداء صبرا وشاتيلا، لم يتوقف منير، لكنه قال بصوت منخفض متقطع وهو مستمر في مشيه، وكأنه يخاطب نفسه أكثر مما يخاطبنا: "بعد ما رمونا بالرصاص، كنا كلنا على الأرض، وكانوا هنّي يروحو وييجوا، وكانوا يقولوا: (إذا في أي حدا منكم بعده عايش نحنا عنا شفقة ورحمة ومناخدو على المستشفى، قولولنا، ما تخبوا)".

ثم يصمت منير، ولا يسأله أحد منا عما جرى بعد ذلك، لأننا كلنا كنا نعرف.

نحن كنا الأربعة، منير وقريبه والصديق من أبناء المنطقة وأنا، كنا ونحن نمشي في شارع المجزرة الرئيسي في نهاية القرن العشرين، نمشي بين صفين من باعة الخضراوات الذين لم يكن لهم وجود في تلك الأيام، فكان لا بد لنا من تحمل زعيق سيارة من هنا، وأصوات مناداة الباعة على الزبائن من هناك، وصوت موسيقى مرتفعة لأغنية جديدة رائجة من تلك العربة. نحن جميعاً كنا نسمع ما يجري حولنا لكن لا نعي ما نسمع. كنا ننتظر ماذا يريد منير أن يقول، وهو قد عاد يتكلم من تلقاء نفسه، وهو يمشي، وكلنا نمشي:

وبس كانت واحدة تئن، أو تصدقهم وتقول أنا بدّي إسعاف، كانوا يسعفوها بطلقات نار ويخلّصوا عليها.

أنا . . أنا أكتر شي ضايقني مش بس الموت من حولي. أنا. . كنت مش عارف إذا إمي ماتت أكيد، وإذا أخواتي ماتوا أكيد، كنت عارف إنو معظم الناس من حواليّ ماتوا. وصحيح، أنا نفسي كنت خايف أموت. لكن. . أنا ضايقني كتير إنهم كانوا يضحكوا ويسكروا ويتسلّوا كل الليل. رموا علينا بطانيات وتركونا للصبح. وكل الليل كنت أسمع أصوات بنات يبكوا ويصرخوا: "منشان الله اتركونا بحالنا". يعني . . ما فيني إتذكر قديش اغتصبوا بنات. أنا أصوات البنات من الخوف والوجع، ما بعمري فيني أنساها.

الطبيب البريطاني بول موريس عالج منير ساعة قدومه الى المستشفى في اليوم التالي، يوم الجمعة، وراقبه في الأشهر التالية، قال لي وهو يحدثني في منزل سيدة أمريكية في حرم الجامعة الأميركية في بيروت، ربيع سنة 1983: "إنه كان يبتسم قليلاً أحياناً، ويلعب (الفوتبول) أحياناً، لكنه لا يستجيب بعفوية كما يستجيب من هم في عمره، إلا أحياناً أيضاً". ثم ضرب الطبيب بيده على الطاولة: "يجب أن ينقذ الفتى. يجب أن يخرج من المنطقة ولو الى حين، كي يسترد نفسه".


--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 19 2006, 07:05 PM
مشاركة #15


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



مجزرة صبرا وشاتيلا ـ أيلول ١٩٨٢ ـ الحلقة ٦

السبت ٢٣ آب (أغسطس) ٢٠٠٣
بقلم بيان نويهض الحوت

الرواية الثالثة عشرة ـ شهادة فتى لم تصلنا شهادته
مفيد، فتى فلسطيني كان بين الهاربين الى ملجأ أبو ياسر. ومفيد أكبر بعامين من أخيه منير. كان يعتبر نفسه أنه أصبح رجلاً، وهو في الرابعة عشرة. حاولوا أن يقتلوه مرتين. فهل نجا مفيد، أم مات؟ وإن كان مات، فكيف مات حقاً؟
المرة الأولى التي حاولوا فيها قتله، كانت في ذلك اليوم الخميس بينما الجموع التي أخرجوها وجرّوها من ملجأ أبو ياسر تسير في شارع شاتيلا الرئيسي، متجهة جنوباً نحو مستشفى عكا كما قيل لها، ونحو ساحة المقبرة الجماعية كما أمر أصحاب البنادق.

كان مفيد بين أمه وأخواته وأخويه: عايدة، معين، فاديا، إيمان، منير. كان بين عشرات من الناس الذين يعرفهم، لكنه لم يكن يعرف هؤلاء الذين صوبوا نحوهم البنادق، ولا يعرف لماذا أصلاً هم يريدون قتلهم.

لم يصدقهم مفيد قط في ادعائهم أنهم يريدون أن يوصلوهم الى مستشفى عكا، وهو قد سمع بأذنيه طلقات الرصاص تقتل جيرانه وأحباءه.

نحن لم تصلنا شهادة مفيد، وقد لا تصلنا أبداً عبر الوسائل المعتادة. لكننا لسنا بحاجة اليها كي نتأكد من ذكائه، ومن معرفته بالمصير المنتظر لمثل هذه المسيرة من النساء والأولاد والأطفال تحت حراسة البنادق.

نظر الفتى، ابن الرابعة عشرة، الى أمه نظرة وداع، وبأسرع من لمح البصر ركض بين الجموع المنقادة محاولاً الهرب بأقصى ما يستطيع من سرعة.

رآه القتلة. صرخوا فيه أن يقف حالاً. أطلقوا عليه النار. أصابوه. لكنه تمكن من الاستمرار في الهرب على الرغم من إصابته في أعلى الفخذ إصابة بليغة.

يوم قابلت شقيقه الأصغر منير، وهو في الثانية عشرة من عمره (راجع الرواية الثانية عشرة)، لم يتفوه بكلمة واحدة عن مفيد، وكانت الصحافة اللبنانية كتبت الكثير عنه.

لكننا بينما كنا نمشي في شارع شاتيلا الرئيسي متجهين نحو مستشفى عكا، بعد سبعة عشر عاماً، أشار منير فجأة بيده نحو الأمام قائلاً:

من هادا الطريق كان آخر مرة شفت فيها اخوي مفيد. ركض لوحده، كان أكبر مني ويمكن عارف شو ناطرنا، وراحوا قوّصوا عليه، وما عرفنا يومها شو صار فيه.

كان هذا هو المشهد الأول في حكاية مفيد وهو يختفي بين الجموع والأزقة.

أما المشهد الثاني فيظهر فيه مفيد مختبئاً مساء اليوم نفسه تحت أشجار الصنوبر القريبة من مستشفى عكا؛ وهذا يثبت أنه تمكن من أن يعبر شارع السفارة، ومن أن يصل الى الجانب الآخر على الرغم من جرحه، لكنه لم يتمكن من الوصول بنفسه الى المستشفى، فارتمى إعياء غير بعيد عن المستشفى تحت إحدى شجرات الصنوبر.

يصف المشهد الثاني كولين سميث، مراسل جريدة "ذي أوبزيرفر"، كما سمعه من ممرضات في المستشفى، فيقول إنه كان جرحى التجأوا الى البقعة نفسها حيث كان مفيد، لكن بعضهم أُجهز عليه هناك، بينما تمكن البعض الآخر من الوصول الى المستشفى بواسطة ممرضات ونساء ساعدنهم على الوصول. وكان مفيد واحداً من هؤلاء.

قبيل غروب شمس الخميس كان مستشفى عكا يغص بالملتجئين اليه من القصف، وكان عدد الملتجئين يتزايد مع مرور الوقت. فلما دخل مفيد على الحمالة لم يكن في الطبقة الأرضية موطئ قدم، ووجد الذين يحملونه صعوبة في إيجاد طريق للحمالة بين المحتشدين كي يصلوا بها الى أقرب غرفة للعمليات. وهناك أجريت له الإسعافات الأولية. والطبيب الذي حدثني عن حكاية مفيد، كما سمعها من أحد زملائه، لم يعد يتذكر إن أُجريت له عملية أم اكتُفي بالاسعافات تلك الليلة.

في تلك الليلة الأولى كان حظ الفتى مفيد أفضل من حظ أخيه منير؛ فهو لقي عناية في مستشفى عكا، ونام بحماية الصليب الأحمر الدولي وهكذا كان كل الذين يلتجئون الى المستشفيات يعتقدون. كانوا يعتقدون أنهم في حماية الصليب الأحمر الدولي أما منير فنام تلك الليلة الأولى بين الأموات في العراء، وهو لا يجرؤ حتى على التنفس كي لا يسارعوا الى الإجهاز عليه.

لكن ماذا عن اليوم التالي؟

أيهما سيكون الأكثر حظاً؟

وكيف يكون الحظ أكثر، أو أقل قليلاً، في أتون مجزرة؟
وكيف ستصلنا شهادة مفيد؟

خامساً – شهادات عن جدار الموت
جدار الموت القريب من ملجأ أبو ياسير لم يكن جدار الموت الأوحد في مجزرة صبرا وشاتيلا، لكنه ربما كان الأول في سلسلة عمليات متشابهة، امتدت طوال الأيام الثلاثة.

لو قدّر لكل من أمروه بالوقوف هناك، ثم رشوه بالرصاص، أن يموت فعلاً، لما بقي هناك من يتحدث عن جدار الموت، لكن الجريمة المثالية يصعب تحقيقها حتى في المجازر.

ولو كانت الجرافات تمكنت من إخفاء معالم الجرائم كلها، لما وجد المصورون بعد انتهاء الأيام الثلاثة ما يثبت أقوال أصحاب الشهادات أدناه.

ولو لم يكن الضمير الانساني حياً لدى الكثيرين من سكان الأرض، لما وجدت جدران الموت كاتباً حي الضمير مثل ديفيد لامب الذي كتب عنها، وعما جرى تحديداً في الليلة الأولى، على صفحات جريدة "لوس أنجليس تايمز". قال:

عائلات بكاملها ذبحت. مجموعات من عشرة الى عشرين شخصاً كانوا يوقفونهم الى جانب الحيطان ويرشونهم بالرصاص. الأمهات ماتت وهي متشبثة بأطفالها. كل الرجال ظهر أن النار أطلقت عليهم من الخلف. خمسة شباب في عمر القتال ربطوا الى بيت آب، وجرّوا على الطرقات قبل أن تطلق عليهم النار.

الرواية الرابعة عشرة أربع عشرة رصاصة في جسمه
كان مصطفى هبرات رجلاً عاملاً ذكياً ومدركاً لخطورة الموقف منذ ابتدأت الإضاءة غير المعقولة، أي منذ تحول الليل الى نهار.

عرف مصطفى أن القادمين ليسوا إسرائيليين، وإنما قتلة مجرمون في حماية الإسرائيليين.

وكان يعلم أن الليل الحقيقي ليس الظلام وإنما الظلم. ولأنهم كان يعلم، حسب حساب الاعتقال والسجن، لكن .. لا أبعد من ذلك.

أعطى مصطفى زوجته آمال، الجزائرية الأصل، الهويات والأوراق الرسمية وما يملك من مال، وودعها وأوصاها بالأولاد، وقال لها كلمتين: "يمكن ياخدوني". أدركت زوجته أن الأمر جَلَل، ولكن الى أي حد؟

لم يتركوا له وقتاً للحديث مع زوجته أكثر من تينك الكلمتين. كما أنهم لم يتركوا له وقتاً حتى للهرب، فبيت مصطفى يقع على حافة الحرش الملاصق لشاتيلا. وتلك المنطقة نالت من الرصاص والجثث ما لم تنله منطقة أخرى.

وصلوا . . وكأنهم الجان الذي يهبط فجأة من كل مكان.

ويصف المشهد صديق حميم لمصطفى بعد أن كان سمعه منه:

هلّق صار مصطفى بألمانيا الله يشفيه. خبّرني كيف أجوا كمشوه، ووقّفوه، وصفّوا الرجال كلهم على الحيط، وبلحظات كان الرصاص يلعلع، ووقعت مَرَتُه واولاده التلاتة أمام باب المنزل جتت هامدة قبل ما كانوا المجرمين تلفّتوا للرجال. هوّ قال إنو حالاً شعر إنهم راحوا. بساعتها عرف من صراخ بنته الصغيرة، عرف إنهم ماتوا . . . فراح بدّو يهجم على المسلحين قدّامو بلا وعي. كانوا أسرع منّو. قوّصوه. وضلّوا يقوصوا. وهو ضل نايم بالارض. وهنّي افتكروا أنو مات.

أكبر ولد كان عمره تمان سنين. وكان أصغر واحد بعده عم يرضع. كلهم ماتوا. ومَرَتُه ماتت.

وما كان مصطفى وحده. أخدوهم فوق العشرين واحد. حطّوهم على الحيط ورشّوهم كلهم. كان نصيبهم الرصاص.

وهوّ خبرني:

"بعد نص الليل، تاني يوم الصبح فقت. كنت نايم أو غميان ما بعرف. كان في واحد فوقي ناصح، قلتلّوا زيح عني. لكنّو ما زاح. عرفت إنّو ميت. حسّيت إنو في حركة في الطريق ما استرجيتش أتحرك أحسن ما يرجعوا يلاقوني بعدني طيب، يقوصوني. . وضلّيت قاعد مش قادر أتحرك، وكنت أدعي طول الليل. . يا الله . . إرحمني يا ربي".

الرواية الخامسة عشرة قتلونا مرتين
حمزة شاب لبناني من قرية مجدل زون في الجنوب. بعد أن دُمِّر البيت الذي كان يسكنه هو وعائلته بسبب القصف الاسرائيلي لجأوا الى حرش ثابت، واشتروا بيتاً صغيراً.

عندما تسأل حمزة كم عدد أفراد أسرتك؟ يظهر عليه شيء من الذهول وهو يجيب: "نحنا أربعة . . قصدي. . نحنا كنا سبعة، هلّق نحنا أربعة". وتسأله: "وين راحوا؟" يجيب باقتضاب وتعجُّب من السؤال، وهو يتلفت حواليه في بيته: "بالمجزرة . . هون".

طوال الاجتياح الاسرائيلي كان حمزة وأسرته في مجدل زون، لكنهم ما إن انتهت الحرب، وبلغة البسطاء، "لما طلعوا الفدائية"، رجع حمزة وأسرته الى حرش ثابت، في جوار شاتيلا، وهم سعداء لأن الأضرار التي لحقت بالبيت لم تكن جسيمة.

يؤكد حمزة أن القصف يوم الخميس اشتد على كل المنطقة ما بين الثانية والدقيقة الثلاثين والسادسة والدقيقة الثلاثين. وبعد ذلك هدأ القصف وابتدأت القنابل المضيئة تملأ السماء. وعلى الرغم من أن حمزة كان من الذين شاهدوا وجوهاً غريبة في المنطقة في ذلك اليوم، وعلى الرغم من أنه كان لا بد من أسباب لتلك الإضاءة التي وصفها بأنها "شي عجيب لا يوصف"، فقد كان موطناً بسيطاً، وكذلك كانت أسرته، ولم يربط أحد من أفرادها بين الحدثين، وراحوا يجلسون على الشرفة الصغيرة أمام البيت ويشربون الشاي، وهم يقولون: "الحمد لله هدأ القصف!!

كانت الساعة السابعة والدقيقة الثلاثين عندما فوجئوا بجماعة من المسلحين تصرخ فيهم: "ارفعوا إيديكم". فرفعوا الأيدي. منذ اللحظات الأولى أدرك حمزة أنهم لبنانيون، وأنهم جاؤوا للقتل. وعرف أنهم لبنانيون من لهجاتهم، ومن الشعار الأصفر على صدور بذلاتهم الخضر، وقد كتب عليها "الكتائب اللبنانية". لم ينتبه إن كان هناك شعار أيضاً على أكتافهم. لكنه يجزم أنه يعرف وجوههم جيداً ويذكرها، وأنه إذا رأى أياً منهم فهو يميزه من ألف رجل.

وبينما كان المسلحون يتبارون في توجيه الشتائم والإهانات الى السكان، كان حمزة وأهله والجيران ينفذون الأوامر بالنزول الى الشارع. وكان بعض الجيران – كأسرة حمزة – يجلس أمام المنازل، والباقون داخلبيوتهم. يروي حمزة:

وقت صرنا بالشراع قالوا: "يلا. . الشباب لحال والنسوان لحال".

أول ما جمعونا كان في شي تلاتين ما بين نسوان واولاد، وضلّوا ينزلوا السكان ويتجمعوا. ونحنا الشباب والرجال اللي صفّونا على الحيط كنا سبع وعشرين واحد. وأول شي صاروا يضربونا وينيمونا على الأرض ويسبّونا ويدعسوا على روسنا. وأخدوا منا هوياتنا. يعني أكيد عرفوا أنا لبناني، لكن أنا ما استرجيت قول كلمة قدّامهم، وكمان بيّي وخيّي، ما حدا حكي كلمة. وبعد الضرب قالولنا وقفوا وصفّوا وجوهكم على الحيط، قمنا وقنا وصفّينا. راحوا قالوا للنسوان: "هلّق بنبعتلكم اياهم، راح نتركهم هلّق. قوموا روحوا إنتو".

ونزّلوا النسوان والأطفال لتحت على المفرق، هونيك كان في طرمبة للبنزين. وهونيك بعدين قتلوا العالم هونيك. قتلوا النسوان والاطفال. وأنا ما شفت بعيني، لأنهم رشّونا قبل، لكن على حكي ولد صغير زمط من الموت، وهو لما الله نجاه ورجع على الحي، خبّرنا [يقصد الفتى في الرواية الثانية عشرة أعلاه]. وهيك عرفنا بعدين إنو إمي وخيّاتي اتنيناتهم راحوا.

همّي ما لحقوا النسوان يبعدوا شوي حتى راحوا يقولولنا إنهم بدهم يفتشونا. لكن ما فتشونا. قاموا رشونا، كل ما كان الواحد منهم يرش علينا بلا وعي، يرجع يحط إيده شوي صغيرة على آخر الحيطة، يريحها، ويرجع بعد شوي يبلّش قواص علينا. وإذا تعب في غيره. كان عددهم شي 15 واحد. أنا كنت واقف على الحيط قبل الأخير باتنين، فلما صاروا يرشوا من هونيك تطلعت هيك لقيت العالم عم تقلب. عم تموت. قلت يلا اقلب إنت كمان يا ولد. قلبت أنا ونمت على الأرض قبل ما يرشوني. وافتكروني إني مت. وضلّيتني نايم شي خمس أو عشر دقايق.

رجعوا يرشونا ويقتلونا مرة تانية، رجعوا يكفّوا علينا وإحنا مرميين بالأرض. وهمّي عم يرشوا فينا صابوني أنا بإجري من تحت. لكن الرصاصة فاتت وطلعت، وما بقيت، وهيدا اللي ساعدني.

ويقول حمزة إن أباه أيضاً أصيب لكنه لم يمت. أما أخوه عباس فكان من أول الذين قتلوا. هو يتذكر الذين يعرفهم من جيرانه عند جدار الموت ذلك. يقول إنه قتل معهم أبو ياسر وعائلته كلها، وقتل اثنان من الجيران أيضاً لا يعرف اسميهما، وقتل رجل وكل أولاده، وقتل أبو أحمد وأولاده، وقتل ستة من الباكستانيين واثنان من السوريين.

انتظر حمزة حتى رحل القتلة، فنهض جاراً رجله الجريحة. وهو يتذكر:

حسّيت عليهم لما راحوا. في واحد متصاوب حد مني حاطط راسه على الرمل. قلتلّوا: "راحوا؟" قلّي: "قوم شوف". تطلّعت هيك وتأكدت. لكن هو ضل خايف يقوم، ويمكن ما كان يقدر يقوم.

فكّرت شو بدّي أعمل. قلت أروح إتخبى بالبيت. قمت أعرج على رجلي ورحت على قلب البيت. طبعاً كنت خايف. لكن شو كان ممكن أعمل؟ شلحت القميص كان كله دم، وشلحت الصباط اللي كنت لابسه، وربطت رجلي. كانت الساعة صارت شي تسعة ونص. وشفت إختي إجت من مستشفى عكا ولاقت بيّي بعده طيب. وقلتلهم روحوا وصْلوا بيّي وأنا فيني روح لوحدي. وقمت مشيت لحالي على المستشفى وراهم.

أخبر حمزة كل من رأى في مستشفى عكا بما جرى. وفزع الناس، لكن ماذا يفعلون؟

يقول عن أصعب لحظة مرّ بها إنها كانت بعد أن تمكن من الاختباء في بيته، فسمع جريحاً يصرخ: "اسقوني مي. اسقوني مي". ويكمل حمزة بأسى: "لكن ما في حدا متخبي في بيته استرجى يحمل كاسة مي ويطلع يسقيه".

لا ينسى حمزة، ابن مجدل زون، كيف أنه لم يتمكن من أن يحمل شربة ماء للجريح، في لحظات كان هو نفسه بأمسّ حاجة الى من يواسيه؛ فهو كان يعلم في تلك اللحظات أن أباه أيضاً جريح، وأن أخاه وأمه وأخواته، كلهم، لا بد من أن يكونوا قُتلوا.

الرواية السادسة عشرة عندما يهرب القتيل والقاتل
كانت رندة في ملجأ مستشفى عكا منذ بعد ظهر يوم الخميس. ذهبت للبحث عن إسعاف لجيران لها، لا للاحتماء. لكنها وجدت أخاها الأكبر هناك، فقال لها أن تبقى معه، وبقيت. ثم جاء الأخ الثاني ليقول لهما إن هناك مذبحة في المخيم، ولم يلب طلبها في البقاء معهما حتى تهدأ الأمور. لكن في الساعة الثامنة والدقيقة الثلاثين جاءهما رجل آخر من المنطقة يؤكد أن هناك مذبحة في الشارع. ولم تصدق رندة، لكنها خافت على أهلها ،فلعلّ الكلام صحيح.

رافقتها على الطريق امرأة مسنة. ودخلتا معاً من الزاروب القريب من ملجأ فتح 17، أي قبالة المرآب "اللي هدموه على العالم" كما تقول. مشت نحو بيت أهلها في حرش ثابت. وهي اكتشفت فيما بعد أنها مرت بالزواريب التي مر بها القتلة. لكنهم في هذه الساعة كانوا رحلوا. وأنّى لرندة أن تعلم أن قذيفة واحدة أطلقت عليهم جعلتهم من زواريب الحرش التي سلكتها، وإلا كان مصيرها الموت كغيرها، أو كأهلها. شيء واحد كان يبدو غير طبيعي، وهو رؤية الشباب الذين يتراكضون للهروب من هذا الزاروب أو ذلك المدخل.

رندة، هي أيضاً شقيقة حمزة الذي كان في تلك اللحظات يضمد جرحه لوحده في البيت (كما مر معنا في الرواية السابقة). وهي تروي ما شاهدته في الحرش:

ما لحقت أدخل الحرش إلا لقيت القتلى بالشوارع. كل شي تغير. وكان في شباب لسّا عم يهربوا ويصرخوا: "في مجزرة يا ناس". وتلفّت على القتلى، سمعت أنين، وناس عم يصرخوا من الوجع، وصرت أنا قول بقلبي وتمتم: "دخيلك يا رب ارحمنا. دخيلك ارحمنا". شفت القتلى كلهم، ووقفت اتطلّع فيهم، والله صبّرني. وصرت أنا والست اللي معي نعدهم على الجنبين. بس شو نعد لنعد.

وأنا عم بتلفّت شفت بيّي، وهو سمعني وشافني، وقام ناداني. كان بيّي نايم فوق القتلى وعم يئن من الوجع. قرّبت صوبه وحكيته: "الله كبير يا بيّي، الله كبير. الله ما بيتخلّى عنا". قام قلّي: "ما فيكم تاخدوني، جيبيلي إسعاف يا بنتي".

أنا ما عدت فكّر بشي غير بيّي. رجعت على مستشفى عكا ورحت قلتلهم في قتلى وجرحى وبدنا نجدة لنجيب بيّي، وفي ناس كتار غيره بدها إسعاف. وكان في شباب كتير لكن ما كان حدا يقبل ييجي معنا. حتى النيرسات ما صدقوني. قلتلي واحدة جيبي دم على إصبعك حتى نصدقك. أي دم على إصبعي وأنا شفت القتلى مكدسة بالشارع؟ أي دم على إصبعي حتى تصدقني الممرضة وأنا تركت بيّي عم بموت؟

آخر شي إجت معي إختي ومَرَةْ خيّي والمَرَه الختيارة اللي راحت معي أول مرة.

وما لحقنا نوصل لقينا القتلى في منهم عايشين. واحد يقولّي: "اعطيني مي". وواحد تاني" جيبيلنا مساعدة. دخيلك. احملينا". وأنا مش مسترجية فوت على البيت جيب مي. كان كل همي وصّل بيّي على المستشفى. أما خيّي عباس فعرفت من ساعتها إنّو مات. قمت شلت ساعته من إيده وعرفته على الأكيد من ساعته. آه يا ربي. . كان مرمي بنص الشارع.

كان بيّي واعي، ومش واعي، يغيب شوي، ويرجع وعيه شوي. وبيّي رجع خبّرنا إنهم هربوا بس ضرب حدن قذيفة عليهم. قال إنو الكتايب ضلّوا هربانين، وكمان اللي ضربوا القذيفة هربوا. فصار الحرش من نصفه لشارع السفارة. . ما فيه حدا.

مشت العائلة نحو مستشفى عكا، الابنة المصدومة تحمل أباها الجريح، وتساعدها اللواتي جئن معها، والابن الجريح يلحق بالموكب.

مشت العائلة ولم يكن هناك أي صوت في منطقة حرش ثابت، وكأنها لم تكن المنطقة التي تصدت للإسرائيليين حتى قبل ساعات قليلة، وكأنها ليست المنطقة التي جرت فيه أبشع عمليات القتل الجماعي قبل ساعة أو ساعتين. كانت المنطقة يسودها سكون الموت، لكن لا أحد بقي فيها من مجموعات المسلحين القتلة، حتى الذين قتلوهم مرتين حتى الموت، لم يحسنوا قتلهم جيداً، فبقي أحياء بين الموتى، راحوا ينشدون ماء، أو يحاولون هرباً.

صدق والد رندة الجريح عندما أراد أن يقول: هرب القاتل والقتيل.

هناك شاهد آخر من فريق "القاتل" شهد بأنهم جميعاً هربوا فعلاً. لم يعلن الشاهد اسمه، مجلة "دير شبيغل" التي نشرت شهادته ذكرت أن اسمه معروف لديها.

قال هذا المهاجم:

فجأة سُمع صوت رصاص. في القسم الشمالي من مخيم شاتيلا حصّن بعض الشباب الفلسطيني أنفسهم. أطلقوا "بازوكا" على مجموعتنا.

زميل لي فقد يده اليسرى، فاضطررنا الى العودة.

لم نعد نفكر في إنهاء المهمة خلال ثلاث ساعات. . .

فمن ذاك الذي صوت قذيفة آر. بي. جي. حتى خلت منطقة الحرش كلها من المسلحين القتلة، وحتى تمكنت رندة من أن تعود من المستشفى لتنقذ أباها الجريح؟

كل ما عرفناه يقيناً من شهادة المهاجم هو مصدر القذيفة، وهو جهة الشمال. كذلك تأكد لنا أنهم هربوا فعلاً.

وبينما كانت القافلة الصغيرة من هذه العائلة تسعى نحو مستشفى عكا، كان الضحايا من أبنائها لا يزالون على الطرقات.

عباس، الابن الأكبر، بقيت جثته حتى جاء عمه يوم السبت فنقلها الى مجدل زون، وقامت الضيعة بدفنه كما يدفن الشهداء.

أما الأم وابنتاها الصبيتان، نجاح ونهى، فلم يعرف أحد شيئاً عن مصير جثثهن. وقد اعتُبرن في عداد الضحايا.




--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 20 2006, 10:36 PM
مشاركة #16


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



مجزرة صبرا وشاتيلا ـ أيلول ١٩٨٢ ـ الحلقة ٧

السبت ٢٣ آب (أغسطس) ٢٠٠٣

بقلم بيان نويهض الحوت

سادساً – المجابهة في حي الدوخي

المجابهات المسلحة التي جرت يوم الخميس بين المقاومين في حي فرحات وبين الإسرائيليين، انتهت كما مر معنا في الفصل السابق بعد القصف على الدبابة. كذلك انتهت المجابهات في حي الحرش بعد إصابة فريد الخطيب، فانسحب معظم المقاومين الى خارج المنطقة نهائياً، باستثناء عدد محدود أمضى ليلته داخل مخيم شاتيلا ولم يعلم هؤلاء إلاّ في صباح اليوم التالي باقتحام الميليشيات وبحدوث المجزرة.
كان من المفارقات التي لا ينساها المقاومون، كيف أنهم ما ظنوا لحظة أن هؤلاء الذين يرتدون زياً عسكرياً موحداً، والذين بدوا لهم إسرائيليين عن بعد، ما هم إلا ميليشيات لبنانية، ستقوم بافتحام شاتيلا، وبارتكاب مجزرة.

كان عدد المقاومين في حي الحرش ساعة إصابة الخطيب لا يصل الى الخمسة عشرة، وكانت خطتهم التي اتخذوها على عجل بعد هذه الإصابة هي ضرورة الاستراحة ليلاً. فقد كان في حساباتهم أن الإسرائيليين لن يقوموا في أثناء الليل سوى بالقصف المدفعي الذي ليس في استطاعتهم الرد عليه، لكنهم اتفقوا على اللقاء صباح اليوم التالي لاستئناف التصدي، بالسلاح الفردي، كما فعلوا يوم الخميس.

وكان أن دخل المسلحون من الميليشيات اللبنانية من الأطراف والزواريب حي الحرش وحي المقداد والحي الغربي وحي عرسال، وابتدأوا بالقتل الجماعي وتعذيب السكان، فكان الناجون أنفسهم هم أول من ينشر الأنباء المروعة من أن هناك مجزرة ترتكب بحق المدنيين. لم يكن هناك مسؤول واحد في مكتب حي الحرش، أو في مكتب حي فرحات، مساء ذلك الخميس، ذلك بأن المقاومين تعمدوا الابتعاد عن المكاتب، ظناً منهم أن القصف المدفعي الاسرائيلي سيطالها قبل سواها.

مقاتل واحد فرد من الذين تصدوا بشكل إفرادي في حي الفاكهاني نهار الخميس، شعر في آخر النهار بضرورة الذهاب الى منطقة صبرا وشاتيلا للاطلاع على الأوضاع هناك. وهذا المقاتل هو الذي أطلقتا عليه اسم "إبراهيم".

وحده سيتصدى في شارع شاتيلا الرئيسي للميليشيات المهاجمة.

وهو مع مجموعة من الشباب الذين حملوا سلاحهم طوال النهار بحماسة، فأثاروا هواجس السكان ومخاوفهم من ردات الفعل الإسرائيلية بسبب "طقطقتهم" بالسلاح، وحدهم سيبقون طوال الليل حراساً يقظين على الأقل، فيشعر المهاجمون بأن هناك من يراقبهم.

أ) المقاتل الفرد
"إبراهيم"، الذي ترك حي الفاكهاني ووصل في جولته الى مستشفى عكا، متعجباً من إخلاء الإسرائيليين لمراكز كانوا يحتلونها، كما مر معنا سابقاً، دخل شاتيلا من الشارع الرئيسي قبالة مستشفى عكا عند الغروب، وكان يسمع إطلاق نار غزيراً داخل الحرش، فتعجب من ذلك، واستمر يتقدم بسرعة. وما كان في إمكانه أن يدرك في تلك اللحظات أن هناك هجوماً من ميليشيات لبنانية مسلحة كان قد بدأ في اتجاه الحرش الى اليمين، وأنّى له أن يعرف أنه حين وصل الى حي الدوخي كان المسلحون المهاجمون قد وصلوا الى ملجأ أبو ياسر، وأنهم كانوا في تلك الدقائق بالذات يخرجون الناس من الملجأ، فيطلقون النار على من يشاؤون، ويأمرون الرجال بالاصطفاف الى جانب الجدران، كما يأمرون النساء والأطفال بالسير نحو مستشفى عكا، هكذا قيل للناس؛ أما الحقيقة فكانت، كما اتضحت فيما بعد، أن تلك المسيرة كانت المسيرة الأخيرة لهؤلاء نحو الموت.

ما إن وصل "إبراهيم" الى حي الدوخي حتى وجد صديقه حسن مضرجاً بالدم. وسرعان ما قال له حسن: "نزلوا علينا وعم يبيدونا؟" فقال له: "مين، الإسرائيلية؟" ورد حسن: "لأ، هدول لبنانية".

توجه إبراهيم مسرعاً الى منزل كان مع رفاق له من "فتح" يخبئون فيه أسلحة فردية، فتناول كلاشينكوف ووقف على مقربة من مفرق الدوخي.

أصبح في استطاعته الآن أن يرى المهاجمين وهم يقودون جمهرة النساء والأطفال في الشارع الرئيسي متجهين جنوباً، بينما كان إبراهيم يمترس خلفهم شمالاً. أطلق إبراهيم عدة طلقات في الهواء، فتوقف المهاجمون عند المفرق الذي يؤدي الى قصر صبري حمادة، ولم يكن في استطاعته أن يطلق النار عليهم مباشرة، معللاً ذلك بخوفه على الناس:

ما قدرت أصوب بشكل مباشر لأنو الناس كانوا يركضوا أمامي. وبعد شوي لما الناس هربت، وصاروا بعاد عني أقرب لمحل المقبرة الجماعية اليوم، بقيت مشتبك أنا واياهم، أنا والمهاجمين، مدة ربع ساعة. وكانوا يصرخوا: "سلّم سلاحك"، وكانوا يشتموا إمي". . . "، ويكرروا: "سلّم سلاحك".

قلتلهم بالعالي: "إذا كنتوا رجال قربوا خدوا سلاحي". وبقيت مدة ربع ساعة. ما كنت بقدر أعرف نتيجة الضرب. تصاوب حدا منهم أو ما تصاوب، ما بعرف. لكن بعد الربع ساعة تراجعت بين البيوت. . ما بقي معي ذخيرة. (52)

ما كان في إمكان إبراهيم أن يعلم إن كان أصاب بعض المهاجمين أم لا، لكن يبدو أنه فعلاً أصاب بعضهم؛ وكان الشاهد هو الفتى منير الذي كان في الثانية عشرة من عمره، يومذاك.

كان منير بين عشرات النساء والأولاد والأطفال الذين أخرجهم المهاجمون من ملجأ أبو ياسر وأجبروهم على السير في شارع شاتيلا الرئيسي جنوباً نحو المقبرة الجماعية، كما مر معنا. وقد رآهم "إبراهيم" لكنه ظن أنهم هاربون من القصف والموت. ما كان في استطاعته أن يعلم أنهم مرغمون في سيرهم تحت الحراب، وأنهم ليسوا هاربين من الموت، بل هم سائرون نحوه.

لم يقل منير شيئاً لي عن تلك المسيرة الأخيرة يوم كان فتى، لكنه قال من تلقاء نفسه في أثناء سيرنا معاً في ذلك الشارع، مرتين، وذلك في أثناء زيارة له لبيروت في نهاية صيف سنة 2000: في المرة الأولى تذكّر أنه كان يشاهد القنابل المضيئة تملأ السماء وكأن الليل تحول الى نهار، وتذكّر أنه كان يسمع صراخاً وشتائم، لكن لم يتبين له تماماً من كان يصرخ على من.

وفي المرة الثانية تذكّر كيف رأى ثلاثة من العناصر الميليشيوية، وربما أربعة، وهم يسقطون في أكثر من مكان في الشارع. قال:

نحنا على هادا الشارع نفسه كنا ماشيين زي الغنم. ما حدا يسترجي يطلّع لورا. كانوا يقولولنا إنهم ماخدينا على مستشفى عكا، وصدقناهم. لكن لأ. ما أخدونا على مستشفى عكا.

ويغيب منير طويلاً وهو ينظر الى الأمام، وكأنه يمشي بمفرده، ونحن كنا أربعة، كما مر معنا سابقاً، وبعد دقائق من الصمت لم يقطعه أحد منا بسؤال، قال:

هلّق تذكرت ونحنا عم نمشي هون. أنا كنت عديت تلات أربع عناصر من المسلحين اللي هاجمونا، كنت عدّيتهم لما سقطوا. ماتوا؟ يمكن. ما بقدر أتأكد. يمكن مات حدا منهم. يمكن اتنين. ما ممكن أعرف. بس بعرف إنّو الضرب عليهم كان من فوق.

أشار منير بيده الى الشمال حيث مفرق الدوخي، وبعده بنحو مئتي متر قهوة همدر، وكان في المفرق الأول المقاتل "إبراهيم" يصب نار الكلاشينكوف على عناصر الميليشيا. لكنني أحببت التأكد، فسألته كيف يمكن لمن كان هناك أن يطلق النار على السكان في وسط الشارع؟ وأجابني بسرعة:

هنّي، يعني الميليشيات، كانوا ماشيين حراسة معنا على الجنب الأعلى من الطريق [وأشار الى جانب الطريق جهة المدينة الرياضية]، ونحنا كانوا يقولولنا يلاّ امشوا، يلاّ على مستشفى عكا. وما بتذكر إنّو الفدائية اللي عم بقوصوا قوّصونا على نص الطريق، لأ، كانوا يقوصوا على جنب الطريق الأعلى، هون، وهلّق بتذكّر منيح كيف واحد من اللي كانوا عم يأمرونا، راح صرخ على رفيقه الواقف على العالي: "دخلك يا روبير ما تقوّص من عندك، يمكن تيجي الرصاصة فينا نحنا. في تلاتة من رفقاتنا سقطوا".

يُستنتج من كلام المقاتل إبراهيم، ومن كلام الفتى منير بعد أن أصبح رجلاً وعاد اليه بعض الذكريات، أنه كان للمقاومة الفردية أثرها،
أولاً؛ ويُستنتج أنه بينما كان المسلحون المهاجمون يقودون السكان جنوباً كالأغنام للقتل وليس الى مستشفى عكا كما ادعوا، كان من الممكن أن يتقدم عدد منهم شمالاً؛ وهؤلاء هم الذين رآهم إبراهيم وتلاسن معهم ومنع تقدمهم،
ثانياً؛ ويُستنتج إمكان سقوط مسلح أو أكثر منهم بحكم الخطأ، أي من قبل رفاقهم المسلحين المهاجمين أنفسهم، ثالثاً.

أما المقاتل ابراهيم فهو بعد تراجعه الى الداخل، وفي أثناء محاولته إنقاذ الناس المحتمين بأكثر من ملجأ، صادف شباباً شجعاناً متحمسين بالقرب من قهوة همدر، فطلب منهم انتظاره، بينما ذهب هو في مهمة اعتقد أنها الأسمى والأجدى في تلك الساعة العصيبة، وهي تخليص الناس من الملاجئ.

ب) إنقاذ من في الملاجئ
أدرك إبراهيم أن ليس في إمكانه الاستمرار في القتال بمفرده، إذ كادت الذخيرة التي في حيازته تنفد. ولما لم يكن لديه متسع من الوقت للإجابة عن السؤال ما العمل؟ ولما كان مقاتلاً جريئاً يتمتع بالوعي والمسؤولية، فقد اتجه بتفكيره الى تخليص الناس المحتمين بالملاجئ. كان مدركاً أن الميليشيات المسلحة ستقوم باقتحام الملاجئ بين دقيقة وأخرى، وقال أنه توقع أن يكونوا بدأوا ذلك فعلاً؛ وهذا ما ثبت أنه جرى.

أخذ "إبراهيم" ينتقل من ملجأ الى آخر داعياً الناس الى الخروج بهدوء في اتجاه الشمال. ذهب الى ملجأ مدرسة الجليل الذي يقع أمام الجامع بنحو خمسين متراً، وهو يعلم سلفاً باحتماء الناس به، كما يحدث في كل الملمات.

وجد في ملجأ الجليل ما يقارب مئتي شخص، من أطفال ونساء ورجال. أخبرهم أن هناك مجزرة، وصدقوه فوراً لكونه مقاتلاً معروفاً، وبلغة البسطاء "مثله لا يناقش". وهو يروي في شهادته كيف قال لهم آمراً بحزم وهدوء:

انتبهوا. القاطع بينّا وبينُنْ حيط واحد مش أكتر. بتطلعوا من هون بكل هدوء. بدّيش أسمع صوت. استنوني حد الجامع لبينما آجي. إذا بسمع صوتكو، منروح كلنا سوا، لأنو هني أكترية.

وما ننسى كانت القوات الإسرائيلية منورة المخيم، كل نص دقيقة كانت قذيفة تنوير، وكان في تنوير المدفعيات الهاون وتنوير الطائرات. فالناس ردوا عالكلام اللي قلتلهم ياه، وتوجهوا صوب الجامع. تقدمت شوي بين البيوت، كمان لقيت تلات بيوت فيهم عالم، طلّعتهم ورجعت. ووصّلناهم على مستشفى غزة.

لم يكن إبراهيم وحده من فكر في تخليص الناس من الملاجئ. فهناك الممرضة أم ربيع التي قامت تماماً بما قام به هو، وهي لا تدري المأساة التي كانت تحل بأسرتها، بينما كانت هي تسعى لإنقاذ الآخرين.

وكما قاد إبراهيم الناس نحو مستشفى غزة، فعلت أم ربيع الشيء نفسه؛ ذلك بأن مستشفى غزة كان الملجأ الأقرب.

ثبت أيضاً أن المئات من السكان التجأوا، عائلات وأفراداً، في الليلة الأولى الى ثكنة هنري شهاب؛ وهذا ما قاله ضابط لبناني في الثكنة:

مساء الخميس جاءني هنا الى الثكنة نساء وأطفال ورجال مسنون – نحو الخمسمئة منهم – وتوسلوا إليّ أن نحميهم من العناصر اللبنانية التي كانت تقتل الناس في المخيم. قالوا إن هؤلاء جاؤوا ليقتلوهم. نحن لم نستطع أن نصدقهم، لكننا رعينا هؤلاء الناس طوال الليل، ووضعناهم خلف الثكنة في حماية جنودنا.

الرواية السابعة عشرة من الملجأ الى مستشفى غزة

تقول أم ربيع:

أنا والدي راح بالمجزرة في تل الزعتر، وأمي وأخوي بمجزرة شاتيلا.

ولا يجد أبناء المخيم أي دهشة في الاستماع الى مأساة الأسرة الواحدة التي راح منها من راح في تل الزعتر أو في شاتيلا. كل العائلات راح منها شهداء في معارك أو مجازر.

اعتاد الفلسطينيون على السرد أو الاستماع، وكأن لا فارق بين الحالتين، أو بين الاثنين، المتحدث والمستمع. وهذا ما يجعل أم ربيع تقولها ببساطة تنسيك ما تقول، وكأنها لا تقول أن والدها قتل في تل الزعتر وإن أمها وأخوها قتلا في شاتيلا. بل كأنها تقول إنهم من الخالصة مثلاً، أو كأنها تقول أنها تعمل ممرضة في مستشفى عكا.

لكن أم ربيع تصف القنابل المضيئة بدقة لا تصف بها مأساة عائلتها:

حوالي الساعة 6 المسا بلّشت القنابل المضيئة. يعني من غير عادة كانوا أول شي يزتّوا قنابل مضيئة بس مش هيك، بعدين صاروا كتير كتير يعني، أول شي كانوا يستنوا القذيفة المضيئة حتى تنطفي، يرجعوا يزتّوا غيرها. بس هلّق صاروا يزتّوا كل تلاتة أربعة مع بعض، ونوّروا كل المنطقة وكإنّو الشمس طالعة، وكانت القذيفة لما تنزل تحرق دغري. في بيت حد بيتنا ولّع دغري، وصار كل العالم بباب الملجأ يتفرجوا عليه وحاولوا يروحوا يطفّوا ما قدروا لأنهم كانوا واثقين إنو رح تنزل واحدة تانية.

في هالوقت كنت أنا وإخواتي التلاتة في البيت نحضّر عشا، نحنا كنا طول النهار بلا أكل. ما في خبز. وجعنا كتير. كنا قلقانين وما إلنا نفس ناكل. وهيك فتنا حتى نحضّر. ما صرلي خمس دقايق فت على البيت وحطّيت ابريق الشاي على النار، واللا الدنيا نوّرت بزيادة، وإخواتي كانوا بعدهم واقفين برّا، قلتلهم فوتوا هلّق بتنزل واحدة عليكم. فاتوا. بعد شي خمس دقايق قعدنا ما سمعنا إلا صوت برّا، صوت خناق مع صراخ، طلعنا، وكان أخوي أول واحد طلع. قام صرخ عليّ: "تعالي تعالي . . أجو الكتايب . . تعالي اسمعي شو بقولوا".

نحنا بيتنا حد بيت أبو ياسر وملجأ أبو ياسر. يعني شو فينا نقول. في عشرات النسوان والصغار والرجال في الملجأ. وفيهم لبنانية أكتر من فلسطينية. كانت أم ياسر، كانت أم رضا، كانت أم فادي، كانت أم جعفر، كانت أم علي، كلهم هدول لبنانية، ونحنا كنا معهم قبل شي بسيط، نحنا كنا بالملجأ معاهم، أنا وأخواتي.

أنا ما لحقت أطل لبرّا، إلا سمعت أوامر وصراخ: "وجهك على الحيط، وْلا، وجهك على الحيط". قام قلّو: "الله يخليك . . أنا لبناني. . ما فلسطيني". قلو: "لبناني واللا فلسطيني شو عم بتساوي هون إنت قاعد مع الفلسطينية. وجهك على الحيط وارفع إيديك لفوق بسرعة". وبلّش يصفلّك بالشباب واحد ورا التاني.

شافوني. قلّي أخوي: "تعي لنهرب". رجعنا فتنا لجوّا ولبسنا وجينا لنهرب، كانوا إخواتي أسرع مني وهربوا هنّي. بس شافوهم عم يهربوا قوّصوا عليهم دغري وقلّو واحد: "ما تهرب وْلا، وقاف محلك". كانوا هنّي إخواتي صاروا فاركينها. أنا ضلّيتني واقفة وهو شايفني. أنا ما تحركت، قلت يا امّا هوّ بدّو يعيّطلي يا امّا بطخني، خلّيني واقفة محلي، وصرت أتطلع فيه، وهو صار يتطلع فيّ، بعدين التهى بالناس اللي عم يصفْهم على الحيط حتى ما حدا يهرب منهم. أنا فكرت أرجع على البيت وأهرب من ميلة تانية. رجعت فتحت الباب الباب وطلعت من الميلة التانية، وبطلعتي من الميلة التانية سمعت رش رصاص بشكل غزير مش معقول. قلت لحالي أكيد هدول الشباب اللي صفهم على الحيط قتلهم كلهم. وبعدين تأكدنا إنّو هيك صار [ذاك هو جدار الموت في البند الخامس أعلاه].

ضلّيت رايحة على مستشفى غزة. والساعة بين الستة ونص والسبعة، وأنا على الطريق شفت جيرانّا حدنا سهرانين وعم يضحكوا، أم أكرم وبنتها دلال والجيران حواليها كانوا كمان سهرانين ويحكوا ويضحكوا وما حدا عارف شو عم بصير. وصدْقوني المسافة بين الملجأ [ملجأ أبو ياسر] وبيت أم أكرم ما في عشر امتار. أنا خفت أفوت خبّرهم يقوم يطلعلي من الزاروبة التانية.

وأنا ماشية لقيت ملجأ تاني مليان عالم واكتريته شباب مدنيين وواقفين العادة كإنو ما في شي. كانوا عم يتطلّعوا على القنابل المضيئة. قلتلهم: "عجلوا اطلعوا لأنو في هون مسلحين كتايب وإسرائيلية قاعدين عم يقتلوا كل الشباب قدّام ملجأ أبو ياسر". جنّوا الشباب وقالوا مش معقول. المهم أخدتهم وضلّيتني طالعة أنا واياهم. وكل النسوان والصغار كمان طلعوا. وضلّينا رايحين على مستشفى غزة.

كانت أم ربيع ممرضة قبل أي شيء آخر. أنقذت العشرات. ولم تكن لتفكر في مأساتها المرتقبة وهي تقودهم الى مستشفى غزة كأنهم لا يعرفون الطريق.

في ملجأ أبو ياسر الذي سمعت بأذنيها الرصاص عند بابه، كان هناك أخوها وأمها، كما كانت ابنة عمها مع ولديها وأمها. لكنها راحت طوال الليل تطمئن نفسها الى أنهم لا يمكن أن يقتلوا النساء والأطفال. أما أخوها، فهو ما زال فتى في الخامسة عشرة؛ هو ليس رجلاً مقاتلاً، هل يمكن أن يقتلوه؟

وحمدت أم ربيع الله على أن زوجها خرج مع المقاتلين.

كان عليها الانتظار حتى صباح اليوم التالي لتجد من تسأله عن أهلها، وكانت سبقتها الى السؤال جارتها أم أكرم، أولى الباحثات عن الضحايا، وقد تلاقت المرأتان على درج مستشفى غزة . . وكان حديث. .

ج) مجموعة من"شباب الكلاشينكوف"
مجموعة واحدة فقط لم تغادر موقعها مساء ذلك الخميس، وكانت تلك هي المجموعة التي شوهدت بالقرب من قهوة علي همدر، الى الشمال من مفرق الدوخي. كانت تكتفي بإطلاق النار عن بعد لإشعار الإسرائيليين أن هناك شباباً في المنطقة. هؤلاء هم أنفسهم الشباب الذين احتج على وجودهم كبار السن في المخيم ووجهاؤه، وطلبوا منهم عدم "الطقطقة" بالسلاح كي لا يتوهم العدو أن المخيم ما زال يعج بالمقاومين المسلحين. هؤلاء هم الذين كانوا فتياناً متحمسين وما كانوا مقاتلين محترفين، لكن حماستهم كانت شديدة بحيث أنهم لم يغادروا موقعهم قط، حتى بعد أن علموا أن المهاجمين القادمين هم ميليشيات مسلحة ترتكب المجازر.

عدد أفراد تلك المجموعة، في تلك الليلة، لم يكن ليتجاوز السبعة أو الثمانية من الشباب، من فلسطينيين ولبنانيين، وكان معهم فتاة أو فتاتان. وقد لفتت الأنظار تلك الفتاة التي كانت تحمل الآر. بي. جي. على كتفها معظم الوقت.

تلك هي أول مجموعة ظهرت في كل صبرا وشاتيلا، وتلك هي آخر مجموعة بقيت حتى قبل الظهر من يوم الجمعة.

السكان على مقربة من الدوخي وقهوة همدر يتذكرون حدثين بارزين يتعلقان بتلك المجموعة من الشباب: الحدث الأول قيام الشباب باستعمال مبنى مرتفع لإطلاق النار منه وللحماية، فكان أن ردت القوات الإسرائيلية عليهم بقصف هذا المبنى بالذات بالمدفعية، فاحترقت بناية مخللاتي الشهيرة؛ أما الحدث الثاني فكان عملاً قام به الشباب أنفسهم، وذلك عندما فجّروا مستودعاً للسلاح كان معروفاً بمستودع الستوديو؛ وقد اشتهر بهذا الاسم لوجود ستوديو للتصوير في المبنى نفسه.

تتحدث عن هؤلاء الشباب أم فلسطينية تسكن، كما تقول، "على حدود التماس ما بين صبرا وشاتيلا"، فهي من الذين رأوا الشبان بالقرب من قهوة علي همدر. تقول:

نحنا كنا شايفين. كان يطلع قذايف من جهة البناية اللي قدام بيتنا، بوجهنا، هاي البناية رموا عليها قذايف، وانحرقت، ونزلت أنا وبنتي والجيران تتفرج عليها. أكيد كانوا الاسرائيلية حاسين إنو في ضرب كان يطلع من هاي البناية.

أما المستودع، في ناس فجّروه خصوصي، كان في شباب مارين قلتلهم شو في؟ قالوا ما تخافوا هادا إحنا ولّعنا النار فيه عشان إذا إسرائيل بدها تدخل أو حتى تستولي على السلاح تعرف إنّو في ناس عم يقاوموا . . .

أما ابنتها فتتحدث عن هذه المجموعة نفسها، وتروي عن أهمية تفجير المستودع بالقرب من بيتهم، مؤكدة أن هناك شباباً فجّروه عمداً؛ هكذا قال لها شباب تعرفهم من جيش التحرير:

أنا اللي شفتهم مجموعة شباب صغار. كانوا يتجمعوا، شفتهم، ما هنّي كانوا واقفين حد بيتنا، فتحوا مخزن تياب لجيش التحرير وطالوا الحطات وبلّشوا يْلتْموا حالهم، لأنّو حتى من الناس صاروا يقولولهم يلاّ روحوا إحنا بدناش مشاكل ويسبّوا عليهم الناس. وكان معهم بنت ملتّمة متلهم . . كان معهم آر. بي. جي. وكان معهم كلاشينات. هدول كانوا على مدخل المخيم بالضبط منشوفهم من البلكون. هدول ضلّوا يقاوموا. يعني كيف يقاوموا؟

كانوا يضربوا رصاص بالهوا، ويضربوا كمان آر. بي. جي. بالهوا ليوم الجمعة قبل الضهر. وبعدين ما عدنا سمعنا طلقة واحدة. هدول الشباب كانوا أعمارهم مش أكتر من عشرين سنة، كانوا بين 17 و20 سنة.

من الواضح أن حماسة الشباب لم تعتبرها القوات المحاصرة أنها أكثر من ذلك، ولم يعتبرها كذلك أي مراقب ذكي ولو لم يكن عسكرياً. فالطبيب بول موريس قال إن هؤلاء الشباب ما كانوا مقاتلين محترفين. وقال أنه كان يراقب من مستشفى غزة لا أكثر من خمسة عشر شاباً يتبادلون المواقع، ويتحركون في الدائرة نفسها أكثر مما يصوبون. ثم قال أنه كان يعرف وجوه الكثير منهم عندما راقبهم مساء الخميس. كان واثقاً بأنه لا يوجد بينهم مقاتلون محترفون. وقال أيضاً أن لا أحد توقع أن تهاجَم المخيمات.

أما المقاتل "إبراهيم" فهو بعد تراجعه الى الداخل، وفي أثناء محاولته إنقاذ الناس المحتمين بأكثر من ملجأ، صادف فعلاً تلك المجموعة من الشباب الشجعان المتحمسين، فطلب منهم انتظاره حتى يرجع. ونعود نستمع اليه يقول:

وأنا في طريقي وجدت بعض الشباب عم يتمركزوا قرب قهوة الشرق / قهوة علي همدر. الساعة صارت أكتر من سبعة. كانوا شباب فلسطينية ومعهم بنات تنتين لبنانية، بنات المختار، وكانوا دخلوا منطقة الطرمبة، وكانوا هدول الشباب فكرهم إنهم بدهم يقاتلوا إسرائيل. لمّن وْصلتْ خبّرتهم القصة هيك هيك، وقلتلهم: "انطروني. . راجع". وفعلاً نطروني. وكنت أنا بهالوقت مطلّع جماعة من المدنيين على مستشفى غزة، وصلّتهم ورجعت، ولقيت الشباب بعدهم ناطرين. بقي معي أربع شباب مشكلين من المخيم. كانوا كلهم من المخيم لأنو ما كان حدا بيقدر يوصل لداخل المخيم.

رحنا تقدمنا بين البيوت حتى معسكر تدريب الأشبال، وهناك دار اشتباك بينّا وبينهم.

كان في جرحى بالأرض، كنا نحاول إنو نشيلهم، قدرنا نشيل تنتين نسوان. وفي شاب رحت لأجيبه، شاب انصاب، حاولنا نسعفهم، لكن المَرَهْ توفت، الشاب. . كما توفى، من المخيم، إسمه من بيت سريس، جمال سريس بعتقد.

حوالي الساعة العاشرة رجعت توغلت بين البيوت حتى الحرش، ورحت طلّعت الناس من منازلهم إنو في مجزرة، والقصة هيك هيك ورجعنا. . الساعة عشرة بالليل، كنت أقول للناس استنوني جنب الجامع [معروف بجامع شاتيلا]، لأنو كان في شباب بهاديك المنطقة.

هكذا، استمر "ابراهيم" وهؤلاء الشباب الذين وجدوا فيه سنداً لهم، يحاولون جاهدين إثبات الوجود بلا خوف ولا تراجع، لكن أيضاً من دون أي تقدم. وحده "إبراهيم" بينهم كان يدرك تماماً أن كل ما يفعلونه هو حقاً إثبات وجود، لكن هذا بحد ذاته كان له أثر؛ ذلك بأن تقدم الميليشيات المهاجمة في اتجاه الشمال بقي في تلك الليلة الأولى محدوداً كما سنرى.




--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 21 2006, 07:12 PM
مشاركة #17


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



ملحوظة: تكبير الخطوط لأكبر حجم ماهو إلا كناية عن صرخات تتلجلج في أعماقي يتلقفها قلبي المتعب من قلوب الثكالى والأرامل واليتامى من أهلنا في الشتات الفلسطيني..
كلما تذكرنا نكبة .. نكسة .. وكسة .. مذبحة للعدو
ازددنا مضاءا
وكلما تذكرنا خنجرا .. بلطة .. يد غدر عربية ..
اعتصرت قلوبنا مرارة الألم
فما أقساها على قلوبنا
أن تأتينا الطعنات
من حيث ركنا ظهورنا
ظنا منا بأنه مأمن
ولم ندر أنه مكمن

كنت أظن صديقي "أبو الصادق"
شاعر الثورة الفلسطينية
كان مبالغا في قصيدته "إيد أخ"
حين قال
يومها انقتل الملازم رعد

بإيد الغدر انطخ
كان الفشك غربي
والأصبع اللي داس على الزناد
عربـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي
--------------------------------------------------------------


مجزرة صبرا وشاتيلا ـ أيلول ١٩٨٢ ـ الحلقة ٨

السبت ٢٣ آب (أغسطس) ٢٠٠٣
بقلم بيان نويهض الحوت

د) لغز قذيفة الآر. بي. جي.
ثمة شهادات كثيرة أكدت أن المهاجمين غادروا منطقة الحرش بسرعة بعد قذيفة آر. بي. جي. كان لديهم الوقت الكافي قبل تلقيهم هذه القذيفة للقيام بقتل الشباب والرجال عند الحائط بالقرب من ملجأ أبو ياسر. وكان لديهم الوقت لإخراج الناس من البيوت كي يلاقوا مصيرهم. وكان لديهم الوقت لملء الزواريب بالجثث. لكنهم من دون ريب ما عاد لهم من وجود هناك بعد قذيفة الآر. بي. جي. تلك.
لم يُعرف تماماً متى أُطلقت تلك القذيفة. لكن المؤشرات كلها تدل على أنها أُطلقت في نحو الساعة التاسعة مساء.

ولم يُعرف من الذي أطلقها.

لما توغل "إبراهيم" داخل شاتيلا ليخرج الناس من بيوتهم كانت الساعة الثامنة تقريباً، ولم يكن الحرش كما قال الأب الجريح من مجدل زون قد هرب منه القتيل والقاتل، أي أن القذيفة أُطلقت حتماً ما بين الثامنة والتاسعة.

هناك احتمالان بشأن قذيفة الآر. بي. جي.: أحدهما أن يكون مطلقها شاباً تحمس للمقاومة بمفرده، أو مع أصدقاء له؛ وثانيهما أن يكون واحداً من شباب المجموعة إياها، "شباب الكلاشينكوف" الذين غضب عليهم سكان المخيم، والذين لما رآهم المقاتل "إبراهيم" كان الوحيد الذي عاملهم باحترام وتقدير، طالباً منهم أن ينتظروه حيث هم بالقرب من قهوة همدر، ريثما يعود اليهم. وفعلاً عاد بعد أن أنقذ من كانوا في ملجأ الجليل وسواهم.

لكن لا علم لدينا إن كان هؤلاء الشباب انتظروه من دون أي تحرك من جانبهم، أم أنهم كانوا هم الذين أطلقوا تلك القذيفة، ذلك بأنهم كانوا في موقع يسمح لهم بإطلاق النار، وخصوصاً إذا اتخذوا موقعاً في شارع شاتيلا نفسه، أو في الجهة المقابلة، كما أنه كان لديهم آر. بي. جي.

الاحتمال الثاني بأن يكون مصدر القذيفة "شباب الكلاشينكوف"، تدعمه شهادة المهاجم الذي أشرنا اليه في الرواية السادسة عشرة، "عندم يهرب القتيل والقاتل؛ فهو حدد جهة الشمال، كما اعترف بأنه ومن معه هربوا في إثرها.

كانت النتيجة أن قذيفة ذلك المقاوم المجهول الذي أُطلقت ولم يظهر صاحبها، كانت السبب المباشر في حدوث ما يلي:

هروب المسلحين المهاجمين من منطقة الحرش.

تمكن بعض الجرحى من النجاة بأنفسهم؛ حتى قيل "هرب القتيل والقاتل".

تمكن سكان المخيم من أن يغادروا؛ ولا ريب في أن إخلاء حي الحرش وحي فرحات من المهاجمين منح المخيم الصغير الفرصة للنجاة.



سابعاً – شهادات عن الليلة الأولى
هذه الروايات الخمس، عن الليلة الأولى، ليست إلا استكمالاً لإطار الشهادات السابقة عن الاقتحام، وعن الملاجئ، وعن جدار الموت.

في الشهادات السابقة تعذيب وهمجية ارتُكبا بحق السكان في الساعات الأولى، وفي هذه الشهادات أيضاً؛ وهي كلها تؤكد أن المهمة الرئيسية لهؤلاء المهاجمين المسلحين كانت أبعد ما تكون عن البحث عن فدائيين!

الرواية الثامنة عشرة قنبلة على البيت ومن فيه
نوال، ممرضة محبة لعملها، لم تأخذ يوماً إجازة إلا في حال اشتداد مرض عليها، وفي حالات أخرى أيضاً كحالة يوم الخميس حين اشتد القصف من قبل الإسرائيليين، وحين أصبح التنقل من مكان الى آخر يعرض صاحبه للموت.

بيتها يقع بالقرب من شارع شاتيلا الرئيسي، حيث "محل بيع الدراجات"، فهناك مدخل المخيم، وقبل حارة المخيم يقع بيت نوال، وهو كما قالت: "على حرف المخيم".

خرجت نوال في نحو الساعة الخامسة والدقيقة الثلاثين الى الشارع لشراء بعض الطعام، ولم تكن لتدع أحداً من إخوتها يخرج، وكان على جميع من في المنزل إطاعة نوال. وهي تقول:

ما لْحقْت أطلع من البيت شفتهم مش بعيد عني عم يدبحوا الناس متل الغنم. وبلحظة واحدة صرت راجعة على البيت وجوّا البيت. كان عددهم كتير جداً. ما عدّيتهم. كانوا يمكن بالمئات. وما لحقت دخلت البيت صرخت بإخوتي: "يلاّ اطلعوا برّا هدول الجايين علينا مش إسرائيلية، هدول مسلحين عم يدبحوا العالم". وكانوا أخوتي واعيين، وما بذكر كل واحد شو حكى، لكنهم اتفقوا إنّو الداخلين مش جيش لبناني أبداً، لإنو الجيش بيدخل مع دبابات ولاندات، وقام كل واحد منهم حمل ولد أو ولدين وركضوا. عندنا بالمخيم زواريب كتيرة. وأنا حملت أولاد أخوي الاتنين الصغار وهربت.

تركنا باب البيت مفتوح ما حدا اهتم أو فكّر يسكرو. كان واحد من إخوتي حافي ما لحق يلبس كندرته، حتى إمي وهيّ حاجّة ركضت تهرب من دون غطا على راسها. وأول محل تخبينا فيه عند جيرانّا من بيت عايدي، خبرناهم شو صار، وقلنالهم يتركوا البيت. في منهم شاب واحد هو أحمد طلع معنا مع مَرَتُه ومع تلات أطفال صغار، لكن أمه، وأخته وكانت حامل، وإخوته الأربعة، وأبوهم، وأصهرتهم الاتنين، ما هربوا. لكن نحنا هربنا وهربوا كمان باقي الجيران اللي شافوا شو صار. لكن ما عاد في حدا يقدر يخبّر الباقين. كل واحد كان "ربي أسألك نفسي" وبدّو ينجى بنفسه.

ونحنا بعد ما صرنا في عمق المخيم، كان هناك ملجأ، دخلنا عليه، فصاروا الأهالي كل ما وصل حدا منهم يخبّر إنو في ناس عم تندبح في المخيمات داخل البيوت، وعم ينضربوا بالفؤوس والبلطات. وما صدقنا نقدر نهرب تاني، حتى هربنا على مستشفى غزة.

ما ممكن أتذكر الساعة اللي وصلنا فيها على مسشتفى غزة، كانت الدنيا ليل. ونحنا كنا بعدنا مسطولين. .

وبعد نص ساعة بس، جابوا على المستشفى جيرانّا. كانوا المجرمين رامين عليهم قنبلة وهني بنص بيتهم. وسمعت القصة.

دقوا عليهم الباب. وما حدا فتح الباب. خافوا. راحوا رموا عليهم قنبلة على قلب البيت. مات تلات شباب وطفلين صغار. والأم جارتنا كانت منصابة، وبعدها واعية لما دخلت عليها وسألتها: "شو صار يا جارتنا؟"

قالتلي: "قتلوا موسى". وبعدين. . الأم ماتت بسبب جروحها.

تذكر نوال من الذين ماتوا رجلاً من عائلة مطر وزوجة أخيه وابنها. وهؤلاء فلسطينيون. كما قتل جارهم وهو سوري لا تعرف اسمه كان مختبئاً عندهم، لكنها تعرف موسى عايدي، وهو فلسطيني وفي الوقت نفسه عديل السوري.

كل هؤلاء ماتوا، وأم مطر ماتت.

ولم تنته قصة نوال بعد، فهي تقول:

إم مطر عندها سبع أولاد، وكان اولادها هاربين عند الجيران، وأما أخو موسى عايدي واسمه سعيد [صهرها]، فكان واقف في الخارج، وبدّو يدخل البيت، شافوا كتفه من ورا، راحوا يشتموا ويسبوا، وما استنوا عليه راحوا قتلوه بالنار من رشاش كلاشينكوف بكاتم صوت للرصاص. ومات. أنا حكت لي قصة سعيد مَرَتُه وهيّ صاحبتي وهي لبنانية وعندها ولدين ربيع ومحمد، لكنها لما شافت كيف قتلوا جوزها راحت تخبّت تحت التخت مع الاولاد، خايفة يفوتوا البيت ويكملوا عليهم.

لم تنته قصة نوال.

كان أشد ما آلمها أن أحداً لم يصدقها في المستشفى.

لم يصدقوها ولم يصدقوا غيرها حتى بعد وصول جيرانها الذين رمى القتلة بينهم القنبلة. هناك أطباء قالوا إن نوال مجنونة.

وهناك مديرة المستشفى التي احتضنتها بحنان، لكن حباً فيها، إذ لم يبدُ عليها أنها فعلاً صدقت ما تقوله نوال.

وهي فعلاً لم تصدقها في تلك اللحظات.

الرواية التاسعة عشرة أولى الباحثات عن الضحايا
أم أكرم، أم لتسعة أولاد صغيرهم في الرابعة من عمره. هي زوجة فدائي لم يغادر لبنان. فهو من المقيمين منذ سنة 1948، وهو من الذين يعتزون بالقول "نحن فدائيون".

أبو أكرم على الرغم من اعتزازه بكونه من الفدائيين، فهو وأولاده الشباب أسرعوا في الذهاب الى مستشفى غزة قبل السادسة من بعد ظهر الخميس، وبقيت زوجته والبنات والصغار في البيت، كذلك بقيت الجدة والدة أبو أكرم.

أم أكرم كانت من اللواتي أخافهن الملثمون المسلحون الذين لم يتكلموا كلمة واحدة مع أحد، وكانوا يذرعون شاتيلا جيئة وذهاباً. وهي تقول:

نحنا بيتنا حد روضة الشهيد غسان كنفاني بالظبط. الروضة كانت متلانة بني آدمين وأولاد وأطفال، ولما جيت قلولي: "تعي تخبي بالملجأ". قلتلهم: "لأ. بدي أضل بالبيت بركي حدا فات على البيت". ورحت هرّبت الاولاد على الملجأ وأنا ضلّيت بالبيت.

شوي أجت عندي حماتها لبنتي المتزوجة دلال. قلتلي: "والله أنا بدي أضل معاك". قلتلها: "أهلا وسهلا فيك". وشوي، سمعنا صريخ وطخطخة، وأصوات بتقول: "يا الله. . يا الله". هادا كان الخميس عشية، والدنيا بعدها شوي ضو.

بنتي دلال المتزوجة كانت عم تركض، راحت دخلت الزاروبة. هناك في ملجأ بالزاروبة ضلّت مخباية حالها، وبعدين طلعت من الزاروبة قالت خلص، ويا ساتر يا رب شو شافت قدّامها. لاقت شي 16 واحد لابسين لبس عسكري وواقفين، وراحوا يصيحوا بالشباب: "اطلعوا وْلا". وأخدت الشباب تطلع من الملجأ.

وكان في هادا الملجأ نسوان وصغار، مش بس رجال. واولادي أنا الصغار كانوا في هادا الملجأ كمان. وممكن تقولي كان في شي 300 بني آدم.

وتقول الابنة دلال تصف المشهد نفسه:

أنا طبيعتي بخاف أقعد بالملجأ لأنو لما هربنا وكانت إسرائيل بتضرب قامت هبطت بناية بسبع طوابق على الملجأ وما عاش حدا من اللي بالملجأ. أنا طلعت من الملجأ. ولما سمعت الصراخ رحت ركضت وكنت سامعة صوت رصاص. لْطيت بالحيط حتى ما توصلني رصاصة. وتْطلّعت هيك واللا شي 16 واحد حاملين أسلحة ولابسين أخضر لباس الجيش يعني وبيحكوا لبناني: "اطلاع وْلا، انبسطتْ بموت بشير الجميل؟ اطلعوا وْلا. كلكم اطلعوا وْلا". أنا سمعت هيك ما قدرت قرّب دغري ضلّيتني رايحة عند بيت أهلي. رجعت خبّرت مَرْتْ عمي لما شفتها عند إمي وقلتلها: "مَرْتْ عمي دخلك راحوا اولادي وجوزي. . تركتهم بالملجأ".

أنا عندي 3 أطفال، تركت بنت 3 سنين، وولد سنتين مع أبوهم، ولما طلعت حملت معي الصغير اللي بعدو بيرضع على إيدي.

مَرْتْ عمي قام راحت وما قدرنا نمنعها وقننعها إنو شو رح تقدر تعمل. قالت: "أنا رايحة شوف إبني وأحفادي الصغار". وركضت. ومَرّت نص ساعة وما رجعت. واللا جاي مَرَه من الجيرة وهي راكضة ورجليها كلها معوّمة بالدم، ومعها إبنها عمره أربع سنين. هاي كاينة تدعس على الدم اللي كان ينزل من الشباب. وكانت المَرَه متل المجنونة، رفعت إيديها وصرخت: "ربي يشهد. شو بعدكم فاتحين البوابة والباب مشرّع كمان، روحي شوفي الشباب كلها صارت مقتّلة على الأرض".

هيّ قالت هيك راحت أعصابي وما عدت أقدر أمشي، وقلت خلص اولادي راحوا! جوزي راح! مَرْتْ عمي راحت! وشو عد لعد! وما لقيت حالي غير بترجى المَرَه: "دخيلك خليكي معنا". قامت دخلت وسكرنا البوابة وطْفينا الإضوية وفتنا على الأوضة الوسطانية. وهيّ قامت قالت: "ما تحكوا ولا كلمة. خلّونا نتكل على الله".

ومضّينا الليلة على أعصابنا، وما كنا فعلاً نسترجي نحكي.

وتكمل الأم الحديث:

تاني يوم الصبح عرفنا من شاب كان واقف حارس على باب الملجأ، كان يشوف وما ينشاف، خبّرني إنو في أربع أشخاص من المسلحين، من اللي كانوا يقتلوا ويضربوا، كانوا يطلعوا على الدرج لعنا على السطوح وينزلوا ويطلعوا طول الليل. ويتطلّعوا بنواضير معهم. وقلّي: "يلاّ الحمدلله على سلامتكم. منيح اللي ما حسّوا في حدا بالبيت. بس ما بدكوش تضلّوا بالبيت، بعدهم عم يدبحوا وصاروا بدهم يوصلوا على المنطقة عندكم".

وأنا كان معي الصغير فيهم، والشباب راحوا مع أبوهم، لكن بقية اولادي واولاد بنتي في الملجأ.

صباح يوم الجمعة، وتحديداً منذ الخامسة صباحاً، راحت أم أكرم تبحث عن ضحاياها بين القتلى. ولعلها كانت أول من يبحث عن الضحايا في هذه المجزرة التي لم يكن قد سمع بها إلا القليلون. ومن كان سمع، حتى على بعد أمتار من التعذيب والقتل الجماعي، كان يرفض أن يصدق.

يعتقد الإنسان أن موت الأحباء هو الخبر الأكثر قسوة، وألماً في حياته، غير أنه في المجازر يتعلم كيف يمكن للموت نفسه أن يصبح مجرد خبر، بينما كل ما حول الموت هو القسوة المجردة، والألم الذي لا يُنسى.

الرواية العشرون في انتظار الموت
شهيرة من سكان شاتيلا في أول المخيم، أو كما يقال أيضاً على حدود المخيم، قالت أنهم كانوا سهرانين عند خالتها أم أسعد القريبة منهم، لكنهم لم يسمعوا شيئاً، ولم يعرفوا شيئاً.

لا تذكر شهيرة تماماً متى خرجت أختها عايدة لتحضر جواز سفر أخيها ومبلغ ألفي ليرة لبنانية، فالبيتان متجاوران. لكنهم سرعان ما سمعوها تصرخ بأعلى صوتها، فهرع الأب من باب الزاروب ليعرف ما حدث، فلاقى مصير ابنته.

وتسأل شهيرة:

يعني بتسألونا إذا عرفنا إنهم قتلوهم؟ كيف ما عرفنا. بالتأكيد عرفنا. لكن مين كان بيقدر يطلع لبرّا. مين كان يسترجي يقرّب على شباك. يعني أبوي ما في لحظة بعد ما طلع لبرّا كانوا قتلوه. بقينا طول الليل نستنّى الفجر يطلع.

كان الأمل بأن ينبلج الصبح، فتقوم العائلة بدفن ضحاياها. لكن. . من قال إن الدفن مباح في المجازر؟

صباح اليوم التالي كانت الهجمة الشرسة على من تبقى من الأسرة التي عاشت ليلتها في الانتظار مع الموت. ومن كان ينتظر الصباح ليدفن قتلاه تحول الى جثة تنتظر من يدفنها.

الرواية الحادية والعشرون أب وابنته
في ذلك الخميس المجنون قصفاً وخوفاً، كان لكل فرد من الأسرة موقف.

وكان مسكن العائلة على "حدود المخيم".

الأم لم تحتمل القصف الإسرائيلي في أثناء النهار فهربت الى مستشفى غزة.

الابنة الصبية عفاف رفضت الهروب. كانت متعبة من كثرة الهروب ومن حياة اللجوء. لم يكن قد مر على عودتهم الى البيت، بعد الهجرة القسرية الى شارع الحمراء، أكثر من أيام معدودة.

الأب محمد محمود سعد من مواليد فلسطين في أول الثلاثينات، لم يغادر البيت كزوجته، بقي مع ابنته لكن بقاءه كان لأسباب تختلف عن أسباب بقائها. كان مقتنعاً بأن البيت أكثر أماناً من ملجأ المستشفى الملآن بالبشر.

كانت تلك تصوراته، وقد كانت صحيحة، فلم يكن في مستشفى غزة كله، وليس في الملجأ فحسب، موقع قدم.

الابن حاول إقناع أبيه بالهروب الى خارج المنطقة. قال له أنه سمع أنهم يقتلون الناس في بيوتهم. لكن الأب لم يصدق.

وتقول الأم، نقلاً عن الجيران، ومن وحي ذاكرتها أيضاً:

خبّروني بعدين إنو اللي هجموا كانوا خمسة عشرة مسلح. منهم حاملين بلطات. منهم حاملين بواريد متل الكلاشينكوف.

بنتي كانت لابسة فستان حلو كتير جبلْها اياه أخوها هدية من السعودية لما رجع. كل ما سافر كان يجيب هدايا وفساتين لأخته. لكن . . يا ويلي على اللي مقدّر.

شو حكيوا معهم؟ ما حدا بيعرف. لكن العملية كلها كانت بدقايق. هيك خبّروني. .

راحوا قاتلين بنتي بالرصاص. . الرصاص خزّق صدرها. ورموا عليها لوح زينكو. ليش؟ ما بعرف. .

كانت بنتي زي الملاك بأحلى فستان لبسته بنت في حياتها. .

أبوها ما عرفنا أبداً شو صار فيه. كان علينا نستنى كتير حتى نعرف.

يا ريتني ما تركت البيت. يا ريتنا كلنا رحنا سوا.


--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 21 2006, 07:47 PM
مشاركة #18


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



مجزرة صبرا وشاتيلا ـ ايلول ١٩٨٢ الحلقة ٩

السبت ٢٣ آب (أغسطس) ٢٠٠٣
بقلم بيان نويهض الحوت

الرواية الثانية والعشرون ـ لا أحد على استعداد ليصدق
سمعت يسرى وزوجها امرأة تصرخ في الشارع: "يا جماعة اهربوا. الكتايب صاروا بالحرش وعند السفارة الكويتية. اهربوا. الكتايب عم بقتلوا الناس".
صدّقت يسرى وزوجها ما سمعا.

ولم يكن بد من انقسام العائلة، فأخذ زوجها الأبناء الشباب الى مستشفى غزة، وقال لها أن تذهب حالاً الى الملجأ مع الصغار.

وكانت الساعة الخامسة والدقيقة الثلاثين مساء.

يقول الزوج:

نحنا ورايحين على المستشفى ما قدرنا نروح من الشارع العام، رحنا من الزواريب الضيقة، دايماً الزواريب أكتر أمان في هيك حالات. وفي طريقنا شفنا ناس كتيرمن المخيم، وخبّرناهم بكل شي سمعنا، لكن ما حدا صدّقنا، على العكس قلولنا: "هادا الكلام ما في منّو شي، وإنتو بتهبطوا المعنويات بهالكلام، وإنتو بتخدموا إسرائيل". لكن نحنا كمّلنا للمستشفى، ولاقينا ناس من كل فج وغميق، خبّرناهم، وكان الرد متل أهل شاتيلا.

ونحنا بالمستشفى صرنا نسمع أصوات انفجارات عم تتلاحق. ما عرفنا أول شو في. بعدين عرفنا إنو مستودع الستوديو الخاص بالصاعقة عم يتفجر، وعم تتطاير منه القذايف في السما. هادا زاد برعب الناس والمسلحين المهاجمين. لكن مين فجّر المستودع، أنا ما عرفت. أما زوجته فكانت تجربتها مختلفة.

قالت إن الاولاد لما جاعوا، ولما رأت أن النسوة يذهبن لإحضار طعام لأولادهن، تشجعت وقالت لجار يجلس قربها في الملجأ: "ممكن تعطيني ضو اللوكس؟" فتشجع الجار وقال لها بأريحية أنه لن يتركها تذهب وحدها، ونهض وذهبا معاً.

لما وصلت الى بيتها، وهو على حافة الطريق العام، طرقت باب جارتها لتعرف الأخبار، لكن الجارة لم تفتح لها وأجابتها من الداخل: "روحي الله يوفقك. روحي الله يوفقك. واعتبريني مش في البيت". وتعقِّب يسرى أن هذه الجارة بقيت طوال أيام المجزرة مع أولادها في المنزل من دون أي صوت، ولم يعرف أحد بوجودهم، ولذلك لم تصب بأذى.

تابعت يسرى نحو بيتها، وضعت المفتاح بالباب، وإذ بأحد المسلحين يصرخ بها بلهجة لبنانية وبأعلى صوته: "مين في هون يا اخوات. . . وقفوا عندكم". ولم تتمالك يسرى نفسها فتركت المفتاح معلقاً وهربت. كذلك هرب الجار المرافق لها. وراح كل منهما يجري في اتجاه. أما المسلح البارع في الشتائم لم يكن كذلك في التصويب، إذ أفرغ جعبته من الرصاص وهو يلاحقهما، لكن أياً منهما لم يصب برصاصة. والفضل أساساً لطبيعة الزواريب الضيقة.

أخذت الأم أطفالها الجياع الى الملجأ، وهناك التقت جارها صاحب اللوكس، وهنأته بالسلامة، وقالت له أنها ذاهبة مع الأولاد الى مستشفى غزة، مهما جرى.

أما في مستشفى غزة حيث التقت زوجها، فقد فوجئت به يقول لها: "ما تحكي مع حدا. ما في حدا مستعد إنو يصدق!".

ثامناً – حدود اقتحامات الليلة الأولى
وصلت الميليشيات المسلحة في هجومها في الليلة الأولى عبر المداخل الجنوبية والغربية في أحياء متعددة من شاتيلا الكبرى، هي أحياء فرحات والمقداد والحرش شرقي شارع شاتيلا الرئيسي، وعرسال والغربي غربي هذا الشارع، لكنها لم تصل الى مخيم شاتيلا، كما أنها لم تصل الى صبرا، حتى أنها لم تصل الى ذلك الخط الوهمي ما بين شاتيلا وصبرا.

لم يكن ممكناً للميليشيات المهاجمة أن تدخل تلك الطرقات والزواريب ليلاً لولا الإنارة المستمرة التي وفرتها لها القوات الإسرائيلية المحاصرة. وقد اعترفت المصادر الإسرائيلية بهذه الإنارة، واعتبرتها ضرورة ماسة لتحقيق الهدف المنشود، وهو القبض على المقاتلين الفلسطينيين الذين تخلّفوا في صبرا وشاتيلا، إذ قال شارون وزير الدفاع الإسرائيلي إن قواته كانت تطلق قنابل مضيئة من مدفعية 81 ملم، بناء على طلب القوات اللبنانية، كي تنير لها الطريق.

ونشر معظم الصحف الإسرائيلية النبأ بوضوح، وهو أن الجيش الإسرائيلي كان طوال الليل يطلق قنابل مضيئة كي ينير المخيمات للميليشيات. وذكر جندي إسرائيلي يعمل في وحدة المدفعية أن وحدته كانت تطلق قنبلتين مضيئتين كل دقيقتين طوال الليل، من الغسق حتى الفجر، وذلك من أجل دعم الميليشيات المسيحية، كذلك قال إنه كان هناك قنابل مضيئة بواسطة الطائرات.

يتضح من الشهادات أدناه مدى الحدود التي وصلت اليها القوات المهاجمة شرقاً وشمالاً، على الرغم من كل الدعم الإسرائيلي، ومن كل الإضاءة التي حولت الليل الى نهار.

الرواية الثالثة والعشرون الأصدقاء الثلاثة
كانوا ثلاثة أصدقاء.

كانوا بصدق، وببساطة، ومن دون مواربة يشربون كؤوس العرق الأبيض الصغيرة، المشروب اللبناني المفضل، بالقرب من قهوة علي همدر. ولا يعني شربهم العرق اللبناني أنهم كانوا لبنانيين؛ كانوا فلسطينيين.

كانوا يُعتبرون من "الزكرتية" بالعامية الفلسطينية، ومن "القبضايات" بالعامية اللبنانية. والمعنى في كل منهما يتضمن الجرأة.

وكانوا يشوون "سيخ لحمة" للعشاء. ولا يعني الشواء أنه كانت هناك مائدة وأصناف من الطعام. كان هناك "سيخ لحمة" لا غير.

وكانوا من الظرفاء، وقد أمضوا ليلتهم يتندرون ويضحكون. وأنّى لهم أن يعرفوا أن هناك مجزرة ابتدأت في الحرش.

أحد هؤلاء الأصدقاء الظرفاء هو الراوي لما جرى. وقد روى ما جرى لسكان المخيم مرات ومرات.

بينما كان قاسم، أحدهم، يقوم بعملية الشواء، سمع واحداً يناديه ويقول له: "تعال وْلا. . تعال إنت. . قرّب لهون".

تلفت اليه قاسم وقال بصوت عال: "إن كنت إنت قبضاي، إنت تعا قرّب لهون". ولم يقترب أحدهما من الآخر. ظن قاسم وصديقاه بداية أن القادمين إسرائيليون، وخاف قاسم فعلاً من الاقتراب. أما المنادون الذين ما كانوا بإسرائيليين، بل من المسلحين المهاجمين، فهم أيضاً خافوا من الاقتراب؛ فهذه أول جماعة لا تخاف منهم وتتحداهم.

وتبادلا الدعوات "العنترية"، لكن لم يقترب أحدهما من الآخر.

حينئذ تصور محمد، أحد الأصدقاء الثلاثة، أن القادمين شباب يمتحنون مكانتهم، فسارع يحمل الكلاشينكوف الذي يضعونه بقربهم للطمأنينة لا للاستعمال، واقترب من منتصف الشارع وهو يقول للقادم: "ومين تكون إنت؟ الله؟ أستغفر الله، مين إنت؟"

كان "القبضاي" محمد يظن فعلاً أن أمامه شباباً صغاراً يمازحونهم؛ فهم معروفون في المنطقة، ومعروفون بسهراتهم. وهو لم يحاول قطعاً إطلاق النار عليهم. لكن المهاجمين الذين لم يكونوا شباباً صغاراً وما جاؤوا للمزاح معهم، بادروا الى إطلاق النار على محمد بغزارة، حتى ارتمى على الأرض، ومات.

أدرك الصديقان الآخران أن المسألة ليست مسألة مزاح. فهرب كل منهما الى زواريب المخيم. ومن داخل المخيم أخذ الرصاص يلعلع صوب الطريق العام. حينئذ أدرك المهاجمون القتلة بدورهم أن المسألة ليست مزاحاً، وأن عليهم التوقف عند ذلك الحد.

هل لعلع الرصاص من داخل المخيم بأيدي قبضايات كالأصدقاء الثلاثة؟ أم بأيدي شباب صغار متحمسين؟

النتيجة واحدة. كانت هذه الحادثة سبباً في حماية العشرات، إن لم نقل المئات، داخل المخيم. والدليل أن المهاجمين توقفوا عند تلك الحدود في تلك الليلة، على بعد نحو عشرين متراً الى الجنوب من قهوة علي همدر. فهؤلاء المهاجمون لم يتقدموا بعد مقتل محمد النابلسي، رحمه الله، شبراً واحداً.

قيلت هذه الرواية نفسها في صيغ متعددة. فبعض سكان المخيم يقسم بالله أن محمد "القبضاي" قال لهم وهو يحمل الكلاشينكوف في منتصف الشارع: "ما بتعرفوني؟ ما بتعرفوا إني أخو المصارعين الاتنين المشهورين النابلسي؟"

هل أعطوه فرصة كي يقول هذا؟ أم أن ذلك البعض يتخيل هذا. فمن عادة محمد النابلسي دوماً المباهاة بأخويه المصارعين البطلين. ولما كان من طبيعة الإنسان ألا يحب أبداً أن يرى أحباءه مجندلين على الطرقات لا حول لهم ولا قوة، فهناك من يؤكد أنه قال لهم ذلك.

كثيرون رأوا جثة محمد النابلسي على قارعة الطريق أياماً، قبل أن ترفع للصلاة عليها، ودفنها.

الرواية الرابعة والعشرون العائلة الصامدة من قلعة الشقيف
من هو أبو علي؟

هو الحاج المبتسم.

لا يتكلم إلا مبتسماً، أو ضاحكاً.

هو رجل مؤمن يقرأ القرآن كل يوم.

وهو أب لأحد عشر ولداً، منهم سبعة صبيان وأربع بنات. ومنذ تزوجت البنات سكنت كل منهن بالقرب من بيت ذويها في حي فرحات الملاصق لمخيم شاتيلا، شرقاً، باستثناء واحدة سكنت في الجنوب.

إن سألته: "من أين أنت يا حاج؟"

يجيبك الحاج الضاحك بسرعة: "نحنا من قلعة الشقيف".

لا يعترف الحاج بمكان في لبنان أجمل من قلعة الشقيف. بيروت سكناها موقتة، والعودة الى القلعة الجنوبية لا بد منها. يقول، في المقابلة نفسها التي أُجريت مع ابنته:

ولا في أحلى منها القلعة. لأ. أنا مش من أرنون. أنا من نص القلعة. من القلعة بالذات. الواحد لازم يمر بنص أرنون قبل ما يوصل للقلعة. القلعة بالجبل والضيعة هيك نازلة. مناخ الشقيف أحسن مناخ، هوا ناشف، ولا أحلى منّو. وقت الاجتياح ما كان بقي حدا في الضيعة، كان يكون في ضرب عليها على طول. هربت الناس. كانوا يزعبوا العيلة لبرّا وبعدين يفجروا البيت. فينا نقول من نص السبعينات ما في حدا. هلّق في ناس عم ترجع. كتير تدمرت بيوتهم. لكن في ناس عم ترجع. ونحنا بإذن الله رح نرجع.

لا يشعر الحاج أبو علي، الذي حجّ بيت الله الحرام مرتين، بأن بيروت يمكن أن تكون بديلاً من ضيعته الجنوبية بأي ثمن. ولا يدري لماذا ساقته الأقدار الى هذه البقعة بالذات، وهو من الذين لا يفلسفون الأمور وإنما يأخذونها ببساطة؛ ولذلك كان محبوباً من الجيران.

ما أقفل بابه يوماً أمام أحد، وخصوصاً في تلك الليلة الأولى من المجزرة. فكل الجيران التجأوا الى بيت الحاج أبو علي. لقد حمى ببيته أكثر من ثلاثين من جيرانه.

تقول ابنته فاطمة عن تلك الليلة:

قالت إمي قوموا نقعد تحت، يعني بالطابق الأرضي. لأنو إذا صار شي فوق ما بييج علينا. نزلنا تحت. وحطّينا الغدا، وكانت الساعة شي أربعة بعد الضهر، ماكنا تغدينا بعد. وما لحقنا حاطين الصدر، والله العظيم، وبعدني عم بوزع خبز علينا، وممكن قول فتافيت خبز لأنو كان الخبز خالص يومها، ما شفنا إلا قذيفة انفجرت قدّام الباب، أكيد قذيفة إسرائيلية. قمنا فتنا لجوّا نحنا. تصاوب عدة أشخاص من جيرانّا.

وغابت الشمس، وبدل الشمس كانت القنابل المضيئة غريبة الشكل. ونحنا صرنا عم نسمع صريخ وعياط، بس نحنا كنا مفكرين إنّو العالم عم تتصاوب بالضرب والقنص. ما حد افتكر بمجزرة. ونحنا ما حسّينا إلا وكل الجيران صاروا عنّا. نحنا بيتنا مستقل عن غيره وفي إلو بوابة برّانية منسكّرها على حالنا. نحنا جيرانّا فلسطينية تخبّوا عنا، جيرانّا عراقية تخبّوا عنا، ولبنانية كمان، وفي عمال باكستانية إجوا تخبّوا عنا، يا حرام ما بيحكوا كلمة عربي، وما في غير يقولوا: "الله أكبر. . الله أكبر". وما قال بيّي لحدا ما تفوت. قام راح يجيب حرامات صوف ويقولهم: "اقعدوا ما تخافوا". ما في قرنة بالبيت ما كان فيها حدا، حتى بالحمامات تخبّوا الشباب.

هلّق نحنا شي الساعة عشرة بالليل، دقّوا علينا الباب، دقّوا كتير. نحنا ما فتحنا الباب. ما كنا نفتح. افتكرناهم فلسطينية فدائية بدهم يتخبّوا عنا وبكرا بييجوا الإسرائيلية وبكمشونا كلنا. هيك نحنا افتكرنا. وقامت جارة مخباية عنّا فلسطينية فزعت يا حرام وقالت: "دخيلكم، اطبشوا البوابة، سكروها، أحسن ما يفوت فدائية لهون وبيعملوا قصة. دخيلكم ما تفتحوا الباب، هلّق إذا بفوتوا مسلحين وبدهم يتخبوا منروح كلنا معهم". إجا بيّي قلها: "ما تخافي يا جارتنا، هيّني أنا رح اقعد على الدرج".

طول الليل أنا شايفة بيّي. قاعد على الدرج عم يبكي ويقرأ قرآن. وكلنا صرنا نصلّي وندعي إنو الله سبحانه وتعالى يخلصنا من هالحالة. وكل هيدا ومش عارفين إنو في مجزرة برّا. . وإنها كانت واصلة للشارع اللي حدنا تمام.

أما لماذا أمضى الحاج ليلته على الدرج، فهو يقول:

قعدت أدعي للباري عز وجل، أقرأ أدعية، أتضرع لله سبحانه وتعالى، يا رب تبعدهم عننا. وقلت إذا إجوا بيلاقوني أنا أول شي، ببطلوا يفوتوا لعند أولادي وبيتركوا اولادي، يعني بياخدوني إلي. . قعدت أنا ناطرهم. ولما دقوا كتير وما طلع ولا صوت من بيتنا، يمكن افتكروا ما في حدا. يمكن. ما بعرف. يمكن ربنا بيْعدهم عننا. ونحنا ما سمعنا صوتهم أبداً. هنّي ما حكيوا أبداً. بس سمعنا الدق على الباب.

أنا بقيت طول الليل صاحي. سامع برّا صريخ، وسامع أصوات وناس عم يقولوا إنو عم يدبحوا. ولما قالوا عم يدبحوا ما عادش فيّ اقعد جوّا. قلت أنا خلّي الإسرائيلية يقتلوني أنا، قبل ما يفوتوا لاولادي يقتلوهم قدّامي. قعدت على هالدرج، صرت أدعي الباري عز وجل إنو يحجب نظرهم عننا، والحمد لله، الله رحمنا.

بعد الطرق العنيف على الباب سحبت ابنة الحاج، فاطمة، أطفالها من فراشهم وخبأتهم تحت المجلى العريض، هناك مدّت الفُرش لهم فناموا بقية الليل. وقد تصورت أن لا أحد يخطر في باله أن ثمة أطفالاً تحت المجلى، فإذا دخل المجرمون يستطيعون قتلها، لكنهم لن يمسوا أطفالها. هكذا تصورت.

أما الحاجة أم علي، وهي التي رافقت زوجها الى بيت الله الحرام في المرتين، فقد سمعت الأصوات في الخارج، كما سمع زوجها، وعرفت أنهم يقتلون الناس، وكانت حيلتها للمحافظة على الصغار أنها أوصتهم في حال شعروا بأن أحداً سيقتحم البيت، بأن يسارعوا الى الاختباء في البركة على السطح. هناك ماء في البركة، صحيح، لكن أليس الاختباء في بركة ماء أسهل من مواجهة الموت؟

يا لها من ليلة.

أخيراً انبثق الفجر. اكتشفت أم علي أن سطح جارهم احترق خلال الليل من قنبلة مضيئة، كذلك بيت جارة أخرى. وكان الشارع قد امتلأ بالجثث.

وكان لا بد من الهروب.

أهل حي فرحات جميعاً يذكرون الحاج أبو علي بكل الخير. فأمثاله حموا العشرات من الموت.

تاسعاً – مخيم شاتيلا ليلاً
اتضح لنا من البند السادس أعلاه، "المجابهة في حي الدوخي"، أن المقاتل "إبراهيم" ومعه مجموعة من "شباب الكلاشينكوف" استمروا في الليلة الأولى يعملون على إخراج الناس من بيوتها في مخيم شاتيلا، وكانوا يعملون بهدوء. أما سكان المخيم، فكثيرون منهم عرفوا من طرق أخرى بأن هناك مجزرة، فهرعوا للخروج. وهكذا ما إن جاء صباح الجمعة حتى كان معظم السكان قد أصبح فعلاً خارج "الحدود".

لم تكن هناك أية قيادة – ولو قيادة محلية شعبية – وجدت من مسؤولياتها المباشرة أن تبقى ساهرة، ومتابعة لكل ساعة، بل لكل دقيقة، منذ الحصار الإسرائيلي لمنطقة شاتيلا، والكل كان يعلم أن المخيم بالذات هو "الرأس المطلوب".

غير أنه كان هناك أفراد شعروا بالمسؤولية، بحكم وجودهم في المنطقة، أو بحكم مشاعرهم الوطنية وضميرهم الانساني، فذهبوا الى المخيم لمعرفة ما يجري، وكي يعملوا على مساعدة الغير ما استطاعوا. وتؤكد شهادات هؤلاء ما ورد سابقاً من إخلاء المخيم إخلاء شبه تام من الليلة الأولى.

كان علي أحد الشباب المقاتلين في حي الفاكهاني، وهو لما سمع شائعات عما يجري في شاتيلا، كان أيضاً أحد الذين حملوا سلاحهم وتوجهوا ليلاً الى مخيم شاتيلا، نحو الثامنة مساء. وهو يقول:

في عدة شباب نزلوا على أساس يشوفوا شو بدهم يعملوا، أنا واحد من الناس اللي كانوا معهن. لكن أنا في مخيم شاتيلا بعرفش أمشي لوحدي. يعني في زواريب. منشان هيك نزّلنا معنا شاب من المخيم، كان معنا في الفاكهاني، هو كان يمشي ونحنا ورا منّو. كان في عالم لسّا عم تطلع، نسألهم: "يا عمي شو في؟" يقولوا: "الإسرائيلية عم يرتكبوا مجزرة". وكل ما نقرّب شوي، الناس يقولوا: "لقدام، لقدام".

قطعنا المخيم كلّو ما شفنا صوص مدبوح، ما في شي كان، ما مبين شي بعد. صرنا على آخر المخيم، على الطرف التاني من المخيم، في اتجاه الدوخي، على طرف الدوخي، هلّق نحنا ما قرّبنا، أنا واحد من الناس اللي ما قرّبت، لكن كان واضح إنو هناك في اتجاه الحرش في إطلاق نار، وفي هرج باتجاه الحرش..هلّق بهادا الوقت صار في إرباك، الكل مرتبك، ما حدا عارف شو بدو يعمل، لا عارف يروح من هون، ولا من هون، ما حدا عارف شي، حتى الشاب اللي كان معنا من المخيم بيعرفش شو في جوّا.

نحنا رجنا رجعنا. بصراحة ما صار معنا شي. ما قدرنا نعمل شي. وكل اللي بقدر أكد عليه إنو المخيم ما دار فيه أي اشتباك ولا أي مجزرة.

أبو علي لم يكن مقاتلاً، ولم يكن يحمل سلاحاً، ولم يكن من سكان شاتيلا، لكنه كان في المنطقة ذلك اليوم بحكم عمله، قال إنه كان في إمكانه العودة الى بيته خارج المنطقة من جهة مستشفى غزة، حيث يعمل، لكنه فضل البقاء للمساهمة في أي عمل. نظراً الى الظروف غير الاعتيادية. هو من الذين مشوا في مخيم شاتيلا في الليلة الأولى، وشهد بأن المخيم كان شبه خال من السكان بعد العاشرة ليلاً. أما السؤال: من الذي حمى السكان هؤلاء؟ من الذي أوقف تقدم المسلحين المهاجمين عن التوغل في المخيم ليلاً، كما فعلوا في حي فرحات، أو في الحي الغربي؟ فيعتقد أبو علي:

المقاومة المسلحة المتعارف عليها، ما شفناها أبداً، ما كانش في اشتباكات. أبداً أبداً ما شعرنا إنّو في مقاومة جدية.

يمكن لما حمل محمد النابلسي الكلاشينكوف لحتى يخوّف المهاجمين، وهو ما بحياته قوّص على حدا، وأنا أكيد إنو ظنهم شباب من المنطقة، ولما رشوا عليه رش وقتلوه على الحارك [في اللحظة نفسها]، ويمكن مجموعة الشباب الصغار اللي كانوا عم يقوصوا عند قهوة همدر، وهدول نحنا كلنا شفناهم، وكنت شفقان عليهم من أي قذيفة تدهورهم، أنا بقول هدول يمكن منعوا المجزرة توصل لجوّا.

المهاجم حتى لو كان صاحب مجازر ومدعوم بحماية إسرائيلية، لكنه أمام الخوف من المجهول بيفْضَل جبان..طلقات الشباب كلهم من قلب المخيم بعد مقتل النابلسي هيّ اللي خوّفت المهاجمين، وَلاّ ليش يوقفوا المهاجمين والإنارة المتواصلة خلّل الليل صار نهار؟

ظنوا الميليشيات إنهم أكيد بكرا الصبح بكملوا، لكن تاني يوم الصبح ما عاد في المخيم حدا، اللي بقيوا فيه رجعوا طلعوا من جهة قصر صبري حمادة، أو من جهة مستشفى غزة. ولما صاروا الميليشيات تالت يوم في مستشفى غزة نفسه، ما كان في حدا بقي في المخيم . . .

أسعد، شاب يعمل في مستشفى غزة، وهو من سكان شاتيلا، دخل المخيم مع شاب آخر يعمل في المستشفى مع جهاز الإسعاف والطوارئ، وكان معهما شخص ثالث كي يساعدهما في حمل الجرحى. دخل ثلاثتهم ما بين الساعة الثامنة والدقيقة الثلاثين والتاسعة ليلاً.

أسعفوا اثنين وجدوهما في الطريق، واستمروا في السير. لا أثر داخل المخيم لأي مجزرة.

وصل أسعد الى بيته عند زاوية مخيم شاتيلا تماماً، حيث لا يفصله عن الشارع المؤدي الى قصر صبري حمادة غير بيت واحد، ولا يفصله عن شارع شاتيلا الرئيسي غير شارع واحد. لم يشاهد أسعد أي أثر للمجزرة عند هذه الحدود، ولذلك استنتج أن المهاجمين توقفوا نهائياً في الليلة الأولى قبل مفرق الدوخي.

وكان استنتاجه صحيحاً.


عاشراً – وانتهى اليوم الأول

  • ما كان لهذا اليوم أن يبدئ لولا التمهيد الاسرائيلي والحماية الاسرائيلية. وقد ابتدأ التمهيد بإشاعة جو كاذب من الطمأنينة، منذ إقامة الحواجز الإسرائيلية في منطقتي الأوزاعي وبئر حسن. أما منذ صباح يوم الأربعاء، منذ حصار منطقة المخيم بشكل مباشر، فقد ضاعف بعض الجنود الإسرائيليين إشاعة جو من الطمأنينة. وتناقضت محاولتهم هذه مع قيامهم عملياً، يومي الأربعاء والخميس، بقصف متقطع يجبر الناس على البقاء داخل بيوتهم. وقد اشتد القصف منذ ظهر الخميس بشكل تصاعدي، الأمر الذي أجبر الناس على النزول الى الملاجئ، حتى امتلأت كلها. وقد كانت الملاجئ هي الهدف الأول للمهاجمين.
  • ما إن أوشك الظلام أن يرخي سدوله حتى ابتدأت مرحلة التعاون الإسرائيلي التام مع المهاجمين بواسطة إطلاق القنابل المضيئة بشكل متواصل، حتى تحول الليل الى نهار. وقد أحرق بعض هذه القنابل الكثير من المنازل.
  • لم يوقف الإسرائيليون قصف المنطقة إلا فترة وجيزة رافقت دخول المهاجمين من عدة مداخل. لكنهم سرعان ما عادوا الى القصف بتقطع، مختارين الأماكن التي لا يوجد فيها المهاجمون. وبذلك استمروا في إجبار الناس على البقاء في الملاجئ، وإجبار من لم يلتجئ اليها بعد على أن يفعل.
  • لم يكن المهاجمون يعرفون زواريب المنطقة، لكن هذه العقبة ذللت أمامهم بالإنارة المتواصلة، وبمساعدة جواسيس ملثمين رافقوهم، وبقيام الجرافات حتى بحفر الطرق منذ الساعات الأولى.
  • نام بعض سكان مخيم شاتيلا وصبرا في الليلة الأولى وهو لا يعرف أن هناك مجزرة.
  • لم يستطع البعض النوم لأنه كان يعرف أو يشعر بأن جرائم ترتكب في الخارج، لكنه لا يعرف أكثر من ذلك. فأقفل الأبواب. وما تجرأ أحد من هذا البعض على إضاءة شمعة.
  • تمكن البعض من الهرب إما الى المستشفيات القريبة – غزة وعكا ومأوى العجزة – وإما الى السفارة الكويتية، وإما الى ثكنة هنري شهاب، وإما الى خارج المنطقة من جهة الشمال.
  • أما الذين احتموا بالملاجئ على كثرتها، فكان مصير الكثيرين منهم القتل الجماعي، ومصير بعضهم الخطف. وأما من نجا منهم فقد نجا مصادفة.
  • لم يميز القتلة بين لبناني وفلسطيني، لم يميزوا بين الجنسيات، كما أنهم لم يميزوا بين الرجال والنساء، ولا بين الأطفال والشيوخ.
  • الكل كان هدفاً. ولا وقت للسؤال. أما حين تبرع بعض الناس للإيضاح بأنهم لبنانيون، فكان عقابهم الموت لأنهم ارتضوا البقاء مع الفلسطينيين.
  • على الرغم من سؤال المهاجمين عن "المخربين" في بعض الأماكن، فإن سلوكهم منذ دخول المنطقة كان يشير الى أن المهمة لم تكن البحث عن "مخربين"، وإنما قتل الأحياء.
  • كان أمام المهاجمين وقت كاف منذ الساعات الأولى لا للقتل فقط، بل أيضاً للاغتصاب، وللسرقة، ولتعذيب الضحايا بمختلف الأساليب قبل قتلها.
  • منطقة الحرش وما فيها من أحياء، كحي المقداد وحي فرحات، وما يقابلها خلف المدينة الرياضية، كحي عرسال والحي الغربي، بالإضافة الى الشارع الرئيسي من تقاطعه مع شارع السفارة الكويتية الى ما قبل قهوة علي همدر بنحو عشرين متراً، كلها تحولت الى ساحات للمجزرة في الساعات الأولى أو اليوم الأول.
  • لم يدخل أحد من المهاجمين في الليلة الأولى مخيم شاتيلا بالذات، كذلك لم يصل أحد الى منطقة صبرا بأكملها.
  • قيل إنه لم يكن هناك وقت كاف للمهاجمين كي يدخلوا المخيم، لكن السبب الأهم هو المقاومة المحدودة التي جابهتهم، منها: تفجير مستودع الستوديو؛ المقاتل الذي تصدى لهم من حي الدوخي؛ القذيفة التي أطلقها شباب من جهة الشمال على منطقة الحرش فهرب المهاجمون.
  • مع فجر يوم الجمعة كانت جثث الضحايا موزعة في منطقة شاتيلا كلها، باستثناء مخيم شاتيلا.
  • عائلات بأكملها أبيدت في اليوم الأول.
  • عرف فيما بعد أن عدد الذين قتلوا في اليوم الأول كان أكثر مما قتل في كل من اليومين التاليين. لكن العدد كان يمكن أن يتضاعف لولا خمسة عوامل:
  • تمكُّن الكثيرين من الهرب صوب الشمال، أو من اللجوء الى المستشفيات.
  • نجاح المقاومة شبه العفوية، والمحدودة جداً في إمكاناتها، في إيقاف التقدم الى داخل المخيم. وما كان تفجير المستودع أساساً إلا دليلاً على محدوديتها، لا على قوتها.
  • قيام الجيش اللبناني بمساعدة أهل المنطقة وإيواؤه المئات منهم، سواء الى ثكنة هنري شهاب أو الى السفارة الكويتية.
  • إدراك القلة لأهمية إفراغ الملاجئ من البشر ومساعدتهم في الوصول الى أي مكان أكثر أمناً. وقد ثبت أن مواقع الملاجئ كانت هدفاً معروفاً للمهاجمين، منها ما دخلوه وهم على شبه يقين من وجوده، ومنها ما دخلوه مصادفة.
  • عدم إقدام بعض المهاجمين على جريمة القتل الجماعي أو الفردي. فقد ظهر منذ الليلة الأولى اختلاف وتناقض في سلوك المهاجمين، إذ كان سلوك البعض مختلفاً. فبينما أقدمت الأكثرية على قتل كل إنسان أمامها، امتنعت الأقلية من قتل عائلات فلسطينية. لكن مثل هذه الحالات كان محدوداً، الأمر الذي يضعه في باب "الخروج عن القاعدة"، لكنه كان موجوداً.





--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
farida
المشاركة Sep 22 2006, 09:17 PM
مشاركة #19


عضو مميز
****

المجموعة: مناظرات
المشاركات: 7,750
التسجيل: --
البلد: القاهرة
رقم العضوية: 1,036



اعتصرت قلوبنا مرارة الألم
فما أقساها على قلوبنا
أن تأتينا الطعنات
من حيث ركنا ظهورنا
ظنا منا بأنه مأمن
ولم ندر أنه مكمن



مازالت الجعبة تطفح بالدماء الزكية الطاهرة
خليكوا معانا



معاك praying.gif


--------------------
المحبة تستر العيوب
Go to the top of the page
 
+Quote Post
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 24 2006, 07:00 PM
مشاركة #20


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



الجمعة ١٧ أيلول ١٩٨٢
اقتحام مستشفى عكا ـ
الحلقة الاولى من حلقتين


بيان نويهض الحوت

الاثنين ١١ آب (أغسطس) ٢٠٠٣

مع صباح يوم الجمعة الباكر كانت التعزيزات قد وصلت الى المهاجمين ودخلوا المنطقة ومنذ الصباح الباكر أخذت النداءات تسمع في كل شاتيلا: "سلّم تسلم".

لكن لو استطاع أحد أن يمر بشوارع وزواريب منطقة شاتيلا بأسرها لاكتشف، من دون أي عناء، عدم صحة أن من "يسلّم يسلم"، فالطرقات والزواريب ملآنة بالجثث. أما الخائفون الذين امتلأت الملاجئ بهم فقد تمكن بعضهم من الهرب، غير أن العدد الأكبر قتل داخل الملجأ، أو أمامه، أو عند الحائط المواجه، أو في نهاية الزاروب؛ وهذا فضلاً عن ملاجئ بقيت مملوءة بالناس حتى الجمعة، فجابهت مصائر متعددة، كاليوم السابق.

إن أمكن القول إن ليلة الخميس، كانت ليلة القضاء على نزلاء الملاجئ، لأمكن القول، إن يوم الجمعة كان يوم اقتحام مستشفى عكا.

تطورت أساليب القتل، وما عادت جدران الموت وحدها تكفي، فكثر استعمال حفر الموت.

تطورت أساليب اقتحام الملاجئ أيضاً، فأكثر من ملجأ في هذا اليوم قضى من فيه حرقاً بقنبلة فوسفورية، أو قتلاً بالرصاص.

لم يتمكن المهاجمون في هذا اليوم من التقدم كثيراً نحو الداخل. لكن هذا لم يحل دون عمليات القتل الجماعي والفردي والتعذيب، التي ضاهت في هذا اليوم ما جرى في اليوم السابق.

يرد في أكثر من شهادة أن الاسرائيليين شاهدوا عمليات القتل الجماعي في الحفر، أو عرفوا عنها وعن غيرها من الأساليب الوحشية من شكاوى السكان لهم، وقد كانت ردات الفعل لديهم متناقضة. فمنهم من كان موقفه سلبياً للغاية، ومنهم من تدخل لمنع أكثر من عملية قتل جماعي.

في هذا الفصل تكملة لروايات من الفصل السابق، أو اليوم السابق، وفيه عشر روايات جديدة تناولت كلها مآسي عائلات بأسرها، وكأن القضاء على العائلات هو الهدف الأول لكل هذه الدوامة الدموية. . . . . . .

شاتيلا صباح الجمعة بين الساعة الخامسة والسابعة
قال أبو جمال، وهو فلسطيني يملك مرآباً لإصلاح السيارات: "يوم الخميس ما وصلوا لمخيم شاتيلا أبداً، منقدر نقول وصلوا لمنتصف شارع شاتيلا الرئيسي مش أكتر. وصلوا آخر شي تقريباً على حدود محل بيقولولو محل الدوخي، وهو ببيع بالجملة والمفرق، والدوخي صاحب المحل قتل ليلة الخميس، الله يرحمه.

صاحب الشهادة أعلاه هو كما ذكرنا صاحب مرآب يقع في منتصف شارع شاتيلا الرئيسي الى يمين الطريق للمقبل من شارع السفارة الكويتية. وهو لا يسكن شاتيلا لكنه يعرفها حجراً حجراً بحكم عمله فيها منذ الستينات. وقد اكتشف حين سمح للناس بالعودة لتفقد بيوتهم ومحلاتهم أنهم دمروا واجهة مرآبه المحكمة البناء، كما وجد أمام المرآب العشرات من القتلى.

ما قاله صاحب المرآب أعلاه، بناء على ما سمعه من آخرين، جاء في شهادات عن صباح الجمعة بناء على الرؤية بالعين المجردة. كان التصوير والمصورون والصحافة والصحافيون من الأمور الممنوعة حتى يوم السبت الى ما بعد خروج القتلة. ولكن . . من قال إن عدسة الكاميرا أكثر صدقاً من عين الانسان؟

هناك خمس شهادات عن صباح الجمعة ما بين الساعة الخامسة والسابعة، تصور لنا شاتيلا في بانوراما حسية من خلال عين الانسان وذاكرته.

الشهادة الأولى لإحدى اللواتي خطفوهن من الملجأ في الليلة السابقة وأعادوهن الى الأوزاعي؛ فقد عادت ثنيا تبحث عن زوجها، من دون أن تعلم أن هناك مجزرة قد حدثت. وهي مرت من أمام مرآب أبو جمال وشهدت أن واجهته لم تكن صباح الجمعة قد دمرت بعد. وهي تصف ما رأت:

الساعة ستة ونص الصبح، ما كان في دومري واحد بشارع شاتيلا الرئيسي، ولا صوص شفنا أبداً. بتتمني تشوفي واحد ماشي بالشارع لكن ما فيش حدا. أنا مشيت ووصلت لكاراج أبو جمال بنص الشارع ما كانش لسّا بالمرة مدمر أبداً أبداً. ما بعرف إيمتى رجعوا دمروه، لأنّو بعدين لما خلص كل شي شفناه مدمّر.

. . . همّي بس سمعوا صوت سيارة عم تدور صاروا ينزلوا من فوق [تقصد حي عرسال] ومن أول الحرش، من أكثر من محل، وشو تلاقيهم متل النمل، وبلّشوا يرشوا علينا ويقولولنا: "لوين جايين يا عكاريت يا شراميط لوين جايين؟" خبّرناهم إنّو نحنا أخدونا ونيّمونا بالأوزاعي، وإنّو نحنا طلبنا إذن من مسيو نديم بدنا نروح نجيب حليب لأولادنا إلا بقول واحد: ". . . أختكم على أخت اللي بعتكم يلاّ على القيادة. يلا امشوا". قاموا مشيوا حوالينا طابور من هون، وطابور من هون، وإحنا بالنص راحوا سايقينا، واللّي بتتأخر لحظة، يا يلبطوها برجليهم، يا يضربوها بكعب البارودة.

ونحنا بطريقنا على القيادة بعد السفارة الكويتية لصوب البحر، والساعة بعدها ما صارت سبعة، مرّينا من حد الملجأ مطرح ما كنا، يعني مطرح ما أخذونا الليلة اللّي فاتت، ولا استرجينا نتطلع، لا والله، لأنّو اللي بتتطلع هيك ولا هيك، يقولولها تطلعي قدّامك وما تتلفتي لا هيك ولا هيك. لكن شو بدنا نقول، من غير ما نتلفت شفنا الناس ملقحة على الطرقات لقينا أم محمد، إمها لإم حسين، بجنب بيت أبو عفيف، شفناها طابّة طَبْ على بطنها، وكاينين طاخينها. وعند بيت أبو بسام كاينين هيّ [إم بسام] وأولادها هدول كمان طاخينهم هناك على عتبة بيتهم. هادا الجرف ما كان في جرف بعد للبيوت هونيك ولا دمار ولا شي بالمرة. كانت البيوت اللي مرّينا عليها كلها بعدها واقعة.

الشهادة الثانية لامرأة أخرى شاركت في مسيرة الخميس النسائية، وقد كانت هي وأمها من اللواتي اختطفوهن وأرجعوهن الى الأوزاعي. وقد كان لهذه المرأة مع نساء أخريات تجربتهن في محاولة العودة الى شاتيلا صباح الجمعة، وهي تقول:

الساعة خمسة، أول الضو، قامت واحدة لبنانية نطّت وقالت: "إنتو فلسطينية روحوا لحالكم وإحنا بدنا نروح لحالنا، هلّق إذا شافوكم معنا بيقتلونا وبيقتلوكم. خلّيكو إنتو. إحنا اللبنانية بنروح أول شي، وبعدين إنتو بتروحوا يا فلسطينية".

لكن نحنا ما رضينا معهم، رحنا نمشي، هنّي يمشوا بجهة وإحنا نمشي بجهة والاولاد الصغار يا حرام يركضوا قدّامنا.

جينا من الأوزاعي على بير حسن، ضلّينا ماشين لحد ما وصلنا على ثكنة هنري شهاب، شفنا جيش لبناني، سألنا واحد "وين رايحين" قلنالوا: "كنا متخبيين من القصف وجينا هلّق مروحين على البيت في شي؟" قال: "لأ. ما في شي". بعد شوي في واحد عسكري لبناني تاني كان رايح يطلع بسيارة قام وقف ورجع سألنا: "إنتو وين رايحين؟" قلنالو: "إحنا رايحين على بيوتنا في شاتيلا، في شي؟" قام العسكري قال: "إصحى تروحوا لهونيك، ما تروحوا على صبرا وشاتيلا بتموتوا إذا رحتوا أرجعوا أحسنلكم".

نحنا صدقنا كلامه، لكن قلنا بدنا نروح نفادي بأرواحنا أحسن ما نبقى محلنا ويقوموا بيجوا ويدبحونا. رحنا ومشينا حتى أول شارع شاتيلا، وكنا بدنا نقطع من عند تمثال أبو حسن سلامة لما بلّشوا يقنصوا علينا ويضربوا قذايف علينا. الله نجانا، وكمّلنا نمشي.

نحنا لمّا قربنا على الحرش، وبعدين قرّبنا على المخيم، ما في حدا بالمخيم، ولا حدا ولا حكي ولا شي وين بدنا نروح؟ إحنا قلنا لنروح على مستشفى عكا، ما أنا وإمي منشتغل بعكا، وصرنا نركض واحدة ورا واحدة على عكا. والقنص لاحقنا وشغّال، ولما وصلنا المستشفى كانت الساعة تقريباً سبعة الصبح.

الشهادة الثالثة للدركي اللبناني الذي ذكرنا سابقاً أنه كان أحد المسؤولين عن حماية السفارة الكويتية. وقد سارع هو وزملاؤه الى حماية كل من التجأ اليها من السكان. كن الدركي يقف صباح الجمعة الباكر أمام السفارة لمّا أمسكت به امرأة فلسطينية وهي تصرخ: "عم تقتلونا!! عم تقتلونا!!" لم يصدق ما سمعته أذناه، فقالت له: "تعال معي". وأخذته فعلاً الى أول مدخل المخيم من شارع السفارة نفسه، وهو يصف ما رآه:

في الشارع الكبير أمام كل بيت خمس أو ست جثث. أنا طلعت لشوف الحي الفوقاني، كل بيت في كمان خمس أو ست جثث. وكان واضح إما بكواتم صوت أو سكاكين أو حرق، وعلى أول مدخل المخيم من فوق في بنت أربعة عشر سنة أو خمسة عشر سنة، شايلين صدرها بسكين، ومع رصاصة في وسطها. ما كانت ماتت بعد هاي أخدها الصليب الأحمر في أول مركز في مار مخايل، واللّي حملوها لعندو كانوا اتنين من العسكر.

وشفت رجال مقتول على كرسي، كاينين مربطينه، وضاربينه بالبلطة على راسه. كانت القوات موجودة في آخر الشارع ومعروفة من تيابها الخضرا.

الشهادة الرابعة للمقاتل الفلسطيني "إبراهيم"، الذي أدرك استحالة المجابهة بالسلاح من الليلة الأولى فراح ينقذ من يمكن إنقاذهم من المحتمين بالملاجئ، وشهادته عن صباح الجمعة تتلاقى مع شهادة الدركي أعلاه. فهو يقول:

صباح يوم الجمعة، نزلت وتغمقت داخل المخيم لغاية معسكر الأشبال أنا وأربع شباب، فوجدنا جثة شاب اسمه جمال بركة، وهذا كانوا قوّصوه من بعيد، ركض من الشارع الرئيسي لبين الزواريب لغاية ما وقع، ما فيش مين يشيله، أخذناه وبعتناه على مستشفى غزة . . واللي اتضح إنو جرافات كانت تهدّم البيوت فوق الناس اللي كانوا يتقلوهم . . وما تسأل عن الناس المقتولة في الشارع الرئيسي بشاتيلا وفي الزواريب اللي دخلناها في الحرش.

الشهادة الخامسة لأم أكرم، التي كانت "أولى الباحثات عن الضحايا". فهي أخذت منذ الساعة الخامسة صباحاً تبحث عن أولادها. لم تجدهم، لكنها استمرت تمشي في الأزقة، تمشي ولا تيأس من البحث، وما أعياها عن الاستمرار سوى الخوف من السقوط مغشياً عليها وليس هناك من مسعف.

هكذا وصفت أم أكرم شاتيلا المنكوبة ما بين الخامسة والسابعة صباحاً من يوم الجمعة:

من أول الشارع أول الزاروبة، يعني من أول ما نفوت من عند بيت أبو أحمد لنوصل عند بيت أبو أسعد لعند رشية لفوق، شفت شي ميي وخمسين جثة. هدول غير اللي بالملجأ، والزواريب مليانة قتلى، يعني كنت على أي جيب أتطلع ألاقي خمسة ستة، وأنا ماشية مش واعية على حالي كيف ماشية. يعني شفتو الزواريب اللي بتنفد على مستشفى عكا في الحرش، هاي كلها مشيت فيها، أطلع بزاروب وأفوت بزاروب، وكل زاروبة أفوت فيها، فيها قتلى، وبعدين منهم من حلاة أرواحهم يكونوا داحشين حالهم تحت طنابر الكاز، وهيك يا حرام وأنا مارة من حد رشيدة، هناك في طنبر كاز كان في تحته ست اشخاص زلام داحشين حالهم، همّي حاطينهم، همي مجمعين جثثهم، همي من حلاة روحهم تجمعوا على بعض، ما بعرف.

راح قلبي يسقط خاصة عند زاوية الدوخي، هناك كلها أطفال، وأغلبها نسوان كلها بالشارع وبالزواريب مقتولة هلّق وين الدوخي، فيش زاروبة بتطلع لفوق، أنا وصلت لنص الزاروبة اللي بتطلع لبيت موسى، لكن لما شفت قتلى كتير صرت أحس الدنيا كلها بتقلب، وما عدت أمسك أعصابي من كثر الشوف اللي شفتو ورجعت قلت بركي يصيرلي إشي من الدوخة ومن الشوفة التي شفتها رجعت وضلّيت رايحة على مستشفى غزة دغري، ما كمّلت.

لكن فتكم بالحكي، كان في بحي عرسال الناس الميتة مكدسة فوق بعضها البعض، وكان واضح إنو الجرافات كاينة تجرف وتكوّم العالم. أنا شفت أتار الجرف على الطريق. وأنا تطلعت على بيوت بعرفها لكن ما لقيتها. يعني شفت بيوت لحقوا هدموها وجرفوها بليلة واحدة في عرسال. كان القتل والجرف يمشي مع بعضه البعض.

تقول أم أكرم أنها سمعت نداء مكبّرات الصوت "سلّم تسلم"، وأنها أرادت أن تذهب لتسلم نفسها كي تجد الأمان، وتقول إنه كان معها عشرة أشخاص من نساء وشبان وأولاد، وقد هيأوا أوراقهم ليسلّموا أنفسهم جميعاً، لكن جاء ابن أختها قاسم وهمس في أذنها: لأ، ما تروحيش أبداً، شو بدك يا خالتي من ها الشغلة. هاي كلها خدعة يا خالتي، ما في تسليم ولا إشي عم ياخدوا الناس على المدينة الرياضية وبيقتلوها هناك. إسمعي مني يا خالتي.

عملت خالته بما قال لم تذهب . . ولم تعلم إن كان الآخرون ذهبوا. فيوم الجمعة كان كيوم الحشر.

* * *

تأكيداً لشهادة هند في الحي الغربي، من أنها شاهدتهم يشقون طريقاً جديداً يبدأ من خلف المدينة الرياضية نزولاً الى حي عرسال، قالت امرأة فلسطينية في شهادتها عن قبل ظهر يوم الجمعة وهم يسوقونهم الى المدينة الرياضية:

وشفنا الجرافة عم تشق طريق من المدينة الرياضية للمخيم، وكانوا يوضعوا في الطريق حصى حتى يقدروا يمروا عليه. وكان واضح جداً إنّو شق الطريق ابتدوا فيه قبل صباح الجمعة.

كذلك قالت امرأة فلسطينية من اللواتي مشين على الدرب نفسه مرغمات تحت الحراسة في اليوم نفسه، والمسيرة نفسها، من شارع شاتيلا الرئيسي نحو المدينة الرياضية، مروراً بحي عرسال:

كانت الجرافة تهدم البيوت وتغطي القتلى بالتراب وكان هناك اثنين رجال يحملوا القتلى وينقلوهم لحفرة كبيرة. ما كانوا منهم. بيعرفوهم ناس كانوا ماشيين معنا، ولما خلصوا من نقل الجثث، كافأوهم راحوا قتلوهم يا ويلهم من الله.

من خلال المقارنة بين الشهادات الخمس الأولى عن صباح الجمعة الباكر، وبين الشهادتين اللاحقتين في أثناء المسيرة بالإكراه نحو المدينة الرياضية، في الضحى، يبدو واضحاً أن عملية جرف البيوت لم تتم في ليلة واحدة، وإنما كانت عملية مستمرة.

في الشهادة الأولى قالت ثنيا إن البيوت التي شاهدتها في الطريق نحو السفارة الكويتية كانت لا تزال قائمة كما هي، وإن هذه البيوت نفسها قد جرفت فيما بعد، بينما قالت أم أكرم في الشهادة الخامسة عن حي ملاصق هو حي عرسال إنه بدا لها واضحاً أن القتل والهدم والجرف كانت عمليات تتم الواحدة في إثر الأخرى خلال الليل. وأكدت الشهادتان الأخيرتان، عن حي عرسال نفسه بعد ساعات، لامرأتين فلسطينييتين أنهما شاهدتا في أثناء سيرهما بالإكراه مع مجموعات من السكان نحو المدينة الرياضية، كيف كانت البولدوزرات تعمل على الهدم والجرف أمامهم جميعاً. "شاتيلا الكبرى" كانت معالمها تتغير ما بين مساء وصباح، وما بين ساعة وأخرى. هناك جرافات تعمل، وبيوت تهدم، وجثث تبتلعها البولدوزرات.

. . . . . .

اقتحام المستشفى
كان اقتحام مستشفى عكا الحدث الأبرز صباح يوم الجمعة، وكان المستشفى قد عاد حديثاً الى مزاولة نشاطه، بعد أن كان معطلاً أيام الاجتياح.

التجأ الى المستشفى المئات من السكان للحماية، لكنهم جميعاً غادروه منذ الفجر قبل اقتحامه، أما أهل المستشفى من مرضى وأطباء وممرضات، من عرب وأجانب، فقد لاقى كل منهم مصيراً مختلفاً عن سواه، في تلك الساعات العصيبة.

أ - العودة الى العمل في المستشفى
تأسس مستشفى عكا في أواسط السبعينات، في مبنى يتألف من خمس طبقات، ويقع في شارع السفارة الكويتية قبالة حرش شاتيلا. يحتوي على ملجأ كبير تحت الأرض، وطبقة أرضية، أشبه بالملجأ، قسّمت غرفاً للعمليات الجراحية والطوارئ والأشعة والعيادات. وفوق هذه الطبقة تقع العيادات، والإدارة، وغرف المضى التي تضم نحو ستين سريراً.

قام مستشفى عكا في المرحلة الأولى من الاجتياح الاسرائيلي بدور بارز في استقبال الجرحى، وخصوصاً من محيط المطار، وذلك على الرغم من صغره. وكان الجرحى من مختلف التنظيمات الفلسطينية واللبنانية والقوات السورية.

أصيب المستشفى خلال الاجتياح، لكن الأضرار لم تكن جسيمة بسبب إخلاء الطبقة العلوية منذ بدء الاجتياح ونقل المرضى الى الطبقة الأرضية. غير أنه مع مواصلة الاجتياح وحصار بيروت، ارتأى الهلال الأحمر الفلسطيني فتح مستشفيات ميدانية ومستوصفات في مناطق أكثر أمناً في رأس بيروت: مستشفى عكا بالذات، لم يعد آمناً بسبب موقعه الجغرافي المعرض للقصف الشديد، من جهة، وبسبب وجود محطة وقود قريبة منه، من جهة أخرى، الأمر الذي قد يؤدي الى احتراق المستشفى في حال تعرضت المحطة لإصابة مباشرة. وهكذا تحول المستشفى الى مجرد مركز إسعاف، وانتقل القسم الأكبر من العاملين فيه الى المستشفيات المستحدثة في رأس بيروت. وكان أهمها مستشفى اللاهوت، الذي أقيم في مدرسة اللاهوت في شارع الصيداني الموازي لكل من شارع بلس وشارع الحمرا، والواقع بينهما.

عادت الحياة الى مستشفى عكا بعد انتهاء الحرب وخروج المقاتلين الفلسطينيين والسوريين من لبنان، وجاء متطوعون من الصليب الأحمر اللبناني للمساعدة في إعادة تأهيل المستشفى. ولم يكن هناك تصور أن يعود الإسرائيليون الى المنطقة. وقبل منتصف أيلول / سبتمبر كان العمل قد عاد الى مستشفى عكا بشكل طبيعي كما كان عدد من الأطباء والممرضات الأجانب قد انضم اليه.

موظف في قسم الأشعة رفض إعطاء اسمه، لكنه قال باعتزاز أنه من مدينة عكا أصلاً ومن صبرا ولادة. تحدث عن كيفية التحاقه للعمل في المستشفى. فقال أنه كان يطمح الى دراسة الطب، لكنه كلاجئ فلسطيني ما كان يحلم بإمكان ذلك. درس في صغره في مدرسة "يعبد" التابعة للأونروا، والواقعة في زاروب الديك في صبرا. ودرس المرحلة الإعدادية في مدرسة الجليل التابعة أيضاً للأونروا في شاتيلا. ثم أكمل دراسته الثانوية في مدرسة رأس النبع الرسمية التابعة لوزارة التربية اللبنانية. لم يكن أمامه للتخصص بعد تخرجه سوى مدسة التمريض أنشأها الهلال الأحمر الفلسطيني، وكانت تحتوي على أربعة أقسام: التمريض، المختبر، الصيدلة، الأشعة. وقع اختياره على القسم الأخير، حيث كان أطباء الهلال يوفرون الدروس النظرية لطلاب الأشعة. أما الدرس العملية فكانت تعطى في معهد ألماني في شارع الحمرا. ومنذ أن تخرج سنة 1978 وهو يعمل في قسم الأشعة في مستشفى عكا. وكان يوم حاصرت الدبابات الاسرائيلية صبرا وشاتيلا، فجر الأربعاء في الخامس عشر من أيلول / سبتمبر، هو الموظف المناوب.

قال موظف الأشعة إن دوره في المناوبة كان من الثامنة ليلاً حتى الثامنة صباحاً. وأضاف أنه سهر مع زملائه تلك الليلة وكانت أحاديثهم تدور عن مقتل الشيخ بشير، والكل توقع أن يحدث شيء ما، لكن ماذا بالتحديد؟ هذا ما لم يتوصل اليه أحد منهم. نحو الساعة الرابعة من صباح الأربعاء، كان الموظف النشيط لا يزال يقظاً بحكم عمله، فسمع هدير الدبابات وهي تقترب من المدينة الرياضية. وقف ونظر في اتجاه السفارة الكويتية فشاهد الدبابات الاسرائيلية الزاحفة. نادى الطبيب المناوب ليلاً وقال له: "أنظر يا حكيم". نظر الطبيب، وهز رأسه، وعلّق بقوله أنه لا بد من أن ينتظر الساعة الثامنة صباحاً، موعد مجيء من سيحل مكانه.

في الثامنة تماماً سلّم موظف الأشعة لمناوب النهار، وغادر المستشفى الى بيته في صبرا، لكنه لن يستطيع العودة الى مستشفى عكا؛ سيبقى هناك، وسيصبح شاهداً على ما يجري يوم السبت في صبرا.

قالت الممرضة نزهة، وهي ممرضة فلسطينية تعمل مع الهلال الأحمر منذ سنة 1979، إن الاسرائيليين جاؤوا الى مستشفى عكا عدة مرات منذ حصارهم المنطقة بحجة التأكد من عدم وجود "مخربين". وكان الطبيب سامي الخطيب يجيبهم بأن لا احد هنا سوى المرضى والجسم الطبي. قالت إنهم دخلوا أكثر من مرة وأكلوا في "الكافيتيريا" من دون استئذان، وصعدوا الى الطبقة الأولى وشاهدوا المرضى. ولم ينسوا قط أن يحملوا للصغار المضى "البون بون" والشوكولا. ليس من داع للتعليق بأن الجنود الإسرائيليينن ما كانوا بحاجة الى "كافيتيريا" المستشفى؛ كانوا بحاجة الى شيء واحد هو معرفة ما يوجد داخل هذا المستشفى وما يجري فيه. وقد تحقق لهم ذلك.

شهدت الممرضة الفنلندية مارجلينا (ماريا)، زوجة الموظف المصري عرابي، على أن يوم الاربعاء كان يوماً عادياً نسبياً في المستشفى، فقد فُتحت العيادة واستقبلت عشرين مريضاً وسمعت ماريا من المرضى أن الاسرائيليين يتقدمون في اتجاه المخيمات. وأن بعضهم وصل الى الفاكهاني ولاحظت أن الممرضات والمرضى الفلسطينيين انتابهم الخوف. غير أن العمل في العيادة لم يتأثر، فاستمرت تستقبل المرضى الذين كان معظمهم يشكو مرضاً عابراً كالزكام، أو جروحاً بسيطة، أو الذين جاؤوا لتغيير الضمادات. كانت تسمع أصوات الرصاص في الخارج، والانفجارات من ناحية المخيمات. ازداد القصف ليلاً، واستقبل المستشفى جرحى، كما استقبل العشرات من المخيم جاؤوا للنوم والحماية. وتفادياً لخطر القصف اتخذ القرار بالنوم في الطبقة الأرضية.

قالت الممرضة نزهة أيضاً أن مئات العائلات التجأت الى مستشفى عكا، وخصوصاً يوم الخميس، فالكل هرب من القصف. أما في المساء فقد أخذت الأخبار تصل عن عمليات قتل مباشرة، وليس مجرد إصابات نتيجة قصف مركز. ومن الجرحى شاب لبناني من الجنوب أطلق المهاجمون عليه الرصاص بغزارة مع مجموعة من الشباب والرجال. بعد أن أمروهم بالوقوف عند الجدار، لكنه لم يصب بغير رصاصتين في رجله، ثم تمكن من الوصول الى المستشفى. وكذلك تمكن والده الجريح من الوصول الى المستشفى. وعلى الرغم من تأكيد الشاب وأبيه القتل الجماعي الذي شاهدوه، فالممرضة تؤكد بدورها أنهم في المستشفى لم يصدقوا ذلك.

تؤكد الرواية نفسها النرويجية آن سوندي، وهي من المتخصصات بالحقل الاجتماعي. زارت بيروت أكثر من مرة، لكنها في صيف الاجتياح بدأت العمل في المستشفيات كونه العمل الرئيسي المطلوب لإنقاذ الجرحى والمصابين. وقد كانت في مستشفى عكا تلك الليلة نفسها. قالت إن المستشفى استقبل أباً وابنه في نحو الساعة الثامنة والدقيقة الثلاثين مساء كانا مصابين في أقدامهما، لكن الأب كان مصاباً أيضاً في صدره، وارتأى المسؤولون إرسال الأب الى مستشفى غزة كونه أكثر استعداداً لاستقبال الحالات الصعبة. لكن إرسال الرجل المصاب كان عملية مستحيلة. وعليه فقد قام طبيب سريلانكي وممرضتان نرويجية وفرنسية بإجراء عملي مستعجلة له. وفي منتصف العملية توقف المولد الكهربائي عن العمل بسبب فراغه من المازوت، فاضطروا الى إنهاء العملية في ضوء الشموع كان التيار الكهربائي مقطوعاً منذ ساعات طويلة كما قالت.

في أثناء إجراء العملية للأب، تروي آن سوندي عن صبية كانت تبكي بكاء هستيرياً في أسفل الدرج. فنادتها وهدأت من روعها وسألتها ما بها فأخبرتها أنها تسكن في الحرش، وأن الرصاص أطلق على كثيرين من الفلسطينيين واللبنانيين عند أحد الجدران، وأن أباها وأخاها كانا بينهم. أدركت آن بعد قليل أن الرجل الذي تجرى له العملية في ضوء الشموع هو أبوها، وأن هذه الفتاة التي تبدو منهارة هي التي أنقذت أباها الجريح وأوصلته الى المستشفى. ولم تستوعب آن، كما لم يستوعب أحد في مستشفى عكا حتى تلك الساعة، أن مجزرة حقيقية تجري. وأن هؤلاء الذين سمعوا أنهم إسرائيليون يدخلون المخيمات كانوا من الميليشيات اللبنانية. كانت تقديرات الأطباء، كما قالت، أن المسألة لا تعدو أن تكون نزاعاً محلياً أو ثأراً معيناً! ووصل جريح آخر بعد قليل، وتوجه الطبيب سامي الخطيب لعلاجه.

ب - صباح الجمعة في المستشفى
استيقظت آن سوندي في الساعة الخامسة صباحاً. بعد قليل سمعت عبر مكبرات الصوت أن على الناس أن يتوجهوا الى بيوتهم حيثما كانوا. وأن يضعوا الأسلحة التي يملكونها أمام البيوت. وكانت النداءات بالعربية، فترجمها لها زملاؤها. وسرعان ما أخذ السكان الملتجئون الى المستشفى يغادرونه. منهم من قال أنه عائد الى شاتيلا، ومنهم من قال أنه ذاهب الى مخيم برج البراجنة.

وهكذا، منذ الساعات الأولى من نهار الجمعة خلا المستشفى بصورة شبه نهائية من المئات الذين احتموا به. وهذا ما أكدته أكثر من امراة في شهادتها: منهن أم كمال التي شاهدت جموع المسلحين بعينيها، واستمعت الى تهديداتهم بأذنيها، فجر الجمعة. فعادت الى المستشفى لتخبر الجميع كي يغادروا حالاً: كذلك شهدت سعيدة التي كانت إحدى المشاركات في مسيرة النساء، وإحدى النساء اللواتي ساقوهن في الشاحنة الى المناطق الشرقية في الرواية السابعة "من الملجأ الى سيارة الشحن"، على ما رأته في مستشفى عكا في ذلك الصباح الباكر، قالت أنها تمكنت هي وأمها، على الرغم من القصف والقنص من الوصول الى مستشفى عكا بين السادسة والسابعة صباحاً، وكانت كلتاهما من العاملات في المستشفى. وتابعت تصف الذعر الذي كان مسيطراً على الناس داخل المستشفى، وفي الملجأ.

كان في كثير ناس لسا واقفين منهم صاروا يقولوا: "يا جماعة كلنا نهرب". ولكن غيرهم كان يقول "ما تخافوا يا ناس والله ما في شي" وما شفنا غير مَرَه وصلت تصرخ وتقول "في مدبحة أهربوا هلق بييجوا على مستشفى عكا". أنا ما عرفتها للمره لكن سمعتهم يقولوا: "سمعتوا يا ناس شو قالت أم كمال؟" وأنا تلفّت حواليّ لقيت ناس بعدها قاعدة وبتقول: "نحنا باقيين هون ما في شي". ولكن على باب المستشفى كان هناك جرحى عم يدخلوهم. وما حسينا إلا والناس عم تمشي ورا بعضها فوج ورا فوج، في حدا قال: "إمشوا ناس ورا ناس". أنا سمعت وما عرفت مين قال. قمنا رحنا مشينا لمتى صرنا عند الجسر على طريق المطار لكن هناك صاروا يضربوا قذايف علينا، وقفنا هناك. إمي ما عاد فيها تركض معنا، لكن نحنا كلنا هربنا، أنا وإخواتي الصغار وأختي ركضنا، وضلينا هربانين لحد ما وصلنا على بير العبد. لقينا الناس رايحة جاية وما حدا حاسس شو عم بصير.

قالت آن سوندي أنها حضرت اجتماعاً عقد في الساعة الثامنة صباحاً للأطباء والممرضات من أجل التباحث فيما عليهم أن يفعلوه. كان السؤال: الهروب أم البقاء؟ وكان القرار البقاء. وذهبت الممرضتان المسؤولتان طوال الليل للنوم والراحة. وتم توزيع العمل على البقية. فبقيت ممرضتان إحداهما فرنسية للعمل في الطوارئ. بينما بقيت ماري الاسترالية وجين لرعاية الأطفال المعاقين كما بقيت ممرضتان عربيتان في الطبقة الأرضية، وواحدة أو اثنتان في الطبقة العلوية.

في شهادة أخرى لطبيب فلسطيني رفض ذكر اسمه الصريح جاء ما يتوافق مع شهادة آن أعلاه. إذ قال إن إدارة المستشفى عقدت اجتماعاً لأعضاء الجسم الطبي ما بين الثامنة والتاسعة صباحاً، وكان هناك مجموعة تؤيد الخروج، ومجموعة أخرى تؤيد البقاء في المستشفى والصمود. وفي النهاية اتخذ القرار بعدم الخروج. وقال الطبيب إن أقصى توقعاتهم كان التعر للاعتقال من قبل الاسرائيليين، وقال أيضاً أنهم كانوا واثقين بأن "اصطيادهم" كان سهلاً جداً في حال مغادرتهم المستشفى، فهم محاصرون من كل الجهات. لذلك كان بقاؤهم داخل المستشفى أكثر حماية لهم جميعاً، وخصوصاً للفلسطينيين منهم.

لكن هذا الطبيب، الذي كان المسؤول الأول في المستشفى، رفض حتى إجلاء الأطفال المرضى بينما كان رأي الطبيب سامي الخطيب وسواه إجلاء الأطفال. ثم كان هو من أول من غادر المستشفى مع ثلاثة آخرين فور اقتحام المهاجمين.

لم ينكر الطبيب المسؤول نفسه ذلك، وقد روى لي أنه غادر مع طبيب زميل آخر واثنين من الموظفين قبيل دخول القوات اللبنانية عن طريق بناية يعقوبيان، فدخل الرجال الأربعة المبنى وخرجوا من مخرج آخر حيث كان الاسرائيليون، لكنهم لم يتعرضوا لهم. وتقدم شاب فأوصلهم الى حارة حريك. والواقع أن كل الذين هربوا من المستشفى من أطباء وممرضات نجحوا في ذلك، باستثناء الطبيب علي عثمان.

كان الحدث الأبرز في صباح ذلك اليوم الطويل المشحون بالمآسي في مستشفى عكا مقتل عرابي، الموظف المصري في قسم الأشعة. كان عرابي نموذجاً للموظف المحبوب النشيط وقد بكاه كل من عرفه تقول الممرضة نزهة إن في الساعة العاشرة صباحاً ذهب عرابي "ليْجيب السيارة لجوا". وغيرها يقول إنه خرج لينجو بنفسه. لكن نهاية عرابي متفق عليها، وهي أنه ما كاد يخرج ويمر من جانب المستشفى المواجه للمحطة حتى أردوه في الوقت نفسه خرجت عاملة مصرية لتشتري "علبة دخان" للطبيب سامي، فأصابوها هي الأخرى برصاص القنص عند باب المستشفى، وماتت.

يقول الطبيب الفلسطيني المسؤول، الذي رفض إعطاء اسمه، إن عرابي قُتل بعد الاجتماع الذي عقدوه مباشرة، ووجد بعد الكشف على جثته رصاصة في جهة الكبد، وثغرة في وجهه الى جهة اليمين، كما أصابه كسر في رجله اليسرى، وكسر في المفصل ويعقب الطبيب أنه من الواضح أن عرابي لم يقتل بالرصاص وحده، بل بشظايا قذيفة أيضاً.

تقول آن سوندي أنها لم تعرف بمقتل عرابي في حينه. كان قد لفت انتباهها حريق شب في منزل يقع خلف محطة الوقود، وكان الحريق يتصاعد من سقف المنزل ذي اللون القريب من الأحمر. في تلك اللحظات دخل رجل مصاب بجروح بالغة، وكان هذا الرجل واقفاً في محطة الوقود، وهو الذي أخبرهم بإصابة اثنين آخرين في المحطة، فهل يكون عرابي أحدهما؟

لم يكن عرابي بالنسبة الى آن صديقاً حميماً فحسب، بل كان أيضاً زميلاً مثالياً عملا معاً في قسم التخطيط، وطالما شربت الشاي معه ومع زوجته ماريا في المستشفى، وقد كانا بالنسبة اليها من أحب من عرفت في بيروت.

حاول الممرض الفرنسي أن يتعرف على المصابين في محطة الوقود، فصعد الى غرفة الطوارئ، وتمدد بهدوء حتى تمكن من رؤية جسد ممدد بشكل مواز لمدخل الطوارئ، وقال لزملائه إنه ليس عرابي. كذلك حاولت آن أن تتعرف على المصاب الآخر بدورها، لكنها لم تتمكن من ذلك، فزحفت نحو الشرفة ورفعت رأسها قليلاً فوق جدار الشرفة، وتمكنت من أن ترى الرجل المصاب الممدد على الأرض، ولما رأته طويل القامة، طمأنت نفسها بقولها: "صحيح، هذا ليس عرابي، إنه أطول قامة بكثير". كان الهم الأكبر للطبيب سامي الخطيب، أن يتمكن من جلب اللذين أصيبا في محطة الوقود لعله يستطيع إنقاذهما أو إنقاذ أحدهما. ولما سمع الطبيب صوت سيارة "رينو 5" تقف في الخارج، أرسل حالاً يستفسر عن صاحبها، واضتح أن سائق السيارة امرأة لا يعرفونها، فنادوها، وقبلت المرأة حالاً أن تعطيهم سيارتها لعمل إنساني. فجاءت عاملة مصرية تعمل في مطبخ المستشفى وساقت السيارة، بينما استقلت آن والممرضة إريكا في المقعد الخلفي كي لا يظهر رأساهما. ساقت العاملة المصرية السيارة قليلاً الى اليمين، ثم قطعت الطريق واحتمت بين البيوت، ثم سارت في خط مستقيم على الطريق ثانية نحو محطة الوقود. ولكن ما إن وصلن ثلاثتهن الى هناك حتى اكتشفن أن الرجل الممدد كان عرابي، وتصف آن تلك اللحظات:

لا أدري لماذا بدا لنا من شرفة المستشفى أطول. كان عرابي قد اختفى لبعض الوقت، ولم يخبر زوجته الى أين هو ذاهب. لقد عرفناه من ثيابه ومن الكيس الذي يحمله. أما وجهه فكان من المستحيل التعرف عليه. كانت كل الجهة اليسرى من خده قد طارت (was blown out) ، ولا أعلم أي نوع من الرصاص استعملوا. كان هناك عدة بقع تنزف من عدة أجزاء من جسمه، وتمكنا من سحبه الى السيارة أنا وإريكا. نظرت في غرفة الطوارئ الى ساعته، فرأيتها في تمام الساعة العاشرة والدقيقة الحادية والخمسين. وضعنا حوائجه جانباً، وما كاد الطبيب ينتهي من تكفينه (wrapping him) ويذهب ليخبر زوجته بما جرى، حتى شاهدنا مسلحاً يقف بالباب.

تحدثت زوجة عرابي، الممرضة ماريا، عن المرة الأخيرة التي رأت فيها زوجها. فقالت أنها بحثت في الوضع معه صباح الجمعة وهما يرشفان القهوة، وتوقعا أن يكون اليوم يوماً مشحوناً، وخصوصاً بعد الفراغ الذي شهده المستشفى بخروج اللاجئين المحتمين به، الذين سمعوا بمكبرات الصوت أن على الجميع أن يذهبوا الى بيوتهم ولا شيء سيصيبهم وتوقعت ماريا صعوبة في تقديم المعونات الطبية للمرضى بسبب النقص في المعدات الطبية. وروت أن جريحاً جاء في نحو التاسعة صباحاً، وهو مصري يعمل في محطة الوقود القريبة، وسمعته يتكلم عن زوجها، لكنها لم تفهم تماماً ماذا قال، وإن تكن أدركت أن شيئاً سيئاً قد حدث. فذهبت الى غرفة الطوارئ، ثم الى قسم العناية الفائقة حيث الفريق الطبي النرويجي، ولم تلاحظ شيئاً، ولم تعلم شيئاً حتى جاء الطبيب السريلانكي رأساً وقال لها إن زوجها عرابي مات نتيجة إطلاق النار والانفجار.

وكان تعليق الزوجة التي جاءت من صقيع فنلندا الى جحيم حرب لا تنتهي حتى لو انتهت: "انتابني شعور بأن الدنيا كلها كانت تتقلص؟ "









--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post

3 الصفحات V  < 1 2 3 >
Reply to this topicStart new topic
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



RSS نسخة خفيفة الوقت الآن: 20th August 2014 - 08:50 AM