IPB

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )





 
Reply to this topicStart new topic
> بدايات القصيدة الغنائية وفرسانها في العصر الحديث
الهيثم
المشاركة Jun 17 2004, 12:10 PM
مشاركة #1


عضو مميز
****

المجموعة: Members
المشاركات: 1,899
التسجيل: 24-September 02
البلد: سوهاج
رقم العضوية: 260



سلسلة من المقالات.. وجدتها مهمة للاطلاع من مجلة العربي...
أبدأ بهذا المقال والذي سيليه مقالين آخرين مكملين..


من التواشيح الدينية إلى التعبير الدرامي في العصور العربية الذهبية، ظلت القصيدة الفصحى العمود الفقري لفنون الغناء والموسيقى.


إن نظرة شاملة سريعة إلى المسار التاريخي لتطور الموسيقى العربية المتقنة (أي الموسيقى التي أبدعها فنانون محترفون) تكشف لنا عن ثنائيتين متلازمتين حكمتا هذا المسار حتى العصور الحديثة:


الثنائية الأولى : تلازم الموسيقى والغناء. فالنتاج الرئيسي لتأليف الموسيقى الجادة المتقنة في الحضارة العربية كان (فيما عدا استثناءات قليلة في القرنين الاخيرين) يعبر عن نفسه بالتلحين للصوت البشري, جماعيا كان أم فرديا, بحيث إن تاريخ الموسيقى العربية هو نفسه تاريخ الغناء العربي.


الثنائية الثانية : تلازم الغناء العربي بالقصيدة الفصحى.

ومع أن الحدود بين العامية الحجازية ولغة العرب الفصحى, كانت متداخلة (بل ربما منعدمة) في صدر الإسلام. فإن القصيدة الفصحى بقي لها مركز الصدارة في الغناء العربي المتقن, برغم ظهور اللهجات المحلية المحكية, التي اقتصرت على الغناء الشعبي المصنف (فولكلور) في التعبير الأوربي. ومع أن الموشح قد عاد في العصر الأندلسي إلى تضييق الهوة بين الفصحى والعامية, باستنباطه لونا لغويا ـ غنائيا يبسط الفصحى ويتلاعب بها في مزيج غريب بينها وبين اللهجات المحكية, فقد بقيت القصيدة الفصحى, حتى في عز ازدهار فن الموشح, في مركز الصدارة في الغناء العربي المتقن. حتى أن عددا لا بأس به مما وصلنا من الموشحات القديمة, وما تم تلحينه من الموشحات في القرنين الأخيرين, فيما بين حلب والقاهرة, وألوان المالوف السائدة في بلاد المغرب العربي, كامتداد لفنون الموسيقى والغناء الأندلسيين, أن هذا التراث من الموشحات ظل يعتمد إلى حد كبير على القصيدة العربية الفصحى.


يكفينا اختصارا للبعد التاريخي لهذا الموضوع, وتركيزا له, أن نلقي نظرة على كتاب الأغاني, لأبي الفرج الأصفهاني, حتى نتأكد من أن القصيدة الفصحى كانت العمود الفقري لفنون الغناء والموسيقى في العصور العربية الذهبية.

حفظ اللغة

أما عصور الانحطاط التي فصلت فيما بين العصور الذهبية للحضارة العربية والقرنين الأخيرين, فلم يكن الشعر العربي وحده هو الذي يتدهور, بل إن التدهور لحق كل نشاط عربي حضاري, وعلى رأس ذلك فنون الموسيقى والغناء (وفقا لنظرية ابن خلدون الشهيرة) ولكن من الثابت أن الفراغ لم يكن كاملا في تلك العصور, خاصة في المجالات التي تهمنا في هذا المقال. فكما حفظ لنا القرآن الكريم لغتنا العربية في فلك أشبه بفلك نوح, ظل عائما على أمواج بحور الانحطاط, حتى أوصلها إلينا بكامل رونقها وبهائها في العصر الحديث, فإن تجويد القرآن الكريم, والتواشيح والأناشيد الدينية, قد حفظت لنا الكثير من ثروة المقامات العربية والإيقاعات العربية جسرا بين العصور الذهبية والعصر الحديث, مرورا فوق عصور الانحطاط.


لكن هذه الأسباب التي استعرضناها بلمحة خاطفة, لم يكن غريبا أن نتعود القصيدة الفصحى إلى مركز الصدارة, عندما عادت روح النهضة تدب في الإقليم العربي الأوسط: مصر, في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولاشك بأن القصيدة الغنائية كان لها, من بين فرسانها الكثر في القرن التاسع عشر, فارسان مجليان هما عبده الحامولي في وصلات الطرب الغنائي, وسلامة حجازي في مسرحياته الغنائية.


ومع أن القصيدة في مسرح سلامة حجازي, لم تكن تحمل الدراما المسرحية بكامل عناصرها, بل كانت أشبه بتوقف عن الحركة المسرحية, يلقي فيه الممثل ـ المغني مناجاة نفسية غنائية, بعيدا عن أي حركة مسرحية, فإن موقع هذه القصيدة داخل الإطار المسرحي, قد أوجد اختلافا واضحا بين القصيدة الغنائية لعبده الحامولي, وقصيدة سلامة حجازي الغنائية.

احتراف الطرب

لقد نهل عبده الحامولي وسلامة حجازي من ينبوع واحد هو تجويد القرآن الكريم وإنشاد التسابيح والابتهالات الدينية. سلامة حجازي بدأ حياته شيخا في الإسكندرية, ولم يتخذ قراره بالانتقال إلى احتراف الغناء, إلا بعد تردد طويل معروف. أما عبده الحامولي, فمع أن قراره الأساسي كان احتراف الغناء, منذ بداية تتلمذه على يدي المعلم شعبان, فقد كان يقضي شهر رمضان المبارك في كل سنة, في إلقاء الأذان والتسابيح الدينية من على مئذنة جامع سيدنا الحسين الشهير في القاهرة. وللشاعر خليل مطران مقالة رائعة في وصف إحدى ليالي رمضان, التي أحياها عبده الحامولي في جامع سيدنا الحسين, في نهاية القرن التاسع عشر, منافسا أشهر مشايخ القاهرة, الذين كانوا يحيون ليالي رمضان في جامع السيدة زينب.


ولكن وحدة الجذور والينابيع بين عبده الحامولي وسلامة حجازي, لم تمنع التنوع البين بين أسلوبيهما في تلحين وأداء القصيدة الغنائية بعد ذلك. فقد انعطف سلامة حجازي إلى تلبية حاجات التعبير المسرحي, (ولو بصورة بدائية) وكان في ذلك بادي التأثر (إضافة إلى ينابيعه الأولى المذكورة أعلاه) بأساليب الأداء المسرحي في فن الأوبرا الأوربي, الذي كان الشيخ سلامة يطلع على نماذجه حية على مسرح دار الأوبرا بالقاهرة. وقد سجل المؤرخون رحلة واحدة على الأقل قام بها الشيخ سلامة حجازي لإيطاليا, حيث أثار إعجابا صارخا لدى العاملين بفن الأوبرا هناك.


ورغم وفاة عبده الحامولي في مطلع القرن العشرين (1901), فإن تراثه (بما في ذلك القصائد الغنائية) قدر له التوسع في الانتشار, وذلك بسبب ظهور الأسطوانة في مصر بين 1903 و1904, وانصرف كبار المطربين أمثال يوسف المنيلاوي وعبدالحي حلمي وسواهما إلى تسجيل تراث القرن التاسع عشر على أسطوانات, بما في ذلك طبعا تراث عبده الحامولي.

مدرسة جديدة

أما سلامة حجازي, فقد قدر له أن يعيش حتى العام 1917, حيث استمر في تقديم المسرحيات الغنائية الحية, على مسرحه الذي شهد الولادة الفنية لخليفته الشيخ سيد درويش.


ولكن.. وبما أن هذا المقال لا يؤرخ لكل ألوان الغناء العربي المعاصر, بل يقتصر على فن القصيدة الغنائية, فإن ما يجدر بنا تسجيله عند هذا المنعطف, أن الشيخ سيد درويش الذي طبع بداية القرن العشرين بطابعه الخاص, حتى يمكن اعتباره, عن حق وبكل دقة ومن غير مبالغة, مؤسس مدرسة القرن العشرين في الموسيقى العربية, فإنه أطلق العنان لثورته الفنية في كل أشكال الموسيقى والغناء العربيين (الدور, الموشح, الطقطوقة, وخاصة الغناء المسرحي) ما عدا فن القصيدة الغنائية, الذي لم يبذل فيه سيد درويش أي جهد, بالرغم من تأثره الواضح بأستاذه سلامة حجازي, أحد فرسان القصيدة الغنائية العربية, في تلك المرحلة المخضرمة بين القرنين التاسع عشر والعشرين.

القصيدة الغنائية

كأن القدر كان يهييء الشيخ أبو العلا محمد, ليقوم بسد الثغرة الكبيرة التي تركها سيد درويش في مهمته التحديثية الكبرى, حين أطلق لعبقريته ولروحه الوثابة العنان في كل مجالات الموسيقى والغناء العربيين, ما عدا مجال القصيدة الغنائية.


ولم يكن تصدي الشيخ أبو العلا محمد لأداء هذا الدور منطلقا من فراغ, فهو إلى جانب اتصاله العمبق بأساليب تجويد القرآن الكريم والابتهالات والتواشيح الدينية, فقد كان يعمل (مذهبجيا) في فرقة عبده الحامولي, أي أنه كان (بلغة العصر الحديث) عضوا في الكورس الذي ينشد وراء كبير مطربي القرن التاسع عشر.


ويبدو أن الشخصية الوقورة للشيخ أبو العلا, هي التي دفعته إلى أن يحصر اهتمامه الفني بالقصيدة الغنائية, دون سائر ألوان التراث الهائل للغناء العربي في القرن التاسع عشر, وقد كان ذلك من حسن حظ تطور الموسيقى العربية. فخدمات أبو العلا محمد في هذا الحقل, إذا نظرنا إليها الآن في الإطار العام لتراث القرن العشرين, تؤهل هذا الشيخ المغني إلى أن يحتل موقع مؤسس فن القصيدة الغنائية العربية في القرن العشرين, وذلك عبر أداء عدة مهمات تأسيسية:


1ـ قام الشيخ أبو العلا محمد بالإفادة من ظهور عصر التسجيل على أسطوانات, ليسجل بعض أهم قصائد عبده الحامولي بصوته, فيحفظها من الاندثار. وأهم هذه القصائد قصيدة (أراك عصي الدمع) للشاعر أبي فراس الحمداني, مما دفع عددا كبيرا من مطربي مطلع القرن العشرين إلى تسجيل هذه القصائد بأصواتهم, حتى أن أشهر هذه القصائد (أراك عصي الدمع) لها أكثر من عشرة تسجيلات مختلفة بأصوات أكثر من عشرة مطربين ومطربات.


2ـ انصرف الشيخ أبو العلا محمد إلى تلحين عدد كبير من القصائد, على النمط التقليدي المتجدد الذي أطلقه عبده الحامولي. ويكفي للدلالة على التواصل الدقيق بين قصائد الحامولي وأبو العلا محمد, وقدرة التلميذ على مجاراة أستاذه في الأسلوب كما في المستوى, المقارنة بين لحن الحامولي لقصيدة (أراك عصي الدمع) ولحن أبو العلا محمد لقصيدة (وحقك أنت المنى والطلب), فكأنهما لملحن واحد.


3ـ ولعل أجل الخدمات التي أداها الشيخ أبو العلا محمد لفن القصيدة الغنائية, هو جهده الخاص في اكتشاف أم كلثوم وتربيتها فنيا, في مراحلها الأولى.


فقد كان الشيخ أبو العلا واحدا من اثنين كان لهما الفضل في الاكتشاف المبكر لموهبة أم كلثوم , وإقناع والدها بالانتقال بها من الريف إلى القاهرة, وفي تحولها من الإنشاد الديني إلى احتراف الغناء (الثاني هو زكريا أحمد)


بعد ذلك, تولي الشيخ أبو العلا من العام 1923 (عام انتقال أم كلثوم إلى القاهرة), وحتى العام 1927 (عام وفاته), تدريب أم كلثوم على أداء فن القصيدة الغنائية بشكل خاص, فحفظت منه (وسجلت بعد ذلك على إسطوانات) ألحان قصيدتي الحامولي (أراك عصي الدمع) ثم (أكذب نفسي). ثم سجلت من ألحانه مجمعة من القصائد التقليدية (على طريقة الحامولي) أشهرها (وحقك أنت المنى والطلب) و(الصب تفضحه عيونه).


وقد روى لي المؤرخ الراحل محمود كامل كيف أن سيدة الغناء العربي ظلت إلى وقت متقدم من حياتها الفنية تعتقد أن كل قصائدها القديمة (بما فيها أراك عصي الدمع) هي من ألحان أبو العلا محمد, حتى أتيح لمحمود كامل أن يستمع إلى أسطوانة من الطراز القديم (من أواخر القرن التاسع عشر), عليها تسجيل للقصيدة بصوت ملحنها عبده الحامولي. ولما نقل محمود كامل الخبر لأم كلثوم, أكدت له أولا أن الشيخ أبو العلا حفظها اللحن من غير ذكر لاسم الملحن, فاستنتجت هي أنها من ألحانه, ثم عادت فسألته بتشكك وحذر: (ولكن كيف عرفت أن الصوت الذي استمعت إليه هو لعبده الحامولي, ونحن لا نعرف له أي تسجيلات? فرد محمود كامل: تأكدت من الأمر, لأني سمعت صوتا يهتف له وسط التسجيل (يا سي عبده).

خطان متوازيان

وهكذا, فإن المشهد العام لفن القصيدة الغنائية العربية في الربع الأول من القرن العشرين, كان يتألف من خطين متوازيين متكاملين:


1ـ خط القصيدة التقليدية, المؤسسة على أسلوب تجويد القرآن الكريم, وأساليب التواشيح الدينية, مع الاعتماد على إيقاع هاديء يسميه المحترفون إيقاع (الوحدة الكبيرة), مع مراعاة بناء لحن القصيدة الواحدة على مقام أساسي واحد (البياتي أو الهزام أو سواهما), مع السماح بتلوينات مقامية عابرة, ولكن مع التزام صارم بأن تعود قفلة القصيدة إلى مقامها الأساسي في المطلع. ولاشك بأن صاحب الأسم الأبرز والفضل الأكبر, في هذا الخط بالذات هو الشيخ أبو العلا محمد.


2ـ خط القصيدة التقليدية ذات النكهة المسرحية, التي قد تشبه القصيدة التقليدية العادية في كثير من الأحيان, ولكنها تختلف عنها أحيانا باحتواء مقاطع مرسلة (من غير إيقاع), ومحاولة التعبير الدرامي أو الرومانسي بما تفرضه المشاهد المسرحية لهذه القصائد.


ولاشك بأن فارس القصيدة الغنائية العربية المجلي بعد هذين المؤسسين, محمد عبدالوهاب, غرف كثيرا من ينبوعي أبو العلا محمد وسلامة حجازي, قبل أن يفجر ثورته الكبرى في تلحين القصيدة الغنائية العربية الحديثة.


*************
من مجلة العربي
==========


--------------------
لا إله إلا الله محمداً رسول الله
Go to the top of the page
 
+Quote Post

Reply to this topicStart new topic
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



RSS نسخة خفيفة الوقت الآن: 24th October 2014 - 08:01 PM