IPB

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )





 
Reply to this topicStart new topic
> مدارس القدس عشيّة الاحتلال الصليبيّ
النسر
المشاركة Sep 12 2007, 09:48 AM
مشاركة #1


عضو مميز
****

المجموعة: مناظرات
المشاركات: 2,087
التسجيل: 10-August 04
البلد: بلاد الإسلام
رقم العضوية: 1,197




بقلم / د / محسن يوسف

في الفترة الأولى من التاريخ الإسلامي أو ما يعرف بفترة صدر الإسلام لم يعر المسلمون أمر التعليم إلا اهتماماً محدوداً ، وذلك لانشغالهم بالفتوحات وبإرساء دعائم الإمبراطورية العتيدة ، لكن هذا الأمر سرعان ما تغير في الفترة الأموية وما بعدها.

لا غرابة في ذلك حيث إنّ الدين الإسلامي يحض على طلب العلم، بل يعتبره فرض كفاية على المسلمين ، يكفي أن نشير هنا إلى أن الكلمة الأولى في الآية الأولى، التي أنزلت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كانت كلمة (اقرأ) وأن اسم كتاب المسلمين المقدس (القرآن) مشتق من المصدر قرأ.

هناك عدد كبير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تشجع على طلب العلم ، وتشير إلى أن العلماء أفضل وأعلى مرتبة من غيرهم من بين أفراد المجتمع الإسلامي(1) الأمر الذي لا نكاد نجد له مثيلاً بين الأديان الأخرى.

تركز التعليم في البداية بين مؤسستين رئيسيتين هما: الكتّاب والمسجد ، اهتم الكتاب بتعليم الصبيان الذين تراوحت أعمارهم بين الخامسة والثانية عشرة ، لقد اهتم بتدريس مبادئ القراءة والكتابة والحساب والقرآن الكريم ، كان الكتاب غالباً مؤسسة تعليمية بسيطة، حتى إنه في كثير من الأحيان يتكون من غرفة تدريس واحدة، يدرس بها معلم واحد فقط.

غالباً ما كان يدرس هذا المعلم صبية من أعمار ومستويات مختلفة في ذات الوقت(2). أما المسجد فتخصص بتعليم الكبار، حيث درس به العلماء مواضيع شتى، اشتملت على العلوم الدينية على اختلافها وعلى الرياضيات والطب وعلوم طبيعية أخرى.

كان يعقد في المساجد الكبيرة العشرات من الحلقات العلمية في آن واحد ، كان يدرس في المسجد الواحد عشرات، بل مئات وربما آلاف الطلاب يومياً(3)، لكن وجود أعداد كبيرة من طلاب العلم في المسجد على مدار ساعات النهار كان يحدث الضوضاء والإزعاج بالنسبة للمتعبدين ، كذلك وجود المتعبدين في المدارس بأعداد كبيرة كان بدوره يزعج طلاب العلم، الأمر الذي أجبر المجتمع الإسلامي على إنشاء مؤسسات متخصصة بتعليم الكبار.

من بين المؤسسات التي أنشئت خصيصاً لهذا الغرض نذكر على سبيل المثال لا الحصر: بيوت الحكمة ودور العلم والمدارس.

كانت المؤسسات المعروفة باسم بيت الحكمة في بغداد أشهر بيوت الحكمة على الإطلاق، حيث ذاع صيتها في فترة حكم الخلفاء العباسيين: هارون الرشيد وابنه المأمون اللذين حكما في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث للهجرة (القرن الثامن والتاسع للميلاد).

تركز النشاط العلمي في هذه المؤسسة حول موضوع ترجمة العلوم والمعارف العامة من اللغات اليونانية والسريانية إلى اللغة العربية ، إلى جانب ذلك كانت تعقد بها المحاضرات والمناظرات التي كانت تدور بين العلماء وبحضور جمهور الطلاب والمهتمين(4).

أما فيما يتعلق ببيوت الحكمة الأخرى فغالباً ما اقتصر نشاطها على التدريس فقط.

بالنسبة لدور العلم فأشهرها كانت دار العلم بالقاهرة التي أسسها الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله الذي حكم في بداية القرن الخامس للهجرة/الحادي عشر للميلاد.

على ما يظهر فإن الحاكم بأمر الله الفاطمي أراد في البداية أن يؤسس مؤسسة تعليمية شبيهة ببيت الحكمة في بغداد ؛ لذلك أسماها دار الحكمة، لكن سرعان ما ثبت أن دار العلم هذه كانت تختلف كثيراً عن تلك في بغداد ، لقد مرت دار العلم هذه بثلاث مراحل رئيسية في تاريخها الذي امتد حوالي 172سنة، فعند بداية تأسيسها عام 395هـ/1004م أراد مؤسسها أن تكون مؤسسة تعليمية تخدم الغالبية العظمى من سكان مصر الذين كانوا آنذاك سنيين، علماً أن الحاكم بأمر الله نفسه وسلطته كانت تدين بالمذهب الشيعي الإسماعيلي.

بعد عام 1020م تحولت لمؤسسة شيعية متخصصة بالتبشير والدعوة للمذهب الشيعي الإسماعيلي على حساب المذهب السني.

في عام 1119م أغلقت لفترة ما ؛ لأنها أصبحت مع مرور الزمن لا تخدم المذهب الديني الرسمي للدولة، بل ساهمت في تطوير أفكار مناهضة لهذا المذهب.

في عام 1123م أعيد فتحها من جديد ؛ لتخدم المذهب الإسماعيلي ، وبقيت تخدمه حتى أغلقها القائد الشهير صلاح الدين الأيوبي الذي قضى أيضاً على المذهب الشيعي وأعاد المذهب السني، ليصبح المذهب الرسمي في مصر(5).

لقد انتشرت دور العلم في جميع البلاد التي كانت تخضع للخلافة الفاطمية وبضمنها مدينة القدس(6).

ركزت دور العلم المختلفة نشاطها على التعاليم والدعوة للمذهب الإسماعيلي إلى جانب اهتمامها بالعلوم الأخرى.

أما بالنسبة للمؤسسات التعليمية المعروفة باسم المدارس فتم إنشاؤها لأول مرة خلال القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي ، الجهة التي بادرت إلى إنشاء المدارس كانت السلطات السلجوقية التي تعصبت للمذهب السني ضد المذاهب غير السنية ، وعلى وجه الخصوص المذاهب الشيعية ، من ذلك التاريخ فصاعداً تبنت جميع الحكومات السنية رعاية المدارس وإنشاءها.

من بين الحكومات السنية التي اهتمت بإنشاء المدارس بشكل مثير للانتباه نذكر الزنكيين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين ، لقد كانت مدارس تلك الفترة، كما هو الحال بالنسبة للمساجد وبيوت الحكمة ودور العلم معاهد علم للكبار ، وليس كما هو عليه الحال اليوم، فقد أصبحت في الفترة الحديثة مؤسسات تعليمية للمراحل الابتدائية.

هناك عدد من المؤرخين يعتقدون بأن السلاجقة قد أسسوا المدارس لخدمة المذاهب السنية ونشر تعاليمها في العالم الإسلامي كرد فعل للجهود والنجاح الكبير الذي أحرزته دور العلم في نشر الدعوة الشيعية الإسماعيلية ، لا غرو في ذلك فالفكر الشيعي بمذاهبه المختلفة كاد أن يطبق على جميع العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، ففي هذا القرن سيطر البويهيون الإيرانيون الذين كانوا ينتمون للمذهب الشيعي الاثني عشري على غالبية المشرق الإسلامي من العراق غرباً وحتى أواسط آسيا شرقاً ، وسيطروا أيضاً على بغداد التي كانت عاصمة الخلافة العباسية السنية.

رغم أن البويهيين لم يعينوا خليفة شيعياً مكان الخليفة العباسي إلا أن الفكر الشيعي انتشر خلال فترة حكمهم بشكل سريع في العاصمة وخارجها.

في نفس الفترة تمكن الحمدانيون العرب الذين كانوا أيضاً شيعة اثني عشرية من إنشاء دولة لهم في شمال العراق وشمال سوريا ومنطقة شرق الأناضول.

أما الفاطميون الذين كانوا شيعة إسماعيليين فلم يكتفوا بإنشاء دولة لهم في شمال إفريقية في بداية القرن الرابع الهجري، إنما عينوا لهم خليفة ، وكانوا يعدون الخطط للإطاحة بالخلافة السنية في بغداد.

من هذا المنطلق توجهت أنظارهم منذ البداية نحو المشرق، فقاموا بحملات عسكرية كثيرة ضد مصر التي تعتبر البوابة الغربية لبغداد والعراق.

في منتصف القرن تكللت جهودهم بالنجاح في احتلال مصر التي بنوا فيها مدينة القاهرة، لتكون عاصمتهم ، بعد ذلك تتابعت جهودهم لمدّ فتوحاتهم نحو العراق، إلا أن شمال بلاد الشام كانت أقصى ما وصلت إليه جيوشهم.

هذا كان في المجال العسكري ، أما في مجال الدعوة للفكر الإسماعيلي فصادفت جهودهم نجاحاً كبيراً في جميع مناطق المشرق الإسلامي وبضمنها العراق وبغداد(7).

في القرن العاشر الإسلامي ظهر العالم الإسلامي جميعه كأنه يتوجه نحو التشيع، لكن عدم التعاون بين أتباع الشيعة الإسماعيلية كان أحد الأسباب الرئيسية في عدم نجاحهم في الإطباق على العالم الإسلامي بشكل نهائي.

جاء الفرج بالنسبة للسنيين من الشرق على يد السلاجقة الأتراك الذين كانوا يتبعون المذهب السني، فقد هاجموا الدولة البويهية ، وقضوا عليها كلياً ، ودخلوا بغداد عام 459/1067م.

في محاولتهم القضاء على الخلافة الفاطمية احتلوا غالبية بلاد الشام التي كانت تخضع للحكم الفاطمي وبضمنها جند فلسطين ومدينة القدس، إلا أنهم لم يتمكنوا من احتلال مصر والقضاء على الخلافة الفاطمية، على ما يظهر، فإن السلاجقة أيقنوا بأن ما فشلت به العساكر الفاطمية من نشر مذهبهم في العراق ومشرق العالم الإسلامي نجح بفعله إلى حد كبير دعاة هذا المذهب الذين تخرجوا من دار علم القاهرة ودور العلم الأخرى.

لذلك أسسوا معاهد تعليمية شبيهة بها، لتخدم المذاهب السنية وأسموا هذه المعاهد (مدارس) من المؤكد أن إنشاء العدد الكبير من المدارس في العالم الإسلامي كان أحد العوامل الرئيسية في ترسيخ وتجذير الفكر السني في العالم الإسلامي حتى اليوم ، لقد اقترن موضوع إنشاء المدارس باسم نظام الملك الذي كان أشهر الوزراء السلاجقة على الإطلاق، فقد أولى هذا الموضوع اهتماماً كبيراً ، لقد أطلق على أعظم مدرسة تم إنشاؤها في بغداد في تلك الفترة اسم المدرسة النظامية، نسبة له(8). مما يؤكد أن السبب الرئيسي في إنشاء المدارس كان نشر الفكر وتعاليم السنية.

إن البرامج الدراسية التي اتبعت هذه المعاهد تركزت حول العلوم الدينية من فقه وحديث وتفسير وشريعة بمفهومها السني ، لقد درست المدارس الأولى حسب واحد من المذاهب السنية إلا أنّ الأوضاع قد تطورت مع مرور الزمن ، وأصبحت المدرسة الواحدة تدرس على عدد من المذاهب.

كانت المدرسة التي أنشأها الخليفة العباسي المستنصر بالله ( 1226-1243م) والتي حملت اسمه (المستنصرية) أول مدرسة تعلم حسب المذاهب السنية الأربعة(9).

لكي يشجع مؤسسو المدارس طلاب العلم للالتحاق بمدارسهم جعلوا التعليم بها مجاناً ، وألحقوا بها غرفاً لسكنى الطلاب ، وفي بعض الحالات لسكنى المدرسين ، في حالات كثيرة قدمت المدرسة لطلابها الطعام وبعض الاحتياجات الأخرى مجاناً.

هناك عدد من المؤرخين يدعون أن السلطات الإسلامية لم تهتم بأمر التعليم ، ولم تعتبره من واجباتها نحو مجتمعها إلا في القرن الحادي عشر الميلادي، أي عند تأسيس المدارس، لكن المصادر التاريخية تظهر عدم دقة هذه المقولة، فإذا أردنا أن نعرف إن كانت السلطات الإسلامية تعتبر الشؤون التعليمية من واجباتها نحو مجتمعها أم لا علينا أن نفحص ذلك بأربعة محاور رئيسية، هي:

1- أكانت السلطات هي التي تنشئ المعاهد التعليمية أم لا؟

2- أكانت هي التي تصرف على هذه المؤسسات من ميزانيتها؟

3- أكانت هي التي تضع وتنفذ البرامج التعليمية؟

4- هل أفردت إدارة خاصة لمتابعة ومراقبة الشؤون التعليمية؟


عندما نفحص المصادر العربية الإسلامية التي عالجت موضوع التعليم، نجد أن تدخل السلطات بهذا الأمر كان قليلاً في بداية التاريخ الإسلامي، فقد اقتصرت المعاهد التعليمية على الكتاتيب والمساجد ، بالنسبة للكتاتيب كانت القرية أو الحي أو المحسنون هم الذين ينشئونها ، كان معلّم الكتاب يحصل على راتبه من أولياء أمور الأولاد ، لم تضع السلطات الحاكمة برامج تعليمية للكتاتيب ، ولم تشرف عليها إلا بقدر ما، كان يقوم به المحتسب الذي كانت صلاحياته تقتصر على المحافظة على الآداب والصحة العامة ، ومنع الناس من التعدي على الحقوق الدينية.

بالنسبة للتعليم الذي كان يتم في المساجد فلم يختلف عن ذلك كثيراً سوى أن السلطات كانت تتدخل بين الفنية والأخرى بشأن تعيين المدرسيين وإقالتهم ، في كلتا الحالتين لا نجد السلطات قد صرفت على هذه المؤسسات من ميزانيتها ، ولم تفرد لها إدارة خاصة تشرف على الشؤون التعليمية.

أما بيوت الحكمة ودور العلم فغالباً ما كان يؤسسها الخلفاء والسلاطين والحكام الآخرون، الذين كانوا يعينون المدرسين والموظفين الآخرين ، إلى جانب ذلك فالمؤسسون غالباً كانوا يحددون طبيعة المؤسسة ، وطبيعة النشاطات التعليمية التي تختص بها.

لكن رغم كل هذه الأمور ليس باستطاعتنا أن ندعي بان السلطات قد أصبحت تعتبر التعليم واجباً من واجباتها ، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية هي:

1- عندما أنشأ الخلفاء والحكام هذه المعاهد كان إنشاؤها من قبيل الإحسان وليس من قبيل الواجب، علماً أن إنشاء هذه المعاهد لم يقتصر على الخلفاء والحكام، إنما شارك بها التجار والعلماء والأغنياء الآخرون.

2- عندما أنشأ المحسنون معاهد العلم هذه أوقفوا عليها الأوقاف، لكي تتمكن من الاعتماد على نفسها من الناحية المالية ؛ لذلك فإن إدارتها كانت مستقلة عن السلطة الحاكمة بشكل كبير جداً، وبعد فترة كانت هذه الإدارة مستقلة تماماً عن عائلة المحسن المنشئ.

3- لم تفرد السلطات الحاكمة لهذه المعاهد إدارة خاصة بها لترعى شؤونها ، في الحقيقة لم يكن هناك حاجة لمثل هذه الإدارة، لأن هذه المؤسسات كانت مكتفية ذاتياً.



إنّ ما قيل أعلاه عن بيوت الحكمة ودور العلم صحيح أيضاً بالنسبة للمدارس ، وبالرغم أن عدداً كبيراً منها قد أسس من قبل أفراد عملوا في السلطة الحاكمة إلا أنها في الغالب كانت مستقلة من الناحية المالية بفضل الأوقاف الكثيرة التي أوقفها عليها منشؤوها، ولم تخضع للسلطات الحاكمة إلا بقدر الإشراف العام الذي كانت تقوم به دوائر المحتسب والأوقاف الحكومية(10).

أنشأ السلاجقة في مدينة القدس مدرستين، واحدة للشافعية وكانت بباب الأسباط ، والأخرى للحنفية وكانت بالقرب من كنيسة القيامة ، إننا لا نعرف على وجه الدقة الزمن الذي أنشئت به المدرستان، لكن من المؤكد أنه كان قبل عام 486هـ/1093م ، وذلك لأن الرّحالة والقاضي أبو بكر ابن العربي قد زارهما في تلك السنة ، ولا يظهر من وصفه لهما أن المدرستين كانتا في حينها حديثتي الإنشاء، فوصفه يظهر أن المدرستين كانتا في تلك الفترة مشهورتين، تستقطبان العلماء المرموقين من جميع أنحاء العالم الإسلامي مثل العلماء المغاربة والأندلسيين والفرس.

هذا الأمر لا يحدث إلا بعد بضع سنوات من الإنشاء ؛ مما يؤكد هذه الحقيقية أن الإمام نصر بن إبراهيم النابلسي المقدسي الشهير، الذي كان أحد شيوخ المدرسة الشافعية لفترة من الزمن قد ترك القدس وانتقل إلى دمشق قبل زيارة ابن العربي لمدينة القدس قال : (( فألفيت بها جماعة علمائهم في يوم اجتماعهم للمناظرة عند شيخهم القاضي الرشيد يحيى الذي كان استخلفه عليهم شيخنا الغمام الزاهد نصر بن إبراهيم النابلسي المقدسي))(11).

إنه من غير المعقول أن يكون السلاجقة قد أسسوا هاتين المدرستين مباشرة بعد احتلالهم للمدينة عام 465هـ/1073م، لأن وضعهم في المدينة بشكل خاص وفي كل بلاد الشام بشكل عام بقي مزعزعاً وغير مستتب لعدد من السنين، حتى إن مدينة القدس قد ثارت ضدهم ، واستولت على ممتلكاتهم عام 1078م، مما أدى ذلك إلى إعادة احتلالهم لها والتنكيل بسكانها.

إذاً لا بد أن المدرستين قد أنشئتا في فترة الحكام الأرتقيين (السلاجقة) الذين حكموا المدينة منذ فترة إخماد الثورة المقدسية المذكورة إلى عام 1096م، عندما أعاد الفاطميون احتلال المدينة(12).

يشير تاريخ إنشاء مدارس القدس (بين السنين 1078-1093م) إلى الاهتمام العظيم الذي أولاه السلاجقة لنشر التعليم بصورة عامة ، ونشر الفكر السني بصورة خاصة وإلى الأهمية العظمى التي كانت تتمتع بها مدينة القدس آنذاك في المجال التعليمي ، تتضح هذه الأهمية عندما نعرف أن إنشاء هاتين المدرستين قد تم بعد سنين قليلة جداً من إنشاء المدرسة النظامية في مدينة بغداد (عام 1066م) علماً أن احتلال السلاجقة لبغداد عام 1055م قد سبق احتلالهم لمدينة القدس بحوالي عقدين من الزمن(13).

لقد تخصصت كل مدرسة من مدرستي القدس بالتدريس حسب مذهب سني واحد، فقد تخصصت إحداهما بالتدريس حسب المذهب الشافعي، في حين تخصصت الأخرى بالتدريس حسب المذهب الحنفي ، لا غرابة في ذلك لأن سكان القدس وفلسطين السنيين كانوا وما زالوا حتى اليوم شافعيين ، أما الحكام السلاجقة فكانوا يتبعون المذهب الحنفي(14). لذا لم تكن هناك حاجة للتعليم حسب المذاهب السنية الأخرى.

إن غالبية معلوماتنا عن مدرستي القدس وعن الأوضاع العلمية في هذه المدينة عشية الاحتلال الصليبي مستقاة من مؤلفات الرحالة والفقيه والقاضي المشهور أبي بكر بن محمد عبد الله بن العربي المعافري (1076-1148م) وهو غير أبي بكر بن عربي (بدون أل التعريف) المتصوف الذي طبقت شهرته جميع أرجاء العالم الإسلامي وقد عاش ما بين عام 1165-1240م. كان أبوه يشغل منصباً مهماً في دولة بني العباد التي قضى عليها المرابطون( 1056-1147م).

في عام 1092م عندما لم يتجاوز عمر ابن العربي سبعة عشر عاماً، رحل بصحبة أبيه إلى الشرق طلباً إلى العلم ولأداء فريضة الحج، فزار مصر واستقر بفلسطين (غالباً في القدس) لأكثر من ثلاث سنوات ، ومن ثم زار كلاً من دمشق وبغداد ومكة.

بعد ذلك عاد إلى بغداد، فمصر ومن ثم رجع إلى وطنه بعد غيبة دامت عشرة أعوام ، ترك ابن العربي عدداً كبيراً من الكتب، نذكر منها: (( ترتيب الرحلة للترغيب في الملة))، (أحكام القرآن)، ( العواصم من القواصم)، ( قانون التأويل). الكتاب الذي يهمّنا في هذه الدراسة أكثر من غيره هو كتاب( ترتيب الرحلة للترغيب في الملة) الذي وصف فيه رحلته للقدس ، لكن هذا الكتاب لم يصلنا بشكل كامل ، وما وصلنا منه هو بعض التلخيصات والاقتباسات، التي كتبها المؤلف نفسه في كتبه الأخرى، وتلخيصات واقتباسات أخرى، اقتبسها مؤرخون آخرون كالمقّريّ في كتابه المعروف بـ (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب) (15).

يتبين من وصف ابن العربي للنشاط العلمي الذي ساد في مدينة القدس بوجه عام والمدرستين المذكورتين بوجه خاص، أنه كان على مستوى عال جداً ، هذا النشاط لم يقتصر على تدريس الطلاب إنما شمل أيضاً المحاورات والمناظرات العلمية التي كانت تعقد بين جميع فئات المجتمع التي ممن تهتم بالعلم، منهم العلماء والطلاب وأتباع المذاهب الإسلامية المختلفة والطوائف الدينية التي كانت تسكن مدينة القدس.

يقول المؤلف : (( وأدخل إلى مدارس الحنفية والشافعية في كل يوم لحضور التناظر بين الطوائف. لا تلهينا تجارة...)). عن إحدى المناظرات، التي دارت بيت أتباع الطوائف المختلفة، يقول: (( وكنا نفاوض الكرامية والمعتزلة والمشبهة (وكلها فرق إسلامية) واليهود ، وكان لليهود بها حبر منهم، يقال له التستري، لقناً فيهم، ذكياً بطريقتهم.

وخاصمنا النصارى بها ، وكانت البلاد لهم، يأكرون ضياعها ويلتزمون أديارها ، ويعمرون كنائسها، وقد حضرنا يوماً مجلساً عظيماً فيه الطوائف، وتكلم التستري الحبر اليهودي على دينه، فقال: اتفقنا على أن موسى نبي مؤيد بالمعجزات، معلّم بالكلمات، فمن ادعى أنه غير نبي فعليه الدليل ، وأراد من طريق الجدال أن يرد الدليل في وجهتنا، حتى يطرد له المرام، فقال له الفهري: إن أردت بموسى الذي أيد بالمعجزات وعلم الكلمات وبشر بأحمد، فقد اتفقنا عليه وآمنا به وصدقناه ، وإن أردت به موسى آخر فلا نعلم ما هو؟ فاستحسن ذلك الحاضرون وأطنبوا في الثناء عليه.. فبهت الخصم وانقضى الحكم))(16).

مما يؤكد علو شأن العلم والمستوى العلمي المرتفع الذي تمتعت به هاتان المدرستان أن ابن العربي الذي جاب بلاد العرب جمعيها من محيطها إلى خليجها بهر بذلك المستوى الرفيع ، لذلك قرر البقاء في القدس لينهل من ينابيعها العلمية لمدة ثلاثة أعوام، رغم أن هدفه عندما زارها كان مجرد الزيارة والتبرك بمقدساتها، فهو لم يغادر المدينة إلا بعد أن نال منها علماً غزيراً ، وأتقن علوماً دينية كثيرة جداً ، تتضح أهمية القدس العلمية عندما نقارن ما قاله عنها ابن العربي مع ما قاله عن مصر التي كانت دائماً وأبداً مركزاً علمياً مرموقاً.

فيما يلي بعض الاقتباسات التي تشير إلى المستوى العلمي الرفيع الذي تمتعت به هاتان المدرستان ومدى تحصيله العلمي في المدينة: (( ثم رحلنا عن مصر إلى الشام... وحين وصلت إلى المسجد الأقصى فاتحة دخولي بها، عمدت إلى مدرسة الشافعية بباب الأسباط، فألفيت بها جماعة علمائهم للمناظرة عند شيخهم.. وأقمت حتى انتهى المجلس، فكررت راجعاً إلى منزلي.. فقلت لأبي، رحمة الله عليه : إن كانت لك نية في الحج فامض لعزمك! فإني لست برائم عن هذه البلدة، حتى أعلم علم من فيها ، وأجعل ذلك دستوراً للعلم وسلماً إلى مراقيها). (( وانفتح لي به إلى العلم كل باب ، ونفعني الله في العلم والعمل وتيسر لي على يديه أعظم أمل، فاتخذت بيت المقدس كباءة والتزمت فيه القراءة ، لا أقبل على دنيا ولا أكلم إنسيا ، نواصل الليل بالنهار)). (( ولم نزل على تلك السجية حتى اطلعت بفضل الله على أغراض العلوم الثلاثة: علم الكلام وأصول الفقه ومسائل الخلاف التي هي عمدة الدين والطريق المهيع إلى التدرب في معرفة أحكام المكلفين ، الحاوية للمسألة ، والدليل والجامعة للتفريع والتعليل. وقرأت المدونة بالطريقتين: القيروانية في التنظير والتمثيل والعراقية على ما تقدم في معرفة الدليل)).

عن المستوى العلمي في مصر يقول: (( وسرنا حتى انتهينا إلى مصر فألفينا بها جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين... وهم من الخمول في سرب خفي ومن هجران الخلق بحيث لا يرشد إليهم جري ، ولا ينسبون من العلم ببنت شفة ، ولا ينتسب أحد منهم في فن إلى معرفة... وترددت في لقاء الناس بين أسفل وفوق بما كنت فيه من المعارف من التوق ، وناظرت الشيعة والقدرية وتدربت في جمل من الجدل ، ونظرت في نبذ من علم الكلام ، وتفطنت من سخافة هذه الطائفة... أمة قد غلب عليها سوء الاعتقاد ... واستولى اليأس منهم بما هم فيه من فساد))(17).

لكن علينا أن نقبل بشكل قاطع ما يقوله ابن العربي عن المستوى العلمي المتدني في مصر، وذلك لأن انحيازه للمذهب السني، الذي كان ينتمي إليه ضد المذهب الشيعي الذي كان سائداً في مصر، واضح أشد الوضوح...

رغم أن ما وصلنا إليه من كتابات ابن العربي عن مدارس القدس مقتضب إلى حد كبير إلا أنها تزودنا بمعلومات مهمة جداً في مجالات مختلفة كأسلوب التدريس والنشاطات العلمية الأخرى التي كانت المدارس مركزاً لها ، لقد احتوى هذا الوصف على معلومات قلما نجد لها مثيلاً بين المصادر القديمة ، لذلك فإنها تلقي بعض الضوء على جوانب غامضة متعلقة بمدارس تلك الفترة بشكل عام فقط مدارس القدس ، من أهم هذه المعلومات نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

1- إن أسلوب التلقين في التدريس لم يكن الأسلوب الوحيد المتبع، كما يعتقد كبير من المؤرخين، إنما تم أيضاً استعمال أسلوب المناظرة؛ حتى إنه يظهر من الوصف الذي وصلنا أن أسلوب المناظرة هو الذي كان سائداً في مدارس القدس.

2- إن حرية وإمكانية انضمام طلاب جدد لحلقات الدرس والمناظرة في المدارس أو الانسحاب منها كانت أكثر بكثير مما نعتقد ؛ حتى إنه لا يظهر فرق بين ما كان متبعاً في المسجد وما كان متبعاً في المدرسة، علماً بأننا ما زلنا نعتقد بأن المسجد كان أكثر انفتاحاً على طلاب العلم من المدرسة، فابن العربي انضم إلى إحدى المناظرات التي كانت منعقدة في المدرسة الشافعية من أول يوم وصل به إلى القدس ، وقد فعل ذلك دون سابق إنذار ، كذلك الحال كان بإمكانه أن ينسحب من الجلسة في أي وقت يريد، لأنه يقول: (( وأقمت حتى انتهى المجلس، فكررت راجعاً إلى منزلي)).

3- إن جلسات المناظرة كانت مفتوحة أمام الشيوخ ليدخلوا ويشاركوا بها في أي وقت يريدون، فابن العربي يعلمنا أن الشيخ الصاغاتي، وكان أحد علماء جماعة، ضمت علماء وطلاباً من خراسان، وفدوا على القدس، عندما كان ابن العربي بها، دخل عليهم أثناء جلسة وهو في جبة راع، فسلم ولا اخترق الجلسة إلا أن قعدوا بإزاء الشيخ ، عندما شعر الشيخ أن الشخص الذي بجانبه عالماً ، طلب من الطلاب توجيه الأسئلة له ، فحدثت مناظرة طويلة بين جميع الحضور ، وكانت الغلبة في نهايتها للصاغاتي على شيخ الحلقة والمدرسة(18).

4- من أشهر الشيوخ الذين درسوا وشاركوا في النشاط العلمي لهاتين المدرستين نذكر نصر بن إبراهيم المقدسي النابلسي، شيخ المدرسة الشافعية، من كبار الشافعية في عصره، فقد ألف كتاب ( الانتخاب الدمشقي) الذي كان يقع في أكثر من عشرة مجلدات ، كذلك ألف كتاب (التهذيب) كذلك نذكر القاضي يحيى (ربما هو يحيى بن علي المعروف بابن الصائغ) الذي خلف الشيخ نصر الذي سبق ذكره في مشيخة المدرسة الشافعية، ومجلي بن نجا المخزومي (ت 1112م) والقاضي الريحاني، وشيخ المدرسة الحنفية، وعلي بن محمد بن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني (ت 1113م) وعطاء المقدسي، فقيه الشافعية، ومحمد بن علي بن ميمون النرسي الحافظ الكوفي (ت 1116م) ومحمد بن عيسى المقدسي العثماني المعروف بالديباجي (ت 1135م) ومحمد بن الوليد بن محمد خلف الطرطوشي الفهري الأندلسي (ت1126م) من علماء خراسان نذكر الزوزني والصاغاني والزنجاني والكازروني(19).


في النهاية لا بد من الإشارة إلى أن النشاط العلمي في مدينة القدس في تلك الفترة الحرجة من تاريخها عشية احتلالها من قبل الصليبيين لم يقتصر على المدرستين المذكورتين، إنما كان المسجد الأقصى يلعب دوراً عظيم الأهمية في هذا المجال، فقد ذكر ابن العربي أنه كان يعقد به ثماني عشرة حلقة تدريس كل يوم(20).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اقتباس

الهوامش والمصادر:

1- القرآن الكريم : سورة الزمر 39:9 وسورة المجادلة 58:11، Hisham Nashabi, Educational instiutions, in the book The Islamic City, edited by R B Sergeant, published by the U united Nations Educational, Scientific and Cultural Organization,(1980,pp.66-89),76 

2- محمد أسعد طلس: التربية والتعليم في الإسلام، بيروت: دار العلم للملايين، 1957، The encyclopaedia of Islam, new edition, leiden: E.J. Brill, -18، 17Kuttab, vol,5,pp,567-569.

3-أحمد شلبي: تاريخ التربية الإسلامية. ترجم عن الإنكليزية بواسطة المؤلف. بيروت: دار الكشاف، 1954 ، 89-95.

4-The Encyclopaedia of Islam, new edition: E. J. Brill, Dar al- Hikma, vol. 2,pp.126-127.

5- يوسف العش: دور الكتب العربية العامة وشبه العامة لبلاد العراق والشام ومصر في العصر الوسيط. ترجمة نزار إباضة ومحمد صباغ. بيروت: دار الفكر المعاصر، 1991 ، 104-108.

6- عارف العارف: المفصل في تاريخ القدس: مطبعة المعارف، ط3، 1992، 137.

7-    محسن يوسف: (( مقدمة في تاريخ التعليم في فلسطين منذ الفتح الإسلامي حتى الاحتلال البريطاني)) 21-22 ( التعليم الفلسطيني تاريخياً، واقعاً وضرورات المستقبل. تحرير إبراهيم أبو لغد وحماد حسين. بير زيت ،1997، ص13-44)، طلس 122-127.

8-  العش 194-195.

9-  المصدر السابق 201.

10- يوسف 26-29، شلبي 349-351و 360-365، 88-84 Nashabi.

11- كامل جميل العسلي: بيت المقدس في كتب الرحلات عند العرب والمسلمين. عمان: 1992، 169، المعارف 142.

12-ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق. بيروت: مطبعة الآباء اليسوعيين، 1908، 88-99، 135، ابن الأثير: الكامل في التاريخ. بيروت: دار صادر ودار بيروت، 1966، 10/68، 99،282-283، العارف 142-144.

13- العش 194-195.

14- العسلي 53-169.

15- المصدر السابق 50-51.

16- المصدر السابق 170.

17- المصدر السابق 169-171.

18- المصدر السابق 171-172.

19- محسن يوسف  (الخارطة الدينية لسكان فلسطين عشية الاحتلال الصليبي) 40 (آفاق فلسطينية: مجلة أبحاث جامعة بير زيت 7(1993)24-47)، م. جيل: فلسطين خلال الفترة الإسلامية الأولى 634-1099(بالعبرية). تل أبيب: 1983، 347-353، العسلي 52-53، 169-170.

20- العسلي 53.

المصدر : مؤسسة القدس الثقافية


منتدى التاريخ


--------------------
user posted image
Go to the top of the page
 
+Quote Post

Reply to this topicStart new topic
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



RSS نسخة خفيفة الوقت الآن: 21st August 2014 - 10:13 AM