IPB

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )





 
Reply to this topicStart new topic
> من مقامات طريد الزمان الطبراني
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 29 2008, 03:14 PM
مشاركة #1


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



من مقامات طريد الزمان الطبراني

تاريخ النشر: 21/09/2008 - 12:19 م


د. يوسف حطيني

المقامة الأولى: عطا الزير لا يأكل لحم الخنزير

كنّا في إحدى ليالي رمضان، في مجلس طريد الزمان، فوجدناه مغتماً في غاية الكآبة، إذ راح ينظر إلينا نظرة مرتابة، ثم انتفض بنا فجأة وسأل في صوت يشبه الهدير:

هل تأكلون لحم الخنزير؟

قلنا: أعوذ بالله.. الخنزير لا يغارْ، إذا نزا على خنزيرته جحش أو حمار، ولحمه يخفض منسوب الشهامة في دماء الناس، ويقتل فيهم المروءة والإحساس، ويتغلغل في الدم والدرق والبنكرياس، فكيف نكون له آكلين؟

قال: ما أظنكم إلا فاعلين.

قلنا، وقد ركبنا شيطان القلق، وسارت في دمائنا حمى النزق: كيف؟

قال طريد الزمان:

كنّا قبل ثلاث ليالٍ نحثُّ عجلاتِ المرسيدس نحو أحد الخانات الحديثة في المدينة حيث دُعينا لتناول طعام الإفطار، تلك السيارة التي ورثها صديقنا أبو الجماجم عن أبيه المغوار، الذي حصل عليها من بيت مال الثوّار، فقد تدرّج أبوه في الكراسي، حتى صار عضواً في المكتب السياسي، ولأن صاحبنا لم يكن يحفظ دعاء السّفَرْ، فقد أوجست من الخيفة والحذرْ، ورحت أتعوذ وأحوقل، وأصلعمُ وأبسمل، منذ انطلقنا حتى وصلنا المكان، بعد ساعة من الزمان ، فإذا بنا وقد ابرنقشت الأرض واخضرّت، وإذا بنا أمام مرجٍ أريض، طويل عريض، أقيم عليه صَرْحٌ يتحدّى الآباد، وعلى أبوابه حرّاس أكثر أناقة من الرواد.

وإذ دخلناه ضعنا في مداخله، وأخذتنا دروب ودروب، حتى دخل علينا وقت الغروب، فدخلنا قاعة كبيرة، طاولاتها كثيرة، فأدركتُ أنّا وصلنا إلى الطعام، ولم نجد الفرصة لنسلّم على معارفنا من الأنام، فأسرع أبو الجماجم وتناول ثلاث تمرات عن المائدة، وحشاها في فمه دفعة واحدة، وحين مددت يدي لأفعل فعلته ذّكرني أن عليّ أن أُوْتِرَ.. وهكذا فعلت، ثم غبّ وغببتُ، وكرع من الماء المعبّأ في زجاجات نظيفة، وكرعتُ. نظرتُ إلى الطاولات فوجدتها شبه خالية، فاستفزّتني معدتي الخاوية، وقلت لأبي الجماجم: لعلنا مدعوون إلى أكل التمر وشرب الماء، فسخر منّي وقال بلهجة خبير الخبراء: ألم ترَ من قبلُ مائدة مفتوحة.. ضحكت ضحكة مجروحة، فاقداً اتزاني وهدوئي، حتى كدت أستلقي على قفاي لولا خشيتي من أن ينتقض وضوئي ، وقلت: الحمد لله على نعمه السائدة.. لقد أصبح كل شيء مفتوحاً حتى المائدة..

عبس أبو الجماجم في وجهي ثم سار، فسرت وراءه كالمسرنم، أقلّده في كل شيء: عبّأت صحوني من الأصناف ذاتها، وزلحتُ الطعام فوجدتهُ لذيذاً، فأكلت، حتى حمدت الله، وقد لاحظت على المائدة رجلاً يعذف من الطعام والشراب الشيء اليسير، وإذ سألت عنه أبا الجماجم قال في شبه خُيلاء: إنه والد أحد الشهداء، وقد دعوناه إكراماً لابنه الشهيد، أنت تعرفنا يا طريد الزمان، فنحن لا نهمل الذين ضحوا بالمال والبنين، من أجل فلسطين، قلت: وهل هناك غيره في هذه الوليمة، قال: في كلّ وليمة ندعو والد أحد الشهداء، يأتي ليفثأ بزجاجة كولا مشاعره الحرّى، وهكذا دواليك حتى يأتي دوره مرة أخرى، قلت: إذاً سيأتي دور هذا المسكين ثانيةً بعد نحو عشرة آلاف وليمة، ثم قلت له: يا أبا الجماجم، وماذا عن أمهات الشهداء، ومن سيدعوهنّ إلى الولائم؟ قال بسيطة، تتكفّل بهنّ أم الجماجم..

وبينما كنّا نأكل وجَّه أبو الجماجم خطاباً إلى والد الشهيد:

كُلْ يا أخي.. كُلْ واشرب هنيئاً مريئاً، فإنّ مال الثورة للثوار.. ثمَّ صبّ له أبو الجماجم، بتواضع القائد المغوار، كأساً من زجاجة الماء، ولكن الرجل رفض أن يكون لها شاربا، وحين أصرّ انصرف الرجلُ إلى مائدة أخرى، فقال أبو الجماجم غاضبا:

"بروليتارية قذرة"!!

قال لي أبو الجماجم: ما رأيك أن تقوم معي لتأخذ بعض الحلوى.

قلت: يا أبا الجماجم "إذا الأكل مُو إلَك بطنك مُو إلَك(1) ؟؟"

فحدجني بنظرة قاسية حَدْجَا، ثم انطلق نحو الحلوى وهو يغني محتَجّا :"طالع لك يا عدوّي طالع.. من كل بيت وحارة وشارع".

ثمّ قمنا بعد ذلك إلى صلاة المغرب، وحين انتهينا حلف بالله أغلظ الأيمان أنه لم يفطر قبل أن يصلي المغرب في رمضان، منذ انطلقت الثورة قبل أربعين عاماً.

قال طريد الزمان:

وحين لمحتُ والد الشهيد في إحدى زوايا الدَّجمة اقتربت منه وسألته:

لماذا لم تشرب من ماء الزجاجة؟

قال: قصة فيها لجاجة.

قلت: اروها الآن.

قال: لا بأس، ولكن.. أريد أن يسمعها أبو الجماجم.

ثم إني ذهبت من فوري إلى أبي الجماجم، فشرحت له الأمر، ورجوته أن يستقبلنا في بيته الفسيح، لنسمع حكاية زجاجة الماء التي أصابتني من الشوق إلى سماعها التباريحْ، فقال: إذاً نسمعها بعد صلاة التراويح.. وهكذا كان.

قال والد الشهيد، وهو يجلس عند العتبة: حكايتي مقتضبة، فقد سمعتُ أنّ تناول لحم الخنزير يُذهب المروءة، وأنّ الخنزير لا يغارْ، إذا نزا على خنزيرته جحش أو حمار، وسمعتُ أن الجيل السابق قد نفد بجلده من أكله، وأن عطا الزير لم يتناول منه في حياته.

قلتُ: عطا الزير(2) فقط..

قال: عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي والقسّام وأحمد ياسين وغيرهم كثير، ولكن الذين أكلوا منه كثيرون أيضاً.

قال أبو الجماجم: وهل تصدّق أنّ كثيراً منّا أكل لحم الخنزير؟

قال والد الشهيد: نعم أصدّق.. فليس هذا على أمثالنا بكثير.

انتفض أبو الجماجم كما لم ينتفض يوم مذبحة جنين، قائلاً: "كلام عَدُوّين"، ثم أضاف، بعد أن وضع يده على خاصرته، واتّكأ على جاعرته: عليك أن تأتي بالبرهان، أم أنك تتهمنا استناداً إلى الزور والبهتان، بعد أن حارَشْنا الأعداء ردحاً من الزمان؟

قال والد الشهيد: العِرض عندي لا يتجزَّأ.. فالأرض صنو العرض، ومن تجرّأ على بيع الوطن، وقبض الثمن، ونسي الألم، ووقّع وبَصَم، ومن رأى فلسطين تباع في سوق النخاسة، ففضّل ألا يتدخّل في السياسة، يساوي عندي خنزيراً لا يغار، إذا نزا على خنزيرته جحش أو حمار

قلنا، وقد ألهب عروقنا هذا الكلام : هل تضعنا جميعاً في قفص الاتهام؟

قال: لا، ولكن الأعداء صاروا يضعون لحم الخنزير في كلّ شيء.. في الكولا، وفي سائر الخلطات، حتى إنهم يحلّون مسحوقه في الماء المعلّب في زجاجات.

قال أبو الجماجم، وقد خلع ثوب الأديب: ماذا تقصد يا قليل التهذيب؟

قال: الكلّ مصاب، من الشباب والشُّياب، عدا أولئك الفقراء، الذين لا يستطيعون شراء الوجبات السريعة وعلب الكولا وزجاجات الماء..

قال أبو الجماجم: وأنا؟

قال والد الشهيد بهدوء: وأنت.

أرغى أبو الجماجم وأزبد، وغلظ طبعُه، واربدّ وجهه، وملأ الجو بالصراخ والطنان، وطردنا جميعاً خارج المكان..

وإذ ذاك لحقْتُ والد الشهيد، وقلت له وقد أصابني الذهول: أصدّقك في كل ما تقول، ولكنّي شربتُ الكثير من الزجاجات، وأكلت المتنوّع من الخلطات، فكيف أنجو من هذا البلاء، وأنت أدرى بالبئر والغطاء؟

قال: تستحمّ في بحيرة طبرية.

قلتُ: هذه صعبة عليّ.

قال: ففي بحر حيفا.

قلت: هذه أصعب.

قال: ففي بحر غزّة، وذلك أضعف الإيمان.

قلت: هذه سهلة، إلا إذا حوّله الجيش الإسرائيلي بحراً من الدماء، كما فعل يومَ قتل على الشاطئ أباً وسبعة أبناء.

قال طريد الزمان:

والآن بعد أن سمعتم الحكاية، وفهمتم الغاية، ما أنتم فاعلون؟

وعندها لم ينطق أيٌّ منّا بكلمة أو حرف، وحطّ علينا طائر الفزع والخوف، وصرنا من أمرنا في حَيص بَيص، ولم ندر ما نفعله في الليالي الدجوجية القادمة، بعد أن أدركتنا الحَيْرة: أنشرب من ماء الزجاجاتِ، أم من ماء البحيرة؟

أما طريد الزمان فقد ودّعنا إلى الباب، توديعَ الأحباب، قائلاً بلهجة حرّى: تعالوا غداً حتى أسمعكم مقامة أخرى. قلنا: وما عنوانها، قال: "العمّ حمزة يتبرّع للمحاصرين في غزّة".

20/9/2008


(1) في النص كلمات مأخوذة من اللهجة الفلسطينية، وهي لا تخفى على القارئ.

(2)عطا الزير، ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي: ثلاثة شهداء أعدمتهم سلطات الانتداب البريطاني شنقاً، في يوم الثلاثاء 17/ 6/ 1930، وقد تسابقوا على الفوز بالشهادة، مثلما يتسابق غيرهم على الحياة، وخلّدهم الشاعر إبراهيم طوقان في قصيدة بعنوان "الثلاثاء الحمراء".


--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post
أسامة الكباريتي
المشاركة Sep 30 2008, 06:04 AM
مشاركة #2


ابن يافا
*****

المجموعة: Admin
المشاركات: 15,427
التسجيل: 12-January 02
رقم العضوية: 5



من مقامات طريد الزمان الطبراني (2)

[/size]



تاريخ النشر: 27/09/2008 - 12:31 م





د. يوسف حطيني

المقامة الثانية : العم حمزة يتبرّع للمحاصرين في غزّة



حدّثنا طريد الزمان الطبراني قال:

كنت في أحد شوارع المخيّم، قرب سوق الخضار، عندما انتبهتُ إلى أنّ الظلام قد خيّم، وطارت بَرَكةُ النهار، وإذا نفرٌ من أصحابي الذين باوكتهم في المؤتمرات زمناً طويلاً، يحثّون نحوي المسير، وكـأنهم مقبلون على شيء خطير، فحكَّ في خاطري فأل سيّئ، فقلتُ بصوت واجل: أجارنا الله من خبر عاجل، قالوا: الأخوة يجتمعون على طاولة الحوار، وأنت مشغول بالبندورة والخيار؟ قلتُ: أوجزوا، فإني مكلّف بمهمة رسمية، من قبل وزارة الداخلية[1]، قالوا: سوّد الله وجهك، ندعوك لغايةٍ سنيّة، فتحدثنا عن شؤونك الأُسْريّة. ثم أضافوا ساخرين: أتذهب معنا في الحال؟ أم أنك ستعود إلى أمّ العيال؟ فاستفزني هذا التحدّي السافر، وقلت: أذهب معكم دون استخذاء، وأضمرت في نفسي الاستعداد لليلةٍ سوداء.

ثم انطلقنا حتى وصلنا المكان المأمول، فوجدنا فيه خلقاً كثيراً، يهرجون ويمرجون، وإذ نظرتُ في المكان نظرة المستريب، طالعني من الأوضاح خليط عجيب، من الشبّان والشيب، ، فثمّة من أكرم اللحى وحفّ الشوارب، وثمة من أكرم الشوارب وحفّ اللحى وثمة من حفّهما معاً، أو أكرمهما معاً، بالإضافة إلى سافرات ومحجبات، نامصات وغير نامصات، يتدرجن من الموجونات اللائي يستترنَ بالبراقع، إلى المرتئدات اللائي يتبرعن بأنوثتهنَّ لعيون الجائع، وثمة صراخ وصفير، وحمحمة وزئير، لذا فقد تجرثمت في مكاني، ولم أغادره، ونذرت للرحمن الصيام، لأنّ الاستماع في مثل هذه الأحوال أقرب للتقوى من الكلام.

وقف الخطيب بن لسان، مفتتحاً جلسة الحوار، ببيت من أجمل الأشعار، فقال:

وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ***يظنّان كلَّ الظنّ ألا تلاقيا [2]

قال رجلٌ نظيف الوجه واللسان، وقد زعبَلَ، وامتدّ كرشه في غير اتزان: على الجميع أن يعودوا إلى حدود ما قبل حرب حزيران.

بيني وبينكم ظننتُ الرجل يتحدث عن حرب سبعة وستين، غير أن ذلك لم يكن صحيحاً، إذ أشار إلى عام 2007، يوم آلت الأمور في غزّة إلى حماس، بعد أن تَفرّثَتْ شَرِطَةُ عَبّاس.

قال آخر باستخفاف:

ومن هو عباس؟

فعلا الهياجُ والوعواع، وكَثُر الويعُ والواع، لولا أن اقتحم رجلٌ مرقّع الثياب، أَوذَمَ على الستين، جموعَ المحتشدين، وهو يحمل صينية اصطفت عليها كؤوس الشاي، فاكتسى وجه الجميع بالحبور، وزال التوتر والنفور، وأقبلوا على الشاي يكرعون، فقلت في نفسي: لعلّ هذا النوع من الأشربات، يقوم بجمع الشتات، ويمهّد الأرضية، لتحقيق الوحدة الوطنية، وتذكّرت قول حسّان:

إذا ما الأشربات ذكرن يوماً *** فهنَّ لطيّبِ الشاي الفداءُ[3]

قال الرجل الذي أكرم شاربيه بصوت مرتفع: شكراً لك يا عم حمزة..

ثم أضاف ساخراً: لعلك تريد أن تشاركنا الحديث.

لا.

وماذا فعلت بالليرات الخمسين، التي أعطاك إياها أبو الأمين؟

تبرّعت بها لأهل غزة.

بهذه السرعة؟

تبرعتُ بها حالما رأيت لجنة تجمع التبرعات.

وهل لديك كثير من الخمسينات؟ أنا أعرف أنك مثقل بالديون الوالثة، وهذا التهوّر قد يقودك إلى كارثة.

إنهم يدافعون عني وعنك.

وقف الخطيب بن لسان قائلاً:

هنيئاً مريئاً غيرَ داءٍ مُخَامِرٍ *** لِغَزّةَ مِن أرواحِنا ما استحلّتِ [4]

قال الرجل النظيف:

ألا تخشى ألا يصل تبرعك إلى أهل غزة، أنت لا تعرف يا عم حمزة، أنّ هذه التبرعات قد يصادرها الأعداء، وأن جهدك قد يضيع في الهواء.. ثمّ ماذا سيفعل الغزّاويون يا مسكين، بليراتك الخمسين، وهل ستكفي للغذاء والدواء والبنزين؟

أقوم بواجبي، ولا يهمني فعلُ الآخرين.

سألت المرأة ذات منديل مزركش بصوت ممطوط:

ولماذا لا تقدّم تبرعاتك إلى المسؤولين، يحملونها معهم إلى المحتاجين.

انتفض رجل من الجالسين قائلاً:

تصادرها شرطة عبّاس؟

قال آخر:

رحم الله شرطة عباس، فقد آلت الأمور إلى حماس.

قال الرجل مرة أخرى باستخفاف، ومن هو عباس؟ وشَرِطَةُ عباس؟

تدخّل الخطيب بن لسان قائلاً:

ألا تعرف عباس.. عباس بن فرناس، هو ذلك القائد الدرباس، الذي أراد أن يطير من رام الله إلى القدس بنصف جناح.. فِعْلةَ من يسعى إلى الهيجا بغير سلاح.

قال العمّ حمزة قبل أن يخرج: اشربوا الشاي بسرعة، ولا تغبجوه غبجاً، فالعشاء الذي طلبتموه سيصل سريعاً.

قال الرجل الذي أكرم شاربيه: العمّ حمزة نموذج حيٌّ للبروليتاريا الرثة.

وضعت السيدات أصابعهن فوق أنوفهنّ حتى لا تزكمهن رائحة الكلمات، غير أنه أضاف:

لعلكم لا تعرفون أن العمّ حمزة ما زال يحتفظ بمفاتيح بيته في فلسطين، وأنّ "الكوشان" الذي يثبت ملكية البيت والحاكورة ما زال معه في حرزٍ مكين.

قالت إحدى الحاضرات: يأتي زمان على أمتي يصبح فيه القابض على المفتاح والكوشان، كالقابض على جمرة من النيران.

قال الرجل النظيف:

إذا كان من أهالي الـ48 فأنصحه أن يَخْلُدَ إلى الجَّمامة، وأن يلقي المفتاح والكوشان في القُّمامة.

أجاب الرجل الذي أكرم شاربيه ولحيته: لن يلقي المفتاح، لأن حدود فلسطين تمتدّ من النهر إلى البحر.

قلتُ في نفسي: حدود فلسطين تمتدّ من الجرح إلى السكّين، غير أني خفتُ أن أتدخّل بالحديث، فأزيد الطين بلّة، لأن الرجل النظيف كاد يخرج عن طوره، لدرجة أنه لو وجد حَصْباء على طاولته لحاصَبَ المتحاورين.

همس صديق في أذني قائلاً:

أفكّر في أن أحتاص للأمر، حتى لا تضيع القضية.

قلتُ: كيف؟

قال: أنشقّ مع مجموعة من الرفاق، ثمّ أطالب بالوحدة الوطنية..

بعد أن أُفرغت كؤوس الشاي ارتفعت الأصوات من جديد، بالاتهام والقذف والتنديد، ولم نتفق إلا على بند واحد هو مقاطعة البضائع الأمريكية، وكان ذلك الاتفاق قد تمّ في اللحظة التي وصلت فيها وجبات فاخرة من مطاعم ماكدونالدز، فقررنا أن نأكل الطعام اللذيذ، قبل أن يدخل قرار المقاطعة حيّز التنفيذ.

ثم إنّ الخطيب بن لسان بادر بعد انتهاء الطعام إلى القول:

ولا تجعل الشورى عليك غضاضةً *** فإنّ الخوافي قـوةٌ للقـوادمِ

وقد فاجأني أن قوله لاقى تصفيقاً واستحساناً من الجميع، ثمّ بدا لي أنّ الجوّ سيصفو بين الإخوة والرفاق، فحمدت الله على نعمة الاتفاق، إلا أنني اكتشفت بسرعة البرق أن الصفاء كان برقاً خلّباً، فجئزت بكأس الماء حتى شارفتُ على الاختناق، لأنّ خلافاً جديداً قد نشب على تحديد أهمية الخوافي والقوادم، لكي يستطيع عبّاسنا أن يطير، في درب الاستقلال والتحرير. فالجميع في هذا المجلس من القوادم، وليس ثمة أية خافية، اللهمّ إلا العم حمزة، لذلك سار الحوار من جديد إلى الهاوية، ولم يفلح الشاي هذه المرة في تصفية الأجواء مرة ثانية.



واشتدّ الهياجُ والصياح، حتى طلع الصباح، وسكت المتحاورون عن الكلام المباح، ما عدا العم حمزة الذي قال لنا: تصبحون على وطن من سحابٍ ومن شجر، ثمّ ودّعنا ملوحاً بمفتاحه وكوشانه وابتسامته الرائقة، وانطلق خارج سجن المكان بخطوته الواثقة.

ثمّ إنّ طريد الزمان الطبراني قام ليودعنا توديع الأحباب، فسألناه عن تتمة الحكاية، فقال: كانت زوجتي تنتظرني بالمكنسة وراء الباب، ثم أضاف بلهجة حرّى: تعالوا غداً حتى أسمعكم مقامة أخرى. قلنا: وما عنوانها، قال: "اقتراحات زرياب لتجفيف منابع الإرهاب"




25/9/2008




ــــــــــــــــــــ

[1] الزوجة، لدى بعض الأقوام.

[2] البيت لمجنون ليلى، عسى أن يفهم العقلاء.

[3] في الأصل: فهن لطيّب الراح الفداءُ

[4] البيت في الأساس لكثير في حبيبته عزّة، وشطره الثاني هو: لعزّة من أعراضنا ما استحلّتِ. [size="3"]





--------------------
الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد




حسبنا الله ونعم الوكيل

Go to the top of the page
 
+Quote Post

Reply to this topicStart new topic
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



RSS نسخة خفيفة الوقت الآن: 23rd October 2014 - 03:03 PM